الأولى : قوله تعالى : " ليبلونكم الله " أي ليختبرنكم ، والابتلاء الاختبار . وكان الصيد أحد معايش العرب العاربة ، وشائعا عند الجميع منهم ، مستعملا جدا ، فابتلاهم الله فيه مع الإحرام والحرم ، كما ابتلى بني إسرائيل في ألا يعتدوا في السبت . وقيل : إنها نزلت عام الحديبية ، أحرم بعض الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحرم بعضهم ، فكان إذا عرض صيد اختلف فيه أحوالهم وأفعالهم ، واشتبهت أحكامه عليهم ، فأنزل الله هذه الآية بيانا لأحكام أحوالهم وأفعالهم ، ومحظورات حجهم وعمرتهم .
الثانية : اختلف العلماء من المخاطب بهذه الآية على قولين : أحدهما : أنهم المحلون ، قاله مالك . الثاني : أنهم المحرمون قاله ابن عباس ، وتعلق بقوله تعالى : " ليبلونكم " فإن تكليف الامتناع الذي يتحقق به الابتلاء هو مع الإحرام . قال ابن العربي : وهذا لا يلزم ، فإن التكليف يتحقق في المحل بما شرط له من أمور الصيد ، وما شرع له من وصفه في كيفية الاصطياد . والصحيح أن الخطاب في الآية لجميع الناس مُحلِهم ومُحرِمهم ؛ لقوله تعالى : " ليبلونكم الله " أي : ليكلفنكم ، والتكليف كله ابتلاء وإن تفاضل في الكثرة والقلة ، وتباين في الضعف والشدة .
الثالثة : قوله تعالى : " بشيء من الصيد " يريد ببعض الصيد ، فمن للتبعيض ، وهو صيد البر خاصة ، ولم يعم الصيد كله لأن للبحر صيدا ، قال الطبري وغيره . وأراد بالصيد المصيد ؛ لقوله : " تناله أيديكم " .
الرابعة : قوله تعالى : " تناله أيديكم ورماحكم " بيان لحكم صغار الصيد وكباره . وقرأ ابن وثاب والنخعي : " يناله " بالياء منقوطة من تحت . قال مجاهد : الأيدي تنال الفراخ والبيض وما لا يستطيع أن يفر ، والرماح تنال كبار الصيد . وقال ابن وهب قال مالك قال الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم " وكل شيء يناله الإنسان بيده أو برمحه أو بشيء من سلاحه فقتله فهو صيد كما قال الله تعالى .
الخامسة : خص الله تعالى الأيدي بالذكر لأنها عظم{[5952]} التصرف في الاصطياد ، وفيها تدخل الجوارح والحبالات ، وما عمل باليد من فخاخ وشباك ، وخص الرماح بالذكر لأنها عظم ما يجرح به الصيد ، وفيها يدخل السهم ونحوه ، وقد مضى القول فيما يصاد به من الجوارح والسهام في أول السورة{[5953]} بما فيه الكفاية والحمد لله .
السادسة : ما وقع في الفخ والحبالة فلربها ، فإن ألجأ الصيد إليها أحد ولولاها لم يتهيأ له أخذه فربها فيه شريكه . وما وقع في الجبح{[5954]} المنصوب في الجبل من ذباب النحل فهو كالحبالة والفخ ، وحمام الأبرجة ترد على أربابها إن استطيع ذلك ، وكذلك نحل الجباح ، وقد روي عن مالك . وقال بعض أصحابه : إنه ليس على من حصل الحمام أو النحل عنده أن يرد . ولو ألجأت الكلاب صيدا فدخل في بيت أحد أو داره فهو للصائد مرسل الكلاب دون صاحب البيت ، ولو دخل في البيت من غير اضطرار الكلاب له فهو لرب البيت .
السابعة : احتج بعض الناس على أن الصيد للآخذ لا للمثير بهذه الآية ؛ لأن المثير لم تنل يده ولا رمحه بعدُ شيئا ، وهو قول أبي حنيفة .
الثامنة : كره مالك صيد أهل الكتاب ولم يحرمه ، لقوله تعالى : " تناله أيديكم ورماحكم " يعني أهل الإيمان ، لقوله تعالى في صدر الآية : " يا أيها الذين آمنوا " فخرج عنهم أهل الكتاب . وخالفه جمهور أهل العلم ، لقوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا " [ المائدة : 94 ] وهو عندهم مثل ذبائحهم . وأجاب علماؤنا بأن الآية إنما تضمنت أكل طعامهم ، والصيد باب آخر فلا يدخل في عموم الطعام ، ولا يتناوله مطلق لفظه .
قلت : هذا بناء على أن الصيد ليس مشروعا عندهم فلا يكون من طعامهم ، فيسقط عنا هذا الإلزام ، فأما إن كان مشروعا عندهم في دينهم فيلزمنا أكله لتناول اللفظ له ، فإنه من طعامهم . والله أعلم .
قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 94 ) يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلٌ ذَلِكَ صِيَاماً لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ } يخاطب الله عباده المؤمنين جميعاً من ذكر وأنثى بقوله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ } جواب لقسم محذوف . ويبلونكم من الابتلاء وهو الاختبار . أي والله ليعاملنكم معاملة المختبر { بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ } من للتبعيض . أي ببعض الصيد . والمراد به مصيد البر . فاللام في الصيد للعهد .
فقد نزلت الآية في عمرة الحديبية حيث ابتلاهم الله تعالى بالصيد وهم محرمون إذ كانت الوحوش والطيور تغشاهم في رحالهم بكثافة وكانوا متمكنين من صيدها بأيديهم وبرماحهم فنهاهم الله عن ذلك ابتلاء . ومن شأن الله جلت قدرته أن يمتحن عباده المؤمنين بوجوه من الابتلاء ليميز القوي الصابر من الضعيف الخائر . أو يمحص الأتقياء الصابرين ويكشف المتخاذلين والمنافقين . أو ليجزي المؤمنين الثابتين مغفرة منه ورضواناً .
قوله : { تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ } الذي تناله الأيدي يراد به فراخ الطير وصغار الوحش . والذي تناله الرماح الكبار من الصيد .
قوله : { لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالغَيْبِ } أي ليتميز من يخاف عقاب الله الأخروي الغائب فيتقي الصيد ، ممن لا يخاف الله فيصيد . ولا ينبغي أن يفهم قوله : { لِيَعْلَمَ اللَّهُ } على ظاهره . فإن الله عالم من الأزل ولا يزال عالماً .
قوله : { فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي من تجاوز حد الله وتعرض للصيد بعد بيان أن هذا التشريع ابتلاء . وقيل : بعد ما بينه الله من التحريم والنهي عن الصيد { فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } المراد عذاب الدارين . فعذاب الآخرة يعلمه الله ويعلم كيفيته ومداه . أما عذاب الدنيا فهو أن يضرب ظهره وبطنه جلداً . وقيل : المراد عذاب الجلد في الدنيا فقط . وهو قول ابن عباس .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.