العنت : المشقة . لأعنتكم : لأوقعكم في مشقة .
وقوله تعالى { في الدنيا والآخرة } معناه : لعلكم تتفكرون فيما يعود عليكم من مصالح الدنيا وخير الآخرة ، فهو مرتبط بما قبله . ويسألونك يا محمد ، بشأن اليتامى وما يوجبه الإسلام حيالهم ، فقل : الخير لكم ولهم في إصلاحهم ، فضموهم إلى بيوتكم ، وخالطوهم بقصد الإصلاح ، فهم إخوانكم . إن اليتيم طفل فقد أباه والعائلَ الذي يرعاه ، فما أحوجه إلى عناية رؤوم تنتشلُه وتجعل له متنفّساً يسرّي به عن نفسه ! وما أحوجه إلى تشريع حكيم ، ووصية من رب رحيم تحفظ عليه نفسه ، وله مالَه ، وتعدّه كي يكون رجلاً عاملا في الحياة .
ولقد كان بعض الأوصياء يخلطون طعام اليتامى بطعامهم ، وأموالهم بأموالهم للتجارة فيها جيمعا ، وكان الغبن يقع أحيانا على اليتامى ، فنزلت الآيات في التخويف من أكل أموال الأيتام . مثل { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ } ، وآية { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى } [ النساء : 9 ] . عندئذ تحرّج الأتقياء حتى عزلوا طعام اليتامى عن طعامهم ، فكان الرجل يكون في حجره اليتيم ، يقدِّم له الطعام من ماله فإذا فضَل شيء منه بقي له حتى يعاود ، أو يفسد فيُطرح . وهذا تشدد ليس من طبيعة الإسلام ، فجاء القرآن هنا ليرد المسلمين إلى الاعتدال واليسر . فالصلاح لليتامى خير من إعزالهم ، والمخالطة لا حرج فيها إذا حققت الخير لليتيم . والله يعلم المفسد من المصلح ، فليس المعوَّل عليه هو ظاهر العمل وشكله ، بل النيَّةُ فيه وثمرته . ولو شاء الله لشقَّ عليكم فألزمكم رعاية اليتامى من غير أن تخالطوهم لكنهم إذ ذاك ينشأون على بغض الجماعة .
ويكون ذلك إفسادا لجماعتكم وإعناتاً لكم . . والله لا يريد إحراج المسلمين ولا المشقة عليهم فيما يكلفهم . وهو عزيز غالب على أمره ، حكيم لا يشرّع إلا ما فيه مصلحتكم .
والحكمة في وصل السؤال عن اليتامى بالسؤال عن الإنفاق ، وبالسؤال عن الخمر والميسر ، أن السؤالين الأولين بيّنا حال طائفتين من الناس في بذلهم وإنفاقهم ، فناسبَ أن يذكر بعدها السؤال عن طائفة هي أحق الناس للإنفاق عليها ، وإصلاح شؤونها ، وهم اليتامى . وكأن الله تعالى يذكّرنا بأنه حين مخالطتهم وإصلاح أمورهم يجب أن تكون النفقة من العفو الزائد على حاجتنا من أموالنا ، ولا ينبغي أن نعكس ذلك ونطمع في أموالهم .
ولما بيّن تعالى هذا البيان الشافي ، وأطلع العباد على أسرار شرعه قال : { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ } أي : الدالات على الحق ، المحصلات للعلم النافع والفرقان ، { لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ } أي : لكي تستعملوا أفكاركم في أسرار شرعه ، وتعرفوا أن أوامره ، فيها مصالح الدنيا والآخرة ، وأيضا لكي تتفكروا في الدنيا وسرعة انقضائها ، فترفضوها وفي الآخرة وبقائها ، وأنها دار الجزاء فتعمروها .
{ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }
لما نزل قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا } شق ذلك على المسلمين ، وعزلوا طعامهم عن طعام اليتامى ، خوفا على أنفسهم من تناولها ، ولو في هذه الحالة التي جرت العادة بالمشاركة فيها ، وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فأخبرهم تعالى أن المقصود ، إصلاح أموال اليتامى ، بحفظها وصيانتها ، والاتجار فيها وأن خلطتهم إياهم في طعام أو غيره جائز على وجه لا يضر باليتامى ، لأنهم إخوانكم ، ومن شأن الأخ مخالطة أخيه ، والمرجع في ذلك إلى النية والعمل ، فمن علم الله من نيته أنه مصلح لليتيم ، وليس له طمع في ماله ، فلو دخل عليه شيء من غير قصد لم يكن عليه بأس ، ومن علم الله من نيته ، أن قصده بالمخالطة ، التوصل إلى أكلها وتناولها ، فذلك الذي حرج وأثم ، و " الوسائل لها أحكام المقاصد "
وفي هذه الآية ، دليل على جواز أنواع المخالطات ، في المآكل والمشارب ، والعقود وغيرها ، وهذه الرخصة ، لطف من الله [ تعالى ] وإحسان ، وتوسعة على المؤمنين ، وإلا ف { لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ } أي : شق عليكم بعدم الرخصة بذلك ، فحرجتم . وشق عليكم وأثمتم ، { إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ } أي : له القوة الكاملة ، والقهر لكل شيء ، ولكنه مع ذلك { حَكِيمٌ } لا يفعل إلا ما هو مقتضى حكمته الكاملة وعنايته التامة ، فعزته لا تنافي حكمته ، فلا يقال : إنه ما شاء فعل ، وافق الحكمة أو خالفها ، بل يقال : إن أفعاله وكذلك أحكامه ، تابعة لحكمته ، فلا يخلق شيئا عبثا ، بل لا بد له من حكمة ، عرفناها ، أم لم نعرفها وكذلك لم يشرع لعباده شيئا مجردا عن الحكمة ، فلا يأمر إلا بما فيه مصلحة خالصة ، أو راجحة ، ولا ينهى إلا عما فيه مفسدة خالصة أو راجحة ، لتمام حكمته ورحمته .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.