لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا} (1)

مقدمة السورة:

قوله جل ذكره : { بسم الله الرحمان الرحيم } .

بسم الله شهود وجوده يوجب لك تلفا في تلف ، ووجود جوده يوجب لك شرفا في شرف ، ففي تلفك يكون( هو ) عنك الخلف ، وفي شرفك تصل إلى كل لطف .

قوله جل ذكره : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا } .

يا أيها المُشَرَّفُ حالاً ، المُفَخَّمُ قَدْراً مِنَّا ، المُعَلَّى رُتْبَةً من قِبَلِنا . . يا أيها المُرَقَّى إلى أعلى الرُّتَبِ بأسنى القُرَبِ . . يا أيها المُخَبِّرُ عنا ، المأمونُ على أسرارنا ، المُبَلِّغُ خطابَنا إلى أحبابنا . . اتقِ الله أن تلاحِظَ غَيراً معنا ، أو تساكِنَ شيئاً من دوننا ، أو تُثْبِتَ أحداً سوانا ، أو تَتَوَهَّمَ شظيةً مِنَ الحدثان من سوانا . { وَلاَ تُطِعِ الْكَافِريِنَ } [ الأحزاب : 1 ] إشفاقاً منك عليهم ، وطمعاً في إيمانهم بنا لو وافَقَتْهم في شيء أرادوه منك .

والتقوى رقيبٌ على قلوب أوليائه يمنعهم في أنفاسهم ، وسَكَناتِهم ، وحَرَكاتهم أن ينظروا إلى غيره -أو يُثْبِتوا معه غيره- إلا منصوباً لقدرته ، مصرَّفاً بمشيئته ، نافذاً فيه حُكْمُ قضيته .

التقوى لجامٌ يكبحك عمَّا لا يجوز ، زمامٌ يقودك إلى ما تحب ، سوطٌ يسوقك إلى ما أُمِرْتَ به ، شاخصٌ يحملك على القيام بحقِّ الله حِرْزٌ يعصمك مَنْ توَصل أعدائك إليك ، عُوذَةٌ تشفيك من داء الخطأ .

التقوى وسيلةٌ إلى ساحات كَرمه ، ذريعةٌ تتوسل بها إلى عقوبة جوده .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا} (1)

مقدمة السورة:

سورة الأحزاب

( أخرج البيهقي في الدلائل وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : نزلت سورة الأحزاب بالمدينة وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله وهي ثلاث وسبعون آية قال الطبرسي بالإجماع وقال الداني هذا متفق عليه وأخرج عبد الرزاق في المصنف والطيالسي وسعيد بن منصور وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند والنسائي والحاكم وصححه والضياء في المختارة وآخرون عن زر بن حبيش قال : قال لي أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه كائن تقرأ سورة الأحزاب أو كائن تعدها قلت : ثلاثا وسبعين آية فقال : أقط لقد رأيتها وإنها لتعادل سورة البقرة ولقد قرأنا فيها الشيخ والشيخة إذا زنيا فأرجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم فرفع فيما رفع وأراد رضي الله تعالى عنه بذلك النسخ وأما كون الزيادة كانت في صحيفة عند عائشة فأكلها الداجن فمن وضع الملاحدة وكذبهم في أن ذلك ضاع بأكل الداجن من غير نسخ كذا في الكشاف وأخرج أبو عبيد في الفضائل وابن الأنباري وابن مردويه عن عائشة قالت : كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مائتي آية فلما كتب عثمان رضي الله تعالى عنه المصاحف لم يقدر منها إلا على ما هو الآن وهو ظاهر في الضياع من القرآن ومقتضى ما سمعت أنه موضوع والحق أن كل خبر ظاهره ضياع شيء من القرآن أما موضوع أو مؤول ووجه اتصالها بما قبلها على ما قال الجلال السيوطي تشابه مطلع هذه ومقطع تلك فإن تلك ختمت بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن الكافرين وانتظار عذابهم وهذه بدئت بأمره عليه الصلاة والسلام بالتقوى وعدم طاعة الكافرين والمنافقين وإتباع ما أوحى إليه والتوكل عليه عز وجل حيث قال سبحانه وتعالى : { بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها النبي أتق الله }

{ يَا أَيُّهَا النَّبيُّ اتَّق الله } ناداه جل وعلا بوصفه عليه الصلاة والسلام دون اسمه تعظيماً له وتفخيماً قال في الكشاف . إنه تعالى جعل نداءه من بين الأنبياء عليهم السلام بالوصف كرامة له عليه الصلاة والسلام وتشريفاً وربأ بمحله وتنويهاً بفضله ، وأوقع اسمه في الأخبار في قوله تعالى : { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله } [ الفتح : 9 2 ] { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ } [ آل عمران : 4 14 ] لتعليم الناس بأنه رسول وتلقين لهم أن يسموه بذلك ويدعوه به فلا تفاوت بين النداء والأخبار ، ألا ترى إلى ما لم يقصد به التعليم والتلقين من الأخبار كيف ذكره تعالى بنحو ما ذكره في النداء كما في قوله تعالى : { لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ } [ التوبة : 128 ] { وَقَالَ الرسول يا رب } [ الفرقان : 0 3 ] { النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ } [ الأحزاب : 6 ] إلى غير ذلك .

وتعقبه في الكشف بأن أمر التعليم والتلقين في قوله تعالى : { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله } [ الفتح : 9 2 ] ظاهر أما في قوله تعالى : { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ } [ آل عمران : 144 ] فلا ، على أن قوله تعالى : { وَءامَنُواْ بما نزل على محمد } [ محمد : 2 ] ينقض ما بناه ، نعم النداء يناسب التعظيم وربما يكون نداء سائر الأنبياء عليهم السلام في كتبهم أيضاً على نحو منه ، وحكى في القرآن بأسمائهم دفعاً للالباس ، والأشبه أنه لما قل ذكره صلى الله عليه وسلم باسمه دل على أنه أعظم شأناً صلوات الله تعالى وسلامه عليه وعليهم أجمعين ، وفيه نظر .

واختار الطيبي طيب الله تعالى ثراه أن النداء المذكور هنا للاحتراس وجبر ما يوهمه الأمر والنهي كقوله تعالى : { عَفَا الله عَنكَ لَّمّاً أَذِنتَ لَهُمْ } [ التوبة : 43 ] وظاهر سياق ما بعد أن المعنى بالأمر بالتقوى هو النبي صلى الله عليه وسلم لا أمته كما قيل في نظائره والمقصود الدوام والثبات عليها ، وقيل : الازدياد منها فإن لها باباً واسعاً وعرضاً عريضاً لا ينال مداه { وَلاَ تُطِعِ الكافرين } أي المجاهرين بالكفر { والمنافقين } المضمرين لذلك فيما يريدون من الباطل ؛ أخرج ابن جرير عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : إن أهل مكة منهم الوليد بن المغيرة . وشيبة بن ربيعة دعوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع عن قوله على أن يعطوه شطر أموالهم وخوفه المنافقون واليهود بالمدينة إن لم يرجع قتلوه فنزلت ، وذكر الثعلبي . والواحدي بغير إسناد أن أبا سفيان ابن حرب . وعكرمة بن أبي جهل . وأبا الأعور السلمي قدموا عليه عليه الصلاة والسلام في زمان الموادعة التي كانت بينه صلى الله عليه وسلم وبينهم وقام معهم عبد الله بن أبي .

ومعتب بن قشير . والجد بن قيس فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ارفض ذكر آلهتنا وقل : إنها تشفع وتنفع وندعك وربك فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وهموا بقتلهم فنزلت ، وقيل : نزلت في ناس من ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلبوا منه عليه الصلاة والسلام أن يمتعهم باللات والعزى سنة قالوا : لتعلم قريش منزلتنا منك ولا يبعد أن يكون المراد بالنهي الثبات على عدم الإطاعة ، وذكره بعد الأمر بالتقوى المراد منه الثبات عليها على ما قيل من قبيل التخصيص بعد التعميم لاقتضاء المقام الاهتمام به ، وقيل : من قبيل التأكيد ، وقيل : متعلق كل من التقوى والإطاعة مغاير للآخر على ما روي الواحدي ، والثعلبي ، والمعنى اتق الله تعالى في نقض العهد ونبذ الموادعة ولا تطع الكافرين من أهل مكة والمنافقين من أهل المدينة فيما طلبوا منك من رفض ذكر آلهتهم وقولك : إنها تشفع وتنفع وكأنه إنما قدم الأمر بتقوى الله تعالى في نقض العهد لما أن المؤمنين قد هموا بما يقتضيه بخلاف الإطاعة المنهى عنها فإنها مما لم يهم بما يقتضيها أحد أصلاً فكان الاهتمام بالأمر أتم من الاهتمام بذلك النهي { إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً } مبالغاً في العلم والحكمة فيعلم الأشياء من المصالح والمفاسد فلا يأمرك إلا بما فيه مصلحة ولا ينهاك ألا عما فيه مفسدة ولا يحكم إلا بما تقتضيه الحكمة البالغة فالجملة تعليل للأمر والنهي مؤكد لوجوب الامتثال بها .

وقيل : المعنى إن الله كان عليماً بمن يتقي فيجازيه بما يليق به حكيماً في هدى من شاؤوا ضلال من شاء فالجملة تسلية له صلى الله عليه وسلم ، وليس بشيء .

ومن باب الإشارة : في آيات من هذه السورة الكريمة : { يا أيها النبي اتق الله } [ الأحزاب : 1 ] الخ فيه إشارة إلى عظم شأن التقوى وكذا شأن كل أمر ونهي يتعلقان به عليه الصلاة والسلام ، وفيه أيضاً إشارة إلى أنه لا ينبغي محبة أعداء الله عز وجل حيث نهى عن طاعتهم وهما كالمتلازمين

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة الأحزاب

مقدمة

1- سورة الأحزاب هي السورة الثالثة والثلاثون في ترتيب المصحف وهي من السور المدنية ، وكان نزولها بعد سورة آل عمران ، أي : أنها من أوائل السور المدنية ، إذ لم يسبقها في النزول بعد الهجرة سوى سور : البقرة والأنفال وآل عمران .

ويبدو : أن نزولها كان في الفترة التي أعقبت غزوة بدر ، إلى ما قبل صلح الحديبية . وعدد آياتها ثلاث وسبعون آية .

2- وقد افتتحت سورة الأحزاب بنداء من الله –تعالى- لنبيه صلى الله عليه وسلم ، نهته فيه عن طاعة المنافقين والكافرين ، وأمرته بالمداومة على طاعة الله –تعالى- وحده ، وباتباع أمره ، وبالتوكل عليه –سبحانه- .

قال –تعالى- : [ يأيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما . واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا* وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ] .

3- ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان حكم الله –تعالى- في بعض التقاليد والأوضاع الاجتماعية التي كانت سائدة في المجتمع في ذلك الوقت ، فأبطلت التبني ، كما أبطلت ما كان سائدا في المجتمع من عادة الظهار ، وهو أن يقول الرجل لزوجته : أنت علي كظهر أمي ، فتصير محرمة عليه حرمة مؤبدة .

قال –تعالى- : [ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ، وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم ، وما جعل أدعياءكم أبناءكم ، ذلكم قولكم بأفواهكم ، والله يقول الحق ، وهو يهدي السبيل . ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ] .

4- ثم بين –سبحانه- بعد ذلك بعض الأحكام التشريعية الأخرى ، كوجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة تفوق طاعتهم لأنفسهم ، ولوجوب تعظيم المسلمين لزوجاته صلى الله عليه وسلم كتعظيم أمهاتهم ، وكوجوب التوارث بين الأقارب بالطريقة التي بينها سبحانه – في آيات أخرى ، وإبطال التوارث عن طريق المؤاخاة التي تمت بعد الهجرة بين المهاجرين والأنصار .

قال –تعالى- : [ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وأزواجه أمهاتهم ، وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين ، إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا ، كان ذلك في الكتاب مسطورا ] .

5- ثم وجه –سبحانه- نداء إلى المؤمنين ، ذكرهم فيه بجانب من نعمه عليهم ، حيث دفع عنهم جيوش الأحزاب ، وأرسل على تلك الجيوش جنودا من عنده لم يروها ، وكشف عن رذائل المنافقين التي ارتكبوها في تلك الغزوة ، ومدح المؤمنين الصادقين على وفائهم بعهودهم وكافأهم على ذلك بأن أورثهم أرض أعدائهم وديارهم .

قال –تعالى- : [ ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا ، وكفى الله المؤمنين القتال . وكان الله قويا عزيزا . وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم . وقذف في قلوبهم الرعب ، فريقا تقتلون وتأسرون فريقا . وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤوها وكان الله على كل شيء قديرا ] .

وبعد هذا الحديث المفصل عن غزوة الأحزاب ، والذي استغرق ما يقرب من عشرين آية ، انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فأمرت النبي صلى الله عليه وسلم أن يخيرهن بين التسريح بإحسان ، وبين الصبر على شظف العيش ، ليظفرن برضا الله –تعالى- كما وجهت نداء إليهن أمرتهن فيه ، بالتزام الآداب الدينية التي تليق بهن . لأنهن في مكان القدوة لسائر النساء .

كما أمرتهن بالبقاء في بيوتهن ، فلا يخرجن لغير حاجة مشروعة . ومثلهن في ذلك مثل سائر نساء المسلمين . حتى يتفرغن لرعاية شئون بيوتهن التي هي من خصائصهن وليست من خصائص الرجال .

ثم ختم –سبحانه- تلك التوجيهات الحكيمة ببيان الثواب الجزيل الذي أعده للمؤمنين والمؤمنات ، فقال –تعالى- : [ إن المسلمين والمسلمات . والمؤمنين والمؤمنات . والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات . والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات . والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين والحافظات . والذاكرين الله كثيرا والذاكرات . أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيماً ] .

1- ثم أشارت السورة بعد ذلك إلى قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم بالسيدة زينب بنت جحش . وإلى الحكمة من ذلك . وإلى تطليق زيد بن حارثة لها . وإلى أن ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنسبة لهذه الحادثة . كان بأمر الله –تعالى- وإذنه .

قال –تعالى- : [ ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له ، سنة الله في الذين خلوا من قبل . وكان أمر الله قدرا مقدورا* الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا . ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ، ولكن رسول الله وخاتم النبيين ، وكان الله بكل شيء عليما ] .

ثم وجهت السورة الكريمة نداء إلى المؤمنين أمرتهم فيه بالإكثار من ذكر الله –تعالى- ومن تسبيحه وتنزيهه . كما وجهت نداء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بينت له فيه وظيفته ، قال –تعالى- : [ يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا . وسبحوه بكرة وأصيلا . هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما . تحيتهم يوم يلقونه سلام ، وأعد لهم أجرا كريما ، يأيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا . وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا . وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ] .

2- ثم تحدثت السورة بعد ذلك بشيء من التفصيل عن بعض الأحكام التي تتعلق بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبعلاقته صلى الله عليه وسلم بهن من حيث القسم وغيره ، ومن حيث الزواج بغيرهن .

كما تحدثت عن الآداب التي يجب على المؤمنين أن يلتزموها عند دخولهم بيوت النبي صلى الله عليه وسلم بدعوة منه . لأجل تناول طعام ، أو لأجل أمر من الأمور الأخرى التي تتعلق بدينهم أو دنياهم .

ثم ختمت هذه الآيات بقوله –تعالى- [ يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما ] .

3- وبعد هذا البيان المفصل لكثير من الأحكام والآداب ، أخذت السورة الكريمة في أواخرها ، في تهديد المنافقين الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ، وفي بيان أن سنن الله في خلقه لا تتخلف ، وأن علم وقت قيام الساعة إلى الله –تعالى- وحده ، وأن الإصرار على الكفر يؤدي إلى سوء العاقبة ، وأن السير على طريق الحق . يؤدي إلى مغفرة الذنوب . وأن الإنسان قد ارتضى حمل الأمانة . التي عجزت عن حملها السموات والأرض والجبال .

قال –تعالى- : [ إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا . ليعذب الله المنافقين والمنافقات ، والمشركين والمشركات ، ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات ، وكان الله غفورا رحيما ] .

4- ومن هذا العرض المجمل لآيات سورة الأحزاب ، نرى أنها قد اهتمت بموضوعات من أبرزها ما يلي :

( أ‌ ) كثرة التوجيهات والإرشادات ، من الله –تعالى- لنبيه صلى الله عليه وسلم إلى أفضل الأحكام ، وأقوم الآداب ، وأهدى السبل .

وهذه التوجيهات والإرشادات . نراها في كثير من آيات سورة الأحزاب لاسيما التي نادت الرسول صلى الله عليه وسلم بوصف النبوة .

ومن ذلك قوله –تعالى- : [ يأيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين ] .

وقوله –سبحانه- [ يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ] .

وقوله –عز وجل- : [ يأيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ] .

وقوله –تعالى- : [ يأيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن ] .

وقوله –سبحانه- : [ يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن .

( ب‌ ) أمر المؤمنين بطاعة الله –تعالى- ، وبطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ونهيهم عن كل ما من شأنه أن يتعارض مع تشريعات الإسلام ومع آدابه .

وهذه الأوامر والنواهي ، نراها في كثير من آيات هذه السورة الكريمة .

ومن ذلك قوله –تعالى- : [ يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم ، إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها ] .

وقوله –سبحانه- : [ يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ، فما لكم عليهن من عدة تعتدونها . . . ] .

وقوله –تعالى- : [ يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى ، فبرأه الله مما قالوا ] .

وقوله –سبحانه- : [ يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ] .

( ج ) هذه السورة الكريمة تعتبر على رأس السور القرآنية التي اهتمت ببيان فضل نساء النبي صلى الله عليه وسلم وحقوقهن ، وواجباتهن وخصائصهن .

ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله –تعالى- : [ يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين . . . ] .

وقوله –سبحانه- : [ يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن ، فلا تخضعن بالقول . . . ] .

وقوله –تعالى- : [ وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ، وأقمن الصلاة ، وآتين الزكاة وأطعمن الله ورسوله . . . ] .

وقوله –سبحانه- : [ لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ، ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك . . . ] .

وقوله –تعالى- : [ . . . وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا . . . ] .

وقوله –عز وجل- : [ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم . . . ] .

( د ) هذه السورة تعتبر من أجمع السور القرآنية التي تعرضت لكثير من الأحكام الشرعية ، والآداب الاجتماعية ، التي لا تتغير بتغير الزمان أو المكان .

ومن ذلك حديثها عن الظهار ، وعن النبي . وعن التوارث بين الأقارب دو غيرهم ، وعن وجوب تقديم طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم على طاعة الإنسان لنفسه ، وعن وجوب التأسي به ، وعن وجوب الابتعاد عن كل ما يؤذيه أو يجرح شعوره ، وعن وجوب الخضوع لحكم الله –تعالى- ولحكم رسوله صلى الله عليه وسلم .

قال –تعالى- : [ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ] .

( ه ) السورة الكريمة فصلت الحديث عن غزوة الأحزاب ، التي وقعت في السنة الخامسة من الهجرة بين المسلمين وأعدائهم .

فبدأت حديثها عن تلك الغزوة بتذكير المؤمنين بفضل الله –تعالى- عليهم في هذه الغزوة ، ثم صورت أحوالهم عند إحاطة جيوش الأحزاب بالمدينة المنورة .

قال –تعالى- : [ يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم ، إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها ، وكان الله بما تعملون بصيرا . إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم ، وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ، وتظنون بالله الظنونا ] .

ثم حكت أقوال المنافقين القبيحة ، وأفعالهم الذميمة ، وردت عليهم بما يفضحهم ، وبما يكشف عن سوء أخلاقهم .

قال –تعالى- : [ أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت ، فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم ، وكان ذلك على الله يسيرا ] .

ثم مدحت المؤمنين الصادقين لوفائهم بعهودهم ، ولشجاعتهم في مواجهة أعدائهم .

قال –سبحانه- : [ ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا : هذا ما وعدنا الله ورسوله ، وصدق الله ورسوله ، وما زادهم إلا إيمانا وتسليما . من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ، ومنهم من ينتظر ، وما بدلوا تبديلا ] .

وكما بدأت السورة حديثها عن غزوة الأحزاب بتذكير المؤمنين بنعم الله عليهم –ختتمته- أيضا – بهذا التذكير ، لكي يزدادوا شكرا له –عز وجل- .

قال –تعالى- : [ ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا ، وكفى الله المؤمنين القتال ، وكان الله قويا عزيزا . وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم ، وقذف في قلوبهم الرعب ، فريقا تقتلون وتأسرون فريقا . وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لهم تطؤوها . وكان الله على كل شيء قديرا ] .

( و ) والخلاصة أن المتأمل في سورة الأحزاب ، يراها زاخرة بالأحكام الشرعية ، والآداب الاجتماعية ، وبالتوجيهات الربانية ، تارة من الله –تعالى- لرسوله صلى الله عليه وسلم وتارة لأزواجه صلى الله عليه وسلم ، وتارة للمؤمنين .

كما يراها تهتم اهتماما واضحا بتنظيم المجتمع الإسلامي تنظيما حكيما ، من شأنه أن يأخذ بيد المتبعين له إلى السعادة الدنيوية والأخروية .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

افتتحت سورة الأحزاب بهذا النداء لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم وبهذا الوصف الكريم ، وهو الوصف بالنبوة ، على سبيل التشريف والتعظيم .

قال صاحب الكشاف : جعل - سبحانه - نداءه بالنبى والرسول فى قوله : { ياأيها النبي } . { ياأيها الرسول } وترك نداءه باسمه ، كما قال : يا آدم ، يا موسى ، يا عيسى ، يا داودك كرامة له وتشريفا ، وتنويها بفضله .

فإن قلت : إن لم يوقع فى النداء . فقد أوقعه فى الإِخبار ، فى قوله : { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله } قلت : ذلك لتعليم الناس بأنه رسول ، وتلقين لهم أن يسموه بذلك ويدعوه به .

والمراد بأمره بتقوى الله : المداومة على ذلك ، والازدياد من هذه التقوى .

أى : واظب - أيها النبى الكريم - على تقوى الله ، وعلى مراقبته ، وعلى الخوف منه ، وأكثر من ذلك ، فإن تقوى الله ، على رأس الفضائل التى يحبها - سبحانه - .

قال ابن كثير : هذا تنبيه بالأعلى على الأدنى ، فإنه - تعالى - إذا كان يأمر عبده ورسوله بهذا ، فلأن يأتمر من دونه بذلك بطريق الأولى والأحرى .

وقد قال خلف بن حبيب : التقوى أن تعمل بطاعة الله ، على نور من الله ، ترجوا ثواب الله .

وبعد الأمر بالتقوى ، جاء النهى عن طاعة غير المؤمنين ، فقال - تعالى - : { وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين } . أى : واظب - أيها النبى الكريم - على تقوى الله ، واجتنب طاعة الكافرين الذين جحدوا نعم الله عليهم ، وعبدوا معه آلهة أخرى ، واجتنب كذلك طاعة المنافقين الذين يظهرون الإِسلام ويخفون الكفر .

وفى إيراد هذا النهى بعد الأمر بتقوى الله ، إشارة وإيحاء إلى ما كان يبذله هؤلاء الكافرون والمنافقون من جهود عنيفة ، لزحزحة النبى صلى الله عليه وسلم عما هو عليه من حق ، ولصرفه عن دعوتهم إلى الإِسلام .

وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : أن جماعة من أهل مكة ، طلبوا من النبى صلى الله عليه وسلم أن يرجع عن قوله ، وأن يعطوه شطر أموالهم ، وأن المنافقين واليهود بالمدينة هدوده بالقتل إن لم يرجع عن دعوتهم إلى الإِسلام ، فنزلت .

وقوله - تعالى - { إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً } : تعليل الأمر والنهى ، أى : اتبع ما أمرناك به ، ومنا نهيناك عنه ، لأن الله - تعالى - عليم بكل شئ ، وحكيم فى كل أقواله وأفعاله .