لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنۢ بَعۡدِ ٱلۡغَمِّ أَمَنَةٗ نُّعَاسٗا يَغۡشَىٰ طَآئِفَةٗ مِّنكُمۡۖ وَطَآئِفَةٞ قَدۡ أَهَمَّتۡهُمۡ أَنفُسُهُمۡ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ ظَنَّ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ مِن شَيۡءٖۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَمۡرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِۗ يُخۡفُونَ فِيٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبۡدُونَ لَكَۖ يَقُولُونَ لَوۡ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٞ مَّا قُتِلۡنَا هَٰهُنَاۗ قُل لَّوۡ كُنتُمۡ فِي بُيُوتِكُمۡ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَتۡلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمۡۖ وَلِيَبۡتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمۡ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} (154)

فأهل التحقيق والتوحيد يصلون بعد فتراتهم إلى القول بتَرْكِ أنفسهم ، وغَسلِ أيديهم منهم ، ورفع قلوبهم عنهم فيعيشون بالله لله ، بلا ملاحظة طمع وطلبة ، بل على عقيدة اليأس عن كل شيء . عليه أكّدُوا العهد ، وبدَّلُوا اللحظ ، وتركوا كل نصيب وحظ ، وهذه صفة مَنْ أنزل عليه الأمَنةَ .

فأمَّا الطائفة التي أهمتهم أنفسهم - فبقوا في وحشة نفوسهم ، ومِنْ عاجل عقوبتهم سوءُ عقيدتهم في الطريقة بعد إيمانهم بها ؛ قال تعالى :{ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ }[ الأنعام : 110 ] .

والإشارة في قوله تعالى : { هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ شَيء } لهؤلاء أنهم يتحيَّرون في أمرهم فلا إقبال لهم على الصواب بالحقيقة ، ولا إعراض بالكلية ، يحيلون فترتهم على سوء اختيارهم ، ويضيفون صفوة - لو كانت لقلوبهم - إلى اجتهادهم ، وينسَوْن ربَّهم في الحالين ، فلا يبصرون تقدير الحق سبحانه . قال تعالى :

{ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للهِ } : فَمَنْ عَرَفَ أن المنشئ الله انسلخ عن اختياره وأحواله كانسلاخ الشَّعْرِ عن العجين ، وسَلَّمَ أموره إلى الله بالكلية . وأمارة مَنْ تحقق بذلك أن يستريح من كدِّ تدبيره ، ويعيش في سعة شهود تقديره .

وقوله : { يُخْفُونَ فِى أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ } : لم يُخْلِصُوا في عقائدهم ، وأضمروا خلاف ما أظهروا ، وأعلنوا غير ما ستروا ، وأحالوا الكائنات على أسبابٍ توهموها .

قال تعالى : { قُلْ لَّوْ كُنتُم فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ } .

أخبر أن التقدير لا يُزَاحَم ، والقَدَر لا يُكابَرَ ، وأن الكائناتِ محتومة ، وأن الله غالب على أمره .

وقوله : { وَلِيَبْتَلِىَ اللهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ } : فأمّا أهل الحقائق فإنه تعالى ينتزع من قلوبهم كل آفةٍ وحجبة ، ويستخلص أسرارهم بالإقبال والزلفة ، فتصبح قلوبهم خالصةً من الشوائب ، صافيةً عن العلائق ، منفردةً للحق ، مجرَّدَةً عن الخلق ، مُحَرَّرة عن الحظِّ والنَّفْس ، ظاهرةً عليها آثارُ الإقبال ، غالباً عليها حُسْنُ التَوَلِّي ، باديةً فيها أنوارُ التجلي .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنۢ بَعۡدِ ٱلۡغَمِّ أَمَنَةٗ نُّعَاسٗا يَغۡشَىٰ طَآئِفَةٗ مِّنكُمۡۖ وَطَآئِفَةٞ قَدۡ أَهَمَّتۡهُمۡ أَنفُسُهُمۡ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ ظَنَّ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ مِن شَيۡءٖۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَمۡرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِۗ يُخۡفُونَ فِيٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبۡدُونَ لَكَۖ يَقُولُونَ لَوۡ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٞ مَّا قُتِلۡنَا هَٰهُنَاۗ قُل لَّوۡ كُنتُمۡ فِي بُيُوتِكُمۡ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَتۡلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمۡۖ وَلِيَبۡتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمۡ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} (154)

يغشى : يغطي .

برز : خرج .

إلى مضاجعهم : إلى مصارعهم وقبورهم .

ذات الصدور : السرائر .

بعد أن انتهت المعركة ورجع بعض من انهزم من المسلمين وتجمّعوا حول الرسول الكريم ، وقف أبو سفيان وصاح : أُعلُ هُبَل ، يوم أُحد بيوم بدر ، لنا العزّى ولا عُزّى لكم . فقال رسول الله لعُمر : قل : الله أعلى وأجل ، الله مولانا ولا مولى لكم . فقال أبو سفيان : أفيكم محمد ؟ قالوا : نعم ، قال : لقد حدثتْ مُثْلَةٌ لم آمر بها ولم تسؤني ، ( يعني بذلك ما حدث من التمثيل بجثّة حمزة وغيرها من قتلى المسلمين ) ثم قال : الموعد بيننا بدرٌ في العام القابل . فخاف المسلمون أن يذهب المشركون إلى المدينة . وفي تلك اللحظة بعث الله النعاس على طائفة المؤمنين الصادقين في إيمانهم تطميناً لقلوبهم ، وفي النوم راحة كبرى للأعصاب المرهقة وقت الشدائد .

قال أبو طلحة : غشينا النعاسُ يوم أحد ، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ، ويسقط وآخذه .

ورفعتُ رأسي فجعلت أَنظر ما منهم يومئذ إلا يميد تحت حَجَفته من النعاس . وذلك قوله تعالى :

{ ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ الغم أَمَنَةً نُّعَاساً } .

والحجفة : الترس من الجلد .

هذه إحدى طائفتي المسلمين الذين قاتلوا يوم أُحد . أما طائفة الإيمان المزعزع فقد أذلهم الخوفُ ، ولم يكن لهم همٌّ إلا أنفسهم . وذلك لأنهم كانوا مكذِّبين بالرسول في قلوبهم ، فظنوا بالله الظنون الباطلة وأخذوا يقولون مستنكرين : هل لنا من النصر والفتح نصيب ؟ . لهؤلاء قل يا محمد : الأمر كله لله في النصر والهزيمة . وحتى حين يسألونك فإنهم في الواقع يخفون في أنفسهم ما لا يستطيعون إعلانه لك ، فهم يُظهرون أنهم يسألون مسترشدين طالبين النصر ، لكنهم يبطِنون الإنكار والتكذيب . فلسان حالهم يقول : لو كان أمر النصر بيد إله محمد كما ادعى محمد- لما غُلبنا ، ولما قُتل من قُتل من أصحابه في هذه المعركة ! .

قل لهم يا محمد : لو كنتم في منازلكم وفيكم من كُتِبَ عليه القتل لخرجوا إلى مصارعهم فقُتلوا . أما الهزيمة فقد جازانا بها الله ليمتحن ما في صدورنا من الصدق والإخلاص أو عدمه ، ويمحصّ ما في قلوبنا من وساوس الشيطان ، والله عليم بذات الصدور .

قراءات :

قرأ حمزة والكسائي «تغشى » بالتاء ، والباقون «يغشى » بالياء . وقرأ أبو عمرو ويعقوب «قل إن الأمر كلُّه » برفع اللام . والباقون بنصبها .