قوله جل ذكره : { بسم الله الرحمان الرحيم } .
" بسم الله " : اسم غني من أطاعه أغناه ، ومن خالفه أضله وأعماه .
اسم عزيز من وافقه رقاه إلى الرتبة العليا ، ومن خالفه ألقاه في المحنة الكبرى .
قوله جل ذكره : { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل } .
أَلَمْ يَنْتِه إليكَ فيما أنزل عليك عِلْمُ ما فَعلَ ربُّكَ بأصحاب الفيل ؟ .
وفي قصة أصحاب الفيل دلالة على تخصيص اللَّهِ البيتَ العتيقَ بالحِفْظِ والكِلاءة . وذلك أنَّ أَبرهة - مَلِكَ اليمن - كان نصرانياً ، وبنى بيعةً لهم بصنعاء . وأراد هَدْمَ الكعبة ليصرفَ الحجَّ إلى بيعتهم .
وقيل : نزل جماعةٌ من العرب ببلاد النجاشي ، وأوقدوا ناراً لحاجةٍ لهم ، ثم تغافلوا عنها ولم يُطْفِئوها ، فهبَّت الريحُ وحَمَلَتْ النارَ إلى الكنيسة وأحرقتها ، فَقَصَد أبرهةُ الكعبةَ لِيَهْدِمها بجيشه .
فلمّا قَرُبَ من مكة أصاب مائتي جَمَلٍ لعبد المطلب ، فلمَّا أُخْبِرَ بذلك ركب إليهم ، فَعَرفَةُ رجلان ، فقالا له : ارجعْ . . فإنْ المَلِكَ غضبان .
فقال : واللاتِ والعُزَّى لا أَرْجِعُ إلاَّ بإبلي .
فقيل : لأبرهة : هذا سَيِّدُ قريش ببابِك ؛ فأَذِنَ له ، وسأله عن حاجته ؛ فأجاب أبرهة : إنها لك غداً ، إذا تقدَّمْتُ إلى البيت .
فعاد عبد المطلب إلى قريش ، وأخبرهم بما حدث ، ثم قام وأخذ بحلْقِه باب الكعبة ، وهو يقول :
لا هُمَّ إِنَّ العَبْدَ يم *** نعُ رَحْلَه فامنعُ حَلاَلِكَ
لا يَغْلِبَنَّ صليبُهمْ *** ومِحَالُهم عَدْواً مِحالَكْ
إِنْ يدخلوا البلدَ الحرا *** مَ فأمرٌ ما بدالك
فأرسل اللَّهُ عليهم طيراً أخضرَ من جهة البحر طِوالَ الأعناق ، في مناقر كل طائرٍ حَجَرٌ وفي مخلبه حجران .
قيل : الحجَرةُ منها فوق العدس دون الحمص .
وقيل : فوق الحمص دون الفستق ، مكتوب على كل واحدة اسم صاحبها .
وقيل : مُخَطَّطةٌ بالسَّواد . فأُمْطِرَتْ عليهم ، وماتوا كُلُّهم .
وقيل : كان الفيلُ ثمانيةً ؛ وقيل : كان فيلاً واحداً .
وقيل في رواية : إنه كان قبل مولده صلى الله عليه وسلم بأَربعين سنة .
وقيل : بثلاثة وعشرين سنة . وفي رواية " وُلِدْتُ عامَ الفيل " .
{ 1 - 5 } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ }
أي : أما رأيت من قدرة الله وعظيم شأنه ، ورحمته بعباده ، وأدلة توحيده ، وصدق رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، ما فعله الله بأصحاب الفيل .
1- سورة " الفيل " وسماها بعضهم سورة " ألم تر . . . " من السور المكية الخالصة ، وعدد آياتها خمس آيات ، وكان نزولها بعد سورة " قل يأيها الكافرون " ، وقبل سورة " القيامة " ، فهي السورة التاسعة عشرة في ترتيب النزول من بين السور المكية .
2- ومن أهم مقاصدها تذكير أهل مكة بفضل الله –تعالى- عليهم ، حيث منع كيد أعدائهم عنهم ، وعن بيته الحرام ، وبيان أن هذا البيت له مكانته السامية عنده –تعالى- ، وأن من أراده بسوء قصمه الله –تعالى- ، وتبشير النبي صلى الله عليه وسلم بأنه –سبحانه- كفيل برعايته ونصره على أعدائه ، كما نصر أهل مكة على أبرهة وجيشه ، وتثبيت المؤمنين على الحق ، لكي يزدادوا إيمانا على إيمانهم ، وبيان أن الله –سبحانه- غالب على أمره .
3- وقصة أصحاب الفيل من القصص المشهورة عند العرب ، وملخصها : أن أبرهة الأشرم الحبشي أمير اليمن من قبل النجاشي ملك الحبشة ، بنى كنيسة بصنعاء لم ير مثلها في زمانها . . وأراد أن يصرف الناس من الحج إلى بيت الله الحرام ، إلى الحج إليها . . ثم جمع جيشا عظيما قدم به لهدم الكعبة . . فأهلكه الله –تعالى- وأهلك من معه من رجال وأفيال . .
وكانت ولادته صلى الله عليه وسلم في هذا العام . . ( {[1]} ) .
الاستفهام فى قوله - تعالى - : { أَلَمْ تَرَ . . . } للتقرير بما تواتر نقله وعمله صلى الله عليه وسلم وعلمه غيره علما مستفيضا . . حتى إن العرب كانوا يؤرخون بتلك الحادثة ، فيقولون : هذا الأمر حدث فى عام الفيل ، أو بعده أو قبله . . والمراد بالرؤية هنا : العلم المحقق .
وعبر - سبحانه - عن العلم بالرؤية ؛ لأن خبر هذه القصة - كما أشرنا -كان من الشهرة بمكان ، فالعلم الحاصل بها مساو فى قوة الثبوت للرؤية والمشاهدة .
والمعنى : لقد علمت - أيها الرسول الكريم - علما لا يخالطه ريب أو لبس ، ما فعله ربك بأصحاب الفيل ، الذين جاءوا لهدم الكعبة ، حيث أهلكناهم إهلاكا شنيعا ، كانت في العبرة والعظة ، والدلالة الواضحة على قدرتنا ، وعلى حمايتنا لبيتنا الحرام .
وأوقع - سبحانه - الاستفهام عن كيفية ما أنزله بهم ، لا عن الفعل ذاته ؛ لأن الكيفية أكثر دلالة على قدرته - تعالى - ، وعلى أنه - سبحانه - لا يعجزه شيء .
وفى التعبير بقوله : { فَعَلَ رَبُّكَ . . . } إشارة إلى أن هذا الفعل لا يقدر عليه أحد سواه - سبحانه - ، فهو الذى ربى نبيه صلى الله عليه وسلم وتعهده بالرعاية ، وهو الكفيل بنصره على أعدائه ، كما نصر أهل مكة على جيوش الحبشة . . وهم أصحاب الفيل .
ووصفوا بأنهم " أصحاب الفيل " ؛ لأنهم أحضروا معهم الفيلة ، ليستعينوا بها على هدم الكعبة ، وعلى إذلال أهل مكة .
{ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل 1 ألم يجعل كيدهم في تضليل 2 وأرسل عليهم طيرا أبابيل 3 ترميهم بحجارة من سجّيل 4 فجعلهم كعصف مأكول } .
يمتنّ الله في هذه الآيات على قريش ؛ إذ صرف عنهم أصحاب الفيل الذين جاءوا إليهم عازمين على هدم الكعبة وإزالتها من الوجود البتة . فأهلكهم الله أيما إهلاك ، ومزقهم شر ممزّق ، فخيّب مرادهم ، وأضل سعيهم ، وردهم خائبين خاسرين مخذولين خزايا .
وخلاصة ذلك أن أبرهة الأشرم وهو من نصارى الحبشة أرسل إلى النجاشي يقول له : إني سأبني لك كنيسة بأرض اليمن لم يبن مثلها قبلها . فشرع في بناء كنيسة عظيمة رفيعة البنيان بصنعاء . وكانت عالية هائلة مزخرفة الأركان . وقد سمتها العرب القليس ، لارتفاعها . فقد كان الناظر إليها تكاد تسقط قلنسوته عن رأسه من ارتفاع بنائها . وقد عزم أبرهة بذلك أن يصرف حجّ العرب إليها كما يحج إلى الكعبة بمكة ، ونادى بذلك في مملكته ، فكرهت العرب العدنانية والقحطانية ذلك ، وغضبت قريش لذلك غضبا شديدا حتى قصد بعضهم ما بناه أبرهة ، وتوصل إليها ، إلى أن دخلها ليلا ، فأحدث فيها ما أحدث ، ثم كرّ راجعا . فلما رأى السدنة ذلك الحدث رفعوا أمرهم إلى ملكهم أبرهة ، وقالوا له : إنما صنع هذا بعض قريش غضبا لبيتهم الذي ضاهيت به هذا . فأقسم أبرهة ليسيرن إلى بيت مكة ، وليخربنّه حجرا حجرا . فتأهب أبرهة لذلك ، ومضى إليهم في جيش كثيف عرمرم لئلا يصدّه أحد عنه ، واستصحب معه بعضا من الفيلة عظيمة الأبدان . فلما اقترب من أرض الطائف خرج إليه أهلها ثقيف ، وصانعوه خيفة على بيتهم الذي عندهم وهو الذي يسمونه اللات . فأكرمهم وبعثوا معه أبا رغال ليدلهم على طريق الكعبة حتى أنزلهم المغمّس . وهو موضع قرب مكة في طريق الطائف . وهناك مات أبو رغال ، فرجمت قبره العرب ، وهو القبر الذي يرجم الناس بالمغمّس . وقد أغار جيش أبرهة على سرح أهل مكة من الإبل وغيرها فأخذوه ، وكان في السرح مائتا بعير لعبد المطلب . ثم بعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة ليأتيه بأشرف قريش ، وأن يخبره أن الملك لم يجئ لقتالكم إلا أن تصدوه عن البيت ، فقال له عبد المطلب : والله ما نريد حربه ، وما لنا بذلك من طاقة . هذا بيت الله الحرام ، وبيت خليله إبراهيم ، فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه . وإن يخلي بينه وبينه فوالله ما عندنا دفع عنه . فقال له حناطة : فاذهب معي إليه . فذهب معه فلما رآه أبرهة أجلّه ، وكان عبد المطلب رجلا جسيما حسن المنظر ، ونزل أبرهة عن سريره وجلس معه على البساط . وقال لترجمانه : قل له : ما حاجتك ؟ فقال للترجمان : إن حاجتي أن يردّ علي الملك مائتي بعير أصابها لي . فقال أبرهة لترجمانه : قل له : لقد كنت أعجبتني حين رأيتك ، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني . أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك ، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه ؟ فقال عبد المطلب : إني أنا رب الإبل ، وإن للبيت ربا سيمنعه . قال : ما كان ليمتنع مني . قال عبد المطلب : أنت وذاك{[4859]} .
قوله : { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل } الخطاب عام . يعني ألم تنظروا ما فعل الله بأصحاب الفيل ، وهم أبرهة وجيشه من الحبشة الذين جاءوا مكة يبتغون هدم الكعبة وتخريبها . والاستفهام للتقرير يعني ، قد رأيتم ذلك .