اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصۡحَٰبِ ٱلۡفِيلِ} (1)

مقدمة السورة:

مكية ، وهي خمس آيات ، وعشرون كلمة ، وستة وتسعون حرفا .

/خ1

قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفيل } ، هذه قراءة الجمهور ، أعني : فتح الراء وحذف الألف للجزم .

وقرأ السلمي{[60854]} : «تَرْ » بسكون الراء ، كأنه لم يعتد بحذف الألف .

وقرأ أيضاً{[60855]} : «ترأ » بسكون الراء وهمزة مفتوحة ، وهو الأصل ، و«كَيْفَ » معلقة للرؤية ، وهي منصوبة بفعل بعدها ؛ لأن «ألَمْ تَر كَيفَ » من معنى الاستفهام .

فصل في معنى الآية

المعنى : ألم تخبر .

وقيل : ألم تعلم .

وقال ابن عباس : ألم تسمع{[60856]} ؟ واللفظ استفهام والمعنى تقرير ، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ولكنه عام ، أي : ألم تروا ما فعلت بأصحاب الفيل ؟ أي : قد رأيتم ذلك ، وعرفتم موضع منتي عليكم ، فما لكم لا تؤمنون ؟ .

فصل في لفظ «الفيل »

الفيل معروف ، والجمع : أفيال ، وفيول ، وفيلة .

قال ابن السكيت : ولا يقال : «أفيلة » والأنثى فيلة ، وصاحبه : فيال .

قال سيبويه : يجوز أن يكون أصل «فيل » : «فُعْلاً » فكسر من أجل الياء ، كما قالوا : أبيض وبيض .

وقال الأخفش : هذا لا يكون في الواحد ، إنما يكون في الجمع ، ورجل فيلُ الرأي ، أي : ضعيف الرأي ، والجمع : أفيال ، ورجل فالٌ : أي : ضعيف الرأي ، مخطئ الفراسة ، وقد فال الرأي ، يفيلُ ، فيُولة ، وفيَّل رأيه تفييلاً : أي : ضعفه ، فهو فيِّلُ الرأي .

/خ1

فصل في ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم

حكى الماوردي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «وُلدتُ عَامَ الفِيْلِ »{[60857]} .

وقال في كتاب «أعلام النبوةِ » : ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول ، وكان بعد الفيل بخمسين يوماً ، ووافق من شهور الروم العشرين من أشباط ، في السَّنة الثانية عشرة من ملك هرمز بن أنوشروان .

قال : وحكى أبو جعفر الطبري : أن مولده صلى الله عليه وسلم كان لاثنين وأربعين سنة من ملك أنوشروان .

وقيل : إنه - عليه السلام - حملت به أمه في يوم عاشوراء من المحرم ، حكاه ابن شاهين أبو حفص في فضائل يوم عاشوراء ، وولد يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلةً خلت من شهر رمضان ، فكانت مدة الحمل ثمانية أشهر كملا ، ويومين من التاسع .

وقال ابن العربي : قال ابن وهب عن مالكٍ : ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل [ قال ] قيس بن مخرمة : ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل .

وقال عبد الملك بن مروان لعتَّاب بن أسيد : أنت أكبر أم النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : النبي صلى الله عليه وسلم أكبر مني ، وأنا أسنّ منه ، ولد النبي صلى الله عليه وسلم عام الفيل ، وأنا أدركت سائسه وقائده أعميين مقعدين يستطعمان الناس .

فصل في أن قصة الفيل من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم

قال بعض العلماء : كانت قصة الفيل فيما بعد من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت قبله ، وقبل التحدي ؛ لأنها كانت توكيداً لأمره ، وتمهيداً لشأنه ، ولما تلا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه السورة كان بمكة عدد كثير ممن شهد تلك الواقعة ، ولهذا قال : «ألَمْ تَرَ » ولم يكن ب «مكة » أحد إلاَّ وقد رأى قائد الفيل ، وسائقه أعميين [ يتكففان ] {[60858]} الناس .

قالت عائشة - رضي الله عنها - مع حداثة سنّها : «لقَدْ رَأيتُ قَائِدَ الفِيْلِ وسَائقَهُ أعْميَيْنِ يَسْتطعِمَانِ النَّاسَ »{[60859]} .


[60854]:ينظر: المحرر الوجيز 5/423، والبحر المحيط 8/512.
[60855]:ينظر: السابق، والدر المصون 6/571.
[60856]:ذكره القرطبي في "تفسيره" (20/134).
[60857]:ذكره الماوردي في "تفسيره" (6/338).
[60858]:في ب: يستطعمان.
[60859]:ذكره القرطبي في ب"تفسيره" (20/133)، وقد أخرجه البيهقي في "الدلائل" (1/125).