لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا ذَلُولٞ تُثِيرُ ٱلۡأَرۡضَ وَلَا تَسۡقِي ٱلۡحَرۡثَ مُسَلَّمَةٞ لَّا شِيَةَ فِيهَاۚ قَالُواْ ٱلۡـَٰٔنَ جِئۡتَ بِٱلۡحَقِّۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفۡعَلُونَ} (71)

كما أنَّ تلك البقرة لم يُذلِلْها العملُ ، ولم تُبْتَذَلُ في المكاسب ، لا لونَ فيها يخالف عِظَمَ لَوْنِها فالإشارة منه أن أهل الولاية الذين لم يتبذلوا بالأغيار لتحصيل ما طلبوا من الأسباب ، ولم يركنوا بقلوبهم إلى الأشكال والأمثال ، ولم يتكلوا على الاختيار والاحتيال ، وليسوا نهباً لمطالبات المنى ، ولا صيداً في مخلب الدنيا ، ولا حكمَ للشهوات عليهم ، ولا سلطان للبشرية تَمَلَّكهم ، ولم يسعَوْا قط في تحصيل مرادهم ، ولم يشقوا لدرك بُغيتهم ، وليس عليهم رقم الأغيار ، ولا سِمَةُ الأسباب - فَهُمْ قائمون بالله ، فانون عما سوى الله ، بل هم محو ، مُصْرِّفُهم الله . والغالب - على قلوبهم - الله .

وكما أن معبودَهم الله كذلك مقصودهم الله .

وكما أن مقصودهم الله كذلك مشهودهم الله ، وموجودهم الله ، بل هم محو بالله و ( . . . ) عنهم الله ، وأنشد قائلهم :

إذا شِئتِ أن أرْضَى وترضي وتملكي *** زِمَامِيَ - ما عشنا معاً - وعناني

إذن فارمُقي الدنيا بعيني واسمعي *** بأذني وانطقي بلساني

قوله جلّ ذكره : { قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ } .

طلبوا الحيلة ما أمكنهم فلما ضاقت بهم الحِيَل استسلموا للحكم فتخلصوا من شدائد المطالبات ، ولو أنهم فعلوا ما أمِروا به لما تضاعفت عليهم المشاق .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا ذَلُولٞ تُثِيرُ ٱلۡأَرۡضَ وَلَا تَسۡقِي ٱلۡحَرۡثَ مُسَلَّمَةٞ لَّا شِيَةَ فِيهَاۚ قَالُواْ ٱلۡـَٰٔنَ جِئۡتَ بِٱلۡحَقِّۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفۡعَلُونَ} (71)

{ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ } أي : مذللة بالعمل ، { تُثِيرُ الْأَرْضَ } بالحراثة { وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ } أي : ليست بساقية ، { مُسَلَّمَةٌ } من العيوب أو من العمل { لَا شِيَةَ فِيهَا } أي : لا لون فيها غير لونها الموصوف المتقدم .

{ قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ } أي : بالبيان الواضح ، وهذا من جهلهم ، وإلا فقد جاءهم بالحق أول مرة ، فلو أنهم اعترضوا أي : بقرة لحصل المقصود ، ولكنهم شددوا بكثرة الأسئلة فشدد الله عليهم ، ولو لم يقولوا " إن شاء الله " لم يهتدوا أيضا إليها ، { فَذَبَحُوهَا } أي : البقرة التي وصفت بتلك الصفات ، { وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ } بسبب التعنت الذي جرى منهم .