قُلْ يا محمد : ما يأتيكم من ربِّكم فهو حقٌّ ، وقوله صِدْقٌ { فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ } . . هذا غاية التهديد ، أي إنْ آمنتم ففوائدُ إيمانكم عليه مقصورة ، وإنْ أَبَيْتُم فَعذَابُ الجحود موقوفٌ عليكم ، والحقُّ - سبحانه - عزيز لا يعود إليه بإيمان الكافة -إذا وَحَّدُوا - زَيْنٌ ، ولا مِنْ كُفْرِ الجميع - إنْ جحدوا - شَيْنٌ .
قوله جلّ ذكره : { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإنِ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَآءٍ كَالمُهْلِ يَشْوِى الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقَاً } .
العقوبة الكبرى لهم أن يشغلهم بالألم حتى لا يتفرغوا عنه إلى الحسرة على ما فاتهم من الحقِّ ، ولو علموا ذلك لَعَلَّه كان يرحمهم . والحقُّ - سبحانه - أكرم من أن يعذَبَ أحداً يُتَّهَمُ لأَجْلِه .
ويقال لو علموا مَنْ الذي يقول : { وَسَآءَتْ مُرْتَفَقَاً } لعلَه كان لهم تَسَلَ ساعةً ، ولكنهم لا يعرفون قَدْرَ مَنْ يقول هذا ، وإلا فهذا شِبْهُ مرتبةٍ لهم ، والعبارة عن هذا تدق .
السرادق : لفظ فارسي معرب يراد به : الفسطاط ( الخيمة ) شبه به ما يحيط بهم من لهب النار ، المنتشر منها في سائر الجهات .
المُهل : دردي الزيت ، أو ما أذيب من المعادن كالرصاص والنحاس .
يشوي الوجوه : ينضجها إذا قدّم ؛ ليشرب لشدة حره .
29- { وقل الحقّ من ربّكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر . . . }
أي : قل يا محمد للناس : هذا الذي جئتكم به من ربكم ، هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك ، فمن شاء أن يؤمن به ، ويدخل في غمار المؤمنين ؛ فليفعل ، ومن شاء أن يكفر به ؛ وينبذه وراء ظهره ؛ فأمره إلى الله ولست بطارد للمؤمنين من أجل أهوائكم .
قال ابن كثير : { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } . هذا من باب التهديد والوعيد الشديد ؛ ولهذا قال : { إنا اعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها . . . }
فالله تعالى لا تنفعه طاعة الطائع ، أو إيمان المؤمن ، ولا تضره معصية العاصي ، ولا كفر الكافر ، ولكن هذا الكافر الذي أنف من الحق ، واستكبر عن الدخول في الإسلام ظلما وعدوانا ، قد أعد الله له نارا مؤججة ، يحيط به لهيبها من كل جانب ، كما يحيط السرادق بمن حل فيه ، فلا مخلص منه ولا ملجأ إلى غيره .
{ أحاط بهم سرادقها . . . } أي : سورها ، كإحاطة السوار بالمعصم .
أخرج أحمد والترمذي في صفة النار وابن جرير في تفسيره : عن أبي سعيد الخدري ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لسرادق النار أربعة جدور كثافة كل جدار مسافة أربعين سنة ) .
{ أحاط بهم سرادقها . . . } قال : حائط من نار32 .
{ وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه } .
والمهل : ماء جهنم أسود منتن غليظ حار ، ولهذا قال : { يشوي الوجوه } . أي : من حره إذا أراد الكافر أن يشربه ، وقرّبه من وجهه : شواه حتى تسقط جلدة وجهه فيه .
وأخرج أحمد والترمذي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ماء المهل كعكر الزيت ؛ فإذا قربه إليه سقطت فروة وجهه فيه )33 .
أي : بئس هذا الشراب ، وما أقبحه ؛ فهو لا يطفئ غلّه ، ولا يسكن حرارة الفؤاد ؛ بل يزيد فيها إلى أقصى غاية ، وما أسوأ هذه النار منزلا ومقيلا يرتفق به أهل النار !
قال تعالى : { إنها ساءت مستقرا ومقاما } . ( الفرقان : 66 ) .
{ وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً ( 29 ) }
وقل لهؤلاء الغافلين : ما جئتكم به هو الحق من ربكم ، فمن أراد منكم أن يصدق به ويتبعه ، فليفعل فهو خير له ، ومن أراد أن يجحد فليفعل ، فما ظَلَم إلا نفسه . إنا أعتدنا للكافرين نارًا شديدة أحاط بهم سورها ، وإن يستغث هؤلاء الكفار في النار بطلب الماء مِن شدة العطش ، يُؤتَ لهم بماء كالزيت العَكِر شديد الحرارة يشوي وجوههم . قَبُح هذا الشراب الذي لا يروي ظمأهم بل يزيده ، وقَبُحَتْ النار منزلا لهم ومقامًا . وفي هذا وعيد وتهديد شديد لمن أعرض عن الحق ، فلم يؤمن برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، ولم يعمل بمقتضاها .
قوله تعالى : { وقل الحق من ربكم } أي : ما ذكر من الإيمان والقرآن ، معناه : قل يا محمد لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا : أيها الناس قد جاءكم من ربكم الحق وإليه التوفيق والخذلان ، وبيده الهدى والضلال ، ليس إلي من ذلك شيء . { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } ، هذا على طريق التهديد والوعيد كقوله : { اعملوا ما شئتم } [ فصلت -40 ] . وقيل معنى الآية : وقل الحق من ربكم ، ولست بطارد المؤمنين لهواكم ، فإن شئتم فآمنوا وإن شئتم فاكفروا ، فإن كفرتم فقد أعد لكم ربكم ناراً أحاط بكم سرادقها ، وإن آمنتم فلكم ما وصف الله عز وجل لأهل طاعته . وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما في معنى الآية : من شاء الله له الإيمان آمن ، ومن شاء له الكفر ، كفر ، وهو قوله : { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله } [ الإنسان – 30 ] . { إنا أعتدنا } : أعددنا ، وهيأنا ، من الإعداد ، وهو العدة ، { للظالمين } للكافرين { ناراً أحاط بهم سرادقها } السرادق : الحجزة التي تطيف بالفساطيط .
أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة ، أنبأنا محمد بن أحمد بن الحارث ، أنبأنا محمد بن يعقوب الكسائي ، أنبأنا إبراهيم بن عبد الله الخلال ، أنبأنا عبد الله بن المبارك ، عن رشدين بن سعد ، حدثني عمرو بن الحارث ، عن دراج بن أبي السمح ، عن أبي الهيثم بن عبد الله ، عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " سرادق النار أربعة جدر كثف كل جدار مثل مسيرة أربعين سنة " . قال ابن عباس : هو حائط من نار . وقال الكلبي :هو عنق يخرج من النار فيحيط بالكفار كالحظيرة . وقيل : هو دخان يحيط بالكفار وهو الذي ذكره الله تعالى { انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب } [ المرسلات – 30 ] . { وإن يستغيثوا } ، من شدة العطش ، { يغاثوا بماء كالمهل } .
أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة ، أنبأنا محمد بن أحمد بن الحارث ، أنبأنا محمد بن يعقوب الكسائي ، أنبأنا عبد الله بن محمود ، أنبأنا إبراهيم بن عبد الله بن الخلال ، ثنا عبد الله بن المبارك عن رشدين بن سعد ، ثنا عمرو بن الحارث ، عن دراج بن أبي السمح ، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " بماء كالمهل " قال كعكر الزيت ، فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه فيه " . وقال ابن عباس : هو ماء غليظ مثل دردي الزيت . وقال مجاهد : هو القيح والدم . وسئل ابن مسعود عن : المهل فدعا بذهب وفضة فأوقد عليهما النار حتى ذابا ، ثم قال : هذا أشبه شيء بالمهل . { يشوي الوجوه } ينضج الوجوه من حره . { بئس الشراب وساءت } النار { مرتفقاً } ، قال ابن عباس : منزلاً . وقال مجاهد : مجتمعاً . وقال عطاء : مقراً . وقال القتيبي : مجلساً . وأصل المرتفق : المتكأ .