البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّـٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا} (29)

السرادق قال أبو منصور الجواليقي : هو فارسي معرب وأصله سرادار وهو الدهليز . قال الفرزدق :

تمنيتهم حتى إذا ما لقيتهم ***  تركت لهم قبل الضراب السرادقاً

وبيت مسردق أي ذو سرادق . المهل : ما أذيب من جواهر الأرض . وقيل دردي الزيت .

شوى اللحم : أنضجه من غير مرق .

و { الحق } يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف ، فقدره ابن عطية هذا { الحق } أي هذا القرآن أو هذا الإعراض عنكم وترك الطاعة لكم وصبر النفس مع المؤمنين .

وقال الزمخشري : { الحق } خبر مبتدأ محذوف والمعنى جاء الحق وزاحت العلل فلم يبق إلاّ اختياركم لأنفسكم ما شئتم من الأخذ في طريق النجاة أو في طريق الهلاك ، وجيء بلفظ الأمر والتخيير لأنه لما مكن من اختيار أيهما شاء فكأنه مخير مأمور بأن يتخير ما شاء من النجدين انتهى .

وهو على طريق المعتزلة ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره { من ربكم } .

قال الضحاك : هو التوحيد .

وقال مقاتل : هو القرآن .

وقال مكي : أي الهدى والتوفيق والخذلان من عند الله يهدي من يشاء فيوفقه فيؤمن ، ويضل من يشاء فيخذله فيكفر ليس إليّ من ذلك شيء .

وقال الكرماني : أي الإسلام والقرآن ، وهذا الذي لفظه لفظ الأمر معناه التهديد والوعيد ولذلك عقبه بقوله : { إنّا أعتدنا للظالمين } قال معناه ابن عباس .

وقال السدّي : هو منسوخ بقوله { وما تشاؤون إلاّ أن يشاء الله } وهذا قول ضعيف ، والظاهر أن الفاعل بشاء عائد على { من } .

وعن ابن عباس من شاء الله له بالإيمان آمن ، ومن لا فلا انتهى .

وحكى ابن عطية عن فرقة أن الضمير في { شاء } عائد على الله تعالى ، وكأنه لما كان الإيمان والكفر تابعين لمشيئة الله جاء بصيغة الأمر حتى كأنه تحتم وقوعه مأمور به مطلوب منه .

وقرأ أبو السمال قعنب وقلَ الحق بفتح اللام حيث وقع .

قال أبو حاتم : وذلك رديء في العربية انتهى .

وعنه أيضاً ضم اللام حيث وقع كأنه اتباع لحركة القاف .

وقرأ أيضاً { الحق } بالنصب .

قال صاحب اللوامح : هو على صفة المصدر المقدر لأن الفعل يدل على مصدره وإن لم يذكر فينصبه معرفة كنصبه إياه نكرة ، وتقديره { وقل } القول { الحق } وتعلق { من } بمضمر على ذلك مثل هو إرجاء والله أعلم .

وقرأ الحسن وعيسى الثقفي بكسر لامي الأمر .

ولما تقدم الإيمان والكفر أعقب بما أعد لهما فذكر ما أعد للكافرين يلي قوله { فليكفر } وأتى بعد ذلك بما أعد للمؤمنين ، ولما كان الكلام مع الكفار وفي سياق ما طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم كانت البداءة بما أعد لهم أهم وآكد ، وهما طريقان للعرب هذه الطريق والأخرى أنه يجعل الأول في التقسيم للأول في الذكر ، والثاني للثاني .

والسرادق قال ابن عباس : حائط من نار محيط بهم .

وحكى أقضى القضاة الماوردي أنه البحر المحيط بالدنيا .

وحكى الكلبي : أنه عنق يخرج من النار فيحيط بالكفار .

وقيل : دخان { وإن يستغيثوا } يطلبوا الغوث مما حل بهم من النار وشدة إحراقها واشتداد عطشهم { يغاثوا } على سبيل المقابلة وإلاّ فليست إغاثة .

وروي في الحديث أنه عكر الزيت إذا قرب منه سقطت فروة وجهه فيه .

وقال ابن عباس : ماء غليظ مثل دردي الزيت .

وعن مجاهد أنه القيح والدم الأسود .

وعن ابن جبير : كل شيء ذائب قد انتهى حرّه .

وذكر ابن الأنباري أنه الصديد .

وعن الحسن أنه الرماد الذي ينفط إذا خرج من التنور .

وقيل : ضرب من القطران .

و { يشوي } في موضع الصفة لماء أو في موضع الحال منه لأنه قد وصف فحسن مجيء الحال منه ، وإنما اختص { الوجوه } لكونها عند شربهم يقرب حرّها من وجوههم .

وقيل : عبر بالوجوه عن جميع أبدانهم ، والمعنى أنه ينضج به جميع جلودهم كقوله { كلما نضجت جلودهم } والمخصوص بالذم محذوف تقديره { بئس الشراب } هو أي الماء الذي يغاثون به .

والضمير في { ساءت } عائد على النار .

والمرتفق قال ابن عباس : المنزل .

وقال عطاء : المقر .

وقال القتبي : المجلس .

وقال مجاهد : المجتمع ، وأنكر الطبري أن يعرف لقول مجاهد معنى ، وليس كذلك كان مجاهداً ذهب إلى معنى الرفاقة ومنه الرفقة .

وقال أبو عبيدة : المتكأ .

وقال الزجاج : المتكأ على المرفق ، وأخذه الزمخشري فقال : متكأ من المرفق وهذا لمشاكلة قوله { وحسنت مرتفقاً } وإلا فلا ارتفاق لأهل النار ولا اتكاء .

وقال ابن الأنباري : ساءت مطلباً للرفق ، لأن من طلب رفقاً من جهنم عدمه .

وقال ابن عطية : قريباً من قول ابن الأنباري .

قال : والأظهر عندي أن يكون المرتفق بمعنى الشيء الذي يطلب رفقه باتكاء وغيره .

وقال أبو عبد الله الرازي : والمعنى بئس الرفقاء هؤلاء ، وبئس موضع الترافق النار .