في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ} (186)

178

وقبل أن يمضي السياق في بيان أحكام تفصيلية عن مواعيد الصيام ، وحدود المتاع فيه وحدود الإمساك . . نجد لفتة عجيبة إلى أعماق النفس وخفايا السريرة . نجد العوض الكامل الحبيب المرغوب عن مشقة الصوم ، والجزاء المعجل على الاستجابة لله . . نجد ذلك العوض وهذا الجزاء في القرب من الله ، وفي استجابته للدعاء . . تصوره الفاظ رفافة شفافة تكاد تنير :

( وإذا سألك عبادي عني ، فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان . فليستجيبوا لي ، وليؤمنوا بي ، لعلهم يرشدون ) . .

فإني قريب . . أجيب دعوة الداع إذا دعان . . أية رقة ؟ وأي انعطاف ؟ وأية شفافية ؟ وأي إيناس ؟ وأين تقع مشقة الصوم ومشقة أي تكليف في ظل هذا الود ، وظل هذا القرب ، وظل هذا الإيناس ؟

وفي كل لفظ في التعبير في الآية كلها تلك النداوة الحبيبة :

( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب . أجيب دعوة الداع إذا دعان ) . .

إضافة العباد إليه ، والرد المباشر عليهم منه . . لم يقل : فقل لهم : إني قريب . . إنما تولى بذاته العلية الجواب على عباده بمجرد السؤال . . قريب . . ولم يقل اسمع الدعاء . . إنما عجل بإجابة الدعاء : ( أجيب دعوة الداع إذا دعان ) . .

إنها آية عجيبة . . آية تسكب في قلب المؤمن النداوة الحلوة ، والود المؤنس ، والرضى المطمئن ، والثقة واليقين . . ويعيش منها المؤمن في جناب رضي ، وقربى ندية ، وملاذ أمين وقرار مكين .

وفي ظل هذا الأنس الحبيب ، وهذا القرب الودود ، وهذه الاستجابة الوحية . . يوجه الله عباده إلى الاستجابة له ، والإيمان به ، لعل هذا أن يقودهم إلى الرشد والهداية والصلاح .

( فليستجيبوا لي ، وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ) . .

فالثمرة الأخيرة من الاستجابة والإيمان هي لهم كذلك . . وهي الرشد والهدى والصلاح . فالله غني عن العالمين .

والرشد الذي ينشئه الإيمان وتنشئه الاستجابة لله هو الرشد . فالمنهج الإلهي الذي اختاره الله للبشر هو المنهج الوحيد الراشد القاصد ؛ وما عداه جاهلية وسفه لا يرضاه راشد ، ولا ينتهي إلى رشاد . واستجابة الله للعباد مرجوة حين يستجيبون له هم ويرشدون . وعليهم أن يدعوه ولا يستعجلوه . فهو يقدر الاستجابة في وقتها بتقديره الحكيم .

أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث ابن ميمون - بإسناده - عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - عن النبي [ ص ] أنه قال : " إن الله تعالى ليستحي أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما خيرا فيردهما خائبين " .

وأخرج الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي - بإسناده - عن ابن ثوبان : ورواه عبد الله بن الإمام أحمد - بإسناده - عن عبادة بن الصامت : أن النبي [ ص ] قال : " ما على ظهر الأرض من رجل مسلم يدعو الله عز وجل بدعوة إلا آتاه الله إياها ، أو كف عنه من السوء مثلها ، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم " .

وفي الصحيحين : أن رسول الله [ ص ] قال : " يستجاب لأحدكم ما لم يعجل . يقول : دعوت فلم يستجب لي ! " . .

وفي صحيح مسلم : عن النبي [ ص ] أنه قال : " لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل " قيل : يا رسول الله وما الاستعجال . قال : " يقول : قد دعوت ، وقد دعوت ، فلم أر يستجاب لي ، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء " .

والصائم أقرب الدعاة استجابة ، كما روى الإمام أبو داود الطيالسي في مسنده - بإسناده - عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال : سمعت رسول الله [ ص ] يقول : " للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة " . . فكان عبد الله بن عمر إذا أفطر دعا أهله وولده ودعا . وروى ابن ماجه في سننه - بإسناده - عن عبد الله بن عمر كذلك قال : قال النبي [ ص ] : " إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد " وفي مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - : قال : قال رسول الله [ ص ] : " ثلاثة لا ترد دعوتهم : الإمام العادل ، والصائم حتى يفطر ، ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة ، وتفتح لها أبواب السماء ، ويقول : بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين " . .

ومن ثم جاء ذكر الدعاء في ثنايا الحديث عن الصيام .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ} (186)

سؤال كل أحدٍ يدلُّ على حاله ؛ لم يسألوا عن حكم ولا عن مخلوق ولا عن دين ولا عن دنيا ولا عن عقبى بل سألوا عنه فقال تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّى } . وليس هؤلاء من جملة من قال :{ ويسألونك عَنِ الجِبَالِ }[ طه : 105 ] ، ولا من جملة من قال :

{ ويسألونك عَنِ اليَتَامَى }[ البقرة : 220 ] ولا من جملة من قال :{ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ }[ البقرة : 222 ] ، ولا من جملة من قال :{ ويسألونك عَنِ الرُّوحِ }[ الإٍسراء : 85 ] ، ولا من جملة من قال : و{ يسألونك عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ }[ البقرة : 219 ] ، و{ يسألونك عِنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ }[ البقرة : 217 ] .

هؤلاء قوم مخصوصون : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّى } . أي إذا سألك عبادي عني فبماذا تجيبهم ؟ ليس هذا الجواب بلسانك يا محمد ، فأنت وإنْ كنتَ السفير بيننا وبين الخلْق فهذا الجواب أنا أتولاه { فَإِنِّي قَرِيبٌ } ( رَفَعَ الواسطة من الأغيار عن القربة فلم يَقُل قل لهم إني قريب بل قال جل شأنه : { فَإِنِّي قَرِيبٌ } .

ثم بَيَّن أن تلك القربة ما هي : حيث تقدَّس الحقُّ سبحانه عن كل اقتراب بجهة أو ابتعاد بجهة أو اختصاص ببقعة فقال : { أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ } وإن الحق سبحانه قريب - من الجملة والكافة - بالعلم والقدرة والسماع والرؤية ، وهو قريب من المؤمنين على وجه التبرية والنصرة وإجابة الدعوة ، وجلَّ وتقدَّس عن أن يكون قريباً من أحد بالذات والبقعة ؛ فإنه أحديٌّ لا يتجه في الأقطار ، وعزيز لا يتصف بالكُنْهِ والمقدار .

قوله جلّ ذكره : { أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتِجِيبُوا لي وَلْيُؤْمِنُوا بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } .

لم يَعِدْ إجابة من كان باستحقاق زهد أو في زمان عبادة ، بل قال دعوة الداعي متى دعاني وكيفما دعاني وحيثما دعاني ثم قال : { فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي } هذا تكليف ، وقوله : { أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ } تعريف وتخفيف ، قدَّم التخفيف على التكليف ، وكأنه قال : إذا دعوتني - عبدي - أَجَبْتُك ، فأَجِبنِي أيضاً إذا دَعَوْتُك ، أنا لا أرضى بِرَدِّ دعائِك فلا تَرْضَ - عبدي - بردِّي من نفسك . إجابتي لك بالخير تحملك - عبدي - على دعائي ، ولا دعاؤك يحملني على إجابتك . { فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِى } : وليثقوا في ، فإني أجيب من دعاني ، قال قائلهم :

يا عَزُّ أُقْسِم بالذي أنا عبده *** وله الحجيج وما حوت عرفات

لا أبتغي بدلاً سِواكِ خليلة *** فشقِي بقولي والكرامُ ثِقات

ثم قال في آخر الآية : { لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } أي ليس القصد من تكليفك ودعائك إلا وصولك إلى إرشادك .