في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّـٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا} (29)

28

( وقل : الحق من ربكم ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) . .

بهذه العزة ، وبهذه الصراحة ، وبهذه الصرامة ، فالحق لا ينثني ولا ينحني ، إنما يسير في طريقه قيما لا عوج فيه ، قويا لا ضعف فيه ، صريحا لا مداورة فيه . فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر . ومن لم يعجبه الحق فليذهب ، ومن لم يجعل هواه تبعا لما جاء من عند الله فلا مجاملة على حساب العقيدة ؛ ومن لم يحن هامته ويطامن من كبريائه أمام جلال الله فلا حاجة بالعقيدة إليه .

إن العقيدة ليست ملكا لأحد حتى يجامل فيها . إنما هي ملك لله ، والله غني عن العالمين . والعقيدة لا تعتز ولا تنتصر بمن لا يريدونها لذاتها خالصة ، ولا يأخذونها كما هي بلا تحوير . والذي يترفع عن المؤمنين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه لا يرجى منه خير للإسلام ولا المسلمين .

ثم يعرض ما أعد للكافرين ، وما أعد للمؤمنين في مشهد من مشاهد القيامة :

( إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها ؛ وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه . بئس الشراب وساءت مرتفقا . إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا . أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار ، يحلون فيها من أساور من ذهب ؛ ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق ، متكئين فيها على الأرائك . نعم الثواب وحسنت مرتفقا ) .

( إنا أعتدنا للظالمين نارا ) . . أعددناها وأحضرناها . . فهي لا تحتاج إلى جهد لإيقادها ، ولا تستغرق زمنا لإعدادها ! ومع أن خلق أي شيء لا يقتضي إلا كلمة الإرادة : كن . فيكون . إلا أن التعبير هنا بلفظ( اعتدنا )يلقي ظل السرعة والتهيؤ والاستعداد ، والأخذ المباشر إلى النار المعدة المهيأة للاستقبال !

وهي نار ذات سرادق يحيط بالظالمين ، فلا سبيل إلى الهرب ، ولا أمل في النجاة والإفلات . ولا مطمع في منفذ تهب منه نسمة ، أو يكون فيه استرواح !

فإن استغاثوا من الحريق والظمأ أغيثوا . . أغيثوا بماء كدردي الزيت المغلي في قول ، وكالصديد الساخن في قول ! يشوي الوجوه بالقرب منها فكيف بالحلوق والبطون التي تتجرعه ( بئس الشراب ) الذي يغاث به الملهوفون من الحريق ! ويا لسوء النار وسرادقها مكانا للارتفاق والاتكاء . وفي ذكر الارتفاق في سرادق النار تهكم مرير . فما هم هنالك للارتفاق ، إنما هم للاشتواء !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّـٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا} (29)

27

المفردات :

اعتدنا : أعددنا وهيأنا .

السرادق : لفظ فارسي معرب يراد به : الفسطاط ( الخيمة ) شبه به ما يحيط بهم من لهب النار ، المنتشر منها في سائر الجهات .

المُهل : دردي الزيت ، أو ما أذيب من المعادن كالرصاص والنحاس .

يشوي الوجوه : ينضجها إذا قدّم ؛ ليشرب لشدة حره .

مرتفقا : متكأ .

29- { وقل الحقّ من ربّكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر . . . }

أي : قل يا محمد للناس : هذا الذي جئتكم به من ربكم ، هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك ، فمن شاء أن يؤمن به ، ويدخل في غمار المؤمنين ؛ فليفعل ، ومن شاء أن يكفر به ؛ وينبذه وراء ظهره ؛ فأمره إلى الله ولست بطارد للمؤمنين من أجل أهوائكم .

قال ابن كثير : { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } . هذا من باب التهديد والوعيد الشديد ؛ ولهذا قال : { إنا اعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها . . . }

فالله تعالى لا تنفعه طاعة الطائع ، أو إيمان المؤمن ، ولا تضره معصية العاصي ، ولا كفر الكافر ، ولكن هذا الكافر الذي أنف من الحق ، واستكبر عن الدخول في الإسلام ظلما وعدوانا ، قد أعد الله له نارا مؤججة ، يحيط به لهيبها من كل جانب ، كما يحيط السرادق بمن حل فيه ، فلا مخلص منه ولا ملجأ إلى غيره .

وقال ابن كثر :

{ أحاط بهم سرادقها . . . } أي : سورها ، كإحاطة السوار بالمعصم .

أخرج أحمد والترمذي في صفة النار وابن جرير في تفسيره : عن أبي سعيد الخدري ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لسرادق النار أربعة جدور كثافة كل جدار مسافة أربعين سنة ) .

وقال ابن عباس :

{ أحاط بهم سرادقها . . . } قال : حائط من نار32 .

{ وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه } .

والمهل : ماء جهنم أسود منتن غليظ حار ، ولهذا قال : { يشوي الوجوه } . أي : من حره إذا أراد الكافر أن يشربه ، وقرّبه من وجهه : شواه حتى تسقط جلدة وجهه فيه .

وأخرج أحمد والترمذي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ماء المهل كعكر الزيت ؛ فإذا قربه إليه سقطت فروة وجهه فيه )33 .

{ بئس الشراب وساءت مرتفقا } .

أي : بئس هذا الشراب ، وما أقبحه ؛ فهو لا يطفئ غلّه ، ولا يسكن حرارة الفؤاد ؛ بل يزيد فيها إلى أقصى غاية ، وما أسوأ هذه النار منزلا ومقيلا يرتفق به أهل النار !

قال تعالى : { إنها ساءت مستقرا ومقاما } . ( الفرقان : 66 ) .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّـٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا} (29)

{ وقل الحق من ربكم } أي : هذا هو الحق { فمن شاء فليؤمن } لفظه أمر وتخيير : ومعناه أن الحق قد ظهر فليختر كل إنسان لنفسه : إما الحق الذي ينجيه ، أو الباطل الذي يهلكه ، ففي ضمن ذلك تهديد .

{ سرادقها } السرادق في اللغة ما أحاط بالشيء كالسور والجدار ، وأما سرادق جهنم قيل : حائط من نار ، وقيل : دخان .

{ كالمهل } وهو دردي الزيت إذا انتهى حره روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل : ما أذيب من الرصاص وشبهه .

{ مرتفقا } أي : شيء يرتفق به ، فهو من الرفق ، وقيل : يرتفق عليه فهو من الارتفاق بمعنى : الاتكاء .