سورة الفرقان مكية وآياتها سبع وسبعون
هذه السورة المكية تبدو كلها وكأنها إيناس لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وتسرية ، وتطمين له وتقوية وهو يواجه مشركي قريش ، وعنادهم له ، وتطاولهم عليه ، وتعنتهم معه ، وجدالهم بالباطل ، ووقوفهم في وجه الهدي وصدهم عنه .
فهي في لمحة منها تصور الإيناس اللطيف الذي يحيط به الله عبده ورسوله ؛ وكأنما يمسح على آلامه ومتاعبه مسحا رفيقا ؛ ويهدهد قلبه ، ويفيض عليه من الثقة والطمأنينة ، وينسم عليه من أنسام الرعاية واللطف والمودة .
وهي في اللمحة الأخرى تصور المعركة العنيفة مع البشرية الضالة الجاحدة المشاقة لله ورسوله ، وهي تجادل في عنف ، وتشرد في جموح ، وتتطاول في قحة ، وتتعنت في عناد ، وتجنح عن الهدى الواضح الناطق المبين .
إنها البشرية التي تقول عن هذا القرآن العظيم : ( إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون ) . . أو تقول : ( أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا )والتي تقول عن محمد رسول الله الكريم : ( إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ) . . أو تقول في استهزاء : ( أهذا الذي بعث الله رسولا ? ) . . والتي لا تكتفي بهذا الضلال ، فإذا هي تتطاول في فجور على ربها الكبير : ( وإذا قيل لهم : اسجدوا للرحمن قالوا : وما الرحمن ? أنسجد لما تأمرنا ? وزادهم نفورا ) . أو تتعنت فتقول : لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا ? .
وهي هي من قديم كما يرسمها سياق السورة من عهد نوح إلى موقفها هذا الأخير مع رسولها الأخير . . لقد اعترض القوم على بشرية الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فقالوا : ( ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ? لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ! ) .
واعترضوا على حظه من المال ، فقالوا : ( أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها ) .
واعترضوا على طريقة تنزيل القرآن فقالوا : ( لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة ! ) .
وذلك فوق التكذيب والاستهزاء والقحة والافتراء الأثيم .
ووقف الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] يواجه هذا كله ، وهو وحيد فريد مجرد من الجاه والمال ، ملتزم حده مع ربه لا يقترح عليه شيئا ، ولا يزيد على أن يتوجه إليه مبتغيا رضاه ، ولا يحفل بشيء سواه : " رب إلا يكن بك علي غضب فلا أبالي . لك العتبى حتى ترضى " . .
فهنا في هذه السورة يؤويه ربه إلى كنفه ، ويمسح على آلامه ومتاعبه ، ويهدهده ويسري عنه ، ويهون عليه مشقة ما يلقى من عنت القوم وسوء أدبهم وتطاولهم عليه ، بأنهم يتطاولون على خالقهم ورازقهم ، وخالق هذا الكون كله ومقدره ومدبره . . فلا عليه أن ينالوه بشيء من ذاك ! ( ويعبدون من دون الله مالا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا ) . . ( واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ، ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا ) . . ( وإذا قيل لهم : اسجدوا للرحمن قالوا : وما الرحمن ? ) . .
ويعزيه عن استهزائهم به بتصوير المستوى الهابط الذي يتمرغون فيه : ( أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا ? أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ? إن هم إلا كالأنعام ، بل هم أضل سبيلا ! ) .
ويعده العون والمساعدة في معركة الجدل والمحاجة : ( ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا ) . . وفي نهاية المعركة كلها يعرض عليه مصارع المكذبين من قبل : قوم موسى ونوح وعاد وثمود وأصحاب الرس وما بين ذلك من قرون .
ويعرض عليه نهايتهم التعيسة في سلسلة من مشاهد القيامة : ( الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا ) . . ( بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا . إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا . وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا . لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا ادعوا ثبورا كثيرا ) ( ويوم يعض الظالم على يديه يقول : يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا . يا ويلتا ! ليتني لم أتخذ فلانا خليلا ) . .
ويسليه بأن مثله مثل الرسل كلهم قبله : ( وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ) . . ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين . وكفى بربك هاديا ونصيرا ) .
ويكلفه أن يصبر ويصابر ، ويجاهد الكافرين بما معه من قرآن ، واضح الحجة قوي البرهان عميق الأثر في الوجدان : ( فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا ) . .
ويغريه على مشاق الجهاد بالتوكل على مولاه ( وتوكل علي الحي الذي لا يموت وسبح بحمده ، وكفى به بذنوب عباده خبيرا . .
وهكذا تمضي السورة : في لمحة منها إيناس وتسرية وعطف وإيواء من الله لرسوله . وفي لمحة منها مشاقة وعنت من المشركين لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وتتبير ونكال من الله الكبير المتعال . حتى تقرب من نهايتها ، فإذا ريح رخاء وروح وريحان ، وطمأنينة وسلام . . وإذا صورة ( عباد الرحمن ) . . ( الذين يمشون على الأرض هونا ، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما . . . )وكأنما تتمخض عنهم معركة الجهادالشاقة مع البشرية الجاحدة الضالة المعاندة المشاقة ؛ وكأنما هم الثمرة الحلوة الجنية الممثلة للخير الكامن في شجرة البشرية ذات الأشواك .
وتختم السورة بتصوير هوآن البشرية على الله ، لولا تلك القلوب المؤمنة التي تلتجىء إليه وتدعوه : ( قل : ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم . فقد كذبتم فسوف يكون لزاما ) . .
هذه هي ظلال السورة ؛ وذلك هو محورها الذي تدور عليه ، وموضوعها الذي تعالجه . وهي وحدة متصلة ، يصعب فصل بعضها عن بعض . ولكن يمكن تقسيمها إلى أربعة أشواط في علاج هذا الموضوع .
يبدأ الشوط الأول منها بتسبيح الله وحمده على تنزيل هذا القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيرا . وبتوحيد الله المالك لما في السماوات والأرض ، المدبر للكون بحكمة وتقدير ، ونفي الولد والشريك . ثم يذكر اتخاذ المشركين مع ذلك آلهة من دونه لا يخلقون شيئا وهم يخلقون . . كل أولئك قبل أن يحكي مقولاتهم المؤذية عن الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] من تكذيبه فيما جاءهم به ، وادعائهم أنه إفك افتراه ، وأنه أساطير الأولين اكتتبها . وقبل أن يحكي اعتراضاتهم على بشرية الرسول وحاجته للطعام والمشي في الأسواق ، واقتراحاتهم أن ينزل عليه ملك أو يلقى إليه كنز ، أو تكون له جنة يأكل منها . وقحتهم في وصفه [ صلى الله عليه وسلم ] بأنه رجل مسحور . . وكأنما يسبق بمقولاتهم الجاحده لربهم كي يهون على نفس الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] مقولاتهم عنه وعن رسالته . . ومن ثم يعلن ضلالهم وتكذيبهم بالساعة ، ويتوعدهم بما أعده الله لهم من سعير ، يلقون فيها مكانا ضيقا مقرنين . ويعرض في الصفحة المقابلة صورة المؤمنين في الجنة . ( لهم فيها ما يشاءون خالدين ) . . ويستمر في عرض مشهدهم يوم الحشر ، ومواجهتهم بما كانوا يعبدون من دون الله ، وتكذيب هؤلاء لهم فيما كانوا يدعون على الله من شرك . . وينتهي هذا الشوط بتسلية الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] بأن الرسل جميعا كانوا بشرا مثله ، يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق .
ويبدأ الشوط الثاني بتطاول المكذبين بلقاء الله على الله ، وقولهم : ( لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا ) . ويعاجلهم بمشهد اليوم الذي يرون فيه الملائكة . . ( وكان يوما على الكافرين عسيرا ) . . ( ويوم يعض الظالم على يديه يقول : يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ) . . ليكون في ذلك تأسية للرسول [ صلى الله عليه وسلم ] وهم يهجرون القرآن ، وهو يشكو لربه هذا الهجران . وهم يعترضون على طريقة تنزيله ويقولون ( لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة ) . ويعقب على هذا الاعتراض بمشهدهم يوم القيامة يحشرون على وجوههم ، وهم المكذبون بيوم القيامة ، وبتصوير عاقبة المكذبين قبلهم من قوم موسى وقوم نوح ، وعاد وثمود وأصحاب الرس والقرون الكثيرة بين ذلك ، ويعجب من أمرهم وهم يمرون على قرية لوط المدمرة ولا يعتبرون . فيهون بذلك كله من وقع تطاولهم على الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] وقولهم : ( أهذا الذي بعث الله رسولا ? )ثم يعقب على هذا الاستهزاء بتحقيرهم ووضعهم في صف الأنعام بل دون ذلك : ( إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ) .
والشوط الثالث جولة في مشاهد الكون تبدأ بمشهد الظل ، وتستطرد إلى تعاقب الليل والنهار ، والرياح المبشرة بالماء المحيي ، وخلقة البشر من الماء . ومع هذا فهم يعبدون من دون الله ما لاينفعهم ولا يضرهم ، ويتظاهرون على ربهم وخالقهم ، ويتطاولون في قحة إذا دعوا إلى عبادة الله الحق . . ( وإذا قيل لهم : اسجدوا للرحمن قالوا : وما الرحمن ? ) . . وهو الذي( جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرامنيرا . وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ) . . ولكنهم هم لا يتذكرون ولا يشكرون . .
ثم يجيء الشوط الأخير يصور ( عباد الرحمن )الذين يسجدون له ويعبدونه ، ويسجل مقوماتهم التي استحقوا بها هذه الصفة الرفيعة . ويفتح باب التوبة لمن يرغب في أن يسلك طريقة عباد الرحمن . ويصور جزاءهم على صبرهم على تكاليف الإيمان والعبادة : ( أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما ) .
وتختم السورة بتقرير هوان البشرية على الله لولا هذه القلوب الطائعة المستجيبة العارفة بالله في هذا القطيع الشارد الضال من المكذبين والجاحدين . .
وفي هذا الهوان تهوين لما يلقاه منهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فهو يتفق مع ظل السورة وجوها ، ويتفق مع موضوعها وأهدافها ، على طريقة التناسق الفني في القرآن .
والآن نبدأ الشوط الأول بالتفصيل :
تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا . الذي له ملك السماوات والأرض ، ولم يتخذ ولدا ، ولم يكن له شريك في الملك ، وخلق كل شيء فقدره تقديرا . واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ، ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ، ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا . .
إنه البدء الموحي بموضوع السورة الرئيسى : تنزيل القرآن من عند الله ، وعموم الرسالة إلى البشر جميعا . ووحدانية الله المطلقة ، تنزيهه عن الولد والشريك ، وملكيته لهذا الكون كله ، وتدبيره بحكمة وتقدير . . وبعد ذلك كله يشرك المشركون ، ويفتري المفترون ، ويجادل المجادلون ، ويتطاول المتطاولون !
( تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ) . .
والتبارك تفاعل من البركة ، يوحي بالزيادة فيها والفيض والرفعة جميعا . ولم يذكر لفظ الجلالة واكتفى بالاسم الموصول ( الذي نزل الفرقان )لإبراز صلته وإظهارها في هذا المقام ، لأن موضوع الجدل في السورة هو صدق الرسالة وتنزيل القرآن .
وسماه الفرقان . بما فيه من فارق بين الحق والباطل ، والهدي والضلال . بل بما فيه من تفرقة بين نهج في الحياة ونهج ، وبين عهد للبشرية وعهد . فالقرآن يرسم منهجا واضحا للحياة كلها في صورتها المستقرة في الضمير ، وصورتها الممثلة في الواقع . منهجا لا يختلط بأي منهج آخر مما عرفته البشرية قبله . ويمثل عهدا جديدا للبشرية في مشاعرها وفي واقعها لا يختلط كذلك بكل ما كان قبله . فهو فرقان بهذا المعنى الواسع الكبير . فرقان ينتهي به عهد الطفولة ويبدأ به عهد الرشد . وينتهي به عهد الخوارق المادية ويبدأ به عهد المعجزات العقلية . وينتهي به عهد الرسالات المحلية الموقوتة ويبدأ به عهد الرسالة العامة الشاملة : ( ليكون للعالمين نذيرا ) .
وفي موضع التكريم لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وفي مقام التعظيم يصفه بالعبودية : على عبده . . كذلك وصفه في مقام الإسراء والمعراج في سورة الإسراء : ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ) . وكذلك وصفه في مقام دعائه ومناجاته في سورة الجن : ( وأنه لما قام عبد الله يدعوه . . . )وكذلك يصفه هنا في مقام تنزيل الفرقان عليه كما وصفه في مثل هذا المقام في مطلع سورة الكهف :
( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا . . . )والوصف بالعبودية في هذه المواضع له دلالته على رفعة هذا المقام ، وأنه أرفع ما يرتفع إليه بشر من بني الإنسان . كما أن فيه تذكيرا خفيا بأن مقام البشرية حين يبلغ مداه لا يزيد على أن يكون مقام العبودية لله . ويبقى مقام الألوهية متفردا بالجلالة ، متجردا من كل شبهة شرك أو مشابهة . ذلك أن مثل مقام الإسراء والمعراج ، أو مقام الدعاء والمناجاة ، أو مقام الوحي والتلقي ، كان مزلة لبعض أتباع الرسل من قبل ، منها نشأت أساطير البنوة لله ، أو الصلة القائمة على غير الألوهية والعبودية . ومن ثم يحرص القرآن على توكيد صفة العبودية في هذه المقام ، بوصفها أعلى أفق يرتفع إليه المختارون من بني الإنسان .
ويرسم الغاية من تنزيل الفرقان على عبده . . ( ليكون للعالمين نذيرا ) . . وهذا النص مكي ، وله دلالته على إثبات عالمية هذه الرسالة منذ أيامها الأولى . لا كما يدعي بعض ؛ المؤرخين غير المسلمين ، أن الدعوة الإسلامية نشأت محلية ، ثم طمحت بعد اتساع رقعة الفتوح أن تكون عالمية . فهي منذ نشأتها رسالة للعالمين . طبيعتها طبيعة عالمية شاملة ، ووسائلها وسائل إنسانية كاملة ؛ وغايتها نقل هذه البشرية كلها من عهد إلى عهد ، ومن نهج إلى نهج . عن طريق هذا الفرقان الذي نزله الله على عبده ليكون للعالمين نذيرا ، فهي عالمية للعالمين والرسول يواجه في مكة بالتكذيب والمقاومة والجحود . .
قال مقاتل والكلبي ومجاهد وابن عباس : نزلت في النضر بن الحارث ، فهو الذي قال هذا القول ، وعنى بقوله : وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ . عداسا مولى حويطب بن عبد العزى ، ويسارا غلام عامر بن الحضرمي ، وأبو فكيهة الرومي مولى بني الحضرمي ، وكانوا من أهل الكتاب ، يقرءون التوراة ويحدثون أحاديث منها ، فأسلموا وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعهدهم ويختلف إليهم ، فمن ثم قال النضر ما قال .
بدأت سورة الفرقان بالتوحيد ، وانتقلت إلى الرد على عباد الأوثان ، وذكرت هنا شبهات المشركين وطعنهم في القرآن ، وطعنهم في نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، الذي نزل عليه القرآن .
سورة الفرقان سورة مكية ، نزلت بعد سورة يس ، ونزلت سورة يس بعد سورة الجن ، وكان نزول سورة الجن في رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف ، وكان قد ذهب إليها سنة عشر من بعثته ، فيكون نزول سورة الفرقان في السنة العاشرة من البعثة ، وتكون من السور التي نزلت فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء . وهي فترة تميزت بقسوة مشركي مكة وعنفهم ورغبتهم في القضاء على الدعوة بكل سبيل ، ولذلك تبدو سورة الفرقان وكأنها إيناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتسرية ، وتطمين له وهو يواجه مشركي قريش وعنادهم وتعنتهم معه وجدالهم بالباطل ، ووقوفهم في وجه الهدى وصدهم عنه .
سورة تشد أزر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
تنوعت جوانب هذه السورة وتعددت ، لكنها في جملتها كانت مؤازرة لرسول الله تبثه الثقة والاطمئنان ، وتفضح شبهات المشركين ، وتنافح عن الدعوة والداعية بالعديد من السبل .
فهي في لمحة منها تصور الإيناس اللطيف الذي يحيط به الله عبده ورسوله ، وكأنما يمسح على آلامه ومتاعبه مسحا رفيقا ، ويفيض عليه بالرعاية واللطف والمودة .
وهي في لمحة تصور المعركة العنيفة مع البشرية الضالة الجاحدة المشاقة لله ورسوله ، وهي تجادل في عنف ، وتتعنت في عناد ، وتجنح عن الهدى الواضح المبين .
إنها البشرية الضالة التي تقول عن هذا القرآن العظيم : { إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ . . . } ( الفرقان : 4 ) .
أو تقول : { أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا } . ( الفرقان : 5 ) .
والتي تقول عن محمد رسول الله : { إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا } . ( الفرقان : 8 ) .
أو تقول في استهزاء : { أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا } . ( الفرقان : 41 ) .
وهذا التكذيب كان سمة الناس من عهد نوح إلى عهد محمد ، لقد اعترض القوم على بشرية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، واعترضوا على حظه من المال ، فقالوا : { أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا . . . } ( الفرقان : 8 ) .
واعترضوا على طريقة تنزيل القرآن ، فقالوا : { لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً . . . } ( الفرقان : 32 ) .
وذلك فوق التكذيب والاستهزاء ، والافتراء والإيذاء . وعندما يئس النبي من أهل مكة توجه إلى الطائف ، وبها قبائل ثقيف ، وفيها نعمة وغنى وزراعة وأعناب ، حتى كان العرب يعتقدون أن طائفا من الجن نقلها من اليمن السعيد إلى جنوب الحجاز .
وعندما ذهب إلى الطائف دعا أهلها للإسلام ؛ فردوه أسوأ رد وأغروا به السفهاء والعبيد يرجمونه بالحجارة ، حتى دميت قدماه الشريفتان ، وأغمي على النبي الأمين ، فلما أفاق مد يده لله داعيا متضرعا ، يقول :
( اللهم أشكو إليك ضعف قوتي ، وقلة حيلتي وهواني على الناس ، يا رب العالمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي ، إلى من تكلني إلى عدو يتجهمني أو بعيد ملكته أمري ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي سخطك أو يحل علي غضبك ، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، عافيتك هي أوسع لي ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
وقد نزلت سورة الفرقان في أعقاب رحلة الطائف ، فكانت حنانا ورحمة من الله لنبيه تمسح آلامه ، وتسري عنه ، وتهون عليه مشقة ما يلقى من عنت القوم وسوء أدبهم ، وتطاولهم على الرسول الذي اختارته السماء ليحمل رسالة الله إلى الناس .
وتعزيه عن استهزائهم بتصوير المستوى الهابط الذي يتمرغون فيه : { أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا } . ( الفرقان : 43 ، 44 ) .
ويتكفل القرآن بالعون والمساعدة في معركة الجدل والمحاجة : { وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا } . ( الفرقان : 33 ) .
ثم تعرض السورة أهوال القيامة ومشاهد المجرمين تهديدا ووعيدا : { وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا ( 25 ) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا } . ( الفرقان : 25 ، 26 ) .
وتصف ندم هؤلاء الكفار يوم القيامة فتقول : { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا } . ( الفرقان : 27 ، 28 ) .
ثم تقدم السورة مسيرة الأنبياء وجهادهم وبلاءهم تسلية للرسول الأمين ، ثم تحثه على الصبر والمصابرة ، وعلى جهاد الكفار بالحجة والبرهان : { فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا } . ( الفرقان : 52 ) .
وهكذا تمضي السورة ، في جانب منها إيناس وتسرية وعطف وإيواء من الله لرسوله ، وفي جانب آخر مشاقة وعنت من المشركين لرسول الله ، وتقدم السورة جوانب القدرة الإلهية ، وتصف عجائب صنع الله في مد الظل وتسخير الشمس ، وخلق الليل والنهار ، والظلام والنور ، وإنزال المطر وإنبات النبات ، وخلق الإنسان والكواكب والبروج والأفلاك ، وتتوعد المشركين بالعذاب والعقاب .
فإذا اقتربت السورة من نهايتها وصفت عباد الرحمن بالتواضع وقيام الليل ، والاقتصاد في النفقة ، والاحتراز من الشرك والزنا وقتل النفس ، وتذكر فضل التوبة ومنزلة التائبين عند الله ، وتختم السورة بتصوير هوان البشرية على الله لولا تلك القلوب المؤمنة التي تلتجئ إليه وتدعوه : { قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا } . ( الفرقان : 77 ) .
رغم أن الخط الأساسي لسورة الفرقان هو العناية بالرسول ومسح آلام الحزن عنه وتثبيت قلبه ، إلا أنه يمكن أن نقسم هذه السورة إلى أربع فقرات أو أربعة موضوعات متمايزة :
بدأ الموضوع الأول من سورة الفرقان بتسبيح الله وحمده على تنزيل هذا القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيرا . وبتوحيد الله المالك لما في السماوات والأرض ، المدبر للكون بحكمة وتقدير ، ونفي الولد والشريك . ثم شرع في ذكر ما أورده الكفار من شبه ، فذكر شبهتهم الأولى وهي قولهم : { إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ . . . } ( الفرقان : 4 ) .
ورد عليهم بأن ادعاءهم ظلم وزور ، لأنه تحداهم به فلم يمكنهم أن يأتوا بمثله .
ثم ذكر شبهتهم الثانية وهي زعمهم أن القرآن أساطير الأولين اكتتبها ، ورد عليهم بأن الذي أنزله هو خالق الإنسان ، وهو العليم بأسراره وما يناسبه .
ثم ذكر اعتراضهم على بشرية الرسول ، وحاجته للطعام والمشي في الأسواق ، واقتراحهم أن ينزل عليه ملك أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها .
ورد عليهم بأن الله لو شاء لجعل لنبيه في الآخرة جنات وقصورا خيرا مما ذكروه من نعم الدنيا ، وجميع الرسل قبل محمد كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق لأنهم بشر وذلك شأن البشر .
ويستغرق الموضوع الأول من أول السورة إلى الآية 20 منها .
بدأ الموضوع الثاني بذكر تطاول المشركين ، وزعمهم أنه كان يجب أن ينزل عليهم ملائكة تؤيد محمدا في دعواه ، أو يروا ربهم .
ثم عاجلهم بمشهد اليوم الذي يرون فيه الملائكة لا تحمل البشرى ، وإنما تحمل الإنذار والوعيد ، { وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا } . ( الفرقان : 26 ) .
ليكون في ذلك تسلية للرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهم يهجرون القرآن ، وهو يشكو لربه هذا الهجران .
ثم ذكر اعتراضهم على عدم نزول القرآن جملة واحدة ، ورد عليهم بأنه نزل مفرقا لتثبيت قلب الرسول ، وللإجابة على استفهام المستفهمين ، وتوضيح الحق أمام السائلين .
ثم ذكر أنهم في الآخرة يمشون مقلوبين ، وجوههم إلى تحت ، وأرجلهم إلى فوق ، فيضلون في أخراهم كما ضلوا في دنياهم .
ثم شرع في تأييد ذلك بتصوير عاقبة المكذبين من قبلهم ، من قوم موسى وقوم نوح ، وعاد وثمود ، وأصحاب الرس والقرون الكثيرة بين ذلك ، ويعجب من أمرهم وهم يمرون على قرية لوط المدمرة ولا يعتبرون ؛ فيهون بذلك كله من وقع تطاولهم على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقولهم : { أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا } . ( الفرقان : 41 ) .
ثم عقب على هذا الاستهزاء بتحقيرهم ووضعهم في صف الأنعام ، بل دون ذلك : { إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا } . ( الفرقان : 44 ) .
ويستغرق هذا الموضوع الآيات من : 21 : 44 .
يبدأ الموضوع الثالث بعرض مظاهر القدرة الإلهية في نظام هذا الكون وإبداع صنعته ودقة ناموسه .
فيعرض مشهد الظل ، ويستطرد إلى تعاقب الليل والنهار ، والرياح المبشرة بالماء المحيي ، وخلقة البشر من الماء ، ومع هذا فهم يعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم ، ويتظاهرون على ربهم وخالقهم ، فينصرون الشيطان على ربهم الذي يريد أن يربيهم ويهديهم ، ويتطاولون في قحة إذا دعوا إلى عبادة الرحمن ، وقد جعل الله الليل والنهار خلفة يخلف أحدهما الآخر ، ويتعاقبان ليرى الإنسان الصباح المشرق والليل المظلم ؛ فيتذكر عظمة الله ويشكره ، ولكنهم لا يتذكرون ولا يشكرون .
ويستغرق هذا الموضوع الآيات من 45 : 62 .
يصف الموضوع الرابع عباد الرحمن الذين يسجدون له ويعبدونه ، ويسجل مقوماتهم التي استحقوا بها هذه الصفة الرفيعة ، ويفتح باب التوبة على مصراعيه لمن يريد الإقبال على الله ، ويصور جزاء المؤمنين الصابرين على تكاليف الإيمان والعبادة : { أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا } . ( الفرقان : 75 ، 76 ) .
ويستغرق هذا الموضوع الآيات من 63 : 77 حيث تختم السورة ببيان هوان البشرية على الله لولا دعاء المؤمنين ، وعبادة المتقين .
وفي هذا الهوان تهوين لما يلقاه الرسول من عنت المشركين ، فهو يتفق مع ظل السورة وجوها ، ويتفق مع موضوعها وأهدافها .
{ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ( 1 ) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ( 2 ) وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا ( 3 ) } .
تبارك : تكاثرت بركته وعمت الخلائق كلها .
الفرقان : القرآن ، وسمي فرقانا لأنه فرق بين الحق والباطل ، ولأنه نزل مفرقا ، ولم ينزل جملة واحدة ، قال تعالى : وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث . . . ( الإسراء : 106 ) .
عبده : أي : محمد صلى الله عليه وسلم ، ووصفه بذلك تشريفا له ، بكونه في أقصى مراتب العبودية .
للعالمين : أي : الثقلين من الإنس والجن .
نذيرا : مخوفا لهم من عذاب الله ، إن كفروا به ولم يوحدوه .
1 – { تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا } .
كثرت بركات الله ، وعظمت نعماؤه وأفضاله ، فهو خالق الكون ، وبيده الخلق والأمر وهو على كل شيء قدير ، وقد أنزل الله القرآن على عبده محمد صلى الله عليه وسلم ، ليكون داعية إلى الإيمان ، ونذيرا للبشرية كلها من الكفر والتكذيب .
1 . امتن الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالعبودية الحقة لله ، وهذه أعظم درجة ينالها إنسان وهي أن يكون عبدا حقا لله العلي الكبير ، وقد ورد هذا المعنى في القرآن الكريم ، ففي صدر سورة الإسراء : { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } .
وفي صدر سورة الكهف يقول الله تعالى : { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } .
2 . عالمية الدعوة : هذه السورة مكية ، والآية الأولى مكية ، وفيها عالمية الرسالة ، فقد أفادت الآية أن الله أنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم ، ليبلغه للعالمين .
وفيه رد على المستشرقين ، الذين ادعوا أن الإسلام كان دعوة محلية في مكة ، فلما انتقل إلى المدينة وتكونت الدولة الإسلامية تحول إلى العالمية ، ويمكن الاستدلال بالأحاديث النبوية الصحيحة ، على عالمية الدعوة في مكة ، فقد اشتكى المؤمنون الأولون من شدة ما يلقون من العذاب من أهل مكة ، وقالوا : يا رسول الله ألا تدعو عليهم . فقال صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر ، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله ، أو الذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون ) .
وفي صحيح البخاري : أن هرقل ملك الروم سأل أبا سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فسأله عن نسبه ، وعن أتباعه ، وعن حروبه . فقال أبو سفيان : هو فينا ذو نسب ، وأكثر أتباعه من الضعفاء ، والحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه ، فقال هرقل لأبي سفيان : إن الرسل تبعث في أنساب قومها ، وأتباع الرسل هم الضعفاء والفقراء ، والإيمان يتعرض للابتلاء حتى يكتمل نوره ، وإذا كان ما تقول حقا فسيملك محمد موضع قدمي هاتين ، ولو كنت أصل إليه لغسلت عن قدميه .
وفي طريق الهجرة من مكة إلى المدينة ، تقدم فارس مقدام خلف النبي صلى الله عليه وسلم يريد القبض عليه ، أو قتله ، ليحصل على مكافأة أهل مكة ، لكن عناية الله وحفظه لنبيه ، حفظا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا سراقة ، أسلم ولك سوار كسرى ) . ثم أسلم سراقة فيما بعد ولبس خف كسرى ، وتاج كسرى ، وسراويل كسرى ، فلما رآه عمر قال له : أقبل ، فأقبل ، ثم قال له : أدبر ، فأدبر ، ثم قال عمر : رب يوم يا سراقة بن مالك ابن جشعم ، يكون هذا فخرا لك ولأبنائك من بعدك ، ثم خلعها عمر عن سراقة ووضعها في بيت مال المسلمين .
( ج ) رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم للتبشير بالجنة للطائعين ، والإنذار بالنار للعاصين ، ولكنه اقتصر هنا على الإنذار ، في مواجهة الكافرين المعاندين .
بينما قال تعالى : في سورة الأحزاب : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا } . ( الأحزاب : 45 ، 46 ) .
وقال سبحانه : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } . ( الأنبياء : 107 ) .
{ 1 - 2 ْ } { تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ْ }
هذا بيان لعظمته الكاملة وتفرده [ بالوحدانية ]{[574]} من كل وجه وكثرة خيراته وإحسانه فقال : { تَبَارَكَ ْ } أي : تعاظم وكملت أوصافه وكثرت خيراته الذي من أعظم خيراته ونعمه أن نزل هذا القرآن الفارق بين الحلال والحرام والهدى والضلال وأهل السعادة من أهل الشقاوة ، { عَلَى عَبْدِهِ ْ } محمد صلى الله عليه وسلم الذي كمل مراتب العبودية وفاق جميع المرسلين ، { لِيَكُونَ ْ } ذلك الإنزال للفرقان على عبده { لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ْ } ينذرهم بأس الله ونقمه ويبين لهم مواقع رضا الله من سخطه ، حتى إن من قبل نذارته وعمل بها كان من الناجين في الدنيا والآخرة الذين حصلت لهم السعادة الأبدية والملك السرمدي ، فهل فوق هذه النعمة وهذا الفضل والإحسان شيء ؟ فتبارك الذي هذا من بعض إحسانه وبركاته .