سورة هود مكية وآياتها ثلاث وعشرون ومائة
هذه السورة مكية بجملتها ، خلافا لما ورد في المصحف الأميري من أن الآيات ( 12 ، 17 ، 114 ) فيها مدنية . ذلك أن مراجعة هذه الآيات في سياق السورة تلهم أنها تجيء في موضعها من السياق ، بحيث لا يكاد يتصور خلو السياق منها بادئ ذي بدء . فضلا على أن موضوعاتها التي تقررها هي من صميم الموضوعات المكية المتعلقة بالعقيدة ، وموقف مشركي قريش منها ، وآثار هذا الموقف في نفس رسول الله-صلى الله عليه وسلم- والقلة المسلمة معه ، والعلاج القرآني الرباني لهذه الآثار . .
فالآية 12 مثلا هذا نصها : " فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا : لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك ، إنما أنت نذير ، والله على كل شيء وكيل " . . وواضح أن هذا التحدي وهذا العناد من قريش إلى الحد الذي يضيق به صدر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بحيث يحتاج إلى التسرية عنه ، والتثبيت على ما يوحى إليه ؛ إنما كان في مكة ، وبالذات في الفترة التي تلت وفاة أبي طالب وخديجة ، حادث الإسراء ، وجرأة المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتوقف حركة الدعوة تقريبا ؛ وهي من أقسى الفترات التي مرت بها الدعوة في مكة .
والآية 17 هذا نصها : ( أفمن كان على بينة من ربه ، ويتلوه شاهد منه ، ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة ؟ أولئك يؤمنون به ، ومن يكفر به من الاحزاب فالنار موعده ، فلا تك في مرية منه ، إنه الحق من ربك ، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ) وواضح كذلك أنها من نوع القرآن المكي واتجاهه في مواجهة مشركي قريش بشهادة القرآن للنبي صلى الله عليه وسلم ، بأنه إنما يوحى إليه من ربه ؛ وبشهادة الكتب السابقة وبخاصة كتاب مسوسى ؛ وبتصديق بعض أهل الكتاب به- وهذا ما كان في مكة من أفراد أهل الكتاب- واتخاذ هذا قاعدة للتنديد بموقف المشركين . و تهديد الأحزاب منهم بالنار ، مع تثبيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الحق الذي هو معه ، في وجه توقف الدعوة ، وعناد الأكثرية الغالبة في مكة وما حولها من القبائل . . وليس ذكر كتاب موسى بشبهة على مدنية الآية ، فهي ليست خطابا لبني إسرائيل ولا تحديا لهم- كما هو العهد في القرآن المدني- ولكنها استشهاد بموقف تصديق من بعهضهم ؛ وبتصديق كتاب موسى ، عليه السلام- لما جاء به محمد- صلى الله عليه وسلم- وهذا أشبه بالموقف في مكة في هذه الفترة الحرجة ، ومقتضياتها الواضحة .
والآية 114 واردة في سياق تسرية عن الرسول [ ص ] بما كان من الاختلاف على موسى من قبل . وتوجيهه للاستقامة كما أمر هو ومن تاب معه ، وعدم الركون إلى الذين ظلموا [ أي أشركوا ] والاستعانة بالصلاة وبالصبر على مواجهة تلك الفترة العصيبة . . وتتوارد الآيات هكذا : ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ، ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ، وإنهم لفي شك منه مريب [ 110 ] وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم ، إنه بما يعملون خبير [ 111 ] فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا ، إنه بما تعملون بصير [ 112 ] ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ، وما لكم من دون الله من أولياء ، ثم لا تنصرون [ 113 ] وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ، إن الحسنات يذهبن السيئات ، ذلك ذكرى للذاكرين [ 114 ] واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين [ 115 ] . . وواضح أن الآية قطعة من السياق المكي ، موضوعا وجوا وعبارة . .
لقد نزلت السورة بجملتها بعد يونس . ونزلت يونس بعد الإسراء . وهذا يحدد معالم الفترة التي نزلت فيها ؛ وهي من أحرج الفترات وأشقها كما قلنا في تاريخ الدعوة بمكة . فقد سبقها موت أبي طالب وخديجة ؛ وجرأة المشركين على ما لم يكونوا ليجرؤوا عليه في حياة أبي طالب - وخاصة بعد حادث الإسراء وغرابته ، واستهزاء المشركين به ، وارتداد بعض من كانوا أسلموا قبله - مع وحشة رسول الله [ ص ] من خديجة - رضي الله عنها - في الوقت الذي تجرأت فيه قريش عليه وعلى دعوته ؛ وبلغت الحرب المعلنة عليه وعلى دعوته أقسى وأقصى مداها ؛ وتجمدت حركة الدعوة حتى ما كاد يدخل في الإسلام أحد من مكة وما حولها . . وذلك قبيل أن يفتح الله على رسوله وعلى القلة المسلمة معه ببيعة العقبة الأولى ثم الثانية . .
قال ابن إسحاق : ثم إن خديجة بنت خويلد وأبا طالب هلكا في عام واحد ، فتتابعت على رسول الله [ ص ] المصائب بهلك خديجة - وكانت له وزير صدق على الإسلام يشكو إليها - وبهلك عمه أبي طالب - وكان له عضدا وحرزا في أمره ، ومنعة وناصرا على قومه - وذلك قبل مهاجرته إلى المدينة بثلاث سنين . فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله [ ص ] من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب ، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش ، فنثر على رأسه ترابا .
قال ابن إسحاق : فحدثني هشام بن عروة ، عن أبيه عروة بن الزبير ، قال : لما نثر ذلك السفيه على رأس رسول الله [ ص ] ذلك التراب ، دخل رسول الله [ ص ] بيته والتراب على رأسه ، فقامت إليه إحدى بناته ، فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي . ورسول الله [ ص ] يقول لها : " لاتبكي يا بنية ، فإن الله مانع أباك " قال : ويقول بين ذلك : " ما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب " .
وقال المقريزي في إمتاع الأسماع : فعظمت المصيبة على رسول الله [ ص ] بموتهما وسماه " عام الحزن " وقال : " ما نالت قريش مني شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب " لأنه لم يكن في عشيرته وأعمامه حاميا له ولا ذابا عنه غيره .
ففي هذه الفترة نزلت سورة هود ويونس قبلها ، وقبلهما سورة الإسراء وسورة الفرقان وكلها تحملطابع هذه الفترة ؛ وتحدث عن مدى تحدي قريش وتعديها .
وآثار هذه الفترة وجوها وظلالها واضحة في جو السورة وظلالها وموضوعاتها ! وبخاصة ما يتعلق بتثبيت رسول الله [ ص ] والذين معه على الحق ؛ والتسرية عنه مما يساور قلبه من الوحشة والضيق والغربة في المجتمع الجاهلي .
وقد برز طابع هذه الفترة ومقتضياتها في السورة في سمات عدة نشير إلى بعض منها :
فمن ذلك استعراض السورة لحركة العقيدة الإسلامية في التاريخ البشري كله ، من لدن نوح - عليه السلام - إلى عهد محمد - عليه الصلاة والسلام - وتقرير أنها قامت على حقائق أساسية واحدة : هي الدينونة لله وحده بلا شريك ، والعبودية له وحده بلا منازع ؛ والتلقي في هذه الدينونة والعبودية عن رسل الله وحدهم على مدار التاريخ . مع الاعتقاد بأن الحياة الدنيا إنما هي دار ابتلاء لا دار جزاء ؛ وأن الجزاء إنما يكون في الآخرة ؛ وأن حرية الاختيار التي أعطاها الله للإنسان ليختار الهدى أو الضلال هي مناط هذا الابتلاء .
ولقد جاء محمد عليه الصلاة والسلام ومعه ( كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ) . . أما مضمون هذا الكتاب الأساسي فهو : ( ألا تعبدوا إلا الله ، إنني لكم منه نذير وبشير . وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ، ويؤت كل ذي فضل فضله ، وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير . إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير ) . . .
ولكن هذه لم تكن دعوة مبتدعة ولا قولا غير مسبوق . . لقد قالها من قبل نوح وهود وصالح وشعيب وموسى وغيرهم : ( ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه ، إني لكم نذير مبين . أن لا تعبدوا إلا الله ، إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم ) . . ( وإلى عاد أخاهم هودا قال : يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون . يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني ، أفلا تعقلون ؟ ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ، يرسل السماء عليكم مدرارا ، ويزدكم قوة إلى قوتكم . . ولا تتولوا مجرمين ) . . ( وإلى ثمود أخاهم صالحا ، قال : يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره ، هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ، فاستغفروه ثم توبوا إليه ، إن ربي قريب مجيب ) . . ( وإلى مدين أخاهم شعيبا قال . يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، ولا تنقصوا المكيال والميزان ، إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط . ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين . بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ ) . .
فكلهم إذن قال هذه الكلمة الواحدة ودعا بهذه الدعوة الثابتة . .
ومن ذلك عرض مواقف الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - وهم يتلقون الإعراض والتكذيب ، والسخرية والاستهزاء ، والتهديد والإيذاء ، بالصبر والثقة واليقين بما معهم من الحق ، وفي نصر الله الذي لا شك آت ؛ ثم تصديق العواقب في الدنيا - وفي الآخرة كذلك - لظن الرسل الكرام بوليهم القادر العظيم ، بالتدمير على المكذبين ، وبالنجاة للمؤمنين :
ففي قصة نوح نجد هذا المشهد : ( فقال الملأ الذين كفروا من قومه : ما نراك إلا بشرا مثلنا ، وما نراك )( اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ، وما نرى لكم علينا من فضل ، بل نظنكم كاذبين . . قال : يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم ، أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ؟ ويا قوم لا أسألكم عليه مالا ، إن أجري إلا على الله ، وما أنا بطارد الذين آمنوا ، إنهم ملاقو ربهم . ولكني أراكم قوما تجهلون . ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم ؟ أفلا تذكرون ؟ ولا أقول لكم عندي خزائن الله ، ولا أعلم الغيب ، ولا أقول : إني ملك ، ولا أقول للذين تزدري أعينكم : لن يؤتيهم الله خيرا ، الله أعلم بما في أنفسهم ، إني إذن لمن الظالمين . قالوا : يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ، فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين . قال : إنما يأتيكم به الله - إن شاء - وما أنتم بمعجزين ) . . ثم يجيء مشهد الطوفان وهلاك المكذبين ونجاة المؤمنين .
وفي قصة هود نجد هذا المشهد : ( قالوا : يا هود ما جئتنا ببينة ، وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك ، وما نحن لك بمؤمنين . إن نقول : إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء . . قال : إني أشهد الله ، واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه ، فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون . إني توكلت على الله ربي وربكم ، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ، إن ربي على صراط مستقيم ، فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ، ويستخلف ربي قوما غيركم ، ولا تضرونه شيئا ، إن ربي على كل شيء حفيظ ) . . ثم تجيء العاقبة : ( ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ . وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله ، واتبعوا أمر كل جبار عنيد . وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ، ألا إن عادا كفروا ربهم ، ألا بعدا لعاد قوم هود ! ) .
وفي قصة صالح نجد هذا المشهد : ( قالوا : يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا ، أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا ؟ وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب . قال : يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة ، فمن ينصرني من الله إن عصيته ؟ فما تزيدونني غير تخسير ) . . ثم تجيء العاقبة بعد عقر الناقة والتكذيب : فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ ، إن ربك هو القوي العزيز ، وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين . كأن لم يغنوا فيها ، ألا إن ثمود كفروا ربهم ، ألا بعدا لثمود ! . .
وفي قصة شعيب نجد هذا المشهد : قالوا : يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ؟ إنك لأنت الحليم الرشيد ! قال : يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا ؟ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت وإليه أنيب . ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح ، وما قوم لوط منكم ببعيد . واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه ، إن ربي رحيم ودود . قالوا : يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول ، وإنا لنراك فينا ضعيفا ، ولولا رهطك لرجمناك ، وما أنت علينا بعزيز . قال : يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا ؟ إن ربي بما تعملون محيط . ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل ، سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب ، وارتقبوا إني معكم رقيب . . ثم تجيء الخاتمة : ( ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا ، وأخذت الذين ظلموا الصيحة ، فأصبحوا في ديارهم جاثمين . كأن لم يغنوا فيها ، ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود ! ) . .
ومن ذلك التعقيب على هذا القصص بتوجيه رسول الله [ ص ] إلى دلالته : والتسريةعنه بما أصاب إخوانه الكرام قبله ؛ وبما أولاهم الله من رعايته ونصره ؛ وتوجيهه [ ص ] إلى مفاصلة المكذبين من قومه كما فاصل الرسل الكرام أقوامهم على الحق الذي أرسلوا به . . وذلك إلى التنويه بدلالة هذا القصص ذاته على صدق دعواه في الوحي والرسالة .
فبعد نهاية قصة نوح نجد هذا التعقيب : ( تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ، ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ، فاصبر ، إن العاقبة للمتقين ) .
وفي نهاية القصص الوارد في السورة نجد هذا التعقيب الطويل إلى ختام السورة : ( ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد . وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم ، فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك ، وما زادوهم غير تتبيب . وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ، إن أخذه أليم شديد ) . . . ( ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ؛ ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ، وإنهم لفي شك منه مريب . وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم ، إنه بما يعملون خبير . فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ، ولا تطغوا ، إنه بما تعملون بصير . ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ، وما لكم من دون الله من أولياء ، ثم لا تنصرون . وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ، إن الحسنات يذهبن السيئات ، ذلك ذكرى للذاكرين . واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ) . . . ( وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ، وجاءك في هذه الحق ، وموعظة وذكرى للمؤمنين . وقل للذين لا يؤمنون : اعملوا على مكانتكم إنا عاملون . وانتظروا إنا منتظرون . ولله غيب السماوات والأرض ، وإليه يرجع الأمر كله ، فاعبده ، وتوكل عليه ، وما ربك بغافل عما تعملون ) . .
وهكذا يتجلى لنا الجانب الحركي في التوجيه القرآني ؟ وهكذا نرى القرآن يواجه واقع الدعوة والحركة في كل مرحلة بالتوجيه المكافيء للموقف ؛ وهكذا نجد القصص في القرآن يواجه مقتضيات الحركة والمعركة مع الجاهلية في مراحلها المختلفة مواجهة حية فاعلة ، شأنه شأن بقية السورة التي يجيء فيها ؛ ونجده في الوقت ذاته متناسقا مع سياق السورة وجوها وموضوعها ، متوافيا مع أهدافها ، مصدقا في عالم الواقع لما تقرره من توجيهات وأحكام وإيحاءات تقريرية .
ولقد جاء في التعريف بسورة يونس من قبل في الجزء الحادي عشر :
" ولقد كان آخر عهدنا - في هذه الظلال - بالقرآن المكي سورة الأنعام وسورة الأعراف متواليتين في ترتيب المصحف - وإن لم تكونا متواليتين في ترتيب النزول - ثم جاءت الأنفال والتوبة بجوهما وطبيعتهما وموضوعاتهما المدنية الخاصة - فالآن إذ نعود إلى القرآن المكي نجد سورتي يونس وهود متواليتين في ترتيب المصحف وفي ترتيب النزول أيضا . . والعجيب أن هناك شبها كبيرا بين هاتين السورتين وهاتين ، في الموضوع ، وفي طريقة عرض هذا الموضوع كذلك ! فسورة الأنعام تتناول حقيقة العقيدة ذاتها وتواجه الجاهلية بها ؛ وتفند هذه الجاهلية ، عقيدة وشعورا ، وعبادة وعملا . بينما سورة الأعراف تتناول حركة هذه العقيدة في الأرض ، وقصتها في مواجهة الجاهلية على مدار التاريخ . وكذلك نحن هنا مع سورتي يونس وهود . . في شبه كبير في الموضوع وفي طريقة العرض أيضا . . إلا أن سورة الأنعام تنفرد عن سورة يونس بارتفاع وضخامة في الإيقاع ، وسرعة وقوة في النبض ، ولألاء شديد في التصوير والحركة . . بينما تمضي سورة يونسفي إيقاع رخي ، ونبض هادئ ، وسلاسة وديعة ! . . فأما هود فهي شديدة الشبه بالأعراف موضوعا وعرضا وإيقاعا ونبضا . . ثم تبقى لكل سورة شخصيتها الخاصة ، وملامحها المميزة ، بعد كل هذا التشابه والاختلاف " . .
فالآن نفصل هذه الإشارة المجملة :
إن سورة يونس تحتوي على جانب من القصص مجمل . . إشارة إلى قصة نوح ، وإشارة إلى الرسل من بعده ، وشيء من التفصيل في قصة موسى ، وإشارة مجملة إلى قصة يونس . . ولكن القصص إنما يجيء في السورة شاهدا ومثالا لتصديق الحقائق الاعتقاديه التي تستهدفها السورة .
أما سورة هود فالقصص فيها هو جسم السورة . وهو إن جاء شاهدا ومثالا لتصديق الحقائق الاعتقاديه التي تستهدفها ؛ إلا أنه يبدو فيه أن استعراض حركة العقيدة الربانية في التاريخ البشري هو الهدف الواضح البارز
لذلك نجد تركيب السورة يحتوي على ثلاثة قطاعات متميزة :
القطاع الأول يتضمن حقائق العقيدة في مقدمة السورة ويشغل حيزا محدودا .
والقطاع الثاني يتضمن حركة هذه الحقيقة في التاريخ ويشغل معظم سياق السورة .
والقطاع الثالث يتضمن التعقيب على هذه الحركة في حيز كذلك محدود . .
وواضح أن قطاعات السورة بجملتها تتعاون وتتناسق في تقرير الحقائق الاعتقادية الأساسية التي يستهدفها سياق السورة كله ؛ وأن كل قطاع منها يقرر هذه الحقائق وفق طبيعته وطريقة تناوله لهذه الحقائق . وهي تختلف بين التقرير والقصص والتوجيه
وهذه الحقائق الأساسية التي تستهدف السورة تقريرها هي :
أن ما جاء به النبي [ ص ] وما جاء به الرسل من قبله حقيقة واحدة موحى بها من الله - سبحانه - وهي تقوم على الدينونة لله وحده بلا شريك . والتلقي في هذه الدينونة عن رسل الله وحدهم كذلك . والمفاصلة بين الناس على أساس هذه الحقيقة :
ففي مقدمة السورة تجيء هذه الآيات عن حقيقة دعوة رسول الله - [ ص ] :
ألر . كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير . ألا تعبدوا إلا الله ، إنني لكم منه نذير وبشير . . ( أم يقولون : افتراه ؟ قل : فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين . فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ، وأن لا إله إلا هو ، فهل أنتم مسلمون ؟ ) .
وفي قصص الرسل يرد عن حقيقة دعوتهم ؛ وعن المفاصلة بينهم وبين قومهم وأهلهم على أساس العقيدة :
( ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه ، إني لكم نذير مبين ألا تعبدوا إلا الله ، إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم ) .
( قال : يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم ، أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ؟ ) . .
( ونادى نوح ربه فقال : رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين . قال : يا نوح )( إنه ليس من أهلك ، إنه عمل غير صالح ، فلا تسألن ما ليس لك به علم ، إني أعظك أن تكون من الجاهلين ) .
( وإلى عاد أخاهم هودا قال : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون . . )
( وإلى ثمود أخاهم صالحا ، قال : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب . . )
( قال : يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة ، فمن ينصرني من الله إن عصيته ؟ فما تزيدونني غير تخسير . . )
( وإلى مدين أخاهم شعيبا ، قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره . . . ) .
( قال : يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا . . . ) .
وفي التعقيب ترد هذه الآيات عن حقيقة الدعوة وعن المفاصلة بين الناس على أساسها :
( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ، ثم لا تنصرون ) . .
( ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله ، فاعبده وتوكل عليه ، وما ربك بغافل عما تعملون ) .
وهكذا تلتقي قطاعات السورة الثلاثة على تقرير هذه الحقيقة .
ولكي يدين الناس لله وحده بالربوبية ، فإن السورة تتولى تعريفهم به سبحانه ، وتقرر كذلك أنهم في قبضته في هذه الدنيا ؛ وأنهم راجعون إليه يوم القيامة ليجزيهم الجزاء الأخير . . وتتوافى مقاطع السورة الثلاثة في تقرير هذه الحقيقة كذلك .
( ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ، ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون ، إنه عليم بذات الصدور . وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ، ويعلم مستقرها ومستودعها ، كل في كتاب مبين ، وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ، ولئن قلت : إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا : إن هذا إلا سحر مبين . ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن : ما يحبسه ؟ ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم ، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون . . )
( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون . أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار ، وحبط ما صنعوا فيها ، وباطل ما كانوا يعملون ) . .
وفي قصص الرسل تجيء أمثال هذه التعريفات :
( إني توكلت على الله ربي وربكم ، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم . فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ، ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا ، إن ربي على كل شيء حفيظ ) . .
( وإلى ثمود أخاهم صالحا . قال : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره . هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ، فاستغفروه ثم توبوا إليه ، إن ربي قريب مجيب . . )
( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة . إن أخذه أليم شديد ) . .
( وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم ، إنه بما يعملون خبير ) .
( وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون . ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ، ولا يزالون مختلفين . إلا من رحم ربك ، ولذلك خلقهم ، وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) . . وهكذا تتوافى قطاعات السورة الثلاثة كذلك على التعريف بحقيقة الألوهية وحقيقة الآخرة في سياقها . وهي لا تستهدف إثبات وجود الله - سبحانه - إنما تستهدف تقرير ربوبية الله وحده في حياة البشر ، كما أنها مقررة في نظام الكون . . فقضية الألوهية لم تكن محل خلاف ؛ إنما قضية الربوبية هي التي كانت تواجهها الرسالات ؛ وهي التي كانت تواجهها الرسالة الأخيرة . إنها قضية الدينونة لله وحده بلا شريك ؛ والخضوع لله وحده بلا منازع . ورد أمر الناس كلهم إلى سلطانه وقضائه وشريعته وأمره . كما هو واضح من هذه المقتطفات من قطاعات السورة جميعا .
وفي سبيل إنشاء تلك الحقائق الاعتقادية في الضمائر ، وتثبيتها في النفوس ، وتعميقها في الكيان البشري ، وبث الحياة النابضة الدافعة فيها بحيث تستحيل قوة إيجابية موحية ، مكيفة للمشاعر والتصورات والأعمال والحركات . . في سبيل إنشاء تلك الحقائق على هذا النحو وفي هذا المستوى يحتوي سياق السورة على شتى المؤثرات الموحية والإيقاعات التي تلمس أوتار الكيان البشري كلها في عمق واستجاشة ، وهو يعرض هذه الحقائق ويفصلها . .
يحتوي الكثير من الترغيب والترهيب . . الترغيب في خير الدنيا والآخرة لمن يستجيب لداعي الدينونة لله وحده بلا شريك ، وما تحمله للبشرية من خير وصلاح ونماء . . والترهيب بالحرمان من خير الدنيا أو الآخرة ؛ وبالعذاب في الدنيا أو في الآخرة لمن يعرضون عن هذا الداعي ، ويسلكون طريق الطواغيت حيث يسلمونهم في الآخرة إلى جهنم ، التي يقودون لها أتباعهم في الآخرة جزاء ما استسلم لقيادتهم هؤلاء الأتباع في الدنيا ؛ ورضوا بالدينونة لهم دون الدينونة لله تعالى . وهذه نماذج من الترهيب والترغيب :
( . . . ألا تعبدوا إلا الله ، إنني لكم منه نذير وبشير ، وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ، ويؤت كل ذي فضل فضله . وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير . إلى الله مرجعكم ، وهو على كل شيء قدير ) . .
( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها ، وهم فيها لا يبخسون . أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار ، وحبط ما صنعوا فيها ، وباطل ما كانوا يعملون ) . .
( أفمن كان على بينة من ربه ، ويتلوه شاهد منه ، ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة ؟ أولئك يؤمنون به ، ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ، فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون . ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ؟ أولئك يعرضون على ربهم ، ويقول الأشهاد : هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ، ألا لعنة الله على الظالمين . الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ، وهم بالآخرة هم كافرون . أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض ، وما كان لهم من دون الله من أولياء ، يضاعف لهم العذاب ، ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون . أولئك الذين خسروا أنفسهم ، وضل عنهم ما كانوا يفترون . لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون . إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون . مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع ، هل يستويان مثلا ؟ أفلا تذكرون ؟ ) .
( ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ، يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ، ولا تتولوا مجرمين ) . . . ( فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ، ويستخلف ربي قوما غيركم ، ولا تضرونه شيئا ، إن ربي على كل شيء حفيظ ) . .
( ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين . إلى فرعون وملئه ، فاتبعوا أمر فرعون ، وما أمر فرعون برشيد . يقدم قومه يوم القيامة ، فأوردهم النار ، وبئس الورد المورود . واتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود ! . . . )
ويحتوي السياق ذلك القصص الطويل الذي يصدق ذلك الترغيب والترهيب في حركة العقيدة على مدار التاريخ ؛ من مصارع المكذبين ونجاة المؤمنين - على النحو الذي سبق في بعض المقتطفات - ويبرز مشهد الطوفان بصفة خاصة ؛ ويبلغ نبض السورة أعلى مستواه في ثنايا هذا المشهد الكوني الفريد :
( وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ، فلا تبتئس بما كانوا يفعلون . واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ، ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون . ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ، قال : إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون . فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ، ويحل عليه عذاب مقيم . حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا : احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك - إلا من سبق عليه القول - ومن آمن ، وما آمن معه إلا قليل . وقال : اركبوا فيها باسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم . وهي تجري بهم في موج كالجبال ، ونادى نوح ابنه - وكان في معزل - يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين . قال : سآوي إلى جبل يعصمني من الماء ! قال : لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ، وحال بينهما الموج فكان من المغرقين . وقيل : يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء ، وقضي الأمر واستوت على الجودي ، وقيل : بعدا للقوم الظالمين . . . الخ . . . الخ . . . الخ . . . )
ويحتوي بعض صور النفس البشرية في مواجهة الأحداث الجارية بالنعماء والبأساء ؛ فيرفع للمكذبين المستعجلين بالعذاب ، المتحدين للنذر في استهتار . . يرفع لهم صورأنفسهم وهم في مواجهة ما يستعجلون به حين يحل بهم ؛ وفي الحسرات التي تصيب أنفسهم على تقلب الأحداث بهم ؛ وفوت النعمة وإفلاتها من أيديهم ؛ وفي البطر والغرور والانخداع بكشف الضر وفيض النعمة من جديد :
( ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن : ما يحبسه ؟ ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم . وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون . ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ، ثم نزعناها منه ، إنه ليئوس كفور . ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن : ذهب السيئات عني ، إنه لفرح فخور . إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات ، أولئك لهم مغفرة وأجر كبير . . . )
ويحتوي شيئا من مشاهد القيامة ؛ وصور المكذبين فيها ؛ ومواجهتهم لربهم الذي كذبوا بوحيه وتولوا عن رسله ؛ وما يجدونه يومئذ من خزي ؛ لا ينصرهم منه أرباب ولا شفعاء :
( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ؟ أولئك يعرضون على ربهم ، ويقول الأشهاد : هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ! ألا لعنة الله عى الظالمين ! الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ، وهم بالآخرة هم كافرون . أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض ، وما كان لهم من دون الله من أولياء ، يضاعف لهم العذاب ، ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون ، أولئك الذين خسروا أنفسهم ، وضل عنهم ما كانوا يفترون . لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون ) .
( إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ، ذلك يوم مجموع له الناس ، وذلك يوم مشهود . وما نؤخره إلا لأجل معدود . يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه ، فمنهم شقي وسعيد . فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق . خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض - إلا ما شاء ربك - إن ربك فعال لما يريد . وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض - إلا ما شاء ربك - عطاء غير مجذوذ ) .
ومن المؤثرات التي ترتجف لها القلوب ما يصوره السياق من حضور الله سبحانه واطلاعه على ما يخفي البشر من ذوات الصدور ؛ بينما هم غارون لا يستشعرون حضوره سبحانه ، ولا علمه المحيط ؛ ولا يحسون قهره للخلائق وإحاطته بها جميعا ، وهم - الذين يكذبون - في قبضته كسائر الخلائق ؛ من حيث لا يشعرون : ( إلى الله مرجعكم ، وهو على كل شيء قدير . ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ! ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون ، إنه عليم بذات الصدور . وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ، ويعلم مستقرها ومستودعها ، كل في كتاب مبين ) . .
( إني توكلت على الله ربي وربكم ، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ، إن ربي على صراط مستقيم ) .
ومن المؤثرات الموحية في سياق السورة كذلك ، استعراض موكب الإيمان . بقيادة الرسل الكرام ، على مدار الزمان . وكل منهم يواجه الجاهلية الضالة بكلمة الحق الواحدة الحاسمة الجازمة ، في صراحة وفي صرامة ، وفي ثقة وطمأنينة ويقين . . وقد مر جانب من هذا الاستعراض في المقتطفات السابقة ، والبقية ستأتي في موضعها في تفسير السورة . ومما لا شك فيه أن وحدة موقف الرسل الكرام ، ووحدة الحقيقة التي يواجهون بها الجاهلية على مدار الزمان ؛ ووحدة العبارات المحكية عنهم التي تتضمن هذه الحقيقة . . يحمل في طياته ما يحمل من قوة وإيقاع وإيحاء . .
وحسبنا في تقديم السورة هذه الإشارات المجملة حتى نلتقي بنصوص السورة مفصلة . .
( آلر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير . ألا تعبدوا إلا الله ، إنني لكم منه نذير وبشير ، وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ، يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ، ويؤت كل ذي فضل فضله ، وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير . إلى الله مرجعكم . وهو على كل شيء قدير ) . .
إنها جملة الحقائق الاعتقاديه الأساسية :
جزاء الله في الدنيا والآخرة لمن يهتدون بهداه ويتبعون منهجه للحياة .
جزاء الله في الآخرة للمكذبين ، وعودة الجميع إلى الله عصاة وطائعين .
قدرته المطلقة وسلطانه غير المحدود .
ألف . لام . راء : مبتدأ ، خبره : ( كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ) . . وهذا الكتاب المؤلف من مثل هذه الأحرف هو الذي يكذبون به . وهم عن شيء من مثله عاجزون !
( كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ) . .
أحكمت آياته ، فجاءت قوية البناء ، دقيقة الدلالة ، كل كلمة فيها وكل عبارة مقصودة ، وكل معنى فيها وكل توجيه مطلوب ، وكل إيماءة وكل إشارة ذات هدف معلوم . متناسقة لا اختلاف بينها ولا تضارب ، ومنسقة ذات نظام واحد . ثم فصلت . فهي مقسمة وفق أغراضها ، مبوبة وفق موضوعاتها ، وكل منها له حيز بمقدار ما يقتضيه .
أما من أحكمها ، ومن فصلها على هذا النحو الدقيق ؟ فهو الله سبحانه ، وليس هو الرسول : ( من لدن حكيم خبير ) . .
يحكم الكتاب عن حكمة ، ويفصله عن خبرة . . هكذا جاءت من لدنه ، على النحو الذي أنزل على الرسول ، لا تغيير فيها ولا تبديل .
تمهيد عن الوحدة الموضوعية للسورة :
هو عليه السلام : هو أول رسول إلى قوم عاد ، وعاد : أول أمة من نسل سام بن نوح1 ، وقد تحدث القرآن كثيرا عن هود فيمن تحدث عنهم من رسل الله الكرام ، وقد ذكر باسمه خمس مرات في هذه السورة سميت به .
وسورة هود : من السور المكية ، شأنها كسائر القرآن المكي : هو تقرير أصول الدين ، وإقامة الأدلة عليها ، ورد الشبه التي كان يثيرها المعارضون حول الدعوة وصاحبها ، والحديث عن اليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب ، وهي نفس الموضوعات التي تحدثت عنها السورة السابقة على سورة يونس .
والمتدبر لسورة هود ؛ يرى أنها قررت عناصر الدعوة الإلهية وهي : التوحيد ، والرسالة ، والبعث عن طريق الحجج العقلية ، مع الموازنة بين النفوس المستعدة للإيمان ، والنفوس النافرة منه . و قد عرضت لذلك في أربع وعشرين آية يختم بها الربع الأول منها ، ثم أخذت سورة هود تتحدث عن جملة من الرسل السابقين ؛ بيانا لوحدة الدعوة الإلهية ، وتسلية للرسول عليه الصلاة والسلام ، وإنذارا للمكذبين .
ويستغرق قصص هؤلاء الرسل الكرام معظم سورة هود ؛ فتذكر : قصة نوح ، وهود ، وصالح ، وإبراهيم ، ولوط ، وشعيب ، وموسى . وطريقة العرض هنا تختلف عنها في سورة أخرى ، والحلقات التي تعرض من كل قصة تختلف كذلك ؛ لاختلاف السياق ؛ فيمتنع التكرار فيما يخيل للقارئ العابر للقرآن الكريم أنه تكرار .
هذا القصص الذي يستغرق معظم سورة هود : مرتبط كل الارتباط بما قبله وما بعده من السورة ، متناسق مع السياق حتى في التعبير اللفظي أحيانا ، فالفقه ، والمشهد ، والعظة ، والتعقيب ، تتناسق كلها تناسقا عجيبا ، وتكشف عن بعض وظيفة القصة في القرآن الكريم .
{ الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ* أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ } . ( هود : 1 ، 2 ) .
وهذا المطلع يقرر أن المهمة الأولى للنبي هي : الدعوة إلى توحيد الله ، وينذر بالعذاب من يكذب بدعوة الله ، و يبشر بالنعيم من آمن بها . و قصص السورة كله يساق : لتوكيد هذين المعنيين ، فيرد في ألفاظ تكاد تكون واحدة يقولها كل رسول ، وكأنما يقولها ويمضي ، حتى يأتي أخوه فيقولها كذلك ويمضي ، والمكذبون هم المكذبون .
تبدأ قصة نوح بقوله تعالى : { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين * أن لا تعبدوا إلا الله وإني أخاف عليكم عذاب يوم أليم } . ( هود : 25 ، 26 ) .
ثم يقول هود : { يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره } . ( هود : 50 ) .
ويقول صالح : { يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } . ( هود : 61 ) .
ويقول شعيب : { يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } . ( هود : 84 ) .
ونهايات القصص كلها هلاك المكذبين وعقوبة المعتدين ، ووعيد لجميع المتكبرين عن الإيمان بالحق ، والانقياد للعقيدة الصحيحة ، قال تعالى : { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد } . ( هود : 102 ) .
وتتضمن سورة هود إثبات الوحي ، وتنزيل القرآن من عند الله وتثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم وتقوية يقينه مع من آمن به من المؤمنين ؛ حتى لا يضيق صدرهم بالمكذبين والمستهزئين .
ثم يختم القصص في سورة هود بقوله تعالى :
{ وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَة ٌوَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ } . ( هود : 120 ) .
وهكذا نجد أن القصة في القرآن الكريم تؤدي دورا متناسقا مع موضوع السورة وسياقها ، وتعرض بالطريقة وبالعبارة اللتين تحققان هذا التناسق الجميل الدقيق .
يتضمن الدرس الأول من السورة : دعوة المشركين إلى توحيد الله واستغفاره والتوبة مما هم فيه ، ويبشروهم إن فاءوا إلى هذا بمتاع حسن وجزاء طيب ، وينذر المعرضين عن الدعوة بعذاب كبير ، ويقرر عقيدة الإيمان باليوم الآخر ، والرجعة إلى الله لتحقيق البشرى والإنذار ، ثم يعرض مشهدا لهم وهم يحاولون التخفي عن مواجهة الرسول وهو يجابههم بالبيان ، يعقب عليه بعلم الله الشامل اللطيف الذي يتابعهم وهم أخفى ما يكونون عن العيون ، ويتصل بهذا المعنى علم الله بكل دابة في الأرض حيث تكون . . كما يتصل به الحديث عن خلق السماوات والأرض .
ثم يعرض صورا من النفس البشرية القلقة المتعجلة في السراء والضراء . ومع ذلك فهم يستعجلون العذاب إذا ما أخر عنهم إلى حين .
ثم ينتقل إلى التحدي بالقرآن الذي يقولون : إنه مفترى من دون الله ، وتهديد من لا يؤمنون بالآخرة ، ومن يفترون على الله الكذب ، ويعرض مشهدا من مشاهد القيامة يتجلى فيه مصداق هذا الوعيد ومصداق البشرى للمؤمنين .
ومن المعالم البارزة في هذا الدرس ما يأتي :
1 تقرير عقيدة التوحيد ، وسوق الأدلة على قدرة الله الذي أبدع الكون على غير مثال سابق .
وقد تتساءل عن سر عناية القرآن بعقيدة التوحيد وتكرير الدعوة إليها في كثير من آياته :
والجواب : أنه ما كان لدين أن يقوم في الأرض ولأن يقيم نظاما للبشر قبل أن يقرر هذه الدعوة ؛ فالتوحيد هو مفترق الطريق بين الفوضى والنظام ، وبين الخرافة والإيمان وبين الهوى واليقين .
والاعتراف بوجود الله ضروري في الفطرة السليمة ؛ لأن الله خلق الإنسان بيده ، وأودعه نفخة مقدسة من روحه ؛ ولذلك تتجه الفطرة إلى الله خالقها وبارئها ؛ لتروي ظمأها إليه ، ولتلبي نداء الشوق الكامن إليه في أعماقها .
2 عناية الآيات بأن تلفت نظر الإنسان إلى ما في الكون من آيات القدرة ، ودلائل الإعجاز ، وعجائب الصنع ، ومواطن الاعتبار فهذا الكون الفسيح الشاسع الأرجاء وما فيه من قوى منظورة لنا ، وغير منظورة ، وما يخضع له من نظام لا يحتمل الخلل ، ودقة لا تسمح بالعبث ؛ دليل على أن هذا الكون لم يوجد عن طريق صدفة عمياء ، بل إنه وجد ؛ لأن خالقا حكيما هو الذي أوجده .
3 إثبات علم الله بكل صغيرة وكبيرة في هذا الكون ، وتقدير الرزق لكل فرد من أفراد هذا العالم الفسيح ، وتيسير الأسباب للسعي والحركة ، وعمارة الكون .
ومن الآيات المشهورة بين الناس قوله تعالى : { وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } . ( هود : 6 ) .
وهي تصور علم الله الشامل المحيط بكل ما يدب على الأرض من إنسان وحيوان وزاحفة وهامة وحشرة وطير ؛ فما من دابة من هذه الدواب إلا وعند الله علمها ، وعلى الله رزقها ، وهو يعلم أين تستقر وأين تكمن ، ومن أين تجيء وأين تذهب ، وكل فرد من أفراد ها مقيد في هذا العالم الدقيق . إنها صورة متصلة للعلم الإلهي في حالة تعلقه بالمخلوقات يرتجف لها كيان الإنسان حين يحاول تصورها بخياله الإنساني فلا يطيق . فسبحان من أحاط بكل شيء علما ! !
يلمح القارئ لهذه السورة قوة أسلوبها وترابط أفكارها ، وتوالي حملاتها على الكفار حتى كأنها جيش كامل مشتمل على عديد من الكتائب والفصائل والجنود .
إنها دعت في الدرس السابق إلى التوحيد ولفت الأنظار إلى قدرة الله البالغة وعلمه المحيط بكل شيء .
وهي هنا تسوق دليلا آخر على صدق عقيدة التوحيد وصدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، هذا الدليل هو إعجاز هذا القرآن وروعته وقوته .
1 إخباره عن الأمم الماضية التي لم يعاصرها محمد صلى الله عليه وسلم ، ولم يعرف تاريخها ، ولم يقرأ عنها .
2 اشتماله على أصول التشريع ، وسياسة الخلق ، وقواعد الحكم ، وآداب المعاملة ، ونظام العبادات من صلاة وصيام وحج وزكاة .
3 إخباره عن أنباء لاحقة تأكد صدقها ، وتحقق وقوعها .
لقد ادعى كفار مكة : أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد اختلق القرآن من عنده ، ولم ينزل عليه من السماء ؛ فتحداهم القرآن أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات . أي : ليخلقوا كما اختلق محمد صلى الله عليه وسلم فهم عرب مثله ، وهم أرباب الفصاحة والبيان ، والقرآن مؤلف من حروف وكلمات وجمل يعرفونها ويؤلفون من مثلها كلامهم ، فالعجز عن الإتيان بمثل القرآن دليل على أنه ليس من صنع بشر وليس من افتراء محمد صلى الله عليه وسلم ؛ ولكنه كلام الله العليم الخبير .
وقد سمح لهم القرآن أن يستعينوا بمن شاءوا من الشركاء والفصحاء والبلغاء والشعراء والإنس والجن ؛ ليشاركوهم في تأليف هذه السور ، قال تعالى :
{ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } . ( هود : 13 ) .
وقد سبق أن تحداهم القرآن بسورة واحدة في سورة يونس ، فلماذا تحداهم بعد ذلك بعشر سور .
قال المفسرون القدامى : إن التحدي كان على الترتيب : بالقرآن كله ، ثم بعشر سور ، ثم بسورة واحدة ، ولكن هذا الترتيب ليس عليه دليل ، بل الظاهر أن سورة يونس سابقة والتحدي فيها بسورة واحدة . وسورة هود لاحقة والتحدي فيها بعشر سور .
وحقيقة أن ترتيب الآيات في النزول ليس من الضروري أن يتبع ترتيب السور ؛ فقد كانت الآية تنزل فتلحق بسورة سابقة أو لاحقة في النزول إلا أن هذا يحتاج إلى ما يثبت هذا الترتيب ، وليس في أسباب النزول ما يثبت أن آية يونس كانت بعد آية هود . والترتيب التحكمي في مثل هذا لا يجوز .
وقد حاول صاحب تفسير المنار أن يجد لهذا العدد ( عشر سور ) علة ، فأجهد نفسه طويلا ليقول : «إن المقصود بالتحدي هنا هو القصص القرآني ؛ وأنه بالاستقراء ؛ يظهر أن السور التي كان قد نزل بها قصص مطول إلى وقت نزول سورة هود كانت عشرا فتحداهم بعشر سور » . 2 وهو احتمال وجيه .
ويرى بعض المفسرين المحدثين : أن التحدي كان يلاحظ حالة القائلين وظروف القول . فيقول مرة : ائتوا بمثل هذا القرآن ، أو ائتوا بسورة ، أو بعشر سور . دون ترتيب زمني ؛ لأن الغرض كان هو التحدي في ذاته بالنسبة لأي شيء من هذا القرآن . كله ، أو بعضه ، أو سورة منه على السواء فالتحدي كان بنوع هذا القرآن لا بمقداره ، والعجز كان عن هذا النوع ، لا عن المقدار ؛ وعندئذ يستوي الكل والبعض والسورة ، ولا يلزم ترتيب ؛ إنما هو مقتضى الحالة التي يكون عليها المخاطبون ونوع ما يقولون عن هذا القرآن في هذه الحالة . فهو الذي يجعل من المناسب أن يقول : سورة ، أو عشر سور ، أو هذا القرآن . ونحن اليوم لا نملك تحديد الملابسات التي لم يذكرها لنا القرآن .
القصص في هذه السورة هو قوامها ؛ إذ عدد آياتها ( 123 ) مائة وثلاثة وعشرون آية ، يشتمل قصص الأنبياء منها على ( 89 ) تسع وثمانين آية .
لكن القصص لم يجيء فيها مستقلا إنما جاء مصداقا للحقائق الكبرى التي جاءت السورة ؛ لتقريرها ، وهي : التوحيد ، والبعث ، والجزاء .
وقد جال السياق جولات متعددة حول هذه الحقائق : جال في ملكوت السماوات والأرض ، وفي جنبات النفس ، وفي ساحة الحشر ، ثم أخذ يجول في جنبات الأرض ، وأطوار التاريخ مع قصص الماضين .
القصص هنا مفصل بعض الشيء ؛ لأنه يتضمن الجدل حول حقائق العقيدة التي وردت في مطلع السورة والتي يجيء كل رسول لتقريرها ، وكأنما المكذبون هم المكذبون وكأنما طبيعتهم واحدة ، وعقليتهم واحدة على مدار التاريخ . ويتبع القصص في هذه السورة خط سير التاريخ ، فيبدأ بنوح ، ثم هود ، ثم صالح ، ويلم بإبراهيم في الطريق إلى لوط ، ثم شعيب ، ثم إشارة إلى موسى ، ويشير إلى الخط التاريخي ؛ لأنه يذكر التالين بمصير السالفين .
وليس من قصدنا أن نذكر قصص هؤلاء الأنبياء الكرام ، فذلك مالا يتسع له المجال ، ولكن واجبنا نحو سورة هود ؛ يحتم علينا أن نذكر لمحات من سيرة هؤلاء الرسل .
لقد ألمحت سورة يونس إلى قصة نوح فذكرت الحلقة الأخيرة منها ، وهي غرق الكافرين ونجاة المؤمنين .
ولكن سورة هود تعرضت لقصة نوح بتفصيل أكثر خلال أربع وعشرين آية من الآية 25 إلى الآية 49 . تناولت دعوة نوح إلى الله ، وجداله مع قومه ، وصنعه السفينة ، وتعرضه لسخرية قومه ، ثم فوران التنور ، واكتساح الطوفان ، وركوب السفينة تسير بأمر الله وقدرته : { بسم الله مجرياها ومرساها } . ( هود : 42 ) .
ثم تهدأ العاصفة ، وتبلع الأرض ماءها ، وتمسك السماء عن المطر ، وتعود الحياة سيرتها ؛ فيناجي نوح ربه بعد غرق ولده قائلا :
أي : وقد وعدتني بنجاة أهلي فيجيبه الله : { إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح } . ( هود : 46 ) .
والمعنى : إنه عمل عملا غير صالح ، فهو من صلب نوح وذريته إلا أنه منقطع الصلة به في نسب الإيمان ، وصلة العمل الصالح . وهنا يتنبه نوح إلى حقيقة العدل الإلهي ويرى أن عقاب الله عام لكل الكافرين ، وأن نعيمه عام لجميع المؤمنين ؛ فليس بين الله وبين أحد من عباده نسب ولا صلة ، فالخلق كلهم عباد الله يتفاضلون عنده بالتقوى ، ويدركون ثوابه بالعمل الصالح : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } . ( الحجرات : 13 ) .
ويكون التعقيب على قصة نوح معبرا عن أهداف القصص القرآني مبشرا بالنجاة والنصر للمؤمنين ، منذرا بالهلاك والعذاب للكافرين . قال تعالى : { تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ } . ( هود : 49 ) .
فيحقق هذا التعقيب من أهداف القصص القرآني في هذه السورة ما يأتي :
1 حقيقة الوحي التي ينكرها المشركون ؛ فهذا القصص غيب من الغيب ما كان يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم ، وما كان معلوما لقومه ، ولا متداولا في محيطه ؛ إنما هو الوحي من لدن حكيم خبير . .
2 وحقيقة وحدة العقيدة من لدن نوح أبي البشر الثاني فهي هي ، والتعبير عنها يكاد يكون واحدا ، مشتملا على الدعوة إلى الإيمان بالله والدعوة إلى مكارم الأخلاق ، والبعد عن الرذائل والمنكرات .
3 وحقيقة السنن الجارية التي تتخلف ولا تحيد { والعاقبة للمتقين } ؛ فهم الناجون وهم المتخلفون .
{ و لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون } . ( الأنبياء : 105 ) .
تناول الدرس السابق قصة نوح عليه السلام ، ونجاته ، ومن معه في الفلك ، ثم هبوطه على الأرض مستحقا لبركات الله عليه وعلى المؤمنين من ذريته ، أما المكذبون من ذريته فلهم عذاب أليم ، وقد دارت عجلة الزمن ، ومضت خطوات التاريخ وإذا عاد من نسل نوح الذين تفرقوا في البلاد ، ومن بعدهم ثمود ، ممن حقت عليهم كلمة الله .
{ وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم } . ( هود : 48 ) .
فأما عاد : فكانوا قبيلة تسكن الأحقاف ، والحقف : كثيب الرمل المائل ، في جنوب الجزيرة العربية .
وأما ثمود : فكانت قبيلة تسكن مدائن الحجر بين تبوك والمدينة وبلغت كل منهما في زمانها أقصى القوة والمنعة والرزق والمتاع ولكن هؤلاء وهؤلاء كانوا ممن حقت عليهم كلمة الله ؛ بما عتوا عن أمر الله واختاروا الوثنية على التوحيد وكذبوا الرسل شر تكذيب ، وفي قصتهم هنا مصداق ما في مطلع السورة من بشارة للمؤمنين وإنذار للكافرين .
وقد ذكرت قصة هود في سورة الأعراف من الآية 65 72 ، وفي سورة الشعراء من الآية 123 140 ، ثم ذكرت هنا في سورة هود من الآية 50 إلى 60 .
وقد نتساءل : لماذا سميت هذه السورة بسورة هود مع أنها اشتملت على عدد كبير من قصص الأنبياء منهم : نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وموسى عليهم السلام .
والجواب : أن قوم هود قد حباهم الله نعما وافرة وخيرات جليلة وأرسل السماء عليهم بالمطر ؛ فزرعوا الأرض ، وأنشئوا البساتين ، وشادوا القصور ، ومنحهم الله فوق ذلك بسطة في أجسامهم وقوة في أبدانهم . وكان الواجب عليهم أن يفكروا بعقولهم ، وأن يشكروا الله على هذه النعم ، ولكنهم لم يفعلوا ذلك بل اتخذوا أصناما يعبدونها من دون الله ، ثم عثوا في الأرض فسادا وظلما وعدوانا ، ولما جاءهم هود يدعوهم إلى الله ويأمرهم بتقواه وطاعته و يحذرهم من البغي و العدوان لم يصيخوا لدعوته ولم يؤمنوا برسالته .
وإذا كانت السورة تسمى بأغرب شيء فيها ، فإن الغرابة في قصة هود هي أن قومه عاد كانوا أكثر فضلا ونعمة ، ولكنهم قابلوا هذه النعمة بالجحود والكنود .
وتذكر الآيات معارضتهم لهود وإنكارهم عليه ، واعتقادهم أن آلهتهم أنزلوا به الجنون والاضطراب ؛ فيتبرأ هو من آلهتهم ويتحداهم ، ويستنهض همتهم في أقصى ما يستطيعون من قوى الكيد ، وأنه سوف لا يعبأ بهم ولا بجمعهم ، قال هود : { إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا } . ( هود : 56 ) .
وهي صورة محسوسة للقوة الإلهية ، فالناصية : أعلى الجبهة والله تعالى وحده صاحب القهر والغلبة والتصريف في كل ناصية ، وهي صور حسية تناسب الموقف وتناسب غلظة القوم وشدتهم ، وتناسب صلابة أجسامهم وبنيتهم حين استكبروا في الأرض بغير الحق ، { وقالوا من أشد منا قوة أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون } . ( فصلت : 15 ) .
وتذكر الآيات هنا خاتمة أمر هود مع قومه على حسب سنة الله في نصرة أوليائه وخزي أعدائه . قال تعالى : { وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ َأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْم هُودٍ } . ( هود : 5860 ) .
وتستمر سورة هود فتعرض قصة صالح مع قومه ، ودعوته لهم إلى دين الله ، وتودده إليهم بقوله : { يا قوم هذه ناقة الله لكم آية } .
وكانت ناقة ضخمة تشرب من الماء في يوم وتتركه فلا تذوقه في اليوم الآخر ، ولكنهم عقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم ؛ فنجا الله صالحا ومن معه من المؤمنين ، وأرسل صيحة عاتية أهلكت الكافرين فصاروا جثثا هامدة ، وأصبحت ديارهم خاوية خالية ، { ألا إن ثمودا كفروا بربهم ألا بعدا لثمود } . ( هود : 68 ) .
{ الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ1 أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ2 } .
أحكمت آياته : نظمت آياته نظما محكما لا خلل فيها ولا تناقض ولا اضطراب .
فصلت : ذكرت فيها الأمور التي يحتاج إليها العباد في عقائدهم وسلوكهم ومعادهم ومعاشهم مفصلة مبينة .
من لدن حكيم : من عند إله مبدع للأمور على خير وجه .
خبير : عليم بما كان ويكون ، ظاهرا أو خفيا .
افتتح الله بعض السور القرآنية ، ببعض حروف الهجاء ، وهي للتحدي والإعجاز ، وبيان أن الخلق عاجزون عن الإتيان بمثل القرآن الكريم ، مع أنه مؤلف من حروف عربية ينطقون بها ، ويؤلفون منها كلامهم ، فإذا عجزوا عن الإتيان بمثل القرآن ؛ دل ذلك على أنه ليس من صنع بشر ، ولكن تنزيل من حكيم حميد .
وذكر بعضهم : أنها حروف للتنبيه كالجرس الذي يقرع ؛ فيتنبه التلاميذ إلى دخول المدرسة ، كذلك هذه الأحرف تنبيه للبشر ، كألا وغيرها من أدوات الاستفتاح .
{ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } .
أي : هذا كتاب عظيم الشأن ، جليل القدر ، جعلت آياته محكمة النظم والتأليف ، لا تقبل شكا ولا تأويلا ولا تبديلا ، وجعلت فصولا متفرقة في سورة ، تبين حقائق العقائد ، والأحكام والمواعظ ، وجميع ما أنزل له الكتاب من الحكم والفوائد ، فكأنها العقد المفصل بالفرائد ؛ لأنها منزلة من { حكيم } . يضع الأمور في موضعها . { خبير } بما كان وما هو كائن .
{ أحكمت آياته } . أي : نظمت نظما رصينا محكما ، بحيث لا يقع فيه نقض ولا خلل ، كالبناء المحكم المرصف ، وقيل : منعت من الفساد من قولهم : أحكمت الدابة ؛ إذا وضعت عليها الحكمة ؛ لتمنعها من الجماح قال جرير :
أبنى حنيفة ، أحكموا سفهاءكم *** إني أخاف عليكم أن أغضبا
{ ثم فصلت } . كما تفصل القلائد بالفرائد ، ومن دلائل التوحيد والأحكام والمواعظ والقصائص ، أو جعلت فصولا سورة سورة ، وآية آية ، أو فرقت في التنزيل ولم تنزل جملة واحدة . 3