{ 29-31 } { وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا * أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا }
أي : قل للناس يا محمد : هو الحق من ربكم أي : قد تبين الهدى من الضلال ، والرشد من الغي ، وصفات أهل السعادة ، وصفات أهل الشقاوة ، وذلك بما بينه الله على لسان رسوله ، فإذا بان واتضح ، ولم يبق فيه شبهة .
{ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } أي : لم يبق إلا سلوك أحد الطريقين ، بحسب توفيق العبد ، وعدم توفيقه ، وقد أعطاه الله مشيئة بها يقدر على الإيمان والكفر ، والخير والشر ، فمن آمن فقد وفق للصواب ، ومن كفر فقد قامت عليه الحجة ، وليس بمكره على الإيمان ، كما قال تعالى { لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي } وليس في قوله : { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } الإذن في كلا الأمرين ، وإنما ذلك تهديد ووعيد لمن اختار الكفر بعد البيان التام ، كما ليس فيها ترك قتال الكافرين . ثم ذكر تعالى مآل الفريقين فقال : { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ } بالكفر والفسوق والعصيان { نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا } أي : سورها المحيط بها ، فليس لهم منفذ ولا طريق ولا مخلص منها ، تصلاهم النار الحامية .
{ وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا } أي : يطلبوا الشراب ، ليطفئ ما نزل بهم من العطش الشديد .
{ يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ } أي : كالرصاص المذاب ، أو كعكر الزيت ، من شدة حرارته .
{ يَشْوِي الْوُجُوهَ } أي : فكيف بالأمعاء والبطون ، كما قال تعالى { يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد }
{ بِئْسَ الشَّرَابُ } الذي يراد ليطفئ العطش ، ويدفع بعض العذاب ، فيكون زيادة في عذابهم ، وشدة عقابهم .
{ وَسَاءَتْ } النار { مُرْتَفَقًا } وهذا ذم لحالة النار ، أنها ساءت المحل ، الذي يرتفق به ، فإنها ليست فيها ارتفاق ، وإنما فيها العذاب العظيم الشاق ، الذي لا يفتر عنهم ساعة ، وهم فيه مبلسون قد أيسوا من كل خير ، ونسيهم الرحيم في العذاب ، كما نسوه .
ولما رغبه{[46124]} في أوليائه ، وزهده في أعدائه ، ترضية بقدره{[46125]} بعد أن{[46126]} قص الحق من قصة أهل الكهف للمتعنتين ، {[46127]}علمه ما يقول لهم{[46128]} على وجه يعمهم ويعم غيرهم ويعم القصة وغيرها فقال{[46129]} تعالى مهدداً ومتوعداً - كما نقل عن علي رضي الله عنه وكذا عن غيره{[46130]} : { وقل } أي لهم{[46131]} ولغيرهم : هذا الذي جئتكم به من هذا الوحي العربي العري عن العوج ، الظاهر الإعجاز ، الباهر{[46132]} الحجج { الحق } {[46133]}كائناً { من ربكم } المحسن إليكم{[46134]} في أمر أهل الكهف وغيرهم{[46135]} من صبر نفسي مع المؤمنين ، والإعراض عمن سواهم وغير ذلك ، لا ما قلتموه في أمرهم ، ويجوز أن يكون الحق مبتدأ{[46136]} { فمن شاء } {[46137]}أي منكم ومن غيركم{[46138]} { فليؤمن } {[46139]}بهذا الذي قصصناه فيهم وفي غيرهم{[46140]} ، فهو مقبول مرغوب فيه وإن كان فقيراً زريّ{[46141]} الهيئة {[46142]}ولم ينفع إلا نفسه{[46143]} { ومن شاء } منكم{[46144]} ومن غيركم{[46145]} { فليكفر } فهو أهل لأن{[46146]} يعرض عنه ولا يلتفت إليه وإن كان أغنى الناس وأحسنهم هيئة ، وإن تعاظمت هيبته لما اشتد من أذاه ، وأفرط من ظلمه ، وسنشفي قلوب المؤمنين {[46147]}في الدارين{[46148]} بالانتقام منه{[46149]} ، والآية{[46150]} دالة على أن كلاًّ من الكفر والإيمان موقوف على المشيئة بخلق{[46151]} الله تعالى ، لأن الفعل الاختياري يمتنع حصوله بدون القصد إليه وذلك القصد إن كان بقصد آخر يتقدمه لزم أن يكون كل قصد مسبوقاً بقصد آخر إلى غير النهاية وهو محال ، فوجب أن تنتهي تلك{[46152]} القصود إلى قصد يخلقه الله في العبد على سبيل الضرورة يجب به الفعل{[46153]} ، فالإنسان مضطر في صورة مختار ، فلا دليل للمعتزلة في هذه الآية .
ولما هدد السامعين بما حاصله : ليختر كل امرىء لنفسه ما يجده غداً عند الله تعالى ، اتبع هذا التهديد تفصيلاً لما أعد للفريقين من الوعد والوعيد{[46154]} لفاً ونشراً مشوشاً - بما يليق بهذا الأسلوب المشير إلى أنه لا كفوء له من نون العظمة فقال تعالى : { إنا اعتدنا } {[46155]}أي هيأنا بما لنا من العظمة تهيئة قريبة جداً ، وأحضرنا على وجه ضخم شديد تام التقدير{[46156]} { للظالمين } أي لمن لم يؤمن ، ولكنه وصف إشارة إلى تعليق الحكم به { ناراً } {[46157]}جعلناها معدة لهم{[46158]} { أحاط بهم } كلهم { سرادقها } أي حائطها الذي يدار حولها كما يدار الحظير حول الخيمة {[46159]}من جميع الجوانب{[46160]} .
ولما كان المحرور شديد الطلب للماء قال تعالى : { وإن يستغيثوا } من حر النار فيطلبوا الغيث - وهو ماء المطر - والغوث بإحضاره{[46161]} لهم ؛ وشاكل استغاثتهم تهكماً بهم فقال تعالى{[46162]} : { يغاثوا بماء } ليس كالماء الذي قدمنا الإشارة إلى أنا نحيي به الأرض بعد صيرورتها صعيداً جرزاً ، بل{[46163]} { كالمهل } وهو القطران الرقيق وما ذاب من صفر أو حديد والزيت{[46164]} أو درديّه{[46165]} - قاله في القاموس .
وشبهه به من أجل تناهي الحر مع كونه ثخيناً ، وبين وجه الشبه بقوله تعالى : { يشوي الوجوه } أي إذا قرب إلى الفم{[46166]} فكيف بالفم والجوف ! ثم وصل بذلك ذمه فقال تعالى : { بئس الشراب } أي هو ، فإنه أسود منتن غليظ حار ، وعطف عليه ذم النار المعدة لهم فقال تعالى : { وساءت مرتفقاً * } {[46167]}أي منزلاً يعد للارتفاق{[46168]} ،
قوله تعالى : { وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا اعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا } يأمر الله نبيه محمدا ( ص ) أن يقول للناس ناصحا ومبلغا بأن الحق إنما هو من عند الله وحده .
والمراد ههنا القرآن ، أو الإسلام ؛ فإنه الحق ؛ فهو الدين الرباني المتكامل الذي لا يعتريه خلل ولا ضعف ولا تشويه شائبة من عيوب البشر ونقائصهم . والذي ينطوي في مضمونه ومعناه على كل أسباب الخير والسعادة والنجاة للبشرية ، سواء فيه العقيدة الراسخة المكينة السمحة ، أو التشريع الكبير الواسع الذي يفضّ كل النزاعات ويتناول كل القضايا والمشكلات ، ويقرر في واقع البشر كل ظواهر الأخوة والمودة والرحمة ليعيش الناس في كل زمان إخوانا متحابين متعاونين .
قوله : ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) والمراد من ذلك الوعيد والتهديد ؛ أي قد أبلغتكم دعوة ربكم وهو الحق الذي لا ريب فيه . فإن آمنتم فلسوف يُصار بكم إلى النجاة . وإن كفرتم وأدبرتم فما مصيركم إلا إلى الجحيم والهوان .
قوله : ( إنا اعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها ) السرادق ، معناه السور من نار . وذلك تهديد رعيب من الله للمشركين الخاسرين الذين يجحدون بآيات الله أو يصدون عن دينه صدا . أولئك ( اعتدنا ) أي أعددنا لهم النار وقد أحاط بهم سورها ؛ فهم غائرون في العذاب البئيس ؛ إذ تغشاهم النار فتلفح وجوههم وأبدانهم ويحيط بهم سورها الحارق المطبق من كل مكان ، فلا يجد حينئذ مناصا ولا موئلا . وذلك لون من ألوان التعذيب الفظيع الذي يغشى المجرمين يوم القيامة .
( وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه ) المهل ، معناه النحاس المذاب . وقيل : دردي الزيت{[2805]} . وقيل : ماء أسود منتن غليظ بالغ الحرارة . والمعنى : أن هؤلاء المعذبين في النار لفرط ما يصيبهم من العطاش الشديد يطلبون الماء ليشربوا ، فيسقون ماء شديد الحرارة كالمهل وهو ماء النار ، وماؤها أسود غليظ فظيع الحرارة ، كلما أدنوه من أفواههم ليشربوا سقطت جلدة وجوههم .
وهذا لون ثان من ألوان التعذيب الحارق الذي يشقى فيه الظالمون الخاسرون يوم القيامة ( بئس الشراب وساءت مرتفقا ) أي بئس هذا الشراب الذي يغاث به هؤلاء الظالمون في جهنم . ( وساءت ) هذه النار ( مرتفقا ) أي ساءت متكئا ومنزلا ومقيلا{[2806]} نسأل الله العافية والسلامة والنجاة .