فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (17)

{ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ } النكرة في سياق النفي تفيد العموم ، أي لا تعلم نفس من النفوس أي نفس كانت ما أخفاه الله سبحانه لأولئك الذين تقدم ذكرهم مما تقر به أعينهم ، قال أبو السعود : أي لا ملك مقرب ، ولا نبي مرسل ، فضلا عما عداهم ، وقيل : المراد لا تعلم نفس ما أخفى لهم علما تفصيليا ، وإلا فنحن نعلم ما أعد للمؤمنين من النعيم إجمالا من حيث أنه غرف في الجنة ، وقصور ، وأشجار ، وأنهار ، وملابس ، ومآكل وغير ذلك – قرئ ( قرة ) بالإفراد ، وقرأت بالجمع ، وقرئ ما أخفي بسكون الياء على أنه فعل مضارع مسند إلى الله سبحانه ، وقرئ بفتحها فعلا ماضيا مبنيا للمفعول ، وما نخفي بالنون مضمومة ، ويخفي بالتحتية .

قال ابن عباس : كان عرش الله على الماء فاتخذ جنة لنفسه ، ثم اتخذ دونها أخرى ، ثم أطبقهما بلؤلؤة واحدة ، ثم قال ومن دونهما جنتان ، لم يعلم الخلق ما فيهما ، وهي التي قال الله : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين تأتيهم منها كل يوم تحفة . وعنه قال : هذا مما لا تفسير له ، وعن ابن مسعود قال : إنه لمكتوب في التوراة : لقد أعد الله للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لم تر عين ، ولم تسمع أذن ، ولم يخطر على قلب بشر ، ولا يعلم ملك مقرب ، ولا نبي مرسل ، وإنه لفي القرآن : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين . وأخرج البخاري ، ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال الله : ( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ) {[1375]} قال أبو هريرة : واقرأوا إن شئتم : { فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ } .

وفي الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة ، وهي معروفة فلا نطول بذكرها ، وقيل أخفوا أعمالهم فأخفى الله ثوابهم ، وفيه دليل على أن المراد الصلاة في جوف الليل ، ليكون الجزاء وفاقا ، ثم بين سبحانه أن ذلك بسبب أعمالهم الصالحة ، فقال :

{ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } أي لأجل الجزاء بما كانوا يعملونه في الدنيا من الطاعات أوجوزوا جزاء بذلك .


[1375]:تقدم ذكره.