نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (17)

ولما ذكر جزاء المستكبرين ، فتشوفت النفس إلى جزاء المتواضعين ، أشار إلى جزائهم بفاء السبب ، إشارة إلى أنه هو الذي وفقهم لهذه الأعمال برحمته ، وجعلها سبباً إلى دخول جنته ، ولو شاء لكان غير ذلك فقال{[54786]} : { فلا تعلم نفس } أي من جميع النفوس مقربة ولا غيرها { ما أخفي لهم } أي لهؤلاء المتذكرين{[54787]} من العالم بمفاتيح الغيوب وخزائنها كما كانوا يخفون أعمالهم بالصلاة في جوف الليل وغير ذلك ولا يراؤون بها ،

ولعله بني للمفعول في قراءة الجماعة{[54788]} تعظيماً له بذهاب الفكر في المخفي كل مذهب ، أو{[54789]} للعلم بأنه{[54790]} الله تعالى الذي أخفوا نوافل أعمالهم لأجله ، وسكن حمزة الياء على {[54791]}أنه للمتكلم{[54792]} سبحانه لفتاً لأسلوب العظمة إلى أسلوب الملاطفة ، والسر مناسبته لحال الأعمال .

ولما كانت العين لا تقر فتهجع إلا عند الأمن والسرور قال : { من قرة أعين } أي من شيء نفيس سارّ تقر به أعينهم لأجل ما أقلعوها{[54793]} عن قرارها بالنوم ؛ ثم صرح بما أفهمته فاء السبب فقال : { جزاء } أي أخفاها لهم لجزائهم { بما كانوا } أي{[54794]} بما هو لهم كالجبلة { يعملون * } روى البخاري في التفسير{[54795]} عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " قال الله عز وجل : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأيت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر " ، قال أبو هريرة : اقرؤوا إن شئتم { فلا تعلم نفس }{[54796]} - الآية .


[54786]:زيد من ظ وم ومد.
[54787]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: المتذكرون.
[54788]:راجع نثر المرجان 5/358.
[54789]:في ظ: أي.
[54790]:من مد، وفي الأصل وظ وم: بأن.
[54791]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: أنها المتكلم.
[54792]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: أنها المتكلم.
[54793]:في م: أقلقوها.
[54794]:زيد من ظ.
[54795]:راجع صحيحه 2/704.
[54796]:زيد في ظ: ما أخفي لهم، وزيد في الصحيح: ما أخفي لهم من قرة أعين.