فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۖ لَا يَرَوۡنَ فِيهَا شَمۡسٗا وَلَا زَمۡهَرِيرٗا} (13)

{ متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا ( 13 ) ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا ( 14 ) ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا ( 15 ) قواريرا من فضة قدروها تقديرا ( 16 ) }

وقوله { متكئين فيها على الأرائك } منصوب على الحال من مفعول جزاهم ، والعامل فيها جزي ولا يعمل فيها صبروا ، لأن الصبر إنما كان في الدنيا قال الفراء وإن شئت جعلت متكئين تابعا كأنه قال وجزاهم جنة متكئين فيها .

وقال الأخفش يجوز أن يكون منصوبا على المدح والضمير في ( فيها ) يعود إلى الجنة ، وجوز أبو البقاء والزمخشري أن يكون متكئين صفة لجنة ، وهذا لا يجوز عند البصريين لأنه كان يلزم بروز الضمير فيقال متكئين هم فيها لجريان الصفة على غير من هي له ، وقد منعه مكي لما ذكر من عدم بروز الضمير ، ولا يجوز كونه حالا من فاعل صبروا لأن الصبر كان في الدنيا واتكاؤهم إنما هو في الآخرة .

والأرائك جمع أريكة وهي السور في الحجال وهي بيت يزين بالثياب والأسرة والستور ، وقد تقدم تفسيرها في سورة الكهف .

{ لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا } الجملة في محل نصب على الحال من مفعول جزاهم ، فتكون من الحال المترادفة أو من الضمير في متكئين فتكون من الحال المتداخلة ، أو صفة أخرى لجنة ، قال ابن مسعود الزمهرير هو البرد الشديد ، والمعنى أنهم لا يرون في الجنة حر الشمس ولا برد لزمهرير ، ومنه قول الأعشى :

منعمة طفلة كالمها لم تر شمسا ولا زمهريرا

وفي الحديث " هواء الجنة سجسج لا حر ولا قر " قال النسفي ، وقال ثعلب الزمهرير القمر بلغة طي وأنشد لشاعرهم :

وليلة ظلامها قد اعتكر قطعتها والزمهرير ما زهر ( {[1672]} )

ويروي ما ظهر أي ما طلع القمر ، وقد تقدم تفسير هذا في سورة مريم .

أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتكت النار إلى ربها فقالت رب أكل بعضي بعضا ، فجعل لها نفسين نفسا في الصيف ونفسا في الشتاء ، فشدة ما تجدون من البرد من زمهريرها ، وشدة ما تجدون في الصيف من الحر من سمومها " .


[1672]:البيت غير منسوب راجع القرطبي 19/136 والآلوسي 29/158.