فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني - الشوكاني  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَۖ تَبۡتَغِي مَرۡضَاتَ أَزۡوَٰجِكَۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (1)

مقدمة السورة:

سورة التحريم

هي اثنا عشرة آية وهي مدنية . قال القرطبي : في قول الجميع ، وتسمى سورة النبي . وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه عن ابن عباس قال نزلت سورة التحريم بالمدينة ، ولفظ ابن مردويه سورة المحرّم . وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير قال : أنزلت بالمدينة سورة النساء { يا أيها النبي لم تحرم } .

قوله : { يا أيها النبي لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ } اختلف في سبب نزول الآية على أقوال : الأوّل قول أكثر المفسرين . قال الواحدي : قال المفسرون : كان النبيّ صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة ، فزارت أباها ، فلما رجعت أبصرت مارية في بيتها مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فلم تدخل حتى خرجت مارية ثم دخلت ، فلما رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم في وجه حفصة الغيرة والكآبة قال لها : لا تخبري عائشة ولك عليّ أن لا أقربها أبداً ، فأخبرت حفصة عائشة وكانتا متصافيتين ، فغضبت عائشة ولم تزل بالنبيّ صلى الله عليه وسلم حتى حلف أن لا يقرب مارية ، فأنزل الله هذه السورة . قال القرطبي : أكثر المفسرين على أن الآية نزلت في حفصة ، وذكر القصة . وقيل : السبب أنه كان صلى الله عليه وسلم يشرب عسلاً عند زينب بنت جحش ، فتواطأت عائشة وحفصة أن تقولا له إذا دخل عليهما إنا نجد منك ريح مغافير . وقيل : السبب المرأة التي وهبت نفسها للنبيّ صلى الله عليه وسلم . وسيأتي دليل هذه الأقوال آخر البحث إن شاء الله ، وستعرف كيفية الجمع بينهما ، وجملة { تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أزواجك } مستأنفة ، أو مفسرة لقوله : { تُحَرّمُ } ، أو في محل نصب على الحال من فاعل { تحرّم } أي مبتغياً به مرضاة أزواجك ، و { مرضاة } اسم مصدر ، وهو الرضى ، وأصله مرضوة ، وهو مضاف إلى المفعول : أي أن ترضي أزواجك ، أو إلى الفاعل : أي أن يرضين هنّ { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي بليغ المغفرة والرحمة لما فرط منك من تحريم ما أحلّ الله لك ، قيل : وكان لك ذنباً من الصغائر ، فلذا عاتبه الله عليه ، وقيل : إنها معاتبة على ترك الأولى .

/خ5