{ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون( 219 ) في الدنيا والآخرة ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم( 220 ) }
الخمر : ما أسكر من عصير العنب ، ثم أصبح اسما لكل ما أسكر ، وسميت خمر لأنها تستر العقول ***
وتغطيه ، من خمر شيء إذا ستره وغطاه .
الميسر : القمار من اليسر وهو السهولة ، لأنه كسب بلا مشقة ولا كد .
الإثم : الذنب أو الشر أو الضرر .
العفو : الفضل والزيادة على الحاجة .
{ يسألونك عن الخمر والميسر . . . }
أي يسألونك عن حكم تناول الخمر ، أحلال أم حرام ، ومثل بيعها وشراؤها ونحو ذلك مما يدخل في التصرفات التي تخالف الشرع وعن حكم استعمال الميسر وفعله .
{ قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما . . . }
أي قل لهم : إن في تعاطي الخمر والميسر إثما لأن فيهما أضرارا كثيرة ومفاسد عظيمة ، وفيهما منافع للناس وضررهما أكبر من نفعهما .
أما ضرر الخمر من أي نوع اتخذت فقد أثبته الطب بما لا يدع مجالا للشك فيه ، فإن شرب الخمر يؤدي إلى التهاب الكبد وضعف المعدة وضعف مقاومة الجسم للأمراض وقد ثبت من بحوث عديدة بالمستشفيات العامة أن نسبة الوفيات بين المدمنين ترتفع على خمسين في المائة ، على حين لا تتجاوز نسبتها في غير المدمنين أربعا وعشرين في المائة( 126 ) .
وتأثيرها في العقول ملموس فقد تمت تجارب عديدة ثبت منها الغول( الكحول ) المتولد في الخمر سبب مباشر لخمس الإصابات في مستشفى الأمراض العقلية( 163 ) .
1 . الخمر مأخوذة من خمر إذا ستر ، ومنه خمار المرأة ، وكل شيء غطى شيئا فقد خمره ، ومنه :
" خمروا آنيتكم " فالخمر تخمر العقل أي تغطيه وتستره .
2 . سميت الخمر خمرا لأنها تركت حتى لأدركت كما يقال : قد اختمر العجين أيبلغ إدراكه ، وخمر الرأي أي ترك حتى يتبين فيه الوجه .
3 . سميت الخمر خمرا لأنها تخالط العقل من المخامرة وهي المخالطة ، ومنه قولهم دخلت في خمار الناس أي اختلطت بهم .
والمعاني الثلاثة متقاربة ، فالخمر تركت وخمرت حتى أدركت ثم خالطت العقل والأصل الستر( 164 ) .
أجمع جمهور العلماء على أن كلمة خمر تشمل كل شرب مسكر ، سواء كان من عصير العنب أم من الشعير أممن التمر أم من غير ذلك ، وكلها سواء في التحريم . قل المشروب منها أم كثر ، سكر شاربه أم لم يسكر ، ومن أدلتهم ما رواه الإمام مسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كل مسكر خمر ، وكل مسكر حرام ، ومن شرب الخمر في الدنيا ومات وهو يدمنها لم يتب منها ، لم يشربها في الآخرة " ( 165 ) .
ومن أدلتهم أيضا أصل الاشتقاق اللغوي لكلمة خمر ، فقد عرفنا أنها سميت بهذا الاسم لمخامرتها العقل وستره ، فكل ما خامر العقل من الأشربة وجب أن يطلق عليه لفظ خمر سواء أكان من العنب أم من غيره .
وقال أبوا حنيفة والثوري وابن أبى ليلي وابن شبرمة وجماعة من فقهاء الكوفة : " إن كلمة الخمر لا تطلق إلا عللا الشراب المسكر من عصير العنب فقط ، أما السكر من غيره كالشراب المتخذ من التمر أو الشعير فلا يسمى خمرا بل يسمى نبيذا ، وقد بنوا على هذا أن المحرم قليله وكثيره إنما هو الخمر من العنب .
أما الأنبذة فكثيرها حرام وقليلها حلال ، وإذا سكر منها احد دون أن يتعمد الوصول إلى حد السكر فلا حد عليه .
ورأى الحنيفة ومن وافقهم رأي ضعيف يرده النظر والخبر( 166 ) .
قال ابن العربي : وتعلق أبو حنيفة بأحاديث ليس لهم خطم ولا أزمة فلا يلتفت إليها ، والصحيح ما روى الأئمة أن أنسا قال : حمت الخمر يوم حرمت وما بالمدينة خمر الأعناب إلا قليل ، وعامة خمرها البسر والتمر . أخرجه البخاري واتفق الأئمة عن رواية " أن الصحابة إذ حرمت الخمر لم يكن عندهم يومئذ خمر عنب ، وإنما كانوا يشربون خمر النبيذ فكسروا دنانهم أي أواني الخمر وبادروا إلى الامتثال لاعتقادهم أن ذلك طله خمر " أي وأقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك( 167 ) .
وقال الألوسي : " وعندي أن الحق الذي ينبغي العدول عنه أن الشراب المتخذ مما عدا العنب ، كيف كان وبأي اسم سمى ، متى كان بحيث يسكر من لم يتعوده حرام ، وقليله ككثيره ويحد شاربه ويقع طلاقه ونجاسته غليظة . وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن النقيع وهو نبيذ العسل فقال : " كل شراب أسكر فهو حرام " ( 168 ) . والأحاديث متضافرة على ذلك ولعمر إن اجتماع الفسق في زماننا على شرب المسكرات مما عدا الخمر ورغبتهم فيها ، فوق اجتماعهم على شرب الخمر ورغبتهم فيه بكثير ، وقد وضعوا لها أسماء كالعنبرية والإكسير ونحوهما ظنا منهم أن هذه الأسماء تخرجها من الحرمة ، وتبيح شربها للأمة وهيهات هيهات فالأمر وراء ما يظنون ، وإنا لله وإنا إليه راجعون " ( 169 ) .
ادعى بعض المعاصرين أن القرآن لم ينص على تحريم الخمر ، بل قال " فاجتنبوه " وهو في نظرهم حث على الاجتناب وليس أمرا قاطعا يدل على تحريم الخمر .
ونقول لهؤلاء : إن الله عز وجل حرم الخمر تحريما قاطعا .
فذكر القرآن أنها رجس من عمل الشيطان ، وأمر باجتنابها ونهانا عن الاقتراب منها باستفهام تقريعي يدل على غاية التهديد قال سبحانه : { فهل أنتم منتهون ؟ }
وعندما سمع الصحابي الآيتين90-91 من سورة المائدة قالوا : انتهينا ، وأريقت الخمر في شوارع المدينة .
وقد جاءت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى اتله عليه وسلم بروايات متعددة وأسانيد مختلفة تثبت حرمة الخمر وضررها .
قال صلى الله عليه وسلم : " لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه " ( 170 ) .
" والأحاديث في تحريم الخمر أكثر من أن تحصى حتى قال العلماء : ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريم الخمر بأخبار تبلغ بمجموعها رتبة التواتر ، وأجمعت الأمة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا على تحريمها وبذلك استقرت الحرمة حكما للخمر في الإسلام وصارت حرمتها من المعلوم من الدين بالضرورة ، ومن لوازم ذلك أم من استحلها وأنكر حرمتها ، يكون خارجا عن الإسلام وأم من يتناولها طائعا مختارا يكون فاسقا عن أمر الله خارجا عن حدوده عاصيا لأحكامه( 171 ) .
من أحكام الإسلام في الخمر ما يأتي :
حرمة تناولها ، حرمة الانتفاع بذاتها ، حرمة إهدائها حرمة بيعها والانتقام بمثلها ، إهدار قيمتها ، وجوب العقوبة عليها إثبات مضارها الصحية والعقلية والمالية والنفسية .
الخمر مفتاح كل شر ، فلإنسان إذا سكر هذى إذا هذى افترى وتجرأ على المنكر القبيح " ثم إن الشارب يصير ضحكة للعقلاء فيلعب ببوله وعذرته ، وربما يمسح بهما وجهه ، حتى رأى بعضهم يمسح وجهه ببوله ويقول " اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين " .
بل إن الخمر دليل على الزنا ، ومن القولة المشهورة لأحد الفضلاء أيشرب هذا نساؤكم ؟ قالوا نعم . قال : زنين ورب الكعبة .
" والخمر والميسر يجران إلى الإثم والمخاصمة والمشاتمة وقول الفحش والزور وتعطيل الصلوات والتعوق عن ذكر الله " .
" روى النسائي عن عثمان رضي الله عنه قال : اجتنبوا الخمر فهي أم الخبائث ، إنه كان رجل ممن كان قبلكم تعبد فعلقته امرأة غوية ، فأرسلت إليه جاريتها ، فقالت له : إنا ندعوك للشهادة . فانطلق مع جاريتها فطفقت كلما دخل بابا أغلقته دونه ، حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر ، فقالت : إني والله ما دعوتك للشهادة ، ولكن دعوتك لتقع علي أو تشرب من هذا الخمر كأسا ، أو تقتل هذا الغلام ، قال : فاسقيني من هذه الخمر كأسا فسقته ، قال : زيدوني ، فلم يبرح حتى وقع عليها ، وقتل النفس . فاجتنبوا الخمر فإنه والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر إلا ليوشك أن يخرج أحدهما صاحبه( 173 ) .
" وروى أن الأعشى لما توجه إلى المدينة ليسلم لقيه بعض المشركين في الطريق فقالوا له : أين تذهب ؟ فأخبرهم أنه يرد محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا : لا تصل إليه فإنه يأمرك بالصلاة ، فقال : إن خدمة الرب واجبة ، فقالوا : إنه يأمرك بإعطاء المال إلى الفقراء ، فقال : اصطناع المعروف واجب ، فقيل له : إنه ينهى عن الزنى ، فقال : هو فحش وقبح في العقل ، وقد صرت شيخا فلا أحتاج إليه ، فقيل له : إنه ينهي عن شرب الخمر ، فقال : أما هذا فإني لا أصبر عليه . فرجع ، وقال : أشرب الخمر سنة ثم أرجه إليه ، فلم يصل إلى منزله حتى سقط عن البعير فانكسرت عنقه فمات( 174 ) .
" وكان قيس بن عاصم المنقري شرابا لها في الجاهلية ثم حرمها على نفسه وكان سبب ذلك أنه غمز عكنة( 175 ) ابنته وهو سكران ، وسب أبويه ورأى القمر فتكلم في شيء ، وأعطى الخمار كثيرا من ماله فلما أفاق أخبر بذلك فحرمها على نفسه ، وفيها يقول :
رأيت الخمر صالحة وفيها خصال تفسد الرجل الحليما
فلا والله أشربها صحيحا ولا أشفى بها أبدا سقيما
ولا أعطي بها ثمنا حياتي ولا أدعو لها أبدا نديما
فإن الخمر تفضح شاربيها وتجنبهم بها الأمر العضيما
وغير فؤادي للغواني رمية *** وغير بناني للزجاج ركاب
وللسر منى موضع لا يناله *** صديق ولا يطغى إليه شراب
وللخمود مني ساعة ثم بيننا *** فلاة على غير اللقاء تجاب
وما العشق إلا عزة وطماعة *** يعرض قلب نفسه فيصاب
تركنا لأطراف القنا كل شهوة *** فليس لنا إلا بهن لعاب
الميسر هو القمار بكسر القاف وهو في الأصل مصدر ميمي من يسر كالموعد من عد ، وهو مشتق من اليسر بمعنى السهولة ، لأن المال يجيء للكاسب من غير جهد ، أو هو مشتق من يسر بمعنى جزأ ثم أصبح علما على ما يتقامر عليه كالجزور ونحوه .
وقال القرطبي : " الميسر قمار العرب بالأزلام ، قال ابن عباس : كان الرجل في الجاهلية يخاطر الرجل على أهله وماله فأيهما قمر صاحبه بماله وأهله فنزلت الآية " ( 176 ) .
وصفة الميسر الذي كانت تستعمله العرب ، أنهم كانت لهم عشرة أقداح تسمى الأزلام والأقلام أيضا ( واحدها قدح وزلم وقلم وهي قطع من الخشب ) وأسماؤها الفذ والتؤم والرقيب والجلس والنافس والمسبل والمعلى والمنيح والسفح والرغد ، لكل واحد من السبعة الأولى نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزئونها إما عشرة أجزاء أو ثمانية وعشرون جزءا ولا شيء للثلاثة الأخيرة .
فكانوا يعطون للفذ سهما ، وللتؤم سهمين ، وللرقيب ثلاثة ، وللجلس أربعة ، وللنافس خمسة ، وللمسبل ستة وللمعلى سبعة ومن ثم يضرب به المثل فيقال لذي الحظ الكبير من كل شيء( هو صاحب القدح المعلى ) .
ومجموع هذه الأنصباء 28 سهما كالآتي :
وكانوا يجعلون هذه الأزلام في الرعاية وهي الخريطة توضع على يد عدل يجلجلها ، ويدخل يده فيها ويخرج منها واحدا باسم رجل ثم واحد باسم رجل آخر وهكذا ، فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح ، زمن خرج له القدح لا نصيب له لم يأخذ شيئا وغرم ثمن الجزور كله ، وكانوا تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها شيئا ، ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم ( الوغد : اللئيم عديم المروءة ) .
واتفق العلماء على أن كل ذلك حرام كالقمار على النرد والشطرنج وغيرهما إلا ما أباح الشرع من الرهان في السباق والرماية ترغيبا فيهما للاستعداد للجهاد .
" ومن مضارات الميسر إفساد التربية بتعويد النفس على الكسل وانتظار الرزق من الطرق الوهمية ، وإضعاف القوى العقلية بترك الأعمال المفيدة من طرق الكسب الطبيعية ، وإهمال المقامرين للزراعة والصناعة والتجارة التي أركان العمران ، ومن أشهر مضرات القمار تخريب البيوت فجأة بالانتقال من الغنى إلى الفقر في ساعة واحدة ، فكم من عشيرة كبيرة نشأت في الغنى والعز وانحصرت ثروتها في رجل أضاعها عليها في ليلة واحدة ، فأصبحت غنية وأمست فقيرة لا قدرة لها على أن تعيش على ما تعودت عليه من السعة . ويشترك الميسر مع الخمر في أن متعاطيهما قلما يقدر على تركهما السلامة من أثرهما ، ، فللخمر تأثير في الأعصاب يدعو صاحبه إلى العودة إليها ، وأما الميسر فإن صاحبه كلما ربح طمع في المزيد ، وكلما خسر طمع في تعويض الخسارة ، ويضعف الإدراك حتى تعز مقاومة هذا الطمع الوهمي وهذا شر في هاتين الجريمتين " ( 177 ) .
إن من رحمة الله بهذه الأمة وإكرامه لها ، أنه لم يترك شيئا من أسباب الاضمحلال والفساد إلا حذرها منه ، وبين لها مضرته وسوء عاقبته ، كما أنه سبحانه تدرج في التشريع الإلهي وسلك سبيل اليسر والهداية إلى النفوس رحمة منه بعباده ، وتخفيفا عنهم قال تعالى :
{ يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم*والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما*يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا } . ( النساء : 26-28 ) .
{ ويسألونك عن ماذا ينفقون قل العفو }
المعنى ويسألونك ما الذي يتصدقون به من أموالهم في وجوه البر ، فقل لهم تصدقوا بما زاد عن حاجتكم ، وسهل عليكم إخراجه ، ولا يشق عليكم بذله .
المراد العفو ، ما بفضل عن الأهل ويزيد عن الحاجة ، إذ هذا القدر هو الذي يتيسر إخراجه ، ويسهل بذله ولا يتضرر صاحبه بالتبرع به .
وهذا الجزء من الآية مرتبط بما قبله ارتباطا وثيقا ، فهو في الإنفاق فيما يحل ، وما قبله في الإنفاق فيما يحرم ، وهو معطوف على : { يسألونك عن الخمر } . عطف القصة على القصة .
وفي نصوص الدين ما يحث على التعاون والتراحم ، وما يوجه إلى المنهاج الوسط في الإسلام ، فليس من الخير أن ينفق الإنسان ماله كله ثم يبقى عالة يسأل الناس ، وليس من الحكمة أن يمسك الإنسان ماله ويبخل به على كل خير أو بر . ومن سماحة الإسلام انه حث على الصدقة ورغب أن تكون من فائض مال الإنسان وفيما زاد عن حاجته وحاجة عياله وفيما استغنى عنه حتى تخرج الصدقة من يده سهلة سمحة ، لا تتطلع نفسه إليها ولا تطمع فيها .
أخرج الشيخان وغيرهما ، عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى : وابدأ بمن تعول " ( 178 ) .
وفي صحيح مسلم عن جابر " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل : ابدأ بنفسك فتصدق عليها ، فإن فضل شيء فلأهلك ، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك ، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا " ( 179 ) .
ويقول الإمام محمد عبده : " عن الأمة المؤلفة من مليون فرد إذا كانت تبذل من فضل مالها في مصالحها الهامة كإعداد القوة وتربية الناشئة ، تكون أعز وأقوى من أمة مؤلفة من مائة مليون فرد لا يبذلون شيئا في مثل ذلك ، لأن الواحد من الأمة الأولى يعد بأمة إذ هو يعتبر نفسه جزءا منها وهي كل له ، بينما الأمة الثانية لا تعد بواحدة لأن كل فرد من أفرادها يخذل الآخر . . وفي الحقيقة إن مثل هذا الجمع لا يسمى أمة ، لأن كل واحد من أفراده يعيش وحده وإن كان في جانبه أهل الأرض ، فهو لا يتصل بمن معه ليمدهم ويستمد منهم " ( 180 ) .
{ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر } قال الواحدي : نزلت في عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل ونفر من الأنصار أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : أفتنا في الخمر والميسر فإنهما مذهبة للعقل ومسلبة للمال فأنزل الله تعالى هذه الآية وفي بعض الروايات «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر فسألوه عن ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية فقال قوم : ما حرما علينا فكانوا يشربون الخمر إلى أن صنع عبد الرحمن بن عوف طعاماً فدعا أناساً من الصحابة وأتاهم بخمر فشربوا وسكروا وحضرت صلاة المغرب فقدموا علياً كرم الله تعالى وجهه فقرأ { قُلْ ياأَيُّهَا الكافرون } [ الكافرون : 1 ] الخ بحذف ( لا ) فأنزل الله تعالى : { لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى } [ النساء : 3 4 ] فقلّ من يشربها ثم اتخذ عتبان بن مالك صنيعاً ودعا رجالاً من المسلمين فيهم سعد بن أبي وقاص وكان قد شوى لهم رأس بعير فأكلوا منه وشربوا الخمر حتى أخذت منهم ثم إنهم افتخروا عند ذلك/ وتناشدوا الأشعار فأنشد سعد ما فيه هجاء الأنصار وفخر لقومه فأخذ رجل من الأنصار لحي البعير فضرب به رأس سعد فشجه موضحة فانطلق سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا إليه الأنصار فقال : اللهم بين لنا رأيك في الخمر بياناً شافياً فأنزل الله تعالى : { إِنَّمَا الخمر والميسر } إلى قوله تعالى : { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } [ المائدة : 09 ، 19 ] وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام فقال عمر رضي الله تعالى عنه : انتهينا يا رب . وعن علي كرم الله تعالى وجهه لو وقعت قطرة منها في بئر فبنيت في مكانها منارة لم أؤذن عليها ولو وقعت في بحر ثم جف فنبت فيه الكلأ لم أرعه دابتي . وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لو أدخلت أصبعي فيها لم تتبعني وهذا هو الإيمان والتقى حقاً .
والخمر عند الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه التي من ماء العنب إذا غلى واشتد وقذف بالزبد وسميت بذلك لأنها تخمر العقل أي تستره ومنه خمار المرأة لستره وجهها ، والخامر وهو من يكتم الشهادة ، وقيل : لأنها تغطي حتى تشتد ، ومنه «خمروا آنيتكم » أي غطوها ، وقيل : لأنها تخالط العقل وخامره داء خالطه . وقيل : لأنها تترك حتى تدرك ، ومنه اختمر العجين أي بلغ إدراكه وهي أقوال متقاربة ، وعليها فالخمر مصدر يراد به اسم الفاعل أو المفعول ويجوز أن يبقى على مصدريته للمبالغة ، وذهب الإمامان إلى عدم اشتراط القذف ويكفي الاشتداد لأن المعنى المحرم يحصل به ، وللإمام أن الغليان بداية الشدة وكمالها بقذف الزبد وسكونه إذ به يتميز الصافي من الكدر وأحكام الشرع قطعية فتناط بالنهاية كالحد وإكفار المستحل وحرمة البيع ، وأخذ بعضهم بقولهما في حرمة الشرب احتياطاً ، ثم إطلاق الخمر على غير ما ذكر مجاز عندنا وهو المعروف عند أهل اللغة ، ومن الناس من قال هو حقيقة في كل مسكر لما أخرج الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي :
وأخرج أبو داود نزل تحريم الخمر يوم نزل وهو من خمسة من العنب والتمر والحنطة والشعير والذرة ، والخمر ما خامر العقل ، وأخرج مسلم عن أبي هريرة " الخمر من هاتين الشجرتين ، وأشار إلى الكرم والنخلة " وأخرج البخاري عن أنس «حرّمت الخمر حين حرمت وما يتخذ من خمر الأعناب إلا قليل ، وعامة خمرنا البسر والتمر » ويمكن أن يجاب أن المقصود من ذلك كله بيان الحكم ، وتعليم أن ما أسكر حرام كالخمر وهو الذي يقتضيه منصب الإرشاد لا تعليم اللغات العربية سيما والمخاطبون في الغاية القصوى من معرفتها ؛ وما يقال : إنه مشتق من مخامرة العقل ، وهي موجودة في كل مسكر لا يقتضي العموم ، ولا ينافي كون الاسم خاصاً فيما تقدّم فإن النجم مشتق من الظهور ، ثم هو اسم خاص للنجم المعروف لا لكل ما ظهر وهذا كثير النظير ، وتوسط بعضهم فقال : إن الخمر حقيقة في لغة العرب في التي من ماء العنب إذا صار مسكراً ، وإذا استعمل في غيره كان مجازاً إلا أنّ الشارع جعله حقيقة في كل مسكر شابه موضوعه اللغوي ، فهو في ذلك حقيقة شرعية كالصلاة والصوم والزكاة في معانيها المعروفة شرعاً ، والخلاف قوي ولقوّته ووقوع الإجماع على تسمية المتخذ من العنب خمراً دون المسكر من غيره أكفروا مستحل الأوّل ، ولم يكفروا مستحل الثاني بل قالوا : إن عين الأوّل حرام غير معلول بالسكر ولا موقوف عليه ، ومن أنكر حرمة العين وقال : إنّ السكر منه حرام لأنه به يحصل الفساد فقد كفر لجحوده الكتاب إذ سماه رجساً فيه والرجس محرّم العين فيحرم كثيره وإن لم يسكر وكذا قليله ولو قطرة ويحدّ شاربه مطلقاً ، وفي الخبر " حرّمت الخمر لعينها " وفي رواية " بعينها قليلها وكثيرها سواء " والسكر من كل شراب ، وقالوا : إنّ الطبخ لا يؤثر لأنه للمنع من ثبوت الحرمة لا لرفعها بعد ثبوتها إلا أنه لا يحد فيه ما لم يسكر منه بناءاً على أنّ الحدّ/ بالقليل النيئ خاصة وهذا قد طبخ وأمّا غير ذلك فالعصير إذا طبخ حتى يذهب أقل من ثلثيه وهو المطبوخ أدنى طبخة ويسمى الباذق ، والمنصف وهو ما ذهب نصفه بالطبخ فحرام عندنا إذا غلى واشتدّ وقذف بالزبد أو إذا اشتدّ على الاختلاف ، وقال الأوزاعي وأكثر المعتزلة : إنه مباح لأنه مشروب طيب وليس بخمر ولنا أنه رقيق ملد مطرب ، ولذا يجتمع عليه الفساق ، فيحرم شربه رفعاً للفساد المتعلق به ، وأمّا نقيع التمر وهو السكر وهو النيئ من ماء التمر فحرام مكروه ، وقال شريك : إنه مباح للامتنان ولا يكون بالمحرّم ، ويرده إجماع الصحابة ، والآية محمولة على الابتداء كما أجمع عليه المفسرون ، وقيل : أراد بها التوبيخ أي : ( أتتخذون منه سكراً وتدعون رزقاً حسناً ) وأمّا نقيع الزبيب وهو النيئ من ماء الزبيب فحرام إذا اشتدّ وغلى ، وفيه خلاف الأوزاعي ، ونبيذ الزبيب والتمر إذا طبخ كل واحد منهما أدنى طبخة حلال ، وإن اشتدّ إذا شرب منه ما يغلب على ظنه أنه لا يسكر من غير لهو ولا طرب عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، وعند محمد والشافعي حرام ، ونبيذ العسل والتين والحنطة والذرة والشعير وعصير العنب إذا طبخ وذهب ثلثاه حلال عند الإمام الأول والثاني ، وعند محمد والشافعي حرام أيضاً ، وأفتى المتأخرون بقول محمد في سائر الأشربة ، وذكر ابن وهبان أنه مروي عن الكل ونظم ذلك فقال :
وفي عصرنا فاختير حد وأوقعوا *** طلاقاً لمن من مسكر الحب يسكر
وعن كلهم يروى وأفتى محمد *** بتحريم ما قد قلّ وهو المحرر
وعندي أنّ الحق الذي لا ينبغي العدول عنه أنّ الشراب المتخذ مما عدا العنب كيف كان وبأي اسم سمي متى كان بحيث يسكر من لم يتعوّده حرام وقليله ككثيره ويحدّ شاربه ويقع طلاقه ونجاسته غليظة .
وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن النقيع وهو نبيذ العسل فقال : " كل شراب أسكر فهو حرام " وروى أبو داود «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر » وصح " ما أسكر كثيره فقليله حرام " وفي حديث آخر : " ما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام " والأحاديث متظافرة على ذلك ، ولعمري إنّ اجتماع الفساق في زماننا على شرب المسكرات مما عدا الخمر ورغبتهم فيها فوق اجتماعهم على شرب الخمر ورغبتهم فيه بكثير ، وقد وضعوا لها أسماء كالعنبرية والإكسير ونحوهما ظناً منهم أنّ هذه الأسماء تخرجها من الحرمة وتبيح شربها للأمّة وهيهات هيهات الأمر وراء ما يظنون ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، نعم حرمة هذه الأشربة دون حرمة الخمر حتى لا يكفر مستحلها كما قدّمنا لأنها اجتهادية ، ولو ذهب ذاهب إلى القول بالتكفير لم يبق في يده من الناس اليوم إلا قليل .
والميسر مصدر ميمي من يسر كالموعد والمرجع يقال : يسرته إذا قمرته واشتقاقه إمّا من اليسر لأنه أخذ المال بيسر وسهولة ، أو من اليسار لأنه سلب له ، وقيل : من يسروا الشيء إذا اقتسموه ، وسمي المقامر ياسراً لأنه بسبب ذلك الفعل يجزئ لحم الجزور ، وقال الواحدي : من يسر الشيء إذا وجب ، والياسر الواجب بسبب القدح ، وصفته أنه كانت لهم عشرة أقداح هي : الأزلام والأقلام الفذ والتوأم والرقيب والحلس والنافس والمسبل والمعلى .
والمنيح والسفيح والوغد لكل واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزءونها ثمانية وعشرين إلا الثلاثة وهو المنيح والسفيح والوغد ، للفذ سهم ، وللتوأم سهمان ، وللرقيب ثلاثة ، وللحلس أربعة ، وللنافس خمسة ، وللمسبل ستة وللمعلى سبعة يجعلونها في الربابة وهي خريطة ويضعونها على يدي عدل ثم/ يجلجلها ويدخل يده فيخرج باسم رجل رجل قدحاً منها ، فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح ، ومن خرج له قدح مما لا نصيب له لم يأخذ شيئاً وغرم ثمن الجزور كله مع حرمانه ، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها ، ويفتخرون بذلك ويذمّون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم . ونقل الأزهري كيفية أخرى لذلك ولم يذكر الوغد في الأسماء بل ذكر غيره ، والذي اعتمده الزمخشري وكثيرون ما ذكرناه ، وقد نظم بعضهم هذه الأسماء فقال :
كل سهام الياسرين عشرة *** فأودعوها صحفاً منشره
لها فروض ولها نصيب *** الفذ والتوأم والرقيب
والحلس يتلوهنّ ثم النافس *** وبعده مسبلهن السادس
ثم المعلى كاسمه المعلى *** صاحبه في الياسرين الأعلى
والوغد والسفيح والمنيح *** غفل فما فيما يرى ربيح
وفي حكم ذلك جميع أنواع القمار من النرد والشطرنج وغيرهما حتى أدخلوا فيه لعب الصبيان بالجوز والكعاب والقرعة في غير القسمة وجميع أنواع المخاطرة والرهان ، وعن ابن سيرين كل شيء فيه خطر فهو من الميسر ومعنى الآية يسألونك عما في تعاطي هذين الأمرين ، ودل على التقدير بقوله تعالى : { قُلْ فِيهِمَا } إذ المراد في تعاطيهما بلا ريب { إِثْمٌ كَبِيرٌ } من حيث إن تناولهما مؤدّ إلى ما يوجب الإثم وهو ترك المأمور ، وفعل المحظور { ومنافع لِلنَّاسِ } من اللذة والفرح وهضم الطعام وتصفية اللون وتقوية الباه وتشجيع الجبان وتسخية البخيل وإعانة الضعيف ، وهي باقية قبل التحريم وبعده ، وسلبها بعد التحريم مما لا يعقل ولا يدل عليه دليل ، وخبر «ما جعل الله تعالى شفاء أمّتي فيما حرّم عليها » لا دليل فيه عند التحقيق كما لا يخفى .
{ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } أي المفاسد التي تنشأ منها أعظم من المنافع المتوقعة فيهما ، فمن مفاسد الخمر إزالة العقل الذي هو أشرف صفات الإنسان ، وإذا كانت عدوّة للأشرف لزم أن تكون أخس الأمور لأن العقل إنما سمي عقلاً لأنه يعقل أي يمنع صاحبه عن القبائح التي يميل إليها بطبعه فإذا شرب زال ذلك العقل المانع عن القبائح وتمكن إلفها وهو الطبع فارتكبها وأكثر منها ، وربما كان ضحكة للصبيان حتى يرتد إليه عقله .
ذكر ابن أبي الدنيا أنه مرّ بسكران وهو يبول بيده ويغسل به وجهه كهيأة المتوضئ ويقول : الحمد لله الذي جعل الإسلام نوراً والماء طهوراً . وعن العباس بن مرداس أنه قيل له في الجاهلية : ألا تشرب الخمر فإنها تزيد في حرارتك ؟ فقال : ما أنا بآخذ جهلي بيدي فأدخله جوفي ، ولا أرضى أن أصبح سيد قوم وأمسي سفيههم ، ومنها صدّها عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة وإيقاعها العداوة والبغضاء غالباً . وربما يقع القتل بين الشاربين في مجلس الشرب ، ومنها أن الإنسان إذا ألفها اشتد ميله إليها وكاد يستحيل مفارقته لها وتركه إياها ، وربما أورثت فيه أمراضاً كانت سبباً لهلاكه ، وقد ذكَر الأطباء لها مضار بدنية كثيرة كما لا يخفى على من راجع «كتب الطب » ، وبالجملة لو لم يكن فيها سوى إزالة العقل والخروج عن حد الاستقامة لكفي فإنه إذا اختل العقل حصلت الخبائث بأسرها ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : " اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث " ولم يثبت أن الأنبياء عليهم السلام شربوها في وقت أصلاً .
ومن مفاسد الميسر أن فيه أكل الأموال بالباطل وأنه يدعو كثيراًن المقامرين إلى السرقة وتلف النفس وإضاعة العيال وارتكاب الأمور القبيحة والرذائل الشنيعة والعداوة الكامنة والظاهرة ، وهذا أمر مشاهد لا ينكره إلا من أعماه الله تعالى وأصمه ، ولدلالة الآية على أعظمية المفاسد ذهب بعض العلماء إلى أنها هي المحرمة للخمر فإن المفسدة إذا ترجحت على المصلحة اقتضت تحريم الفعل وزاد بعضهم على ذلك بأن فيها الإخبار بأن فيها الإثم الكبير ، والإثم إما العقاب أو سببه ، وكل منهما لا يوصف به إلا المحرم ، والحق أن الآية ليست نصاً في التحريم كما قال قتادة ، إذ للقائل أن يقول : الإثم بمعنى المفسدة ، وليس رجحان المفسدة مقتضياً لتحريم الفعل بل لرجحانه ، ومن هنا شربها كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم بعد نزولها ، وقالوا : إنما نشرب ما ينفعنا ، ولم يمتنعوا حتى نزلت آية المائدة فهي المحرمة من وجوه كما سيأتي إن شاء الله تعالى ، وقرئ ( إثم كثير ) بالمثلثة ، وفي تقديم الإثم ووصفه بالكبر أو الكثرة وتأخير ذكر المنافع مع تخصيصها بالناس من الدلالة على غلبة الأول ما لا يخفى ، وقرأ أبيّ ( وإثمهما أقرب من نفعهما ) .
{ وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ } أخرج ابن إسحق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن نفراً من الصحابة أمروا بالنفقة في سبيل الله تعالى أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنا لا ندري ما هذه النفقة التي أمرنا بها في أموالنا فما ننفق منها فنزلت ، وكان قبل ذلك ينفق الرجال ماله حتى ما يجد ما يتصدق ، ولا ما يأكل حتى يتصدق عليه ، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبان عن يحيى أنه بلغه أن معاذ بن جبل وثعلبة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا : يا رسول الله إن لنا أرقاء وأهلين فما ننفق من أموالنا فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وهي معطوفة على { يَسْئَلُونَكَ } قبلها عطف القصة على القصة ، وقيل : نزلت في عمرو بن الجموح كنظيرتها ، وكأنه سئل أولاً عن المنفق والمصرف ثم سئل عن كيفية الإنفاق بقرينة الجواب فالمعنى يسألونك عن صفة ما ينفقونه { قُلِ العفو } أي صفته أن يكون عفواً فكلمة { مَا } للسؤال عن الوصف كما يقال ما زيد ؟ فيقال كريم إلا أنه قليل في الاستعمال وأصل العفو نقيض الجهد ، ولذا يقال للأرض الممهدة السهلة الوطء عفو ، والمراد به ما لا يتبين في الأموال ، وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الفضل من العيال ، وعن الحسن ما لا يجهد ، أخرج الشيخان وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم :
«خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول » وأخرج ابن خزيمة عنه أيضاً أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «خير الصدقة ما أبقت غنى واليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول تقول المرأة أنفق عليّ أو طلقني ، ويقول مملوكك أنفق عليّ أو بعني ، ويقول ولدك إلى من تكلني » وأخرج ابن سعد عن جابر قال : قدم أبُو حصين السلمي بمثل بيضة الحمامة من ذهب فقال : «يا رسول الله أصبت هذه من معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاه من قبل ركنه الأيمن فقال له مثل ذلك فأعرض عنه ثم أتاه من ركنه الأيسر فأعرض عنه ثم أتاه من خلفه فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحذفه بها فلو أصابته لأوجعته أو لعقرته فقال : يأتي أحدكم بما يملك فيقول : هذه صدقة ثم يقعد يتكفف الناس خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول » وقرأ أبو عمرو بالرفع بتقدير المتبدأ على أن { مَاذَا يُنفِقُونَ } مبتدأ وخبر ، والباقون بالنصب بتقدير الفعل ، و( ماذا ) مفعول { يُنفِقُونَ } ليطابق الجواب السؤال .
{ كذلك يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات } أي مثل ما بين أن العفو أصلح من الجهد لأنه أبقى للمان وأكثر نفعاً في الآخرة فالمشار إليه ما يفهم من قوله سبحانه : { قُلِ العفو } وإيراد صيغة البعيد مع قربه لكونهعنى متقدم الذكر ، ويجوز أن يكون المشار إليه جميع ما ذكر من قوله سبحانه : { يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ } إذ لا مخصص مع كون التعميم أفيد والقرب إنما يرجح القريب على ما سواه فقط وجعل المشار إليه قوله عز شأنه : { وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } على ما فيه لا يخفى بعده ، والكاف في موضع النصب صفة لمحذوف ، واللام في ( الآيات ) للجنس أي يبين لكم الآيات المشتملة على الأحكام تبييناً مثل هذا التبيين إما بإنزالها واضحة الدلالة ، أو بإزالة إجمالها بآية أخرى أو ببيان من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم وكان مقتضى الظاهر أن يقال كذلك على طبق ( لكم ) لكنه وحد بتأويل نحو القبيلة ، أو الجمع مما هو مفرد اللفظ جمع المعنى روما للتخفيف لكثرة لحوق علامة الخطاب باسم الإشارة ، وقيل : إن الإفراد للإيذان بأن المراد به كل من يتلقى الكلام كما في قوله تعالى :
{ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مّن بَعْدِ ذلك } [ البقرة : 2 5 ] وفيه أنه يلزم تعدد الخطاب في كلام واحد من غير عطف وذا لا يجوز كما نص عليه الرضي { لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } أي في الآيات فتستنبطوا الأحكام منها وتفهموا المصالح والمنافع المنوطة بها وبهذا التقدير حسن كون ترجي التفكر غاية لتبيين الآيات .
( ومن باب الإشارة ) : { يَسْأَلُونَكَ } عن خمر الهوى وحب الدنيا وميسر احتيال النفس بواسطة قداحها التي هي حواسها العشرة المودعة في ربابة البدن لنيل شيء من جزور اللذات والشهوات { قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ } الحجاب والبعد عن الحضرة { ومنافع لِلنَّاسِ } في باب المعاش وتحصيل اللذة النفسانية والفرح بالذهول عن المعايب والخطرات المشوشة والهموم المكدرة { وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } لأن فوات الوصال في حضائر الجمال لا يقابله شيء ، ولا يقوم مقامه وصال سعدي ولامي ولفرق عند الأبرار بين السكر من المدير والسكر من المدار :
وأسكر القوم ورود كأس *** وكان سكرى من المدير
وهذا هو السكر الحلال لكنه فوق عالم التكليف ووراء هذا العالم الكثيف وهو سكر أرواح لا أشباح وسكر رضوان لا حميا دنان :
وما مل ساقيها ولا مل شارب *** عقار لحاظ كأسها يسكر اللبا
{ وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو } وهو ما سوى الحق من الكونين { كذلك يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات } المنزلة من سماء الأرواح { لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } [ البقرة : 9 21 ]