تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا} (1)

مقدمة السورة:

سورة الأحزاب مدنية ، وآياتها 73 آية ، نزلت بعد سورة آل عمران ، وتقع أحداث السورة فيما بين السنة الثانية والسنة الخامسة من الهجرة ، وهي فترة حرجة لم يكن عود المسلمين قد اشتد فيها إذ كانوا يتعرضون لدسائس المنافقين واليهود .

وسميت هذه السورة بهذا الاسم لذكر غزوة الأحزاب فيها في قوله تعالى : يحسبون الأحزاب لم يذهبوا . . ( الأحزاب : 20 ) .

أحداث السورة

تتناول سورة الأحزاب قطاعا حقيقيا من حياة الجماعة المسلمة ، في فترة تمتد من بعد غزوة بدر الكبرى إلى ما قبل صلح الحديبية ، وتصور هذه الفترة من حياة المسلمين في المدينة ، تصويرا واقعيا مباشرا وهي مزدحمة بالأحداث التي تشير إليها خلال هذه الفترة والتنظيمات التي أنشأتها أو أقرتها في المجتمع الإسلامي الناشئ .

ولهذه الفترة التي تتناولها السورة من حياة الجماعة المسلمة سمة خاصة فهي الفترة التي بدأ فيها بروز ملامح الشخصية المسلمة في حياة الجماعة وفي حياة الدولة ، ولم يتم استقرارها بعد ولا سيطرتها الكاملة كالذي تم بعد فتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجا واستتباب الأمر للدولة الإسلامية .

والسورة تتولى جانبا من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة ، وإبراز تلك الملامح وتثبيتها في حياة الأسرة والجماعة ، وبيان أصولها من العقيدة والتشريع كما تتولى تعديل الأوضاع والتقاليد أو إبطالها وإخضاعها في هذا كله للتصور الإسلامي الجديد وفي ثنايا الحديث عن تلك الأوضاع والنظم يرد الحديث عن غزوة الأحزاب وغزوة بني قريظة ، ومواقف الكفار والمنافقين واليهود فيهما ودسائسهم في وسط الجماعة المسلمة ، وما وقع من خلخلة وأذى بسبب هذه الدسائس وتلك المواقف كما تعرض بعدها دسائسهم وكيدهم للمسلمين في أخلاقهم وبيوتهم ونسائهم .

ونقطة الاتصال في سياق السورة بين تلك الأوضاع والنظم وهاتين الغزوتين وما وقع فيهما من أحداث هي علاقة هذه وتلك بموقف الكافرين والمنافقين واليهود وسعى هذه الفئات لإيقاع الاضطراب في صفوف الجماعة المسلمة ، سواء عن طريق الهجوم الحربي والإرجاف في الصفوف والدعوة إلى الهزيمة ، أو عن طريق خلخلة الأوضاع الاجتماعية والآداب الخلقية ، ثم ما تنشأ في أعقاب الغزوات والغنائم من آثار في حياة الجماعة المسلمة ، تقتضي تعديل بعض الأوضاع الاجتماعية ومن هذا الجانب وذاك تبدو وحدة السورة وتماسك سياقها وتناسق موضوعاتها المنوعة وهذا وذاك إلى جانب وحدة الزمن تربط بين الأحداث والتنظيمات التي تتناولها السورة .

فصول السورة

يمكن أن نقسم سورة الأحزاب إلى خمسة فصول يبدأ الفصل الأول منها بتوجيه الرسول صلى الله عليه وسلم على تقوى الله وعدم الطاعة للكافرين والمنافقين واتباع ما يوحى إليه ربه والتوكل عليه وحده .

وبعد ذلك يلقى بكلمة الحق والفصل في بعض التقاليد والأوضاع الاجتماعية مبتدئا ببيان أن الإنسان لا يملك إلا قلبا واحدا ، ومن ثم يجب أن يتجه إلى إله واحد ، وأن يتبع نهجا واحدا ولذلك يأخذ في إبطال عادة الظهار وهو أن يحلف الرجل على امرأته أنها عليه كظهر أمه فتحرم عليه حرمة أمه ويقرر أن هذا الكلام يقال بالأفواه ولا ينشىء حقيقة وراءه بل تظل الزوجة زوجة ولا تصير أما بهذا الكلام ثم من هذا إلى إبطال التبني : وما جعل أدعياءكم أبناءكم . ( الأحزاب : 4 ) .

والدعي هو المتبني يدعى الإنسان بنوته وهو لا يصير أبنا بمجرد القول ثم يأمرهم أن يدعوا المتبني إلى أبيه فإن ذلك أقسط وأعدل من دعوتهم لمن يتبنونهم .

ثم ينشىء الولاية العامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على المؤمنين جميعا ، كما ينشىء صلة الأمومة الشعورية بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ويعقب على هذا التنظيم الجديد بالإشارة إلى أن ذلك مسطور في كتاب الله القديم وإلى الميثاق المأخوذ على النبيبين وعلى أولى العزم منهم بصفة خاصة على طريقة القرآن في التعقيب على النظم والتشريعات والمبادئ والتوجيهات لتستقر في الضمائر والنفوس ويستغرق هذا الفصل من أول السورة على الآية 8 .

غزوتا الأحزاب وبني قريظة

نجد الفصل الثاني من السورة ممتدا من الآية 9 إلى الآية 27 ويتناول هذا الفصل غزوة الأحزاب ويصف مشاهدها وملابساتها ويصور أحوال المسلمين فيها وقد جاءتهم قريش من أسفل الوادي وغطفان من أعلاه وأسقط في يد المسلمين فالأحزاب أمام المدينة ويهود بني قريظة نقضوا عهودهم وأظهروا الخيانة والغدر للمسلمين وحفر المسلمون خندقا لحماية المدينة وكان المسلمون في غاية الإجهاد والعسرة المادية واشتدت الفتن وفي وسط هذه المحن بشر النبي المؤمنين بالنصر ووعدهم كنوز كسرى وقيصر وظهر النفاق من

بعض المنافقين فقالوا : إن محمدا يعدنا كنوز كسرى وقيصر وأحدنا اليوم لا يستطيع الخروج إلى الخلاء وحده وفي ذلك يقول القرآن : وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا . ( الأحزاب : 12 ) .

واستنجد النبي بربه ورفع يديه إلى السماء وقال " اللهم رب الأرباب ومسبب الأسباب اهزم الأحزاب اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم يا رب العالمين فأرسل الله ريحا عاتية في ليلة شاتيه مظلمة ، خلعت خيام الكافرين وكفأت قدورهم وانسحبت قريش وأحزابها في ظلام الليل يجرون أذيال الخوف والانكسار . وسجل الله ذلك في القرآن بقوله : يأيها الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا* إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا *هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا . ( الأحزاب : 9-11 ) .

وتصف الآيات صدق بعض المؤمنين وبلاءهم الحسن وإخلاصهم لله في الجهاد حتى رئي بعض الشهداء وفيه أكثر من سبعين ضربة سيف بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم وفي مثل هؤلاء تقول السورة : ولما رءا المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما* من المؤمنين رجال صدقوا مال عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا* ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم عليهم إن الله غفورا رحيما . ( الأحزاب : 22-24 ) .

ثم تصف الآيات رحيل الكافرين بغيظهم لم ينالوا خيرا وحماية الله للمسلمين في هذه الموقعة ، وهو سبحانه القوي العزيز ولما رحلت الأحزاب عن المدينة نزل جبريل من السماء وقال : يا محمد ، إن الملائكة لم تضع السلاح بعد ، اذهب إلى بني قريظة فإن الله ناصرك عليهم جزاء خيانتهم وغدرهم فقال صلى الله عليه وسلم : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة " 1

وهناك حاصر المسلمون بني قريظة ثم أجلوهم عن ديارهم وغنم المسلمون أرضهم ودورهم وأموالهم وحصونهم المنيعة بقدرة الله وهو على كل شيء قدير قال تعالى : ورد الله الذين كفروا بغيضهم لم ينالوا خيرا وكفى الله بالمؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا وأنزل الذين ظهورهم من أهل الكتاب من صيامهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها وكان الله على كل شيء قدير . ( الأحزاب : 25-27 ) .

زوجات الرسول

تتناول الآيات ( 28-26 ) حديثا عن زوجات الرسول وكانت الغنائم قد جاءت للمسلمين وأقبل المال بعد غزوة بني قريظة ، فتطلعت زوجات الرسول إلى المتعة والنفقة الواسعة ، وقلن : يا رسول الله نساء كسرى وقيصر بين الحلي والحلل والإماء والخدم ، ونساؤك على ما ترى من هذه الحال فنزلت الآيات تخيرهن بين متاع الحياة الدنيا وزينتها وبين الله ورسوله والدار الآخرة ، وخبر النبي نساءه وبدأ بعائشة فقال لها : " سأعرض عليك أمرين أرجو ألا تقطعي في اختيار أحدهما : حتى تستشيري أبويك " وقرأ عليها الآٍيتين : يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما . ( الأحزاب : 28-29 ) .

فقالت عائشة : أفيك أشاور أبوي يا رسول الله ؟ اختار الله ورسوله وقالت كل نسائه مثل ذلك ، فجعلهن الله أمهات المؤمنين وأشارت الآيات التالية إلى جزائهن المضاعف في الأجر إن اتقين وإلى العذاب المضاعف إن ارتكبن فاحشة مبينة ، لأنهن في بيت النبوة والقدوة والأسوة ، فلهن ضعف الأجران أحسن وضعف العقوبة إن أسأن فزلة العالم يقرع بها الطبل وزلة الجاهل يخفيها الجهل ثم أمرت الآيات زوجات الرسول بخفض الصوت وجعله مستقيما بدون تكسر حتى لا يطمع الشباب المنافق فيهن وحثهن على الاستقرار في البيت وعدم التبرج وتلاوة القرآن والتفقه في أحكامه واستطردت الآيات في بيان جزاء المؤمنين والمؤمنات كافة ، وكان هذا هو الفصل الثالث في سورة الأحزاب .

قصة زينب بنت جحش

أرسل الله محمدا صلى الله عليه وسلم للناس كافة فحرر العبيد وعلم الناس المساواة وكرم إنسانية الإنسان وبين أن الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى .

وخطب النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش لزيد بن حارثة رضي الله عنه فاستنكفت وقالت أنا خير منه حسبا وكانت امرأة فيها حدة- فأنزل الله تعالى : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا . ( الأحزاب : 36 ) فقالت زينب : هل رضيته لي يا رسول الله زوجا ؟ قال رسول الله " نعم " قالت : إذن لا أعصى الرسول صلى الله عليه وسلم قد أنكحته نفسي .

وتم هذا الزواج ولأمر أراده الله لم يدم طويلا ، فقد كانت زينب تفخر على زيد بن حارثة بأنها حرة قرشية جميلة ، وأنه عبد لا يدانيها في نسبها وحسبها ، فلما تكرر ذلك منها عزم زيد على طلاقها ، وذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " أمسك عليك زوجك واتق الله " رغبة في إبقاء هذا الزواج وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم بوحي من السماء أن زينب ستطلق وأنها ستكون زوجة للرسول صلى الله عليه وسلم ليبطل بهذا الزواج آثار التبني بسابقة عملية يختار لها الرسول الله صلى الله عليه وسلم بشخصه لشدة عمق هذه العادة في البيئة العربية وصعوبة الخروج عليها ولما طلقت زينب من زيد خطبها النبي لنفسه ونزل الوحي من السماء بذلك ، حتى كانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فتقول : زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات .

ولم تمر المسألة سهلة ، فقد فوجئ بها المجتمع الإسلامي كله كما انطلقت ألسنة المنافقين تقول تزوج حليلة ابنه .

وكانت المسألة مسألة تقرير مبدأ جديد لأن العرف السائد كان يعد زينب مطلقة ابن محمد فلا تحل له حتى بعد إبطال عادة التبني في ذاتها ولم يكن قد نزل بعد إحلال مطلقات الأدعياء إنما كان حادث زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب هو الذي قرر القاعدة عمليا ، بعدما قوبل هذا القرار بالدهشة والمفاجأة والاستنكار .

وفي هذا ما يهدم كل الروايات التي رويت عن هذا الحادث والتي تشبث بها أعداء الإسلام قديما وحديثا وصاغوا حولها الأساطير المفتريات إنما كانا الأمر أمر الله تحمله النبي صلى الله عليه وسلم وواجه به المجتمع الكاره لهذا الأمر كل الكراهية حتى ليتردد النبي في تحمله ومواجهة الناس به .

قال تعالى : وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائكم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا . ( الأحزاب : 37 ) .

واستمرت الآيات توضح أنه لا حرج على النبي صلى الله عليه وسلم فيما فرض الله له ، فقد فرض له أن يتزوج زينب وأن يبطل عادة العرب في تحريم أزواج الأدعياء وذكرت الآيات أن محمدا لم يكن أبا أحد من رجال العرب حتى يحرم عليه الزواج من مطلقته وإنما محمد رسول الله وخاتم النبيين فهو يشرع الشرائع الباقية لتسير عليها البشرية إلى يوم الدين ثم حثت الآيات على ذكر الله وطاعته .

وقد استغرق هذا الموضوع الرابع الآيات من 36 44 .

أدب بيت النبوة

يستغرق الموضوع الخامس الآيات من 45إلى آخر السورة ويبدأ ببيان حكم المطلقات قبل الدخول ثم يتناول تنظيم الحياة الزوجية للنبي صلى الله عليه وسلم فيبين من تحل له من النساء المؤمنات ومن تحرم عليه ، ويستطرد إلى تنظيم علاقة المسلمين ببيوت النبي صلى الله عليه وسلم وزوجاته في حياته وبعد وفاته وتقرير احتجابهن إلا على آبائهن أو إخوانهم أو أبناء إخوانهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن وإلى بيان جزاء الذين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم في أزواجه وبيوته وشعوره وهددهم باللعن في الدنيا والآخرة مما يشي بأن المنافقين وغيرهم كانوا يأتون من هذا شيئا كثيرا .

ويعقب على هذا بأمر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناته ونساء المؤمنين كافة أن يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذن . ( الأحزاب : 59 ) .

وبتهديد المنافقين والذين في قلوبهم مرض والمرجفين في المدينة ، بتسليط النبي صلى الله عليه وسلم عليهم وإخراجهم من المدينة كما خرج بنو قينقاع من قبل وبنو النضير بعدهم أو القضاء عليهم كما وقع لبني قريظة ، وكل هذا يشير إلى إيذاء هذه المجموعة للمجتمع الإسلامي بوسائل شريرة خبيثة .

ثم ذكر من شرور هؤلاء الناس أنهم كانوا يسألون النبي عن وقت الساعة على سبيل الاستهزاء والاستخفاف وأجابهم بأن علم الساعة عند الله ولوح بأنها قد تكون قريبا وأتبع هذا بمشهد من مشاهد القيامة حيث يتقلب المجرمون في جهنم ويتمرغون في العذاب والندامة . ثم تعقب السورة بنهي المؤمنين عن إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يكونوا كالذين آذوا موسى بالطعن عليه ثم برأه الله وجعله نزيها وجيها .

تحمل الإنسان للأمانة

في آخر السورة نجد آية شهيرة تكشف عن جسامة العبء الملقى على عاتق البشرية ، وعلى عاتق الجماعة الإسلامية بصفة خاصة ، وهي التي تنهض وحدها بعبء الأمانة الكبرى أمانة العقيدة والاستقامة عليها .

لقد عرض الله حمل الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين حملها لخطر أمرها وحملها الإنسان الذي خلق مزودا بالإرادة والكسب والاختيار والقدرة على الطاعة والمعصية .

فالسماء والأرض والجبال والبحار والكون كله يخضع لله خضوع القهر والغلبة ، ولا يحتمل التكاليف ولا يسمع أن يتحمل الأمانة والتكاليف الشرعية ، فيثاب على الطاعة ويعاقب على المعصية إنما الإنسان وحده الذي ميزه الله بالعقل والإرادة ، وكرمه وفضله بالكسب والاختيار فله قدرة على الطاعة وقدرة على الظلم والجهل وقد استعمر الله الإنسان في الأرض واستخلفه فيها ليعلمه أنه وحده هو الذي يصلح خليفة عنه لما ركز في غرائزه وطبائعه من حب التنافس والتسابق في عمارة الأرض فمن أطاع الله من طائفة الإنسان فله الجنة وله التوبة عند الخطأ ومن كفر ونافق فله العذاب والعقاب قال تعالى : إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كانا ظلوما جهولا ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما . ( الأحزاب : 72-73 ) .

بسم الله الرحمن الرحيم

{ يأيها النبيء اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما( 1 ) واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا( 2 ) وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا( 3 ) }

المفردات :

اتق الله : دم على تقواه أو زد على ما أنت عليه من تقوى ، وفيه توجيه للمؤمنين بتقوى الله فإن أمر الأعلى يراد به الأدنى من باب أولى .

ولا تطع الكافرين : فيما يخالف( شريعتك وأوامر ربك .

عليما حكيما : واسع العلم عظيم الحكمة .

1

التفسير :

{ يأيها النبيء اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما }

" إن الإسلام عقيدة تنبثق منها شريعة يقوم على هذه الشريعة نظام وهذه الثلاثة مجتمعة مترابطة متفاعلة هي الإسلام " . 2

وقد بدئت السورة بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى تقوى الله ومراقبته وامتثال أمره والابتعاد عن نواهيه وهو توجيه لأمته على توالي العصور والدهور .

قال طلق بن حبيب : التقوى هي أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله وأن تترك معصية الله على نور من الله مخافة عذاب الله .

{ ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما } لا تستجيب لمطالبهم ولا تستمع لنصائحهم المغرضة بتخصيص بعض المجالس للأغنياء وطرد الضعفاء والفقراء عن هذه المجالس وقد كان ضغط الكافرين والمنافقين عنيفا في المدينة وما حولها في هذه الفترة التي نزلت فيها السورة حوالي سنة خمس من الهجرة .

{ إن الله كان عليما حكيما }

فهو العليم بما يضمرونه الحكيم : في تدبير أمرك وأمر أصحابك وسائر شؤون خلقه فهو أحق أن تتبع أوامره وتطاع .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا} (1)

مقدمة السورة:

سورة الأحزاب

( أخرج البيهقي في الدلائل وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : نزلت سورة الأحزاب بالمدينة وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله وهي ثلاث وسبعون آية قال الطبرسي بالإجماع وقال الداني هذا متفق عليه وأخرج عبد الرزاق في المصنف والطيالسي وسعيد بن منصور وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند والنسائي والحاكم وصححه والضياء في المختارة وآخرون عن زر بن حبيش قال : قال لي أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه كائن تقرأ سورة الأحزاب أو كائن تعدها قلت : ثلاثا وسبعين آية فقال : أقط لقد رأيتها وإنها لتعادل سورة البقرة ولقد قرأنا فيها الشيخ والشيخة إذا زنيا فأرجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم فرفع فيما رفع وأراد رضي الله تعالى عنه بذلك النسخ وأما كون الزيادة كانت في صحيفة عند عائشة فأكلها الداجن فمن وضع الملاحدة وكذبهم في أن ذلك ضاع بأكل الداجن من غير نسخ كذا في الكشاف وأخرج أبو عبيد في الفضائل وابن الأنباري وابن مردويه عن عائشة قالت : كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مائتي آية فلما كتب عثمان رضي الله تعالى عنه المصاحف لم يقدر منها إلا على ما هو الآن وهو ظاهر في الضياع من القرآن ومقتضى ما سمعت أنه موضوع والحق أن كل خبر ظاهره ضياع شيء من القرآن أما موضوع أو مؤول ووجه اتصالها بما قبلها على ما قال الجلال السيوطي تشابه مطلع هذه ومقطع تلك فإن تلك ختمت بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن الكافرين وانتظار عذابهم وهذه بدئت بأمره عليه الصلاة والسلام بالتقوى وعدم طاعة الكافرين والمنافقين وإتباع ما أوحى إليه والتوكل عليه عز وجل حيث قال سبحانه وتعالى : { بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها النبي أتق الله }

{ يَا أَيُّهَا النَّبيُّ اتَّق الله } ناداه جل وعلا بوصفه عليه الصلاة والسلام دون اسمه تعظيماً له وتفخيماً قال في الكشاف . إنه تعالى جعل نداءه من بين الأنبياء عليهم السلام بالوصف كرامة له عليه الصلاة والسلام وتشريفاً وربأ بمحله وتنويهاً بفضله ، وأوقع اسمه في الأخبار في قوله تعالى : { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله } [ الفتح : 9 2 ] { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ } [ آل عمران : 4 14 ] لتعليم الناس بأنه رسول وتلقين لهم أن يسموه بذلك ويدعوه به فلا تفاوت بين النداء والأخبار ، ألا ترى إلى ما لم يقصد به التعليم والتلقين من الأخبار كيف ذكره تعالى بنحو ما ذكره في النداء كما في قوله تعالى : { لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ } [ التوبة : 128 ] { وَقَالَ الرسول يا رب } [ الفرقان : 0 3 ] { النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ } [ الأحزاب : 6 ] إلى غير ذلك .

وتعقبه في الكشف بأن أمر التعليم والتلقين في قوله تعالى : { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله } [ الفتح : 9 2 ] ظاهر أما في قوله تعالى : { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ } [ آل عمران : 144 ] فلا ، على أن قوله تعالى : { وَءامَنُواْ بما نزل على محمد } [ محمد : 2 ] ينقض ما بناه ، نعم النداء يناسب التعظيم وربما يكون نداء سائر الأنبياء عليهم السلام في كتبهم أيضاً على نحو منه ، وحكى في القرآن بأسمائهم دفعاً للالباس ، والأشبه أنه لما قل ذكره صلى الله عليه وسلم باسمه دل على أنه أعظم شأناً صلوات الله تعالى وسلامه عليه وعليهم أجمعين ، وفيه نظر .

واختار الطيبي طيب الله تعالى ثراه أن النداء المذكور هنا للاحتراس وجبر ما يوهمه الأمر والنهي كقوله تعالى : { عَفَا الله عَنكَ لَّمّاً أَذِنتَ لَهُمْ } [ التوبة : 43 ] وظاهر سياق ما بعد أن المعنى بالأمر بالتقوى هو النبي صلى الله عليه وسلم لا أمته كما قيل في نظائره والمقصود الدوام والثبات عليها ، وقيل : الازدياد منها فإن لها باباً واسعاً وعرضاً عريضاً لا ينال مداه { وَلاَ تُطِعِ الكافرين } أي المجاهرين بالكفر { والمنافقين } المضمرين لذلك فيما يريدون من الباطل ؛ أخرج ابن جرير عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : إن أهل مكة منهم الوليد بن المغيرة . وشيبة بن ربيعة دعوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع عن قوله على أن يعطوه شطر أموالهم وخوفه المنافقون واليهود بالمدينة إن لم يرجع قتلوه فنزلت ، وذكر الثعلبي . والواحدي بغير إسناد أن أبا سفيان ابن حرب . وعكرمة بن أبي جهل . وأبا الأعور السلمي قدموا عليه عليه الصلاة والسلام في زمان الموادعة التي كانت بينه صلى الله عليه وسلم وبينهم وقام معهم عبد الله بن أبي .

ومعتب بن قشير . والجد بن قيس فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ارفض ذكر آلهتنا وقل : إنها تشفع وتنفع وندعك وربك فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وهموا بقتلهم فنزلت ، وقيل : نزلت في ناس من ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلبوا منه عليه الصلاة والسلام أن يمتعهم باللات والعزى سنة قالوا : لتعلم قريش منزلتنا منك ولا يبعد أن يكون المراد بالنهي الثبات على عدم الإطاعة ، وذكره بعد الأمر بالتقوى المراد منه الثبات عليها على ما قيل من قبيل التخصيص بعد التعميم لاقتضاء المقام الاهتمام به ، وقيل : من قبيل التأكيد ، وقيل : متعلق كل من التقوى والإطاعة مغاير للآخر على ما روي الواحدي ، والثعلبي ، والمعنى اتق الله تعالى في نقض العهد ونبذ الموادعة ولا تطع الكافرين من أهل مكة والمنافقين من أهل المدينة فيما طلبوا منك من رفض ذكر آلهتهم وقولك : إنها تشفع وتنفع وكأنه إنما قدم الأمر بتقوى الله تعالى في نقض العهد لما أن المؤمنين قد هموا بما يقتضيه بخلاف الإطاعة المنهى عنها فإنها مما لم يهم بما يقتضيها أحد أصلاً فكان الاهتمام بالأمر أتم من الاهتمام بذلك النهي { إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً } مبالغاً في العلم والحكمة فيعلم الأشياء من المصالح والمفاسد فلا يأمرك إلا بما فيه مصلحة ولا ينهاك ألا عما فيه مفسدة ولا يحكم إلا بما تقتضيه الحكمة البالغة فالجملة تعليل للأمر والنهي مؤكد لوجوب الامتثال بها .

وقيل : المعنى إن الله كان عليماً بمن يتقي فيجازيه بما يليق به حكيماً في هدى من شاؤوا ضلال من شاء فالجملة تسلية له صلى الله عليه وسلم ، وليس بشيء .

ومن باب الإشارة : في آيات من هذه السورة الكريمة : { يا أيها النبي اتق الله } [ الأحزاب : 1 ] الخ فيه إشارة إلى عظم شأن التقوى وكذا شأن كل أمر ونهي يتعلقان به عليه الصلاة والسلام ، وفيه أيضاً إشارة إلى أنه لا ينبغي محبة أعداء الله عز وجل حيث نهى عن طاعتهم وهما كالمتلازمين