ثم بعد هذا التحريض الحكيم على بذل الأموال في وجوه الخير خص سبحانه بالذكر طائفة من المؤمنين هي أولي الناس بالعون والمساعدة ووصف هذه الطائفة بست صفات من شأنها أن تحمل العقلاء على المسارعة في إكرام أفرادها وسد حاجاتهم .
استمع على القرآن الكريم وهو يصور حالة هذه الطائفة من المؤمنين تصويرا كريما نبيلا تستجيش به المشاعر وتحرك القلوب لمساعدة هذه الطائفة المتعففة فيقول :
273- { للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا . . . }
لقد وصفهم الله تعالى أولا بالفقراء أي الذين هم في حاجة إلى العون والمساعدة لفقرهم واحتياجهم إلى ضروريات الحياة .
و قوله للفقراء متعلق بمحذوف يفهم من الكلام السابق والتقدير اجعلوا نفقتكم وصدقتكم للفقراء لأن الكلام السابق موضوعه الإنفاق في سبيل الله وما يتعلق في ذلك من آداب وفوائد .
و الجملة استئناف بياني فكأنهم لما أمروا بالصدقات سألوا لمن هي ؟ فأجيبوا انها لهؤلاء الذين ذكرت الآية صفاتهم .
و من فوائد الحذف هنا للمتعلق : تعليم المؤمنين الأدب في إعطائهم للفقراء بألا يصرحوا لهم بأن ما يعطونه إياهم هو صدقة حتى لا يشعرهم بالمذلة والضعف وأيضا ففي هذا الحذف لون من الإيجار البليغ الذي قل فيه اللفظ مع الوفاء بحق المعنى .
قال القرطبي : " والمراد بهؤلاء الفقراء فقراء المهاجرين وغيرهم ثم تتناول الآية كل من دخل تحت صفتهم غابر الدهر وإنما خص فقراء المهاجرين بالذكر لأنه لم يكن هناك سواهم وهم أهل الصفة ( 55 ) وكانوا نحو أربعمائة رجل وذلك أنهم كانوا يأتون فقراء وما لهم أهل ولا مال فبنيت لهم صفة في المسجد النبوي بالمدينة فقيل لهم " أهل الصفة " ( 56 ) .
أما الصفة الثانية من صفات هؤلاء الذين هم أولي الناس بالعون والمساعدة فهي قوله : { الذين أحصروا في سبيل الله } . والإحصار في اللغة أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين ما يريده بسبب مرض أو شيخوخة أو عدم أو ذهاب نفقة أو ما جرى مجرى هذه الأشياء .
و المعنى : اجعلوا الكثير مما تنفقونه أيها المؤمنون لهؤلاء الفقراء الذين حصروا أنفسهم ووقفوها على الطاعات المتنوعة التي من أعظمها الجهاد في سبيل الله أو الذين منعوا من الكسب بسب مرضهم أو شيخوختهم أو غير ذلك من الأسباب التي جعلتهم في حالة شديدة من الفاقة والاحتياج .
و عبر في الجملة الكريمة بالفعل أحصروا بالبناء للمجهول للإشعار بأن فقرهم لم يكن بسبب تكاسلهم وإهمالهم في مباشرة الأسباب خارجة عن إرادتهم .
و قوله : { في سبيل الله } تكريم وتشريف لهم أي أن ما نزل بهم من فقر واحتياج كان بسبب إيثارهم إعلاء كلمة الله على كل شيء آخر ففي سبيل الله هاجروا وفي سبيل الله وقفوا أنفسهم على الجهاد وفي سبيل الله أصابهم ما أصابهم وهم يطلبون أداء ما كلفهم سبحانه بأدائه .
أما الصفة الثالثة من صفاتهم فقال فيها : { لا يستطيعون ضربا في الأرض } والضرب هو السير فيها للتكسب والتجارة وغيرها .
أي أنهم عاجزون عن السير في الأرض لتحصيل رزقهم بسبب انشغالهم بالجهاد أو بسبب ضعفهم وقلة ذات يديهم .
و الصفة الرابعة من صفاتهم في قوله تعالى : { يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف } .
و " التعفف " ترك الشيء والتنزه عن طلبه بقهر النفس والتغلب عليها يقال عف عن الشيء إذا كف عنه والحسبان بمعنى الظن .
أي يظنهم الجاهل بحالهم أو الذي لا فراسة عنده يظنهم أغنياء من اجل تجملهم وتعففهم عن السؤال أما صاحب الفراسة الصادقة والبصيرة النافذة فإنه يرحمهم ويعطف عليهم لأنه يعرف ما لا يعرفه غيره .
و " من " في قوله : { من التعفف } للتعليل ولابتداء الغاية لأن التعفف مبدأ هذا الحسبان .
أما الصفة الخامسة من صفاتهم فهي قوله تعالى : { تعرفهم بسيماهم } والسيما والسيماء : العلامة التي يعرف بها الشيء وأصلها من الوسم بمعنى العلامة .
و المعنى : تعرف فقرهم وحاجتهم أيها الرسول الكريم أو أيها المؤمن العاقل بما ترى في هيئتهم من آثار بقلة ذات يدهم .
قال الإمام الرازي ما مخلصه : " قال مجاهد " سيماهم " التخشع والتواضع أي تعرفهم بتخشعهم وتواضعهم وقال السدى : تعرفهم بسيماهم أي بأثر الجهد من الفقر والحاجة وقال الضحاك : أي بصفرة ألوانهم ورثاثة ثيابهم . . . ثم قال- رحمه الله . وعندي أن كل ذلك فيه نظر والمراد شيء آخر هو أن لعباد الله المخلصين هيبة ووقعا في قلوب الخلق وكل من رآهم تأثر منهم وتواضع لهم ، وذلك له إدراكات روحية لا علامات جسمانية ، ألا ترى أن الأسد إذا مر هابته سائر السباع بطباعها لا بالتجربة لأن الظاهر أن تلك التجربة ما وقعت والبازي إذا طار تهرب منه الطيور الضعيفة وكل ذلك إدراكات روحانية لا جسمانية فكذا هنا . . " ( 57 ) .
و قد ذكر سبحانه في الجملة السابقة إن الجاهل بحالهم يظنهم أغنياء من اجل تعففهم عن السؤال وذكر هنا أنهم يعرفون بسيماهم وذلك للإشعار بأن أنظار الناس تختلف باختلاف فراستهم ونفاذ بصيرتهم فأصحاب الأنظار التي تأخذ الأمور بمظاهرها يظنونهم أغنياء أما أصحاب البصيرة المستنيرة والحس المرهف والفراسة الصائبة فإنهم يدركون ما عليه أولئك القوم من احتياج بسبب ما منحهم الله من فكر صائب ونظر نافذ في الحديث الشريف : " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " ( 58 ) .
أما الصفة السادسة من صفاتهم فهي قوله تعالى : { لا يسألون الناس إلحافا } والإلحاف كما يقول صاحب الكشاف هو الإلحاح بألا يفارق السائل المسئول إلا بشيء يعطاه من قولهم : لحفني من فضل لحافه أي أعطاه من فضل ما عنده ومعناه أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحفوا وقيل هو نفي للسؤال والإلحاف " ( 59 ) .
و الذي عليه المحققون من العلماء أن النفي منصب على السؤال وعلى الإلحاف أي أنهم لا يسألون أصلا تعففا منهم لأنهم لو كانوا يسألون ما ظنهم الجاهل أغنياء من التعفف ، ولو كانوا يسألون ما احتاج صاحب البصيرة النافذة إلى معرفة حالهم عن طريق التفرس في سماتهم لأن سؤالهم كان يغنيه عن ذلك .
و إنما جاء النفي بهذه الطريقة التي يوهم ظاهرها أن النفي متجه إلى الإلحاف وحده للموازنة بينهم وبين غيرهم إذا كان يسأل الناس إلحافا فهم لا يسألون مطلقا لا بإلحاف ولا بدونه والنفي بهذه الطريقة فيه تعريض للملحفين وثناء على المتعففين ولذا قال بعضهم : وإذا علم أنهم لا يسألون البتة فقد علم أنهم لا يسألون الناس إلحافا والمراد التنبيه على سوء طريقة من يسأل الناس إلحافا ومثاله إذا حضر عندك رجلان أحداهما عاقل وقور قليل الكلام والآخر طياش مهذار سفيه فإذا أردت أن تمدح أحدهما وتعرض بذم الآخر قلت : فلان رجل عاقل وقور لا يخوض في الترهات ولا يشرع في السفاهات ولم يكن غرضك من قولك لا يخوض في التهرات وصفه بذلك لأن ما تقدم من الأوصاف الحسنة يعني عن ذلك ، بل غرضك التنبيه على مذمة الثاني . فالأمر هنا كذلك لأن قوله : { لا يسألون الناس إلحافا } بعد قوله : { يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف } والغرض منه بيان أحد الجنسين عن الآخر في استيجاب المدح والتعظيم " ( 60 ) .
هذا وقد وردت أحاديث متعددة تمدح المتعففين عن السؤال وتذم الملحفين فيه ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان ولا التمرة والتمرتان إنما المسكين الذي يتعفف اقرؤوا إن شئتم : { لا يسألون الناس إلحافا } " . ( 61 ) .
و روى مسلم في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم " ( 62 ) .
روى مسلم أيضا في صححه عن عوف بن مالك قال كنا تسعة أو ثمانية أو سبعة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ألا تبايعون رسول الله ؟ فقلنا علام نبايعك قال ان تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا والصلوات الخمس . . وتطيعوا ولا تسالوا الناس فقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط احدهم فلا يسأل أحدا يناوله إياه " ( 63 ) .
و الخلاصة ان السؤال إنما يجوز عند الضرورة وأنه لا يصح لمؤمن أن يسأل الناس وعنده ما يكفيه لأن السؤال ذل يرأب بنفسه عنه كل من يحافظ على مروءته وكرامته وشرفه .
و قوله : { و ما تنفقوا من خير فإن الله به عليم } تحريض للمؤمنين على البذل والسخاء وتربية لنفوسهم على الشعور بمراقبة الله تعالى وعلى محبة الناس وفعل الخير أي وما تنفقوا من خير سواء أكان المنفق قليلا أم كثيرا سرا أم علنا فإن الله يعلمه وسيجازيكم عليه بأجزل الثواب وأعظم العطاء .
قوله تعالى : ( للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيامهم لا يسألون الناس إلحافا وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم ) اللام في قوله : ( للفقراء ) متصلة باسم محذوف تقديره الإنفاق أو الصدقة . فيكون تقدير الكلام : الصدقة للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله .
والمراد بالفقراء ، أولئك المهاجرين الذين ( أحصروا ) أي حبسوا في سبيل الله فانقطعت عنهم أسباب العيش والارتزاق . وذلك بعد أن هجروا الدار والأهل والمال في مكة نازحين إلى المدينة ؛ ابتغاء رضوان الله ولكي يتمكنوا من عبادة ربهم سالمين آمنين .
وقوله : ( لا يستطيعون ضربا في الأرض ) الضرب هو السفر . وذلك كقوله تعالى : ( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) فالمهاجرون الذين انقطعت بهم السبل في المدينة بعد أن هجروا مكة حيث المشركون والفتنة لا يستطيعون السفر خارج المدينة طلبا للرزق والمعاش .
قوله : ( يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ) المقصود بالجاهل الذي يجعل حقيقة حالهم وأمرهم . فهو لا يعرف فقرهم وسوء حالهم ؛ لما يراه في ظاهرهم من علو الهمة وحسن المظهر . فهو بذلك يحسبهم ( أغنياء من التعفف ) أي يظنهم الجاهل بحالهم أغنياء . وهم في الحقيقة ليسوا أغنياء ولكنهم متعففون . والتعفف معناه التنزه وترفع النفس والعزف عما يهبط بها أو يشينها .
وفي هذا الصدد الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ( ص ) : " ليس المسكين بهذا الطواف الذي تردّه التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان والأكلة والأكلتان ، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يُفطن له فيتصدق عليه ولا يسأل الناس شيئا " {[356]} .
وقوله : ( تعرفهم بسيامهم ) السيما معناها العلامة ، والمراد أن هؤلاء المهاجرين المتعففين تعرف فيهم الفقر ورقة الحال وشدة العوز ، لما يغشاهم من علامات تدل على ذلك . والمقصود بسيامهم التي تدل عليهم ما يبدو في وجوههم وظاهرهم من أثر التواضع والفاقة وافتقاد الخير والنعمة ؛ لأنهم محصورون لله ، وقد انقطعت بهم الأسباب فلا يستطيعون سفرا ولا سعيا لعيش أو ارتزاق .
قوله : ( لا يسألون الناس إلحافا ) ( إلحافا ) مصدر في موضع الحال منصوب . . . والإلحاف بمعنى الإلحاح في الطلب{[357]} وتلك هي أخلاق المؤمنين الصابرين الذين يكونون في فاقة وعوز ، لكنهم يتعففون عن تكفف الناس فلا يسألونهم إلحافا ، مع أنهم محتاجون للعون والعطاء . وهذا الصنف من الناس قد استوصى الله بهم خيرا من أجل أن يعطيهم الأغنياء أو الدولة من مال الله الذي آتاهم . وهؤلاء يوصي بهم الرسول ( ص ) فيما رواه مسلم والنسائي عن أبي هريرة – رضي الله عنه- : " ليس المسكين الذي تردّه التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان ، إنما المسكين المتعفف اقرأوا إن شئتم ( لا يسألون الناس إلحافا ) . وهذه الجملة في محل نصب حال ، وكذلك ( يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ) جملة فعلية في محل نصب حال من الفقراء . وكذلك ( تعرفهم بسيامهم ) {[358]} وفي حقيقة المسكين روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ( ص ) قال : " ليس المسكين بالطواف عليكم فتطعمونه لقمة لقمة ، إنما المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس إلحافا " .
وفي معنى قوله تعالى : ( لا يسألون الناس إلحافا ) ثمة قولان للعلماء أولهما : أنهم لا يسألون البتة ولا يتكففون أحدا وأنهم دائما متعففون ، فهم بذلك لا يسألون الناس ، سواء كان ذلك إلحافا أو غير إلحاف ، فالتعفف شأن وديدان . وذلك الذي ذهب إليه جمهور المفسرين وهو الراجح .
ثانيهما : أن المراد نفي الإلحاف فقط ، أما إن سألوا الناس غير ملحفين فلا بأس . وهو قول مرجوح .
ولا يفوتنا أن نبين النهي عن المسألة مع الغنى وأن ذلك حرام ، ولا يسأل أحد غيره وهو غني إلا كان آثما إثما يودي به إلى عذاب الله . يقول الرسول ( ص ) فيما أخرجه مسلم عن أبي هريرة : " من سأل الناس أموالهم تكثّروا فإنما يسأل جمرا فليستقلّ أو ليستكثر " .
وروى مسلم أيضا عن ابن عمران أن النبي ( ص ) قال : " لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مُزعة لحم " المزعة بضم الميم معناها القطعة . وقوله ( وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم ) ذلك ترغيب من الله للمؤمنين ، كيما ينفقوا في سخاء ليغيثوا المحاويج والمكروبين وليدفعوا عن الفقراء والعالة خلتهم ، فإنه ليس من نفقة يؤديها هؤلاء إلا والله يعلمها ، وهو سبحانه سيجازيهم عنها خير الجزاء .