ونحشرهم : أي : ونجمعهم وأصل الحشر : جمع الناس ، وسوقهم إلى الحرب .
وبكما : أي : وخرسا جمع أبكم يقال : بكم ، بكما أي : خرس .
وصما : أي : طرشا جمع أصم يقال : صم ، يصم ، صمما أي : طرش .
مأواهم : أي : محل إقامتهم . يقال : أوى ، يأوي ، أويا أي : أقام .
خبت : أي : سكن لهبا . يقال : خبت النار ، تخبو ، خبوا أي : سكن لهبها .
سعيرا : أي : توقدا . يقال : سعرت النار أسعرها ، سعرا ، فتسعرت ، أي : أوقدتها فتوقدت .
97- { ومن يهد الله فهو المهتد ومن ضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنّم كلما خبت زدناهم سعيرا } .
من يهده الله إلى طريق الرشاد ؛ لحسن استعداده فهو المهتدي ، ومن يضلله ؛ لفساد طبعه ، وسوء اختياره وركوبه رأسه في الغواية والعصيان كهؤلاء المعاندين ؛ فلن تجد لهم أنصارا يهدونهم ويحفظونهم من قهر الله سبحانه .
ولقد جعل الله للهدى والضلال سننا ، وترك الناس لهذه السنن يسيرون وفقها ، ويتعرضون لعواقبها ، ومن هذه السنن : أن الإنسان مهيأ للهدى والضلال ، وفق ما يحاوله لنفسه من السير في طريق الهدى أو طريق الضلال ، فالذي يستحق هداية الله بمحاولته واتجاهه ؛ يهديه الله ، وهذا هو المهتدي حقا ؛ لأنه اتبع هدى الله . والذين يستحقون الضلال بالإعراض عن دلائل الهدى وآياته ؛ لا يعصمهم أحد من عذاب الله{[492]} .
{ فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم } . أي : يسحبون عليها كقوله سبحانه : { يوم يسحبون في النار على وجوههم . . . } ( القمر : 48 ) . والوجه أكرم شيء في الإنسان فهو مجمع المحاسن وفيه أهم الحواس كالعين والأذن والذوق والشم ومن شأن الإنسان أن يدافع عن وجهه وأن يحميه بيده فإذا اشتد هول القيامة تحمل الكافر عذب النار بوجهه ؛ لأنه يلقى في جهنم مغلولة يداه إلى عنقه فلا يستطيع أن يدفع عن وجهه العذاب قال تعالى : { أفمن يتّقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة . . . } ( الزمر : 24 ) .
وقال في ظلال القرآن : ونحشرهم يوم القيامة في صورة مهينة يتكفأون على وجوههم .
وقال القاشاني : أي : ناكسي الرءوس لانجذابهم إلى الجهة السفلية .
{ عميا وبكما وصما } . أي : مطموسين محرومين من جوارحهم التي تهديهم في هذا الزحام ؛ جزاء ما عطلوا هذه الجوارح في الدنيا عن إدراك دلائل الهدى .
روى البخاري ومسلم : عن أنس رضي عنه أنه قال : قيل : يا رسول الله ، كيف يمشي الناس على وجوههم ؟ قال : ( الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم ){[493]} .
وروى الترمذي : أن الناس ثلاثة أصناف في الحشر : مشاة ، وركبانا ، وعلى وجوههم{[494]} .
وإن نرى في الدنيا من الحيوان ما هو طائر ومنه ما هو ماش ، ومنه ما هو زاحف ، كالحيات وهوام الأرض ، والقسم الأخير من الأقسام الثلاثة في الحديث أقرب إلى هيئة الزواحف بحيث يبقى الوجه في الأرض وتحيط به زوائد كالأرجل الحيوانية ، وهو يهيم على وجهه .
والخلاصة : أنهم يبعثون في أقبح صورة وأشنع منظر وقد جعل الله لهم بين عمي البصر ، وعدم النطق ، وعدم السمع ، مع كونهم مسحوبين على وجوههم ، كما يفعل في الدنيا بمن يبالغ في إهانته وتعذيبه .
وأما قوله تعالى : { عميا وبكما وصما } . فقد استشكله شخص على ابن عباس فقال : أليس قد قال تعالى : { ورأى المجرمون النار . . . } ( الكهف : 53 ) . وقال تعالى : { سمعوا لها تغيظا وزفيرا } . ( الفرقان : 12 ) . وقال تعالى : { دعوا هنالك ثبورا } . ( الفرقان : 13 ) . وقال تعالى : { يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها . . . } ( النحل : 111 ) . وقال تعالى حكاية عن الكفار : { والله ربّنا ما كنا مشركين }{[495]} فثبت بهذه الآيات أنهم يرون ويسمعون ويتكلمون فكيف قال تعالى : هنا : { عميا وبكما وصما } ؟ أجاب ابن عباس وتلامذته منه من وجوه :
الأول : قال ابن عباس : { عميا } لا يرون شيئا يسرهم { صما } لا يسمعون شيئا يسرهم { بكما } لا ينطقون بحجة .
الثاني : قال : في رواية عطاء { عميا } عن النظر أي : عما جعله الله تعالى لأوليائه و{ بكما } عن مخاطبة الله تعالى ومخاطبة الملائكة المقربين { صما } عن ثناء الله تعالى عنهم .
الثالث : قال مقاتل : إنه حين يقال لهم : اخسئوا فيها ولا تكلمون ؛ يصيرون عميا ؛ بكما ، صما ، أما قبل ذلك فهم يرون ويسمعون وينطقون .
الرابع : أنهم يكونون رائين سامعين ناطقين في الموقف ولولا ذلك لما قدروا أن يطالعون كتبهم ولا أن يسمعوا لإلزام حجة الله تعالى عليهم إلا أنهم إذا أخذوا يذهبون من الموقف إلى النار جعلهم الله تعالى عميا ، بكما ، صما ، قال الفخر الرازي : والجواب الأول أولى ؛ لأن الآيات السابقة تدل على أنهم في النار يبصرون ويسمعون ويصيحون{[496]} .
{ مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا } .
خبت أي : سكن لهيبها بأن أكلت جلودهم ولحومهم { زدناهم سعيرا } أي : توقدا . بأن تبدل لحومهم وجلودهم ، فتعود ملتهبة مستعرة .
كأنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء ، جعل الله جزاءهم أن سلط النار على أجزائهم ، تأكلها وتفنيها ، ثم يعيدها ، لا يزالون على الإفناء والإعادة ؛ ليزيد ذلك في تحسرهم على تكذيبهم البعث ، ولأنه أدخل في الانتقام من الجاحد .
ولما تقدم أنه سبحانه وتعالى أعلم بالمهتدي والضال ، وكان ختم هذه الآية مرشداً إلى أن المعنى : فمن علم منه بجوابه قابلية للخير وفقه للعمل على تلك المشاكلة ، ومن علم منه قابلية للشر أضله ، عطف عليه قوله تعالى : { ومن يهد الله } أي الذي له الأمر كله لأنه لا شريك له ، بخلق الهداية في قلبه ، وأشار إلى قلة المهتدي على طريقة الإحسان بإفراد ضميره ، وإلى كثرة الضال بجمعه فقال تعالى : { فهو } أي لا غيره { المهتد } لا يمكن أحداً غيره أن يضله { ومن يضلل } فهو الضال لا هادي له ، وذلك معنى قوله تعالى : { فلن تجد لهم } أي للضالين { أولياء } أي أنصاراً في هذه الدنيا { من دونه } يهدونهم ولا ينفعونهم بشيء أراد الله غيره ، ولذلك نفوا أصلاً ورأساً ، لأنهم إذا انتفى نفعهم كانوا كالعدم ، وإذا انتفى عن الجمع انتفى عن المفرد من باب الأولى ؛ فالآية من الاحتباك : خبر الأول يدل على حذف ضده ثانياً ، ونتيجة الثاني تدل على حذف ضدها من الأول .
ولما كان يوم الفصل يوماً يظهر فيه لكل أحد في كل حالة من عظمته تعالى ما يضمحل معه كل عظمة قال تعالى : { ونحشرهم } بنون العظمة أي نجمعهم بكره { يوم القيامة } أي الذي هو محط الحكمة { على وجوههم } يمشون أو مسحوبين عليها إهانة لهم فيها كما لم يذلوها بالسجود لنا { عمياً وبكماً وصماً } كما كانوا في الدنيا لا ينتفعون بأبصارهم ولا نطقهم ولا أسماعهم ، بل يكون ضرراً عليهم لما ينظرون من المعاطب ، ويسمعون من المصائب ، وينطقون به من المعايب ؛ قال الرازي في اللوامع إذ يحشر المرء على ما مات عليه ، فلم يكن له في الآخرة شيء إلا حصل أوله ومبدأه في الدنيا وتمامه في الآخرة - انتهى .
ولما كان المقام للانتقال من مقام إلى آخر ، قدم البصر لأنه العمدة في ذلك ، وثنى بالنطق لأنه يمكن الأعمى الاسترشاد ، وختم بالسمع لأنه يمكن معه وحده نوع رشاد ، وعطفها بالواو إن كان لتشريك الكل في كل من الأوصاف فللتهويل ، لأن المتكلم إذا نطق بالعاطف ظن السامع الانتقال إلى شيء آخر ، فإذا أتى بالوصف كان أروع للعلم بأن صاحبه عريق فيه ، لما تقدم في براءة ، وإن كان للتنويع فلتصويرهم بأقبح صورة من حيث إنه لا ينتفع فريق منهم بالآخر كبير نفع ، فكأنه قيل : إلى أيّ مكان يحشرون ؟ فقال تعالى : { مأواهم جهنم } تستعر عليهم وتتجهمهم ، كل واحد منهم يقاسي عذابها وحده وإن كان وجهه إلى وجه صاحبه ، لأنه لا يدرك سوى العذاب للختم على مشاعره ، فيا طولها من غربة ! ويا لها من كربة ! فكأنه قيل : هل يفتر عنهم عذابها ؟ فقيل : لا بل هم كل ساعة في زيادة ، لأنها { كلما خبت } أي أخذ لهبها في السكون عند إنضاجها لجلودهم { زدناهم } أي بما لنا من العظمة { سعيراً * } بإعادة الجلود ؛