تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} (110)

{ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خير لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءو بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون }

المفردات :

أمة : الأمة : الجماعة .

الفاسقون : الخارجون عن طاعة الله .

110- { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله . . الآية } .

المعنى :

وجدتم خير امة خرجت للناس لأنكم تأمرون بالمعروف أي بالقول أو الفعل الجميل المستحسن في الشرائع والعقول ويأباه أهل الإيمان القويم والعقل السليم44 .

وجاء في ظلال القرآن ما يأتي :

{ كنتم خير امة أخرجت للناس . . أخرجت . . إنه لتعبير يلفت النظر لفظ أخرج وبناؤه للمجهول . . وهو يكاد يشي باليد الخفية المدبرة تخرج هذه الأمة إخراجا وتدفعها إلى الظهور دفعا من ظلمات الغيب ومن وراء الستار السرمدي الذي لا يعلم ما وراءه إلا الله .

إنها للفظة تصور حركة خفية لطيفة الدبيب حركة تخرج على مسرح الوجود أمة . . فيا لها من يد قادرة مدبرة تشي بها لفظة مصورة معبرة45 .

والخطاب في هذه الآية الكريمة بقوله تعالى : { كنتم } للمؤمنين الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم ولمن أتى بعدهم واتبع الإسلام إلى يوم الدين .

جاء في تفسير ابن كثير ما يأتي :

قال ابن عباس في قوله تعالى : { كنتم خير امة أخرجت للناس } قال هم الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة والصحيح ان هذه الآية عامة في جميع الامة كل قرن بحسبه وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الذين يلونهم كما قال في الآية :

{ وكذلك جعلناكم امة وسطا . أي خيارا{ لتكووا شهداء على الناس . . . } ( البقرة 143 ) .

وفي مسند أحمد وجامع الترمذي من رواية حكيم بن معاوية عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنتم توفون سبعين أمة انتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل " 46 وهو حديث مشهور وقد حسنه الترمذي .

وإنما حازت هذه الأمة قصب السبق إلى الخيرات بنبيها محمد صلوات الله وسلامه عليه فإنه أشرف خلق الله وأكرم الرسل على الله وبعثه الله بشرع كامل عظيم لم يعطه نبي قبله ولا ر سول من الر سل47 .

وقد ساق ابن كثير تفسيره أحاديث كثيرة في فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم ونقل منها الأستاذ محمد علي الصابوني خمسة عشر حديثا نبويا شريفا في كتاب ( مختصر تفسير ابن كثير ) منها ما رواه البخاري ومسلم ومنها ما رواه الإمام احمد ومنها ما روى في كتب السنن وسننقل منها هذا الحديث الشريف :

روى مسلم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " عرضت على الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي وليس معه احد إذ رفع لي سواد عظيم فظننت انهم أمتي فقيل : هذا موسى وقومه ولكن انظر إلى الأفق فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل انظر إلى الأفق الآخر فإذا سواد عظيم فقيل لي : هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ) ثم نهض فدخل منزله فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب فقال بعضهم : فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئا وذكروا أشياء فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( ما الذي تخوضون فيه ؟ ) فأخبروه فقال ( هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون ) فقام عكاشة بن محصن فقال : ادع الله ان يجعلني منهم قال : ( أنت منهم ) ثم قام رجل آخر فقال : ادع الله ان يجعلني منهم قال : سبقك بها عكاشة ) 48 .

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :

لقد بين الحق سبحانه وتعالى سبب أفضلية هذه الأمة فقال : { تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } وهم ثلاث ركائز :

الأمر بالمعروف والدعوة إلى الخير والكمال والسير على صراط المستقيم .

والنهي عن المنكر : والتحذير من الفعل القبيح والسلوك المستهجن والنهي عن ارتكاب الفواحش واقتراف المعاصي .

والإيمان بالله : اليقين الجازم بوجوده وطاعته وإخلاص العبادة له والتمسك بأمره والبعد عما نهى عنه .

والآية الكريمة وسام علوي لهذه الأمة إذا قامت بدورها وأدت واجبها وأطاعت خالقها واهتدت بسنة نبيها ورسولها .

فهل وعت الأمة الإسلامية الملئ بالضعف والهوان والفسوق والعصيان والأثرة والتنازع والاختلاف والتخلف والتأخر وضعف الهمم والعزائم كل هذا يدمي قلوب المؤمنين الصادقين .

ولا صالح لآخر هذه الامة إلا بما صلح به أولها : ( إيمان صادق وعمل مخلص وتحمل تبعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) .

قال ابن كثير بعد أن ساق طائفة من الأحاديث النبوية في فضل الأمة المحمدية : فهذه الأحاديث في معنى قوله : { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } .

فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا المدح كما قال : قتادة : بلغنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حجة حجها رأى من الناس دعة فقرأ هذه الآية : { كنتم خير أمة أخرجت للناس } ثم قال ( من سره أن يكون من هذه الأمة فيؤد شرط الله فيها ) رواه ابن جرير .

{ ولو آمن أهل الكتاب لكان خير لهم } .

أي { ولو آمن أهل الكتاب } بما انزل على محمد صلى الله عليه وسلم { لكان خير لهم } : أي لكان إيمانهم خيرا لهم في دنياهم وآخرتهم ولنالوا الخيرية التي ظفرت بها الأمة الإسلامية ولكنهم لم يؤمنوا فامتنع الخير فيهم لامتناع الإيمان الصحيح منهم .

{ منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون } أي قليل منهم من يؤمن بالله وما انزل إليكم وما انزل إليهم كعبد الله ابن سلام وأضرابه .

وأكثرهم الفاسقون . أي المتمردون في الكفر الخارجون عن الحدود .

/خ112

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} (110)

ولما كان من رجوع{[18573]} الأمور إليه هدايته من يشاء وإضلاله من يشاء قال - مادحاً لهذه الأمة ليمعنوا{[18574]} في رضاه{[18575]} حمداً وشكراً و{[18576]}مؤيساً لأهل الكتاب عن إضلالهم{[18577]} ليزدادوا حيرة{[18578]} وسكراً{[18579]} : { كنتم خير أمة } أي وجدتم على هذا الوصف الثابت لكم جبلة وطبعاً . ثم وصف الأمة بما يدل على عموم الرسالة وأنهم سيقهرون أهل الكتاب فقال : { أخرجت للناس } ثم بين وجه الخيرية{[18580]} بما لم يحصل مجموعه لغيرهم على ما هم{[18581]} عليه من المكنة بقوله : { تأمرون } أي على سبيل التجدد والاستمرار { بالمعروف } أي كل ما عرفه الشرع وأجازه { وتنهون عن المنكر } وهو ما خالف ذلك ، ولو وصل الأمر إلى القتال ، مبشراً لهم بأنه قضى في ألأزل أنهم يمتثلون{[18582]} ما أمرهم به من {[18583]}الأمر بالمعروف{[18584]} والنهي عن المنكر في قوله : { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير } إراحة لهم من كلفة النظر في {[18585]}أنهم هل يمتثلون{[18586]} فيفلحوا ، وإزاحة{[18587]} لحملهم{[18588]} أعباء الخطر بكونهم يعانون عليه ليفوزوا{[18589]} ويربحوا ، فصارت فائدة الأمر كثيرة الثواب بقصد امتثال الواجب ، وللترمذي - وقال : حسن عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه سمع النبي{[18590]} صلى الله عليه يقول في هذه الآية : " أنتم تتمون{[18591]} سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله سبحانه وتعالى " وللبخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : " أنتم خير الناس للناس{[18592]} ، تأتون{[18593]} بهم في{[18594]} السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا{[18595]} في الإسلام{[18596]} " .

ولما أخبر عنهم بهذا الوصف الشريف في نفسه أتبعه ما زاده شرفاً ، وهو أنهم فعلوه في حال إيمانهم فهو معتبر به لوجود شرطه الذي هو أساس كل خير فقال{[18597]} { وتؤمنون } أي تفعلون ذلك والحال أنكم تؤمنون{[18598]} { بالله } أي الملك الأعلى الذي تاهت الأفكار في معرفة كنه ذاته ، وارتدت {[18599]}نوافذ أبصار{[18600]} البصائر خاسئة{[18601]} عن حصر صفاته ، أي تصدقون أنبياءه ورسله بسببه في كل ما أخبروا به قولاً وفعلاً ظاهراً وباطناً ، وتفعلون جميع أوامره وتنهون عن جميع مناهيه ؛ وهذا يفهم أن من لم يؤمن كإيمانهم فليس من هذه الأمة أصلاً ، لأن الكون المذكور{[18602]} لا يحصل إلا بجميع{[18603]} ما ذكر ، وكرر الاسم الأعظم زيادة في تعظيمهم ، وقد صدق{[18604]} الله ومن أصدق من الله حديثاً !

قاال الإمام أبو عمر يوسف بن{[18605]} عبد البر النمري{[18606]} في خطبة كتاب الاستيعاب : روى ابن القاسم عن مالك أنه سمعه يقول : لما دخل{[18607]} أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الشام نظر إليهم رجل من أهل الكتاب فقال : ما كان أصحاب عيسى ابن مريم الذين قطعوا بالمناشير{[18608]} وصلبوا على الخشب بأشد اجتهاداً{[18609]} من هؤلاء - انتهى .

ولما كان من المعلوم أن التقدير : وذلك خير لكم ، عطف عليه قوله : { ولو آمن أهل الكتاب } أي أوقعوا{[18610]} الإيمان كما آمنتم بجميع الرسل وجميع ما أنزل عليهم في كتابهم وغيره ، ولم يفرقوا{[18611]} بين شيء من ذلك { لكان } أي الإيمان { خيراً لهم } إشارة إلى تسفيه{[18612]} أحلامهم{[18613]} في وقوفهم مع ما منعهم عن الإيمان من العرض{[18614]} القليل الفاني والرئاسة التافهة ، وتركهم{[18615]} الغنى الدائم والعز الباهر الثابت .

ولما كان هذا ربما أوهم أنه لم يؤمن منهم أحد قال مستأنفاً : { منهم المؤمنون } أي الثابتون في الإيمان ، ولكنهم قليل { وأكثرهم الفاسقون * } أي{[18616]} الخارجون من رتبة الأوامر والنواهي خروجاً يضمحل معه خروج غيرهم .


[18573]:في ظ: مجموع.
[18574]:من ظ ومد، وفي الأًصل: ليتمنوا.
[18575]:في ظ: رضاها.
[18576]:سقطت الواو من ظ.
[18577]:زيد بعده في الأصل "من يشاء قال مادحا لهذه الأمة" ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[18578]:في ظ: حيلة.
[18579]:في ظ: شكرا.
[18580]:من ظ ومد، وفي الأًصل: الخيرية.
[18581]:في ظ ومد: هو.
[18582]:من ظ ومد، وفي الأًصل: سيعلبون ـ كذا.
[18583]:في ظ: المعروف.
[18584]:في ظ: المعروف.
[18585]:في ظ "و" .
[18586]:من ظ ومد، وفي الأًصل: ممتثلون.
[18587]:من مد، وفي الأصل وظ: إراحة.
[18588]:من ظ ومد، وفي الأًصل: كلهم.
[18589]:في ظ: ليفوا ـ كذا.
[18590]:في ظ: رسول الله.
[18591]:في ظ: فسمون ـ كذا.
[18592]:سقط من ظ.
[18593]:في ظ: يانون.
[18594]:في ظ "و".
[18595]:في ظ: يدخلون.
[18596]:ولفظ البخاري في صحيحه 2/654 " قال: خير الناس للناس يأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام.
[18597]:زيد من ظ ومد.
[18598]:سقط من ظ.
[18599]:في ظ: نوافر الأبصار.
[18600]:في ظ: نوافر الأبصار.
[18601]:في ظ: خلسه.
[18602]:في ظ: بالمذكور.
[18603]:من ظ ومد، وفي الأًصل: بمجموع و.
[18604]:من ظ ومد، وفي الأًصل: أصدق.
[18605]:زيد من ظ ومد.
[18606]:من ظ ومد، وفي الأًصل: التموي ـ راجع المشتبه ص 117.
[18607]:زيد بعده في الأصل: على، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[18608]:في الأصل: بالمباشير، وفي ظ: المناشير، وفي مد: بالمياشير.
[18609]:في ظ: اجتهاد.
[18610]:في ظ: أوفقو.
[18611]:في ظ: لم يتغرقوا.
[18612]:من ظ ومد، وفي الأًصل: شقية.
[18613]:في ظ: أخلاقهم.
[18614]:في ظ: العوض.
[18615]:في ظ: وتركتم.
[18616]:سقط من ظ.