لسحت : السحت ؛ الحرام . كالربا ونحوه .
42- سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ . . . . إن هؤلاء المنافقين واليهود من صفاتهم-أيضا- أنهم كثيرو السماع للكذب ، وكثير الأكل للمال الحرام بجميع صوره وألوانه ، ومن كان هذا شأنه فلا تنتظر منه خيرا ولا تؤمل فيه رشدا .
وجاءت هاتان الصفتان- سماعون وأكالون - بصيغة المبالغة للإيذان ، بأنهم محبون حبا جما لما يأباه الدين والخلق الكريم ، فهم يستمرئون سماع الباطل من القول ، كما يستمرئون أكل أموال الناس بالباطل .
وفي المراد بالسحت ثلاثة أقوال :
فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ . أي : فإن جاءك اليهود متحاكمين إليك ، فأنت بالخيار بين أن تحكم بينهم . لأنهم اتخذوك حكما ، أو تعرض عنهم ؛ لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك إتباع الحق .
وقد أجمع العلماء على انه يجب على حكام المسلمين أن يحكموا بين المسلم والذمي إذا ترافعا إليهم ، واختلفوا في أهل الذمة إذا ترافعوا فيما بينهم ، فقيل : يجب الحكم بينهم ، وقيل : هو جائز وله أن يردهم ، ولا يحكم بينهم بشيء .
وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا . أي : وإن اخترت الإعراض عن الحكم بينهم فلن يقدروا على الإضرار بك ؛ لأن الله عاصمك من الناس .
وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ . أي : وإن اخترت الحكم بينهم ، فالواجب ان يكون الحكم بينهم بالعدل ، الذي أمرك الله به وانزله عليك .
قال تعالى : إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ . ( النساء : 58 ) .
وقال سبحانه : وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ . ( المائدة : 49 ) .
وقريب منه قوله تعالى : يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ . ( ص : 26 )
إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ : وهو ختام للآية مقرر لما قبله من وجوب الحكم بالعدل إذا ما اختار أن يقضي بينهم .
يقال : أقسط الحاكم في حكمه : إذا عدل وقضى بالحق فهو مقسط أي : عادل ، ومنه : إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ .
روى مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن المقسطين على منابر من نور عن يمين الرحمن وكالتا يديه يمين ، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا " {[241]} .
1- ذهب فريق من العلماء إلى أن هذه الآية منسوخة وان النبي صلى الله عليه وسلم كان مخيرا بين الحكم بين اليهود أو الإعراض عنهم ثم نسخ ذلك بقوله تعالى :
وأن احكم بينهم بنا أنزل الله . والراجح أن الآية غير منسوخة ، وان التخيير لا يزال قائما ، أما قوله تعالى : وان احكم بينهم بما أنزل الله . فهو بيان لكيفية الحكم عند اختياره له .
ولما ذكر التحريف ، ذكر أثره وهو الحكم به فقال مكرراً لوصفهم زيادة في توبيخهم{[25847]} وتقبيح شأنهم : { سمّاعون } أي هم في غاية الشهوة والانهماك في سماعهم{[25848]} ذلك{[25849]} { للكذب أكّالون } أي على وجه المبالغة { للسحت } أي الحرام الذي يسحت البركة أي يستأصلها ، وهو كل ما لا يحل كسبه ، وذلك أخذهم الرشى{[25850]} ليحكموا بالباطل على نحو ما حرفوه وغيره من كلام الله ، قال الشيخ أبو العباس المرسي : ومن آثر من الفقراء السماع لهواه ، وأكل ما حرمه مولاه ، فقد استهوته{[25851]} نزعة يهودية ، فإن القوال{[25852]} يذكر{[25853]} العشق و{[25854]}المحبة والوجد{[25855]} وما عنده منها شيء .
ولما كانوا قد يأخذون الرشوة ولا يقدرون على إبرام الحكم بما أرادوه ، فيطمعون في أن يفعلوا ذلك بواسطة ترافعهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيترافعون إليه ، فإن حكم بينهم بما أرادوا قبلوه واحتجوا به على من لعله يخالفهم ، وإن حكم بما لم يريدوه قالوا : ليس هذا في ديننا - طمعاً في أن يخليهم فلا يلزمهم بما حكم ، أعلمه الله تعالى بما يفعل في أمرهم ، وحذره غوائل مكرهم ، فقال مفوضاً الخيرة إليه في أمر المعاهدين إلى مدة - وأما أهل الجزية فيجب الحكم بينهم إذا ترافعوا إلى حاكمنا - مسبباً عن أكلهم الحرام وسماعهم الكذب : { {[25856]}فإن جاءوك{[25857]} } أي{[25858]} طمعاً في أن تؤتيهم ما حرفوا إليه الكلم{[25859]} { فاحكم بينهم } أي إن شئت بما أنزل الله عليك{[25860]} من الحق { أو اعرض عنهم } أي كذلك{[25861]} .
ولما كان قوله : { وإن } دالاً بعطفه على غير معطوف عليه أن التقدير : فإن حكمت بينهم{[25862]} لم ينفعوك شيئاً لإقبالك عليهم ، قال : وإن { تعرض عنهم } أي الكفرة كلهم{[25863]} من المصارحين والمنافقين { فلن يضروك شيئاً } أي لإعراضك عنهم واستهانتك{[25864]} بهم .
ولما كان هذا التخيير{[25865]} غير مراد الظاهر في جواز الحكم بينهم عند الترافع إلينا وعدمه ، بل معناه عدم المبالاة بهم ، أعرض عنهم أولاً ، فحقيقته بيان العاقبة على تقديري الفعل والترك ، علَّمه{[25866]} كيف يحكم بينهم ، فقال عاطفاً على ما قدرته : { وإن حكمت } أي فيهم { فاحكم } أي أوقع الحكم{[25867]} { بينهم بالقسط } أي العدل الذي أراكه الله - على أن الآية ليست في أهل الذمة ، والحكم في ترافع الكفار إلينا أنه كان منهم أو من أحدهم التزام لأحكامنا أم{[25868]} منا التزام للذب{[25869]} عنهم وجب ، لقوله تعالى { فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم } وإلا لم يجب ، ثم علل ذلك بقوله : { إن الله } أي الذي له صفات الكمال { يحب المقسطين } أي الفاعلين للعدل السوي من غير حيف أصلاً .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.