ليبلونكم : الابتلاء ؛ الاختبار .
بشيء من الصيد : الصيد : ما صيد من حيوان البحر ، ومن حيوان البر الوحشية ، ومن الطيور . تناله أيديكم ورماحكم : يراد به كثرته وسهولة اصطياده .
روى عن ابن عباس : أنه ما تناله الأيدي : الصغار والفراخ من الصيد . وما يؤخذ وينال بالرماح الكبار .
ليعلم الله من يخافه بالغيب : أي ليعاملكم معاملة المختبر ، الذي يريد أن يعلم الشيء علم وقوع – وإن كان سبحانه وتعالى يعلمه علم غيب – فهو علام الغيوب .
94- يا أيها الذين آمنوا ليبلوكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم .
خلق الله الإنسان للاختبار والبتلاء فمن أطاع فله الجنة ، ومن أساء فله النار .
قال تعالى : الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا . ( الملك : 2 ) .
وقد كان الصيد أحد معايش العرب فابتلاهم الله بتحريمه مع الإحرام وفي الحرم ، كما ابتلى بني إسرائيل ألا يعتدوا في السبت .
عن مقاتل قال : أنزلت هذه الآية في عمرة الحديبية فكانت الوحش والطير والصيد تغشاهم في رحالهم لم يروا مثله قط فيما خلا ، فنهاهم الله عن قتله وهم محرمون .
يا أيها الذين آمنوا ليبلوكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم .
والمعنى : أي ليختبرنكم الله – وأنتم محرمون – ببعض من الصيد يسهل عليكم تناوله ، بحيث تناله أيديكم بدون حاجة إلى سهام أو جوارح ، أو بطيور صغار تستطيعون أخذها بأيديكم وبطيور كبار تستطيعون صيدها برماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب . ليتميز عند الله من يخافه منكم خفية عن الناس ، كما يخافه بمرأى من الناس ومسمع منهم ، فالخوف بالغيب برهان الإيمان .
جاء في حاشية الجمل : وقوله ( بالغيب ) حال من فاعل يخافه أي يخاف الله حال كونه غائبا عن الله ، ومعنى كون العبد غائبا من الله ، أنه لم ير الله تعالى .
أو حال من المفعول : أي يخاف الله حال كونه – تعالى – ملتبسا بالغيب عن العبد أي غير مرئي له . ( فمن اعتدى ) فاصطاد .
( فله عذاب أليم ) أي شديد الإيلام عظيم الإهانة لأن التعدي بعد الإنذار ، دليل على عدم المبالاة بأوامر الله ، ومن لم يبال بأوامر الله ساءت عاقبته وقبح مصيره .
هذا ولقد نجحت الأمة الإسلامية ، وخصوصا سلفها الصالح في هذا الاختبار ، فقد تجنب أبنائها وهم محرمون صيد البر مهما أغراهم قربه منهم ، وحبهم لصيده والانتفاع به .
بينما أخفق بنو إسرائيل فيما يشبه هذا الاختبار فقد نهاهم الله عن الصيد في يوم السبت ، فكانت الأسماك تظهر لهم في هذا اليوم امتحانا من الله لهم ، فما كان منهم إلا أن تحايلوا على صيدها بأن حبسوها في يوم السبت ، ليصيدوها في غيره . . فاستحق اليهود اللعنة والمسخ واستحقت الأمة الإسلامية أن تكون خير أمة أخرجت للناس .
ولما ذكر ما حرم من الطعام في كل حال ، وكان الصيد مما حرم في بعض الأوقات ، وكان من أمثل مطعوماتهم ، وكان قد ذكر لهم بعض أحكامه عقب قوله : { أحلت لكم بهيمة الأنعام } { وأحل{[27640]} لكم الطيبات } أخذ هنا في ذكر شيء{[27641]} من أحكامه ، وابتدأها - لأنهم خافوا على من مات منهم على شرب{[27642]} الخمر قبل تحريمها{[27643]} بأنه يبتليهم لتمييز الورع منهم من غيره - بالصيد في الحال التي حرمه عليهم فيها كما ابتلى{[27644]} إسرائيل في السبت ، فكان ذلك سبباً لجعلهم{[27645]} قردة ، ومنَّ سبحانه على الصحابة من هذه الأمة بالعصمة عند بلواهم بياناً لفضلهم على من سواهم ، فقال تعالى منادياً لهم بما يكفّهم{[27646]} ذكره{[27647]} عن المخالفة : { يا أيها الذين آمنوا } أي أوقعوا الإيمان ولو على أدنى وجوهه ، فعم بذلك العالي والداني { ليبلونكم الله } أي يعاملكم معاملة المختبر في قبولكم تحريم الخمر وغيره المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ، وذكر الاسم الأعظم إشارة بالتذكير بما له من الجلال إلى أن له أن يفعل ما يشاء ، وأشار إلى تحقير البلوى تسكيناً للنفوس بقوله{[27648]} : { بشيء من الصيد } أي الصيد في البر في{[27649]} الإحرام ، وهو ملتفت إلى قوله :{ هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله }[ المائدة : 60 ] وشارح لما ذكر أول السورة في قوله { غير محلي الصيد وأنتم حرم{[27650]} } ، وما{[27651]} ذكر بعد المحرمات من قوله :{ فكلوا مما أمسكن عليكم }[ المائدة : 4 ] ، ووصف المبتلى به بوصف هو من أعلام النبوة فقال : { تناله أيديكم } أي إن{[27652]} أردتم أخذه سالماً { ورماحكم } إن أردتم قتله ، ثم ذكر المراد من ذلك وهو إقامة الحجة على ما يتعارفه العباد بينهم فقال : { ليعلم الله } أي وهو الغني عن ذلك بما له من صفات الكمال التي لا خفاء بها عند أحد يعلم هذا الاسم الأعظم { من يخافه بالغيب } أي بما حجب به من{[27653]} هذه الحياة الدنيا التي حجبتهم عن أن يعرفوه حق معرفته سبحانه ، والمعنى أنه يخرج بالامتحان ما كان من أفعال العباد في عالم الغيب إلى عالم الشهادة ، فيصير تعلق العلم به تعلقاً شهودياً كما{[27654]} كان تعلقاً غيبياً لتقوم{[27655]} بذلك{[27656]} الحجة على الفاعل{[27657]} في مجاري عاداتهم{[27658]} ، ويزداد من له اطلاع على اللوح المحفوظ من الملائكة إيماناً ويقيناً وعرفاناً ، وقد حقق سبحانه معنى هذه الآية فابتلاهم بذلك عام الحديبية حتى كان يغشاهم الصيد في رحالهم ويمكنهم أخذه بأيديهم .
ولما كان هذا زاجراً في العادة {[27659]}عن التعرض{[27660]} لما وقعت البلوى به وحاسماً للطمع فيه بمن{[27661]} اتسم بما جعل محط النداء من الإيمان ، سبب عنه قوله : { فمن اعتدى } أي كلف نفسه مجاوزة{[27662]} الحد في التعرض له ؛ ولما كان سبحانه يقبل التوبة عن عباده ، خص الوعيد بمن استغرق الزمان بالاعتداء فأسقط الجار لذلك فقال : { بعد ذلك } أي الزجر العظيم { فله عذاب أليم * } بما التذَّ من تعرضه إليه لما عرف بالميل{[27663]} إلى هذا أنه إلى ما{[27664]} هو أشهى منه كالخمر وما معها أميل .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.