أحدهما أبكم : البكم : الخرس ؛ وهو إما ناشئ من صمم خلقي ، وإما لسبب عارض ، ولا علة في أذنيه ، فهو يسمع ، لكن لسانه معتقل لا يطيق الكلام ، فكل من ولد غير سميع فهو أبكم ؛ لأن الكلام بعد السماع ، ولا سماع له .
الكل : الغليظ الثقيل من قولهم : كلت السكين ، إذا غلظت شفرتها فلم تقطع ، وكل عن الأمر : ثقل عليه فلم يستطع عمله ، وقد يسمى اليتيم : كلا ؛ لثقله على من يكفله ، ومنه قول الشاعر :
أكول لمال الكل قبل شبابه *** إذا كان عظم الكل غير شديد
فالكل هو الإنسان الضعيف العاجز ، الذي يكون محتاجا إلى من يرعى شئونه .
على صراط مستقيم : أي : طريق عادل غير جائر .
{ وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم } .
أحدهما : أبكم بليد ضعيف لا يسمع ، ولا يسمع ، وهو عاجز عن خدمة نفسه ، فضلا عن خدمة غيره ، وهو مثال للصنم المصنوع من خشب أو نحاس ، وهو في حاجة إلى من يحمله وينظفه ويعنى به ، وترى أن النموذج لرجل فاقد الحيلة ، محتاج إلى مولى يرعاه وينفق عليه ، وعاجز عن إنجاز أي مهمة .
{ هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم } . أي : هل يستوي الأبكم الأصم العاجز الضعيف ، برجل سليم الحواس عاقل ، ينفع نفسه وينفع غيره ، يأمر الناس بالعدل وهو على سيرة صالحة ودين قويم ، هل يستويان ؟ ! .
ولا يسوِّى عاقل بين هذا وذاك ، فكيف تمكن التسوية بين صنم أو حجر ، وبين الله سبحانه وتعالى ، وهو القادر العليم ، الآمر بالمعروف ، الهادي إلى الصراط المستقيم51 .
ويمكن أن تكون هذه النماذج ؛ لبيان الفرق الشاسع ، بين المؤمن الذي هو على بصيرة من أمره ، وبين الكافر الذي استجلب العمى على الهدى ، أو بين الحق في وضوحه وجماله وجلاله ، وبين الباطل في ظلامه وقبحه .
وبهذه الأمثلة ؛ تكون السورة قد ساقت أعظم الأدلة ، وأوضحها على صحة قوله تعالى قبل ذلك : { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد . . . } ( النحل : 51 ) .
{ وضرب الله مثلاً } ، أي : هو رجلين الخ . .
{ أبكم } ، أي : ولد اخرس وأصم لا يسمع .
{ لا يقدر على شيء } ، أي : لا يَفهَمْ ولا يُفهِمْ غيره .
وقوله : { وضرب الله مثلاً رجلين } ، هو المثال الثاني في هذا السياق ، وقد حوته الآية الثانية ( 76 ) فقال تعالى فيه : { وضرب الله مثلاً } ، هو { رجلين أحدهما أبكم } ، ولفظ الأبكم قد يدل على الصم ، فالغالب أن الأبكم لا يسمع . { لا يقدر على شيء } ، فلا يفهم غيره ؛ لأنه من أقربائه يقومون بإعاشته ورعايته ؛ لعجزه وضعفه وعدم قدرته على شيء . وقوله : { أينما يوجهه لا يأت بخير } ، أي : أينما يوجهه مولاه وابن عمه ليأتي بشيء : لا يأتي بخير ، وقد يأتي بشر ، أما النفع والخير فلا يحصل منه شيء .
وهذا مثل الأصنام التي تعبد من دون الله ؛ إذ هي لا تسمع ولا تبصر فلا تفهم ما يقال لها ، ولا تفهم عابديها شيئاً ، وهي محتاجة إليهم في صنعها ووضعها وحملها وحمايتها . وقوله تعالى : { هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراطٍ مستقيم } ، وهو الله تعالى يأمر بالعدل ، أي : التوحيد والاستقامة في كل شيء . وهو قائم على كل شيء ، وهو على صراط مستقيم يدعو الناس إلى سلوكه لينجوا ويسعدوا في الدارين ، فالجواب ، لا يستويان بحال ، فكيف يرضى المشركون بعبادة وولاية الأبكم الذي لا يقدر على شيء ، ويتركون عبادة السميع البصير ، القوي القدير ، الذي يدعوهم إلى كمالهم وسعادتهم في كلتا حياتهم ، أمر يحمل على العجب ، ولكن لا عجب مع أقدار الله وتدابير الحكيم العليم .
- بيان مثل المؤمن في كماله والكافر في نقصانه .
- بيان مثل الأصنام في جمودها وتعب عبدتها عليها في الحماية ، وعدم انتفاعهم بها . ومثل الرب تبارك وتعالى في عدله ، ودعوته إلى الإسلام وقيامه على ذلك مع استجابة دعاء أوليائه ، ورعايتهم ، وعلمه بهم ، وسمعه لدعائهم ، ونصرتهم في حياتهم ، وإكرامهم ، والإنعام عليهم في كلتا حياتهم . ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.