تمهيد عن الوحدة الموضوعية للسورة :
هو عليه السلام : هو أول رسول إلى قوم عاد ، وعاد : أول أمة من نسل سام بن نوح1 ، وقد تحدث القرآن كثيرا عن هود فيمن تحدث عنهم من رسل الله الكرام ، وقد ذكر باسمه خمس مرات في هذه السورة سميت به .
وسورة هود : من السور المكية ، شأنها كسائر القرآن المكي : هو تقرير أصول الدين ، وإقامة الأدلة عليها ، ورد الشبه التي كان يثيرها المعارضون حول الدعوة وصاحبها ، والحديث عن اليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب ، وهي نفس الموضوعات التي تحدثت عنها السورة السابقة على سورة يونس .
والمتدبر لسورة هود ؛ يرى أنها قررت عناصر الدعوة الإلهية وهي : التوحيد ، والرسالة ، والبعث عن طريق الحجج العقلية ، مع الموازنة بين النفوس المستعدة للإيمان ، والنفوس النافرة منه . و قد عرضت لذلك في أربع وعشرين آية يختم بها الربع الأول منها ، ثم أخذت سورة هود تتحدث عن جملة من الرسل السابقين ؛ بيانا لوحدة الدعوة الإلهية ، وتسلية للرسول عليه الصلاة والسلام ، وإنذارا للمكذبين .
ويستغرق قصص هؤلاء الرسل الكرام معظم سورة هود ؛ فتذكر : قصة نوح ، وهود ، وصالح ، وإبراهيم ، ولوط ، وشعيب ، وموسى . وطريقة العرض هنا تختلف عنها في سورة أخرى ، والحلقات التي تعرض من كل قصة تختلف كذلك ؛ لاختلاف السياق ؛ فيمتنع التكرار فيما يخيل للقارئ العابر للقرآن الكريم أنه تكرار .
هذا القصص الذي يستغرق معظم سورة هود : مرتبط كل الارتباط بما قبله وما بعده من السورة ، متناسق مع السياق حتى في التعبير اللفظي أحيانا ، فالفقه ، والمشهد ، والعظة ، والتعقيب ، تتناسق كلها تناسقا عجيبا ، وتكشف عن بعض وظيفة القصة في القرآن الكريم .
{ الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ* أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ } . ( هود : 1 ، 2 ) .
وهذا المطلع يقرر أن المهمة الأولى للنبي هي : الدعوة إلى توحيد الله ، وينذر بالعذاب من يكذب بدعوة الله ، و يبشر بالنعيم من آمن بها . و قصص السورة كله يساق : لتوكيد هذين المعنيين ، فيرد في ألفاظ تكاد تكون واحدة يقولها كل رسول ، وكأنما يقولها ويمضي ، حتى يأتي أخوه فيقولها كذلك ويمضي ، والمكذبون هم المكذبون .
تبدأ قصة نوح بقوله تعالى : { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين * أن لا تعبدوا إلا الله وإني أخاف عليكم عذاب يوم أليم } . ( هود : 25 ، 26 ) .
ثم يقول هود : { يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره } . ( هود : 50 ) .
ويقول صالح : { يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } . ( هود : 61 ) .
ويقول شعيب : { يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } . ( هود : 84 ) .
ونهايات القصص كلها هلاك المكذبين وعقوبة المعتدين ، ووعيد لجميع المتكبرين عن الإيمان بالحق ، والانقياد للعقيدة الصحيحة ، قال تعالى : { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد } . ( هود : 102 ) .
وتتضمن سورة هود إثبات الوحي ، وتنزيل القرآن من عند الله وتثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم وتقوية يقينه مع من آمن به من المؤمنين ؛ حتى لا يضيق صدرهم بالمكذبين والمستهزئين .
ثم يختم القصص في سورة هود بقوله تعالى :
{ وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَة ٌوَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ } . ( هود : 120 ) .
وهكذا نجد أن القصة في القرآن الكريم تؤدي دورا متناسقا مع موضوع السورة وسياقها ، وتعرض بالطريقة وبالعبارة اللتين تحققان هذا التناسق الجميل الدقيق .
يتضمن الدرس الأول من السورة : دعوة المشركين إلى توحيد الله واستغفاره والتوبة مما هم فيه ، ويبشروهم إن فاءوا إلى هذا بمتاع حسن وجزاء طيب ، وينذر المعرضين عن الدعوة بعذاب كبير ، ويقرر عقيدة الإيمان باليوم الآخر ، والرجعة إلى الله لتحقيق البشرى والإنذار ، ثم يعرض مشهدا لهم وهم يحاولون التخفي عن مواجهة الرسول وهو يجابههم بالبيان ، يعقب عليه بعلم الله الشامل اللطيف الذي يتابعهم وهم أخفى ما يكونون عن العيون ، ويتصل بهذا المعنى علم الله بكل دابة في الأرض حيث تكون . . كما يتصل به الحديث عن خلق السماوات والأرض .
ثم يعرض صورا من النفس البشرية القلقة المتعجلة في السراء والضراء . ومع ذلك فهم يستعجلون العذاب إذا ما أخر عنهم إلى حين .
ثم ينتقل إلى التحدي بالقرآن الذي يقولون : إنه مفترى من دون الله ، وتهديد من لا يؤمنون بالآخرة ، ومن يفترون على الله الكذب ، ويعرض مشهدا من مشاهد القيامة يتجلى فيه مصداق هذا الوعيد ومصداق البشرى للمؤمنين .
ومن المعالم البارزة في هذا الدرس ما يأتي :
1 تقرير عقيدة التوحيد ، وسوق الأدلة على قدرة الله الذي أبدع الكون على غير مثال سابق .
وقد تتساءل عن سر عناية القرآن بعقيدة التوحيد وتكرير الدعوة إليها في كثير من آياته :
والجواب : أنه ما كان لدين أن يقوم في الأرض ولأن يقيم نظاما للبشر قبل أن يقرر هذه الدعوة ؛ فالتوحيد هو مفترق الطريق بين الفوضى والنظام ، وبين الخرافة والإيمان وبين الهوى واليقين .
والاعتراف بوجود الله ضروري في الفطرة السليمة ؛ لأن الله خلق الإنسان بيده ، وأودعه نفخة مقدسة من روحه ؛ ولذلك تتجه الفطرة إلى الله خالقها وبارئها ؛ لتروي ظمأها إليه ، ولتلبي نداء الشوق الكامن إليه في أعماقها .
2 عناية الآيات بأن تلفت نظر الإنسان إلى ما في الكون من آيات القدرة ، ودلائل الإعجاز ، وعجائب الصنع ، ومواطن الاعتبار فهذا الكون الفسيح الشاسع الأرجاء وما فيه من قوى منظورة لنا ، وغير منظورة ، وما يخضع له من نظام لا يحتمل الخلل ، ودقة لا تسمح بالعبث ؛ دليل على أن هذا الكون لم يوجد عن طريق صدفة عمياء ، بل إنه وجد ؛ لأن خالقا حكيما هو الذي أوجده .
3 إثبات علم الله بكل صغيرة وكبيرة في هذا الكون ، وتقدير الرزق لكل فرد من أفراد هذا العالم الفسيح ، وتيسير الأسباب للسعي والحركة ، وعمارة الكون .
ومن الآيات المشهورة بين الناس قوله تعالى : { وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } . ( هود : 6 ) .
وهي تصور علم الله الشامل المحيط بكل ما يدب على الأرض من إنسان وحيوان وزاحفة وهامة وحشرة وطير ؛ فما من دابة من هذه الدواب إلا وعند الله علمها ، وعلى الله رزقها ، وهو يعلم أين تستقر وأين تكمن ، ومن أين تجيء وأين تذهب ، وكل فرد من أفراد ها مقيد في هذا العالم الدقيق . إنها صورة متصلة للعلم الإلهي في حالة تعلقه بالمخلوقات يرتجف لها كيان الإنسان حين يحاول تصورها بخياله الإنساني فلا يطيق . فسبحان من أحاط بكل شيء علما ! !
يلمح القارئ لهذه السورة قوة أسلوبها وترابط أفكارها ، وتوالي حملاتها على الكفار حتى كأنها جيش كامل مشتمل على عديد من الكتائب والفصائل والجنود .
إنها دعت في الدرس السابق إلى التوحيد ولفت الأنظار إلى قدرة الله البالغة وعلمه المحيط بكل شيء .
وهي هنا تسوق دليلا آخر على صدق عقيدة التوحيد وصدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، هذا الدليل هو إعجاز هذا القرآن وروعته وقوته .
1 إخباره عن الأمم الماضية التي لم يعاصرها محمد صلى الله عليه وسلم ، ولم يعرف تاريخها ، ولم يقرأ عنها .
2 اشتماله على أصول التشريع ، وسياسة الخلق ، وقواعد الحكم ، وآداب المعاملة ، ونظام العبادات من صلاة وصيام وحج وزكاة .
3 إخباره عن أنباء لاحقة تأكد صدقها ، وتحقق وقوعها .
لقد ادعى كفار مكة : أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد اختلق القرآن من عنده ، ولم ينزل عليه من السماء ؛ فتحداهم القرآن أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات . أي : ليخلقوا كما اختلق محمد صلى الله عليه وسلم فهم عرب مثله ، وهم أرباب الفصاحة والبيان ، والقرآن مؤلف من حروف وكلمات وجمل يعرفونها ويؤلفون من مثلها كلامهم ، فالعجز عن الإتيان بمثل القرآن دليل على أنه ليس من صنع بشر وليس من افتراء محمد صلى الله عليه وسلم ؛ ولكنه كلام الله العليم الخبير .
وقد سمح لهم القرآن أن يستعينوا بمن شاءوا من الشركاء والفصحاء والبلغاء والشعراء والإنس والجن ؛ ليشاركوهم في تأليف هذه السور ، قال تعالى :
{ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } . ( هود : 13 ) .
وقد سبق أن تحداهم القرآن بسورة واحدة في سورة يونس ، فلماذا تحداهم بعد ذلك بعشر سور .
قال المفسرون القدامى : إن التحدي كان على الترتيب : بالقرآن كله ، ثم بعشر سور ، ثم بسورة واحدة ، ولكن هذا الترتيب ليس عليه دليل ، بل الظاهر أن سورة يونس سابقة والتحدي فيها بسورة واحدة . وسورة هود لاحقة والتحدي فيها بعشر سور .
وحقيقة أن ترتيب الآيات في النزول ليس من الضروري أن يتبع ترتيب السور ؛ فقد كانت الآية تنزل فتلحق بسورة سابقة أو لاحقة في النزول إلا أن هذا يحتاج إلى ما يثبت هذا الترتيب ، وليس في أسباب النزول ما يثبت أن آية يونس كانت بعد آية هود . والترتيب التحكمي في مثل هذا لا يجوز .
وقد حاول صاحب تفسير المنار أن يجد لهذا العدد ( عشر سور ) علة ، فأجهد نفسه طويلا ليقول : «إن المقصود بالتحدي هنا هو القصص القرآني ؛ وأنه بالاستقراء ؛ يظهر أن السور التي كان قد نزل بها قصص مطول إلى وقت نزول سورة هود كانت عشرا فتحداهم بعشر سور » . 2 وهو احتمال وجيه .
ويرى بعض المفسرين المحدثين : أن التحدي كان يلاحظ حالة القائلين وظروف القول . فيقول مرة : ائتوا بمثل هذا القرآن ، أو ائتوا بسورة ، أو بعشر سور . دون ترتيب زمني ؛ لأن الغرض كان هو التحدي في ذاته بالنسبة لأي شيء من هذا القرآن . كله ، أو بعضه ، أو سورة منه على السواء فالتحدي كان بنوع هذا القرآن لا بمقداره ، والعجز كان عن هذا النوع ، لا عن المقدار ؛ وعندئذ يستوي الكل والبعض والسورة ، ولا يلزم ترتيب ؛ إنما هو مقتضى الحالة التي يكون عليها المخاطبون ونوع ما يقولون عن هذا القرآن في هذه الحالة . فهو الذي يجعل من المناسب أن يقول : سورة ، أو عشر سور ، أو هذا القرآن . ونحن اليوم لا نملك تحديد الملابسات التي لم يذكرها لنا القرآن .
القصص في هذه السورة هو قوامها ؛ إذ عدد آياتها ( 123 ) مائة وثلاثة وعشرون آية ، يشتمل قصص الأنبياء منها على ( 89 ) تسع وثمانين آية .
لكن القصص لم يجيء فيها مستقلا إنما جاء مصداقا للحقائق الكبرى التي جاءت السورة ؛ لتقريرها ، وهي : التوحيد ، والبعث ، والجزاء .
وقد جال السياق جولات متعددة حول هذه الحقائق : جال في ملكوت السماوات والأرض ، وفي جنبات النفس ، وفي ساحة الحشر ، ثم أخذ يجول في جنبات الأرض ، وأطوار التاريخ مع قصص الماضين .
القصص هنا مفصل بعض الشيء ؛ لأنه يتضمن الجدل حول حقائق العقيدة التي وردت في مطلع السورة والتي يجيء كل رسول لتقريرها ، وكأنما المكذبون هم المكذبون وكأنما طبيعتهم واحدة ، وعقليتهم واحدة على مدار التاريخ . ويتبع القصص في هذه السورة خط سير التاريخ ، فيبدأ بنوح ، ثم هود ، ثم صالح ، ويلم بإبراهيم في الطريق إلى لوط ، ثم شعيب ، ثم إشارة إلى موسى ، ويشير إلى الخط التاريخي ؛ لأنه يذكر التالين بمصير السالفين .
وليس من قصدنا أن نذكر قصص هؤلاء الأنبياء الكرام ، فذلك مالا يتسع له المجال ، ولكن واجبنا نحو سورة هود ؛ يحتم علينا أن نذكر لمحات من سيرة هؤلاء الرسل .
لقد ألمحت سورة يونس إلى قصة نوح فذكرت الحلقة الأخيرة منها ، وهي غرق الكافرين ونجاة المؤمنين .
ولكن سورة هود تعرضت لقصة نوح بتفصيل أكثر خلال أربع وعشرين آية من الآية 25 إلى الآية 49 . تناولت دعوة نوح إلى الله ، وجداله مع قومه ، وصنعه السفينة ، وتعرضه لسخرية قومه ، ثم فوران التنور ، واكتساح الطوفان ، وركوب السفينة تسير بأمر الله وقدرته : { بسم الله مجرياها ومرساها } . ( هود : 42 ) .
ثم تهدأ العاصفة ، وتبلع الأرض ماءها ، وتمسك السماء عن المطر ، وتعود الحياة سيرتها ؛ فيناجي نوح ربه بعد غرق ولده قائلا :
أي : وقد وعدتني بنجاة أهلي فيجيبه الله : { إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح } . ( هود : 46 ) .
والمعنى : إنه عمل عملا غير صالح ، فهو من صلب نوح وذريته إلا أنه منقطع الصلة به في نسب الإيمان ، وصلة العمل الصالح . وهنا يتنبه نوح إلى حقيقة العدل الإلهي ويرى أن عقاب الله عام لكل الكافرين ، وأن نعيمه عام لجميع المؤمنين ؛ فليس بين الله وبين أحد من عباده نسب ولا صلة ، فالخلق كلهم عباد الله يتفاضلون عنده بالتقوى ، ويدركون ثوابه بالعمل الصالح : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } . ( الحجرات : 13 ) .
ويكون التعقيب على قصة نوح معبرا عن أهداف القصص القرآني مبشرا بالنجاة والنصر للمؤمنين ، منذرا بالهلاك والعذاب للكافرين . قال تعالى : { تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ } . ( هود : 49 ) .
فيحقق هذا التعقيب من أهداف القصص القرآني في هذه السورة ما يأتي :
1 حقيقة الوحي التي ينكرها المشركون ؛ فهذا القصص غيب من الغيب ما كان يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم ، وما كان معلوما لقومه ، ولا متداولا في محيطه ؛ إنما هو الوحي من لدن حكيم خبير . .
2 وحقيقة وحدة العقيدة من لدن نوح أبي البشر الثاني فهي هي ، والتعبير عنها يكاد يكون واحدا ، مشتملا على الدعوة إلى الإيمان بالله والدعوة إلى مكارم الأخلاق ، والبعد عن الرذائل والمنكرات .
3 وحقيقة السنن الجارية التي تتخلف ولا تحيد { والعاقبة للمتقين } ؛ فهم الناجون وهم المتخلفون .
{ و لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون } . ( الأنبياء : 105 ) .
تناول الدرس السابق قصة نوح عليه السلام ، ونجاته ، ومن معه في الفلك ، ثم هبوطه على الأرض مستحقا لبركات الله عليه وعلى المؤمنين من ذريته ، أما المكذبون من ذريته فلهم عذاب أليم ، وقد دارت عجلة الزمن ، ومضت خطوات التاريخ وإذا عاد من نسل نوح الذين تفرقوا في البلاد ، ومن بعدهم ثمود ، ممن حقت عليهم كلمة الله .
{ وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم } . ( هود : 48 ) .
فأما عاد : فكانوا قبيلة تسكن الأحقاف ، والحقف : كثيب الرمل المائل ، في جنوب الجزيرة العربية .
وأما ثمود : فكانت قبيلة تسكن مدائن الحجر بين تبوك والمدينة وبلغت كل منهما في زمانها أقصى القوة والمنعة والرزق والمتاع ولكن هؤلاء وهؤلاء كانوا ممن حقت عليهم كلمة الله ؛ بما عتوا عن أمر الله واختاروا الوثنية على التوحيد وكذبوا الرسل شر تكذيب ، وفي قصتهم هنا مصداق ما في مطلع السورة من بشارة للمؤمنين وإنذار للكافرين .
وقد ذكرت قصة هود في سورة الأعراف من الآية 65 72 ، وفي سورة الشعراء من الآية 123 140 ، ثم ذكرت هنا في سورة هود من الآية 50 إلى 60 .
وقد نتساءل : لماذا سميت هذه السورة بسورة هود مع أنها اشتملت على عدد كبير من قصص الأنبياء منهم : نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وموسى عليهم السلام .
والجواب : أن قوم هود قد حباهم الله نعما وافرة وخيرات جليلة وأرسل السماء عليهم بالمطر ؛ فزرعوا الأرض ، وأنشئوا البساتين ، وشادوا القصور ، ومنحهم الله فوق ذلك بسطة في أجسامهم وقوة في أبدانهم . وكان الواجب عليهم أن يفكروا بعقولهم ، وأن يشكروا الله على هذه النعم ، ولكنهم لم يفعلوا ذلك بل اتخذوا أصناما يعبدونها من دون الله ، ثم عثوا في الأرض فسادا وظلما وعدوانا ، ولما جاءهم هود يدعوهم إلى الله ويأمرهم بتقواه وطاعته و يحذرهم من البغي و العدوان لم يصيخوا لدعوته ولم يؤمنوا برسالته .
وإذا كانت السورة تسمى بأغرب شيء فيها ، فإن الغرابة في قصة هود هي أن قومه عاد كانوا أكثر فضلا ونعمة ، ولكنهم قابلوا هذه النعمة بالجحود والكنود .
وتذكر الآيات معارضتهم لهود وإنكارهم عليه ، واعتقادهم أن آلهتهم أنزلوا به الجنون والاضطراب ؛ فيتبرأ هو من آلهتهم ويتحداهم ، ويستنهض همتهم في أقصى ما يستطيعون من قوى الكيد ، وأنه سوف لا يعبأ بهم ولا بجمعهم ، قال هود : { إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا } . ( هود : 56 ) .
وهي صورة محسوسة للقوة الإلهية ، فالناصية : أعلى الجبهة والله تعالى وحده صاحب القهر والغلبة والتصريف في كل ناصية ، وهي صور حسية تناسب الموقف وتناسب غلظة القوم وشدتهم ، وتناسب صلابة أجسامهم وبنيتهم حين استكبروا في الأرض بغير الحق ، { وقالوا من أشد منا قوة أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون } . ( فصلت : 15 ) .
وتذكر الآيات هنا خاتمة أمر هود مع قومه على حسب سنة الله في نصرة أوليائه وخزي أعدائه . قال تعالى : { وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ َأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْم هُودٍ } . ( هود : 5860 ) .
وتستمر سورة هود فتعرض قصة صالح مع قومه ، ودعوته لهم إلى دين الله ، وتودده إليهم بقوله : { يا قوم هذه ناقة الله لكم آية } .
وكانت ناقة ضخمة تشرب من الماء في يوم وتتركه فلا تذوقه في اليوم الآخر ، ولكنهم عقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم ؛ فنجا الله صالحا ومن معه من المؤمنين ، وأرسل صيحة عاتية أهلكت الكافرين فصاروا جثثا هامدة ، وأصبحت ديارهم خاوية خالية ، { ألا إن ثمودا كفروا بربهم ألا بعدا لثمود } . ( هود : 68 ) .
{ الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ1 أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ2 } .
أحكمت آياته : نظمت آياته نظما محكما لا خلل فيها ولا تناقض ولا اضطراب .
فصلت : ذكرت فيها الأمور التي يحتاج إليها العباد في عقائدهم وسلوكهم ومعادهم ومعاشهم مفصلة مبينة .
من لدن حكيم : من عند إله مبدع للأمور على خير وجه .
خبير : عليم بما كان ويكون ، ظاهرا أو خفيا .
افتتح الله بعض السور القرآنية ، ببعض حروف الهجاء ، وهي للتحدي والإعجاز ، وبيان أن الخلق عاجزون عن الإتيان بمثل القرآن الكريم ، مع أنه مؤلف من حروف عربية ينطقون بها ، ويؤلفون منها كلامهم ، فإذا عجزوا عن الإتيان بمثل القرآن ؛ دل ذلك على أنه ليس من صنع بشر ، ولكن تنزيل من حكيم حميد .
وذكر بعضهم : أنها حروف للتنبيه كالجرس الذي يقرع ؛ فيتنبه التلاميذ إلى دخول المدرسة ، كذلك هذه الأحرف تنبيه للبشر ، كألا وغيرها من أدوات الاستفتاح .
{ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } .
أي : هذا كتاب عظيم الشأن ، جليل القدر ، جعلت آياته محكمة النظم والتأليف ، لا تقبل شكا ولا تأويلا ولا تبديلا ، وجعلت فصولا متفرقة في سورة ، تبين حقائق العقائد ، والأحكام والمواعظ ، وجميع ما أنزل له الكتاب من الحكم والفوائد ، فكأنها العقد المفصل بالفرائد ؛ لأنها منزلة من { حكيم } . يضع الأمور في موضعها . { خبير } بما كان وما هو كائن .
{ أحكمت آياته } . أي : نظمت نظما رصينا محكما ، بحيث لا يقع فيه نقض ولا خلل ، كالبناء المحكم المرصف ، وقيل : منعت من الفساد من قولهم : أحكمت الدابة ؛ إذا وضعت عليها الحكمة ؛ لتمنعها من الجماح قال جرير :
أبنى حنيفة ، أحكموا سفهاءكم *** إني أخاف عليكم أن أغضبا
{ ثم فصلت } . كما تفصل القلائد بالفرائد ، ومن دلائل التوحيد والأحكام والمواعظ والقصائص ، أو جعلت فصولا سورة سورة ، وآية آية ، أو فرقت في التنزيل ولم تنزل جملة واحدة . 3
{ 1 - 4 } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ * وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ * إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }
يقول تعالى : هذا { كِتَابٌ } عظيم ، ونزل كريم ، { أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ } أي : أتقنت وأحسنت ، صادقة أخبارها ، عادلة أوامرها ونواهيها ، فصيحة ألفاظه بهية معانيه .
{ ثُمَّ فُصِّلَتْ } أي : ميزت وبينت بيانا في أعلى أنواع البيان ، { مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ } يضع الأشياء مواضعها ، وينزلها منازلها ، لا يأمر ولا ينهى إلا بما تقتضيه حكمته ، { خَبِيرٌ } مطلع على الظواهر والبواطن . فإذا كان إحكامه وتفصيله من عند الله الحكيم الخبير ، فلا تسأل بعد هذا ، عن عظمته وجلالته واشتماله على كمال الحكمة ، وسعة الرحمة .
1- سورة هود –عليه السلام- هي السورة الحادية عشرة في ترتيب المصحف فقد سبقتها في هذا الترتيب سورة الفاتحة ، والبقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، والأنفال ، والتوبة ، ويونس .
أما ترتيبها في النزول ، فهي السورة الثانية والخمسون ، وكان نزولها بعد سورة يونس .
2- وعدد آياتها : ثلاث وعشرون ومائة آية .
3- وقد سماها النبي صلى الله عليه وسلم بسورة هود ، فقد روى الترمذي عن ابن عباس قال : قال أبو بكر : يا رسول الله قد شبت ! قال : " شيبتني " " هود " و " الواقعة " ، و " المرسلات " و " عم يتساءلون " و " إذا الشمس كورت " .
وفي رواية : شيبتني هود وأخواتها .
قال القرطبي بعد أن ساق بعض الأحاديث في فضل هذه السورة . ففي تلاوة هذه السور ما يكشف لقلوب العارفين سلطانه وبطشه فتذهل منه النفوس . وتشيب منه الرءوس " ( {[1]} ) .
جمهور العلماء على أن سورة هود جميعها مكية ، وقيل هي مكية إلا ثلاث آيات منها : وهي قوله –تعالى- [ فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك ، وضائق به صدرك . . . ] الآية 12 .
وقوله –تعالى- [ أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ] الآية 17 .
وقوله –تعالى- : [ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ] الآية 114 .
والذي نرجحه أن السورة كلها مكية ، وسنرى عند تفسيرنا لهذه الآيات التي قيل بأنها مدنية ، ما يشهد لصحة ما ذهبنا إليه .
كذلك نرجح أن هذه السورة الكريمة ، كان نزولها في الفترة التي أعقبت حادث الإسراء والمعراج ، وذلك لأن نزولها –كما سبق أن أشرنا- كان بعد سورة يونس ، وسورة يونس كان نزولها بد سورة الإسراء ، التي افتتحت بالحديث عنه .
وهذه الفترة التي كانت قبيل حادث الإسراء والمعراج والتي أعقبته ، تعتبر من أشق الفترات وأحرجها وأصعبها في تاريخ الدعوة الإسلامية .
ففي هذه الفترة مات أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم والمدافع عنه ، وماتت كذلك السيدة خديجة –رضي الله عنها- التي كانت نعم المواسي له عما يصيبه من أذى . . . ففقد الرسول صلى الله عليه وسلم بموتهما نصيرين عزيزين ، كانت لهما مكانتهما العظيمة في نفسه ، وتعرض صلى الله عليه وسلم في هذه الفترة لألوان من الأذى والاضطهاد فاقت كل ما سبقها وبلغت الحرب المعلنة من المشركين عليه وعلى دعوته ، أقسى وأقصى مداها . .
قال ابن إسحاق خلال حديثه عن هذه الفترة : ثم إن خديجة بنت خويلد وأبا طالب هلكا في عام واحد ، فتتابعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المصائب بهلك خديجة –وكانت له وزير صدق على الإسلام يشكو إليها –وبهلك عمه أبي طالب- وكان له عضدا وحرزا في أمره ، ومنة وناصراً على قومه ، وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين .
فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ، ما لم تكن تطمع فيه في حياة أبي طالب ، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش ، فنثر على رأسه ترابا .
ثم قال ابن إسحاق : فحدثني هشام بن عروة ، عن أبيه عروة بن الزبير قال لما نثر ذلك السفيه على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك التراب دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته ، والتراب على رأسه ، فقامت إليه إحدى بناته ، فجعلت تغسل عنه التراب ، وهي تبكي ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها : " لا تبكي يا بينة ، فإن الله مانع أباك " . .
قال : ويقول بين ذلك : " ما نالت مني قريش شيئاً أكره حتى مات أبو طالب " ( {[2]} ) .
وسنرى عند استعراضنا للسورة الكريمة ، أنها صورت هذه الفترة أكمل تصوير .
5- مناسبتها لسورة يونس –عليه السلام- :
قال الآلوسي –رحمه الله- : ووجه اتصالها بسورة يونس ، أنه ذكر في سورة يونس قصة نوح –عليه السلام- مختصرة جداً ومجملة ، فشرحت في هذه السورة وبسطت فيها ما لم تبسط في غيرها من السور . . ثم إن مطلعها شديد الارتباط بمطلع تلك ، فإن قوله –تعالى- هنا [ الر . كتاب أحكمت آياته . . . ] نظير قوله –سبحانه- هناك [ الر . تلك آيات الكتاب الحكيم . . . ] بل بين مطلع هذه وختام تلك شدة ارتباط –أيضاً- ، حيث ختمت بنفي الشرك ، واتباع الوحي ، وافتتحت هذه ببيان الوحي والتحذير من الشرك( {[3]} ) .
6- عرض إجمالي للسورة الكريمة :
عندما نطالع سورة هود بتدبر وتأمل ، نراها في الربع الأول( {[4]} ) منها –قد افتتحت بالتنويه بشأن القرآن الكريم . وبدعوة الناس إلى إخلاص العباة لله –تعالى- وحده ، وإلى التوجه إليه بالاستغفار والتوبة الصادقة ، حتى ينالوا السعادة في دنياهم وآخرتهم .
قال –تعالى- : [ الر . كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير . ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير . وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى ، ويؤت كل ذي فضل فضله ، وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير . إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير ] .
ثم وضحت السورة جانباً من مسالك الكافرين ، تلك المسالك التي تدل على جهالاتهم بعلم الله التام ، وبقدرته النافذة ، وفصلت مظاهر هذه القدرة ، وشمول هذا العلم . .
قال –تعالى- : [ ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ، ألا حين يستغشون ثيابهم ، يعلم ما يسرون وما يعلنون ، إنه عليم بذات الصدور ] .
ثم بينت أحوال الإنسان في حالة منحه النعمة ، وفي حالة سلبها عنه ، وساقت للرسول صلى الله عليه وسلم من الآيات ما يسلبه عما أصابه من كفار مكة ، وتحدتهم أن يأتوا بعشر سور من مثل القرآن الكريم ، وأنذرتهم بسوء عاقبة المعرضين عن دعوة الله ، الصادين عن سبيله ، الكافرين بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب ، وبشرت المؤمنين بحسن العاقبة ، وضربت المثل المناسب لكل من فريقي الكافرين والمؤمنين .
استمع إلى السورة الكريمة وهي تصور كل ذلك بأسلوبها البليغ المؤثر فتقول :
[ ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه لبؤوس كفور . ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ، ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور . إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير . . . ] .
إلى أن تقول بعد حديث مفصل عن الكافرين وسوء عاقبتهم : [ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم ، أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون . مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلاً ، أفلا تذكرون ] .
فإذا ما وصلنا إلى الربع( {[5]} ) الثاني من سورة هود ، وجدناها تسوق لنا بأسلوب مفصل ، قصة نوح –عليه السلام- مع قومه ، فتحكي أمره لهم بعبادة الله وحده ، كما تحكي الرد القبيح الذي رد به عليه زعماؤهم ، وكيف أنه –عليه السلام- لم يقابل سفاهتهم بمثلها ، بل خاطبهم بلفظ " يا قوم " الدال على أنه واحد منهم ، يسره ما يسرهم ، ويؤلمه ما يؤلمهم ، ومع هذا فقد لجوا في طغيانهم وقالوا له –كما حكى القرآن عنهم- [ يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ، فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين . . . ] .
فكان رده عليهم [ إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين . . . ] .
وقد أتاهم الله –تعالى- بالعذاب الذي استعجلوه فأغرقهم بالطوفان الذي غشيهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، والذي قطع دابرهم .
ثم نراها بعد ذلك في الربع( {[6]} ) الثالث ، نقص علينا مشهداً مؤثراً ، مشهد نوح –عليه السلام- وهو ينادي ابنه الذي استحب الكفر على الإيمان فيقول له بشفقة وحرص : [ يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين ] .
ولكن الابن العاق لا يستمع إلى نصيحة أبيه العطوف بل يقول له : [ سآوي إلى جبل يعصمني من الماء ] .
ويجيبه الأب بحزن وحسم [ لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ، وحال بينهما الموج فكان من المغرقين ] .
ويتضرع الأب الحزين إلى ربه فيقول : [ رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين ] .
ويأتيه الجواب من الله –تعالى- : [ يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح ، فلا تسألن ما ليس لك به علم ، إني أعظك أن تكون من الجاهلين ] .
ويلجأ نوح –عليه السلام- إلى خالقه . مستعيذاً به من غضبه فيقول : [ رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم ، وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين ] .
فيقبل الله –تعالى- ضراعته فيقول : [ يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك ، وعلى أمم ممن معك ، وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم ] .
ثم يختم الله –تعالى- قصة نوح ، بتسلية النبي –صلى الله عليه وسلم- ، وبما يدل على أن هذا القرآن من عند الله ، فيقول : [ تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر . إن العاقبة للمتقين ] .
ثم تسوق السورة بعد ذلك قصة هود –عليه السلام- مع قومه ، فتحكي دعوته لهم إلى عبادة الله –تعالى- ، ومصارحته إياهم بأنه لا يريد منهم أجراً على دعوته ؛ وإرشادهم إلى ما يزيدهم غنى على غناهم ؛ وقوة على قوتهم ، ولكنهم قابلوا تلك النصائح الغالية بالتكذيب والسفاهة ، فقالوا له –كما حكت السورة عنهم- [ يا هود ما جئتنا ببينة ، وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك ، وما نحن لك بمؤمنين . إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء . . . ] .
فيرد عليهم هود بقوله : [ إني أشهد الله ، واشهدوا أني برئ مما تشركون . من دونه فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون . إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها . . . ] .
ثم كانت النتيجة بعد هذه المحاورات والمجادلات أن نجى الله هوداً ، والذين آمنوا معه ، أما الكافرون بدعوته ، فقد نزل بهم العذاب الغليظ ، الذي تركهم صرعى ، كأنهم أعجاز نخل خاوية . . .
وفي الربع( {[7]} ) الرابع منها تسوق لنا السورة الكريمة ، ما دار بين صالح وقومه ، حيث أمرهم بعبادة الله ، وذكرهم بنعمه عليهم ، وحذرهم من الاعتداء على الناقة التي هي لهم آية . . . ولكنهم استخفوا بتذكيره وبتحذيره فكانت النتيجة إهلاكهم . . .
قال –تعالى- [ فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ، ومن خزي يومئذ ، إن ربك هو القوي العزيز ، وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين . كأن لم يغنوا فيها ، ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود ] .
ثم قصت علينا السورة الكريمة ، ما فعله إبراهيم –عليه السلام- عندما جاءه رسل الله بالبشرى ، وكيف أنهم قالوا له عندما أنكرهم وأوجس منهم خيفة : [ لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط . . . ] .
ثم وضحت حال لوط –عليه السلام- عندما جاءه هؤلاء الرسل ؛ وحكت ما دار بينه وبين قومه الذين جاءوه يهرعون إليه عندما رأوا الرسل ، فقال لهم : [ يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم ، فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي ، أليس منكم رجل رشيد . . . ] .
فيقولون له في صفاقة وانحراف عن الفطرة السليمة : [ لقد علمت ما لنا في بناتك من حق ، وإنك لتعلم ما نريد ] .
وأسقط في يد لوط –عليه السلام- ، وأحس بضعفه أمام هؤلاء المنحرفين المندفعين إلى ارتكاب الفاحشة ، اندفاع المجنون إلى حتفه ، فقال بأسي وحزن : [ لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ] .
وهنا كشف له الرسل عن طبيعتهم ، وأخبروه بمهمتهم ؛ وطلبوا منه أن يغادر هو ومن آمن معه مكان إقامتهم ، فإن العذاب نازل بهؤلاء المجرمين بعد وقت قصير .
[ قالوا يا لوط إنا رسل ربك ، لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك ، إنه مصيبها ما أصابهم ، إن موعدهم الصبح ، أليس الصبح بقريب . فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود ، مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد ] .
ثم تتابع السورة الكريمة في الربع الخامس( {[8]} ) ، حديثها عن جانب من قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم ، فتحدثنا عن قصة شعيب –عليه السلام- مع قومه ، وكيف أ ، ه قال لهم مقالة كل رسول لقومه [ يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ] .
ثم نهاهم بأسلوب رصين حكيم ، عن ارتكاب الفواحش التي كانت منتشرة فيهم ، وهي إنقاص الكيل والميزان ، وبخس الناس أشياءهم . . .
ولكنهم –كعادة السفهاء الطغاة- قابلوا نصائحه بالتهكم والاستخفاف والوعيد . . . فكانت النتيجة أن حل بهم عذاب الله الذي أهلكهم ، كما أهلك أمثالهم .
قال –تعالى- [ ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا ، وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين . كأن لم يغنوا فيها ، ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود ] .
ثم تسوق السورة بعد ذلك بإيجاز ، جانباً من قصة موسى مع فرعون وملته ، الذين اتبعوا أمر فرعون ، وما أمر فرعون برشيد .
ثم تعقب على تلك القصص السابقة ، بتعقيب يدل على أن هذا القرآن من عند الله ، وأنه –سبحانه- لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون . . . قال –تعالى- : [ ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد . وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم ، فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك ، وما زادوهم غير تتبيب . . . ] .
أما في الربع السادس( {[9]} ) والآخير منها ، فنراها تبين بأسلوب قوي منذر ، أن الناس سيأتون يوم القيامة ، منهم الشقي ومنهم السعيد ، وأنه –سبحانه- سيوفي كل فريق منهم جزاءه غير منقوص .
ثم ترشد إلى ما يوصل إلى السعادة ، فتدعو إلى الاستقامة على أمر الله ، وإلى عدم الركون إلى الظالمين ، وإلى إقامة الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ، وإلى الصبر الجميل .
قال –تعالى- : [ فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا ، إنه بما تعملون بصير . ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ، وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون . وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ، إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين . واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ] .
ثم ختمت السورة الكريمة ببيان أن من أهم مقاصد ذكر قصص الأنبياء في القرآن الكريم ، تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم وتقوية قلبه ، وتسليته عما أصابه ، وتبشيره بأن العاقبة له ولأتباعه .
قال –تعالى- : [ وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ، وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين . وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون . ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله ، فاعبده وتوكل عليه ، وما ربك بغافل عما تعملون ] .
7- أهم الموضوعات التي عنيت السورة الكريمة بالحديث عنها :
من استعراضنا لسورة هود ، ومن معرفة الفترة التي نزلت فيها ، نستطيع أن نقول : إن السورة الكريمة قد عنيت بالحديث عن موضوعات متنوعة من أهمها ما يأتي :
( أ ) ترغيب الناس في طاعة الله ، وتحذيرهم من معصيته ، وهذا المعنى نراه في كثير من آيات سورة هود ، ومن ذلك :
قوله –تعالى- : [ ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير . . . ] .
وقوله –تعالى- حكاية عن هود –عليه السلام- : [ ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً ، ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين . . . ] .
وقوله –تعالى- حكاية عن شعيب –عليه السلام- : [ ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين . بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين ، وما أنا عليكم بحفيظ . . . ] .
( ب ) تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من قومه ، ومن مظاهر هذه التسلية ، أن السورة الكريمة قد اشتملت في معظم آياتها على قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم . فقد ذكرت نواحي متنوعة من قصة نوح مع قومه ، ومن قصة هود مع قومه ، ومن قصة صالح مع قومه ، ومن قصة شعيب مع قومه ، ومن قصة لوط مع قومه . . .
وقد تحدثت خلال كل قصة عن المسالك الخبيثة ، والمجادلات الباطلة ، التي أتبعها الطغاة مع أنبيائهم الذين جاءوا لسعادتهم وهدايتهم .
كما ختمت كل قصة من هذه القصص ، ببيان حسن عاقبة المؤمنين ، وسوء عاقبة المكذبين . .
وفي ذلك ما فيه من التسلية للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عما لحقه من أذى ، وما أصابه من اضطهاد ، وما تعرض له من اعتداء عليه وعلى أصحابه .
وكأن ما ورد في هذه السورة من قصص طويل متنوع ، يقول للرسول صلى الله عليه وسلم : إن ما أصابك من قومك يا محمد ، قد أصاب الأنبياء السابقين من أقوامهم ، فاصبر كما صبروا ، فإنه [ ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ] .
( ج ) إقامة الأدلة على أن هذا القرآن من عند الله ، وليس من كلام البشر . .
فقد تحداهم هنا أن يأتوا بعشر سور من مثله فعجزوا ، ثم تحداهم في موطن آخر أن يأتوا بسورة من مثله فما استطاعوا ، وساق لهم –على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم الكثير من أخبار الأولين ، ومن قصص الأنبياء مع أقوامهم مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن معاصرا لهؤلاء السابقين ، ولم يكن قارئا لأخبارهم فدل ذلك على أن هذا القرآن من عند الله ، وعلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق فيما يبلغه عن ربه .
قال –تعالى- : [ أم يقولون افتراء ، قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ، وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين . فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون ] .
وقال –تعالى- : [ تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر ، إن العاقبة للمتقين ] .
( د ) بيان سنة من سنن الله التي لا تتخلف ، وهي أنه –سبحانه- لا يظلم الناس شيئا ؛ ولكن الناس هم الذين يظلمون أنفسهم ؛ بإعراضهم عن الحق ، واتباعهم للهدى ، واستحقاقهم للعقوبة التي هي جزاء عادل لكل ظالم .
وهذا بيان نراه في مواضع متعددة من السورة ، ومن ذلك قوله –تعالى- في ختام الحديث عن قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم .
[ ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد . وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم ، فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء ، لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب . وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ، إن أخذه أليم شديد . إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ، ذلك يوم مجموع له الناس ، وذلك يوم مشهود . وما تؤخره إلا لأجل معدود . يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد . . . ] .
وبعد : فهذه تعريفات عن سورة هود ، رأينا أن نذكرها قبل البدء في تفسيرها ، وأرجو أن يكون في ذكرها ما يعطي القارئ صورة واضحة عن هذه السورة الكريمة .
هود - عليه السلام - من السور التي افتتحت ببعض حروف التهجي ، وقد سبق أن تكلمنا بشيء من التفصيل عند تفسيرنا لسور : البقرة ، وآل عمران ، والأعراف ، ويونس ، عن آراء العلماء فى المراد بهذه الحروف المقطعة التى افتتحت بها بعض السور .
ورجحنا أن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت فى افتتاح بعض سور القرآن ، على سبيل الإِيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن .
فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك المعارضين فى أن القرآن من عند الله - تعالى - : هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون به كلامكم ، ومنظوا من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم ، فإن كنتم فى شك من كونه منزلا من عند الله فهاتوا مثله ، وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك ، أو هاتوا عشر سور من مثله ، أو هاتوا سورة واحدة .
فلما عجزوا - وهم أهل الفصاحة والبيان - ثبت أن غيرهم أعجز ، وأن هذا القرآن من عند الله ، { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً } .
وقوله : { أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ } من الإِحكام - بكسر الهمزة - وهذه المادة تستعمل فى اللغة لمعان متعددة ، ترجع إلى شئ واحد هو المنع . يقال : أحكم الأمر . أى : أتقنه ومنعه من الفساد . أى : منع نفسه ومنع الناس عما لا يليق : ويقال أحكم الفرس ، إذا جعل له حكمة تمنعه من الجموح والاضطراب .
وقوله : { ثُمَّ فُصِّلَتْ } من التفصيل ، بمعنى التوضيح والشرح للحقائق والمسائل المراد بيانها ، بحيث لا يبقى فيها شتباه أو لبس .
والمعنى : هذا الكتاب الذى أنزلناه إليك يا محمد ، هو كتاب عظيم الشأن ، جليل القدر ، فقد أحكم الله آياته إحكاما بديعا ، وأتقنها إتقانا معجزا ، بحيث لا يتطرق إليها خلل فساد . ثم فصل - سبحانه - هذه الآيات تفصيلا حكيما ، بأن أنزلها نجوما ، وجعلها سورا سورا ، مشتملة على ما يسعد الناس فى دنياهم وآخرتهم ، من شئون العقائد ، والعبادات ، والمعاملات ، والآداب ، والأحكام .
قال صاحب الكشاف ما ملخصه : { أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ } أى : نظمت نظما رصينا محكما ، بحيث لا يقع فيه نقض ولا خلل ، كالبناء المحكم المرصف . . وقيل : منعت من الفساد ، من قولهم : أحكمت الدابة ، إذا وضعت عليها الحكمة لتمنعها من الجماح ، قال جرير :
أبنى حنيفة أحكموا سفاءكم . . . إني أخاف عليكم أن أغضبا
{ ثُمَّ فُصِّلَتْ } كما تفصل القلائد بالفرائد ، ومن دلائل التوحيد والأحكام والمواعظ والقصص ، أو جعلت فصولا سورة سورة ، وآية آية ، أو فرقت فى التنزيل ولم تنزل جملة واحدة .
و { ثم } فى قوله - سبحانه - " ثم فصلت " للتراخى فى الرتبة كما هو شأنها فى عطف الجمل ، لما فى التفصيل من الاهتمام لدى النفوس ، لأن العقول ترتاح إلى التفصيل بعد الإِجمال ، والتوضيح بعد الإِيجاز .
وجملة { مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } صفة أخرى للكتاب ، وصف بها ، لإِظهار شرفه من حيث مصدره ، بعد أن وصف بإحكات آياته وتفصيلها الدالين على علو مرتبته من حيث الذات أى : هذا الكتاب الذى أتقنت آياته إتقانا بديعا ، وفصلت تفصيلا رصينا ، ليس هو من عند أحد من الخلق ، وإنما هو من عند الخلق الحكيم فى كل أقواله وأفعاله ، الخبير بظواهر الأمر وبواطنها .
قال الشوكانى : وفى قوله { مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } لف ونشر ، لأن المعنى : أحكمها حكيم ، وفصلها خبير ، عالم بمواقع الأمور .