فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِيٓ أَيَّامٖ نَّحِسَاتٖ لِّنُذِيقَهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَخۡزَىٰۖ وَهُمۡ لَا يُنصَرُونَ} (16)

{ إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون( 14 )فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون( 15 )فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون( 16 ) } .

ربنا –تبارك اسمه- لا يظلم الناس شيئا ، ولا يعاجل بالانتقام حتى يعذر إلى خلقه ، فما أحل الصاعقة بعاد وثمود إلا بعد أن تمادوا في طغيانهم ، وأمعنوا في بهتانهم ، فقد جاءتهم رسل الله من كل جانب يتأتى منه البلاغ والإقناع ؛ أو من أرسل إليهم ومن أرسل إلى من قبلهم ، وجاءوهم بالإنذار عما جرى على أمثالهم الكفرة في الماضي ، وبالتحذير عما سيحيق بهم في الآخرة [ وخص بالذكر من الأمم المهلكة عاد وثمود لعلم قريش بحالهما ، ولوقوفهم على بلادهم في اليمن والحجر{[4161]} ] .

وأنكرت عاد وثمود أن يرسل الله بشرا رسولا ، وأنكرتا ما أرسلا به .

ثم بينت الآيتان التاليتان شيئا من نبأ عاد فإنهم أعمتهم الخيلاء ، والفخر والكبرياء ، حتى ألهاهم ذلك عن تذكر بأس الله الكبير المتعال ، وسطوة القهار ذي الجلال ؛ وإنما قالوا ذلك تغافلا عما يتراءى للأعين والبصائر ، والواو من { وقالوا } اعتراضية لا عاطفة ؛ إذ هم يعرفون قدرة الله ثم ينكرونها { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوّا . . }{[4162]} فبعث الله تعالى على هؤلاء الطاغين ريحا هائلة مدمرة-باردة أو مصوّتة- وظلت تعصف بهم سبع ليال وثمانية أيام ، فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية ، فلم تبقى منهم من باقية ؛ ونجى الله هودا والذين آمنوا معه برحمة منه وفضل لم يمسسهم سوء ؛ وعذبت عاد بهذا العذاب المذل في دنياهم ؛ ولعل وصف أيامه بالنحسات لشؤمها عليهم ؛ وقسما لينالنّ عذابا أشد إذلالا منه في أخراهم ، ولن يُدْفَع عنهم شره ولا خزيه أبدا .


[4161]:ما بين العارضتين أورده الألوسي.
[4162]:سورة النحل. من الآية 14.