{ والبدن } الإبل والبقر { جعلناها لكم من شعائر الله } أعلام دينه { لكم فيها خير } النفع في الدنيا والأجر في العقبى { فاذكروا اسم الله } وهو أن يقول عند نحرها الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر { صواف } قائمة معقولة اليد اليسرى { فإذا وجبت جنوبها } سقطت على الأرض { فكلوا منها وأطعموا القانع } الذي يسألك { والمعتر } الذي يتعرض لك ولا يسألك { كذلك } الذي وصفنا { سخرناها لكم } يعني البدن { لعلكم تشكرون } لكي تطيعوني
ولما قدم سبحانه الحث على التقرب بالأنعام كلها ، وكانت الإبل أعظمها خلقاً ، وأجلها في أنفسهم أمراً ، خصها بالذكر في سياق تكون فيه مذكورة مرتين معبراً بالاسم الدال على عظمها ، أو أنه خصها لأنه خص العرب بها دون الأمم الماضية ، فقال عاطفاً على قوله { جعلنا منسكاً } أو يكون التقدير والله أعلم : فأشركناكم مع الأمم الماضية في البقر والغنم { والبدن } أي الإبل أي المعروفة بعظم الأبدان - { جعلناها } أي بعظمتنا ، وزاد في التذكير بالعظمة بذكر الاسم العلم فقال : { لكم من شعائر الله } أي أعلام دين الملك الأعظم ومناسكه التي شرعها لكم وشرع فيها الإشعار ، وهو أن يطعن بحديدة في سنامها ، تمييزاً لما يكون منها هدياً عن غيره .
ولما نبه على ما فيها من النفع الديني ، نبه على ما هو أعم منه فقال : { لكم فيها خير } بالتسخير الذي هو من منافع الدنيا ، والتقريب الذي هو من منافع الآخرة ؛ روى الترمذي وحسنه وابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله علية وسلم قال : " ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من هراقة الدم ، وإنه ليؤتى يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها ، وأن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع من الأرض فطيبوا بها نفساً " والدارقطني في السنن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أنفقت الورق في شيء أفضل من نحيرة في يوم عيد "
ولما ذكر ما فيها ، سبب عنه الشكر فقال : { فاذكروا اسم الله } أي الذي لا سمي له { عليها } أي على ذبحها بالتكبير ، حال كونها { صواف } قياماً معقلة الأيدي اليسرى ، فلولا تعظيمه بامتثال شرائعه ، ما شرع لكم ذبحها وسلطكم عليها مع أنها أعظم منكم جرماً وأقوى { فإذا وجبت جنوبها } أي سقطت سقوطاً بردت به بزوال أرواحها فلا حركة لها أصلاً ، قال ابن كثير وقد جاء في حديث مرفوع " ولا تعجلوا النفس أن تزهق " وقد رواه الثوري في جامعه عن أيوب عن يحيى بن أبي كثير عن فرافصة الحنفي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال ذلك .
ولما كان ربما ظن أنه يحرم الأكل منها للأمر بتقريبها لله تعالى ، قال نافياً لذلك : { فكلوا منها } إذا كانت تطوعاً إن شئتم الأكل ، فإن ذلك لا يخرجها عن كونها قرباناً { وأطعموا القانع } أي المتعرض للسؤال بخضوع وانكسار { والمعتر } أي السائل ، وقيل : بالعكس ، وهو قول الشافعي رحمه الله ، قال في كتاب اختلاف الحديث : والقانع هو السائل ، والمعتر هو الزائر والمار ، قال الرازي في اللوامع : وأصله في اللغة أن القاف والنون والعين تدل على الإقبال على الشيء ، ثم تختلف معانيه مع اتفاق القياس ، فالقانع : السائل ، لإقباله على من يسأله ، والقانع : الراضي الذي لا يسأل ، كأنه مقبل على الشيء الذي هو راض به .
ولما كان تسخيرها لمثل هذا القتل على هذه الكيفية مع قوتها وكبرها أمراً باهراً للعقل عند التأمل ، نبه عليه بالتحريك للسؤال عما هو أعظم منه فقال : { كذلك } أي مثل هذا التسخير العظيم المقدار { سخرناها } بعظمتنا التي لولاها ما كان ذلك { لكم } وذللناها ليلاً ونهاراً مع عظمها وقوتها ، ولو شئنا جعلناها وحشية { لعلكم تشكرون* } أي لتتأملوا ذلك فتعرفوا أنه ما قادها لكم إلا الله فيكون حالكم حال من يرجى شكره ، فتوقعوا الشكر بأن لا تحرموا منها إلا ما حرم ، ولا تحلوا إلا ما أحل ، وتشهدوا منها ما حث على إهدائه ، وتتصرفوا فيها بحسب ما أمركم .
قوله تعالى : { والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون ( 36 ) } .
( البدن ) ، منصوب بفعل مقدر . وتقديره : وجعلنا البدن جعلناها لكم فيها خير{[3116]} .
( والبدن ) ، جمع بدنة ، وهي الواحدة من الإبل . سميت بذلك من البدانة وهي السّمن . بدن الرجل بضم الدال ، إذا سمن . وهي في اللغة بمعنى الناقة أو البقرة تنحر بمكة . وسميت بذلك ؛ لأنهم كانوا يسمنونها{[3117]} وهي اسم يختص بالبعير عند الشافعية . وتطلق على غير الإبل من البقر عند الحنفية والمالكية . ووجه قولهم هذا : أن البقرة لما صارت في حكم البدنة قامت مقامها . وقد جعلها النبي ( ص ) عن سبعة والبقرة عن سبعة فصار البقر في حكم البدن .
قوله : ( جعلناها لكم من شعائر الله ) أي من أعلام دينه التي شرعها لكم في مناسك حجكم إذا قلدتموها وأشعرتموها ليعلم الرائي أنها من الهدي .
قوله : ( لكم فيها خير ) أي خير الدنيا والآخرة . فخير الدنيا بالانتقام بها من ركوب وأكل ونحو ذلك . وخير الآخرة ، من حسن الأجل وجزيل الثواب .
قوله : ( فاذكروا اسم الله عليها صواف ) ( صواف ) ، جمع منصوب على الحال ، من الضمير في ، ( عليها ) . وهو لا ينصرف ؛ لأنه جمع بعد ألفه حرفان ؛ أي مصطفه{[3118]} .
والمعنى : انحروها ذاكرين اسم الله عليها . وهو قوله : باسم الله والله أكبر .
و ( صواف ) ، أي صفت قوائمها فتكون بذلك قياما على ثلاث قوائم ، ويدها اليسرى معقولة . وعلى هذا فإن البعير إذا أرادوا نحره فإنه تعقل إحدى يديه فيقوم على ثلاث قوائم . وفي هذا أخرج أبو داود بسنده عن جابر أن رسول الله ( ص ) وأصحابه " كانوا ينحرون البدن معقولة اليسرى ، قائمة على ما بقي من قوائمها " وروى أحمد وأبو داود والترمذي عن جابر بن عبد الله قال : صليت مع رسول الله ( ص ) عيد الأضحى ، فلما انصرف أتى بكبش فذبحه فقال : " بسم الله والله أكبر ، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي " .
قوله : ( فإذا وجبت جنوبها ) أي سقطت على الأرض ميتة عقب نحرها{[3119]} .
قوله : ( فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ) الأمر للندب والاستحباب فيندب لصاحب الذبيحة أن يأكل منها . أما ( القانع ) فهو المتعفف ، و ( المعتر ) معناه السائل . وقيل : ( القانع ) الذي يقنع بما يؤتاه ، و ( المعتر ) معناه الذي يعترض فيسأل . وقيل : ( القانع ) الذي يسأل ، ( والمعتر ) الذي يتعرض ولا يسأل .
ويُستدل بهذه الآية على أن الأضحية تجزأ ثلاثة أجزاء ، أو ثلاثة أثلاث ، فثلث لصاحبها وعياله . وثلث يهديه لأصحابه . وثلث يتصدق به على الفقراء وهو قول الحنفية . وذلك لقوله تعالى : ( فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ) وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ( ص ) قال للناس : " إني كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث ؛ فكلوا وادخروا ما بدا لكم " وفي رواية : " فكلوا وادخروا وتصدقوا " وفي رواية : " فكلوا وأطعموا وتصدقوا " .
وعند الشافعية ، أن المضحي يأكل النصف ويتصدق بالنصف . وذلك لقوله تعالى : ( فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ) .
قوله : ( كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون ) أي مثل ذلك التسخير ذلل الله لكم هذه الأنعام لتكون منقادة لكم إلى حيث تريدون وما تبتغون من منفعة لكي تشكروا الله على ما خوّلكم من نعمة فتطيعوه وتعبدوه{[3120]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.