مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّهُمۡ أَقَامُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِم مِّن رَّبِّهِمۡ لَأَكَلُواْ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۚ مِّنۡهُمۡ أُمَّةٞ مُّقۡتَصِدَةٞۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ سَآءَ مَا يَعۡمَلُونَ} (66)

ثم قال تعالى : { ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم }

واعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنهم لو آمنوا لفازوا بسعادات الآخرة ، بين في هذه الآية أيضا أنهم لو آمنوا لفازوا بسعادات الدنيا ووجدوا طيباتها وخيراتها ، وفي إقامة التوراة والإنجيل ثلاثة أوجه : أحدها : أن يعملوا بما فيها من الوفاء بعهود الله فيها ، ومن الإقرار باشتمالها على الدلائل الدالة على بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ، وثانيها : إقامة التوراة إقامة أحكامها وحدودها كما يقال : أقام الصلاة إذا قام بحقوقها ، ولا يقال لمن لم يوف بشرائطها : أنه أقامها . وثالثها : أقاموها نصب أعينهم لئلا يزلوا في شيء من حدودها ، وهذه الوجوه كلها حسنة لكن الأول أحسن .

وأما قوله تعالى : { وما أنزل إليهم } ففيه قولان : الأول : أنه القرآن ، والثاني : أنه كتب سائر الأنبياء : مثل كتاب شعياء ومثل كتاب حيقوق ، وكتاب دانيال ، فإن هذه الكتب مملوءة من البشارة بمبعث محمد عليه الصلاة والسلام .

وأما قوله تعالى : { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } فاعلم أن اليهود لما أصروا على تكذيب محمد عليه الصلاة والسلام أصابهم القحط والشدة ، وبلغوا إلى حيث قالوا : { يد الله مغلولة } فالله تعالى بين أنهم لو تركوا ذلك الكفر لانقلب الأمر وحصل الخصب والسعة ، وفي قوله { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } وجوه : الأول : أن المراد منه المبالغة في شرح السعة والخصب ، لا أن هناك فوقا وتحتا ، والمعنى لأكلوا أكلا متصلا كثيرا ، وهو كما تقول : فلان في الخير من فرقه إلى قدمه ، تريد تكاثف الخير وكثرته عنده . الثاني : أن الأكل من فوق نزول القطر ، ومن تحت الأرجل حصول النبات ، كما قال تعالى في سورة الأعراف { ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض } الثالث : الأكل من فوق كثرة الأشجار المثمرة ، ومن تحت الأرجل الزروع المغلة ، والرابع : المراد أن يرزقهم الجنان اليانعة الثمار ، فيجتنون ما تهدل من رؤوس الشجر ، ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم ، والخامس : يشبه أن يكون هذا إشارة إلى ما جرى على اليهود من بني قريظة وبني النضير من قطع نخيلهم وإفساد زروعهم وإجلائهم عن أوطانهم .

ثم قال تعالى : { منهم أمة مقتصدة } معنى الاقتصاد في اللغة الاعتدال في العمل من غير غلو ولا تقصير ، وأصله القصد ، وذلك لأن من عرف مطلوبه فإنه يكون قاصدا له على الطريق المستقيم من غير انحراف ولا اضطراب ، أما من لم يعرف موضع مقصوده فإنه يكون متحيرا ، تارة يذهب يمينا وأخرى يسارا ، فلهذا السبب جعل الاقتصاد عبارة عن العمل المؤدي إلى الغرض ، ثم في هذه الأمة المقتصدة قولان : أحدهما : أن المراد منها الذين آمنوا من أهل الكتاب : كعبد الله ابن سلام من اليهود ، والنجاشي من النصارى ، فهم على القصد من دينهم ، وعلى المنهج المستقيم منه ، ولم يميلوا إلى طرفي الإفراط والتفريط . والثاني : المراد منها الكفار من أهل الكتاب الذين يكونون عدولا في دينهم ، ولا يكون فيهم عناد شديد ولا غلظة كاملة ، كما قال { ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك } .

ثم قال تعالى : { وكثير منهم ساء ما يعملون } وفيه معنى التعجب كأنه قيل : وكثير منهم ما أسوأ عملهم ، والمراد : منهم الأجلاف المذمومون المبغضون الذين لا يؤثر فيهم الدليل ولا ينجع فيهم القول .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّهُمۡ أَقَامُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِم مِّن رَّبِّهِمۡ لَأَكَلُواْ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۚ مِّنۡهُمۡ أُمَّةٞ مُّقۡتَصِدَةٞۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ سَآءَ مَا يَعۡمَلُونَ} (66)

شرح الكلمات :

{ من فوقهم ومن تحت أرجلهم } : كناية عن بسط الرزق عليهم .

{ أمة مقتصدة } : معتدلة لا غالية مفرطة ، ولا جافية مفرطة .

المعنى :

أما الآية الأخيرة ( 66 ) في هذا السياق فهي تتضمن وعداً إلهياً آخر وهو أن اليهود والنصارى لو أقاموا التوراة والإِنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ومن ذلك القرآن الكريم ، ومعنى أقاموا ذلك آمنوا بالعقائد الصحيحة الواردة في تلك الكتب وعملوا بالشرائع السليمة والآدب الرفيعة والأخلاق الفاضلة التي تضمنتها تلك الكتب لو فعلوا ذلك لبسط الله تعالى عليه الرزق وأسبغ عليهم النعم ولأصبحوا في خيرات وبركات تحوطهم من كل جانب هذا ما وعدهم الله به . ثم أخبر تعالى عن واقعهم المرير فقال : { منهم أمة مقتصدة } لم تغل ولم تحف فلم تقل في عيسى أنه ابن الله ولا هو ابن زنى ، ولكن قالت عبد الله ورسوله ولذا لما جاء النبي الأمي بشارة عيسى عليه هو ابن زنى ، ولكن قالت عبد الله ورسوله الحق وهم عبد الله بن سلام وبعض اليهود ، والنجاشى من النصارى وخلق كثير لا يحصون عداً . وكثير من أهل الكتاب ساء أي قبح ما يعملون من أعمال الكفر والشرك والشر والفساد .

الهداية

من الهداية :

- وعده تعالى لأنه الكتاب ببسط الرزق وسعته لو أقاموا التوراة والإِنجيل وما أنزل إليهم من ربهم أي لو أنهم أخذوا بما في التوراة والإِنجيل من دعوتهم إلى الإِيمان بالنبي الأمي والدخول في الإِسلام لحصل لهم ذلك كما حصل للمسلمين طيلة ثلاثة قرون وزيادة . وما زال العرض كما هو لكل الأمم والشعوب أيضاً .