ثم عاد تعالى إلى شرح أحوال الكفار وقبائح طوائقهم ، فقال : { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه } يعني تركوا متابعة الهدى وأقبلوا على متابعة الهوى فكانوا يعبدون الهوى كما يعبد الرجل إلهه ، وقرئ ( آلهته هواه ) كلما مال طبعه إلى شيء اتبعه وذهب خلفه ، فكأنه اتخذ هواه آلهة شتى يعبد كل وقت واحدا منها .
ثم قال تعالى : { وأضله الله على علم } يعني على علم بأن جوهر روحه لا يقبل الصلاح ، ونظيره في جانب التعظيم قوله تعالى : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } وتحقيق الكلام فيه أن جواهر الأرواح البشرية مختلفة فمنها مشرقة نورانية علوية إلهية ، ومنها كدرة ظلمانية سفلية عظيمة الميل إلى الشهوات الجسمانية ، فهو تعالى يقابل كلا منهم بحسب ما يليق بجوهره وماهيته ، وهو المراد من قوله { وأضله الله على علم } في حق المردودين وبقوله { الله أعلم حيث يجعل رسالته } في حق المقبولين .
ثم قال : { وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة } فقوله { وأضله الله على علم } هو المذكور في قوله { إن الذين كفروا } إلى قوله { لا يؤمنون } وقوله { وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة } هو المراد من قوله { ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة } وكل ذلك قد مر تفسيره في سورة البقرة بالاستقصاء ، والتفاوت بين الآيتين أنه في هذه الآية قدم ذكر السمع على القلب ، وفي سورة البقرة قدم القلب على السمع ، والفرق أن الإنسان قد يسمع كلاما فيقع في قلبه منه أثر ، مثل أن جماعة من الكفار كانوا يلقون إلى الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم شاعر وكاهن وأنه يطلب الملك والرياسة ، فالسامعون إذا سمعوا ذلك أبغضوه ونفرت قلوبهم عنه ، وأما كفار مكة فهم كانوا يبغضونه بقلوبهم بسبب الحسد الشديد فكانوا يستمعون إليه ، ولو سمعوا كلامه ما فهموا منه شيئا نافعا ، ففي الصورة الأولى كان الأثر يصعد من البدن إلى جوهر النفس ، وفي الصورة الثانية كان الأثر ينزل من جوهر النفس إلى قرار البدن ، فلما اختلف القسمان لا جرم أرشد الله تعالى إلى كلا هذين القسمين بهذين الترتيبين اللذين نبهنا عليهما ولما ذكر الله تعالى هذا الكلام قال : { فمن يهديه من بعد الله } أي من بعد أن أضله الله { أفلا تذكرون } أيها الناس ، قال الواحدي وليس يبقى للقدرية مع هذه الآية عذر ولا حيلة ، لأن الله تعالى صرح بمنعه إياهم عن الهدى حين أخبر أنه ختم على سمع هذا الكافر وقلبه وبصره ، وأقول هذه المناظرة قد سبقت بالاستقصاء في أول سورة البقرة .
قوله جلّ ذكره : { أَفَرَءَيْتَ مِنَ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً } .
مَنْ لم يَسْلُكْ سبيلَ الاتباع ، ولم يستوفِ أحكامَ الرياضة ، ولم يَنْسلِخْ عن هواه بالكليَّة ، ولم يؤدّبْه إمامٌ مُقْتَدَىٌ فهو ينجرفُ في كل وَهَدَةٍ ، ويهيمُ في كلِّ ضلالة ، ويضلُّ في كل فجِّ ، خسرانُه أكثر من ربْحِه ! ! أولئك في ضلالٍ بعيد ؛ يعملون القُرَبَ على ما يقع لهم من نشاطِ نفوسهم ، زمامُهم بيد هواهم ، أولئك أهل المكر . . . اسْتدْرِجُوا وما يَشْعُرون ! .
من اتخذ إلهه هواه : من اتخذ هواه معبودا له ، فخضع له وأطاعه .
وأضله الله على علم : أضله الله وسلب عنه الهدى بعد بلوغ العلم إليه وقيام الحجة عليه .
قال ابن كثير : ويحتمل معنى آخر هو : أضله الله لعلمه أنه يستحق ذلك .
وختم على سمعه وقلبه : أغلق منافذ الهداية عنده ، فهو لا يقبل ما ينفعه مما يسمعه ، ولا يقبل حقا لإصراره على كفره .
وجعل على بصره غشاوة : غطاء أو ظلمة فلا يبصر دواعي الهدى .
فمن يهديه من بعد الله : فمن يهديه من بعد إعراض الله عنه ؟ أي : لا أحد يهديه .
أفلا تتذكرون : أتتركون النظر فلا تتعظون .
23- { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون } .
مع أن الكون كله قد خلق بالحق والعدل ، وهو يسبح بحمد الله تسبيح طائع لله ، ملتزم بأوامره وقوانينه ، فإنك تعجب حين تجد الكافر الذي يشذ عن عبادة الله ، فيعبد الهوى والصنم والشهوة ، فهو أسير هواه وشهواته ، وقد سلب الله عنه الهدى والتوفيق ، فاختار الضلالة مع علمه بأنها ضلالة ، كما قال سبحانه : { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين } . ( النمل : 14 ) .
أو أضله الله عالما بحاله ، وأنه يؤثر الهوى على الحق ، لذلك سلب عنه الهدى والتوفيق ، وتركه ضالا متحيرا ، فلا يسمع ما يفيده ، ولا يتأمل بقلبه في أسباب الهدى ، ولا يتأمل ببصره في ملكوت السماوات والأرض .
{ فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون } .
إن الهدى هدى الله ، وإذا كان الله تعالى قد سلب عنه الهدى والتوفيق ، فمن يملك له أسباب الهداية بعد أن سلبها الله عنه ؟ إن هذا لأمر يستحق التفكر والتذكر .
قال الألوسي : والكلام على التمثيل . اه .
أي أن الله شبه إعراض الكافر عن الحق ، وتعاميه عن الهدى ، وتصاممه عن سماع القرآن ، بمن فقد هذه الحواس .
وقريب من ذلك قوله تعالى : { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون } . ( الأعراف : 179 ) .
وجاء في حاشية الجمل على الجلالين ما يأتي :
وصف الله تعالى الكفار بأربعة أوصاف :
الثالث : الطبع على أسماعهم وقلوبهم .
الرابع : جعل الغشاوة على أبصارهم .
وكل وصف من هذه الأوصاف مقتض للضلالة ، فلا يمكن إيصال الهدى إليهم بوجه من الوجوه .
ذكر القرطبي في تفسير قوله تعالى : { وختم على سمعه وقلبه . . . }
قال مقاتل : نزلت في أبي جهل ، ذلك أنه طاف بالبيت ذات ليلة ، ومعه الوليد بن المغيرة ، فتحدثا في شأن النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو جهل : والله إني لأعلم أنه صادق ، فقال له : مَهْ ، وما دلك على ذلك ؟ قال : يا أبا عبد شمس كنا نسميه في صباه الصادق الأمين ، فلما ثم عقله وكمل رشده نسميه الكذاب الخائن ، والله إني لأعلم أنه صادق ، قال : فما يمنعك أن تصدقه وتؤمن به ؟ قال : تتحدث عني بنات قريش أني اتبعت يتيم أبي طالب من أجل كسرة ، واللات والعزى لا أتبعه أبدا ، فنزلت : { وختم على سمعه وقلبه . . . }5 .
وقد أورد القرطبي في تفسيره لهذه الآية عشرة آيات في ذم الهوى ، والدعوة إلى مخالفة هوى النفس ، وإتباع العلم والدين ، ومن ذلك قول عبد الله بن المبارك :
ومن البلايا للبلاء علامة *** ألا يرى لك عن هواك نزوع
العبد عبد النفس في شهواتها *** والحر يشبع تارة ويجوع
وأخرج أحمد ، والترمذي ، وابن ماجة ، والحاكم ، عن شداد بن أوس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والفاجر من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني )6 .
اتخذ إلهه هواه : من اتخذ هواه معبودا له يجري وراء متعته ولذاته ولا يتقيد بشرع ولا دين .
ثم يُتبع الله ذلك بصورة عجيبة لأولئك الناس الذين لا يتقيّدون بدين ، ولا يتمسكون بخلُق : أرأيتَ أيها الرسُول ، مَن ركب رأسه ، وترك الهدى ، وأطاع هواه فجعله معبوداً له ، وضل عن سبيل الحق وهو يعلم بهذا السبيل { على عِلْمٍ } منه ثم مضى سادِراً في ملذّاته غير آبهٍ بدين ولا خلق ! ؟ لقد أغلقَ سمعه فلا يقبل وعظاً ، وقلبه فلا يعتقد حقا { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } ، يا مشركي قريشٍ هذا ؟
إنها صورة عجيبة من الواقع الذي نراه دائماً ، وما أكثر هذا الصنف من الناس . واتباعُ الهوى هذا قد ذمّه اللهُ في عدة آيات من القرآن الكريم . { واتبع هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكلب } [ الأعراف : 176 ] { واتبع هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً } [ الكهف : 28 ] . { وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله } [ ص : 26 ] . نسأل الله السلامة .
قرأ حمزة والكسائي : غشوة ، والباقون : غشاوة . قال في لسان العرب الغشاء : الغطاء ، وعلى بصره وقلبه غشوة وغشوة مثلثة العين ، وغشاوة وغشاوة بفتح الغين وكسرها ، وكلها معناها الغطاء .