مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الإخلاص

قبل الخوض في التفسير لابد من تقديم فصول :

الفصل الأول : روى أبي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة قل هو الله أحد ، فكأنما قرأ ثلث القرآن وأعطى من الأجر عشر حسنات بعدد من أشرك بالله وآمن بالله » وقال عليه الصلاة والسلام : «من قرأ قل هو الله أحد مرة واحدة أعطى من الأجر كمن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وأعطى من الأجر مثل مائة شهيد » وروي : «أنه كان جبريل عليه السلام مع الرسول عليه الصلاة والسلام إذا أقبل أبو ذر الغفاري ، فقال جبريل : هذا أبو ذر قد أقبل ، فقال عليه الصلاة والسلام : أو تعرفونه ؟ قال : هو أشهر عندنا منه عندكم ، فقال عليه الصلاة والسلام : بماذا نال هذه الفضيلة ؟ قال لصغره في نفسه وكثرة قراءته قل هو الله أحد » وروى أنس قال : «كنا في تبوك فطلعت الشمس مالها شعاع وضياء وما رأيناها على تلك الحالة قط قبل ذلك فعجب كلنا ، فنزل جبريل وقال : إن الله أمر أن ينزل من الملائكة سبعون ألف ملك فيصلوا على معاوية بن معاوية ، فهل لك أن تصلي عليه ثم ضرب بجناحه الأرض فأزال الجبال وصار الرسول عليه الصلاة والسلام كأنه مشرف عليه فصلى هو وأصحابه عليه ، ثم قال : بم بلغ ما بلغ ؟ فقال جبريل : كان يحب سورة الإخلاص » وروي : «أنه دخل المسجد فسمع رجلا يدعو ويقول أسألك يا ألله يا أحد يا صمد يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، فقال : غفر لك غفر لك غفر لك ثلاث مرات » وعن سهل بن سعد : «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشكا إليه الفقر فقال : إذا دخلت بيتك فسلم إن كان فيه أحد وإن لم يكن فيه أحد فسلم على نفسك ، واقرأ قل هو الله أحد مرة واحدة ففعل الرجل فأدر الله عليه رزقا حتى أفاض على جيرانه » وعن أنس : «أن رجلا كان يقرأ في جميع صلاته : { قل هو الله أحد } فسأله الرسول عن ذلك فقال : يا رسول الله إني أحبها ، فقال : حبك إياها يدخلك الجنة » وقيل من قرأها في المنام : أعطي التوحيد وقلة العيال وكثرة الذكر لله ، وكان مستجاب الدعوة .

الفصل الثاني : في سبب نزولها وفيه وجوه ( الأول ) : أنها نزلت بسبب سؤال المشركين ، قال الضحاك : إن المشركين أرسلوا عامر بن الطفيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : شققت عصانا وسببت آلهتنا ، وخالفت دين آبائك ، فإن كنت فقيرا أغنيناك ، وإن كنت مجنونا داويناك ، وإن هويت امرأة زوجناكها ، فقال عليه الصلاة والسلام : «لست بفقير ، ولا مجنون ، ولا هويت امرأة ، أنا رسول الله أدعوكم من عبادة الأصنام إلى عبادته » فأرسلوه ثانية وقالوا : قل له بين لنا جنس معبودك ، أمن ذهب أو فضة ، فأنزل الله هذه السورة ، فقالوا له : ثلثمائة وستون صنما لا تقوم بحوائجنا ، فكيف يقوم الواحد بحوائج الخلق ؟ فنزلت : { والصافات } إلى قوله : { إن إلهكم لواحد } فأرسلوه أخرى ، وقالوا : بين لنا أفعاله فنزل : { إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض } ( الثاني ) : أنها نزلت بسبب سؤال اليهود روى عكرمة عن ابن عباس ، أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله ومعهم كعب بن الأشرف ، فقالوا : يا محمد هذا الله خلق الخلق ، فمن خلق الله ؟ فغضب نبي الله عليه السلام فنزل جبريل فسكنه ، وقال : اخفض جناحك يا محمد ، فنزل : { قل هو الله أحد } فلما تلاه عليهم قالوا : صف لنا ربك كيف عضده ، وكيف ذراعه ؟ فغضب أشد من غضبه الأول ، فأتاه جبريل بقوله : { وما قدروا الله حق قدره } ( الثالث ) : أنها نزلت بسبب سؤال النصارى ، روى عطاء عن ابن عباس ، قال : قدم وفد نجران ، فقالوا : صف لنا ربك أمن زبرجد أو ياقوت ، أو ذهب ، أو فضة ؟ فقال : «إن ربي ليس من شيء لأنه خالق الأشياء » فنزلت : { قل هو الله أحد } قالوا : هو واحد ، وأنت واحد ، فقال : ليس كمثله شيء ، قالوا : زدنا من الصفة ، فقال : { الله الصمد } فقالوا : وما الصمد ؟ فقال : الذي يصمد إليه الخلق في الحوائج ، فقالوا : زدنا فنزل : { لم يلد } كما ولدت مريم : { ولم يولد } كما ولد عيسى : { ولم يكن له كفوا أحد } يريد نظيرا من خلقه .

الفصل الثالث : في أساميها ، اعلم أن كثرة الألقاب تدل على مزيد الفضيلة ، والعرف يشهد لما ذكرناه ( فأحدها ) : سورة التفريد ( وثانيها ) : سورة التجريد ( وثالثها ) : سورة التوحيد ( ورابعها ) : سورة الإخلاص لأنه لم يذكر في هذه السورة سوى صفاته السلبية التي هي صفات الجلال ، ولأن من اعتقده كان مخلصا في دين الله ، ولأن من مات عليه كان خلاصه من النار ، ولأن ما قبله خلص في ذم أبي لهب فكان جزاء من قرأه أن لا يجمع بينه وبين أبي لهب ( وخامسها ) : سورة النجاة لأنها تنجيك عن التشبيه والكفر في الدنيا ، وعن النار في الآخرة ( وسادسها ) : سورة الولاية لأن من قرأها صار من أولياء الله ولأن من عرف الله على هذا الوجه فقد والاه فبعد محنة رحمة كما بعد منحة نعمة ( وسابعها ) : سورة النسبة لما روينا أنه ورد جوابا لسؤال من قال : أنسب لنا ربك ، ولأنه عليه السلام قال لرجل من بني سليم : «يا أخا بني سليم استوص بنسبة الله خيرا » وهو من لطيف المباني ، لأنهم لما قالوا : انسب لنا ربك ، فقال : نسبة الله هذا والمحافظة على الأنساب من شأن العرب ، وكانوا يتشددون على من يزيد في بعض الأنساب أو ينقص ، فنسبة الله في هذه السورة أولى بالمحافظة عليها ( وثامنها ) : سورة المعرفة لأن معرفة الله لا تتم إلا بمعرفة هذه السورة ، روى جابر أن رجلا صلى فقرأ : قل هو الله أحد فقال النبي عليه الصلاة والسلام : إن هذا عبد عرف ربه فسميت سورة المعرفة لذلك ( وتاسعها ) : سورة الجمال قال عليه الصلاة والسلام : «إن الله جميل يحب الجمال » فسألوه عن ذلك فقال : أحد صمد لم يلد ولم يولد لأنه إذا لم يكن واحدا عديم النظير جاز أن ينوب ذلك المثل منابه ( وعاشرها ) : سورة المقشقشة ، يقال : تقشيش المريض مما به ، فمن عرف هذا حصل له البرء من الشرك والنفاق لأن النفاق مرض كما قال : { في قلوبهم مرض } ( الحادي عشر ) : المعوذة ، روي أنه عليه السلام دخل على عثمان بن مظعون فعوذه بها وباللتين بعدها ، ثم قال : «نعوذ بهن فما تعوذت بخير منها » ( والثاني عشر ) : سورة الصمد لأنها مختصة بذكره تعالى ( والثالث عشر ) : سورة الأساس ، قال عليه الصلاة والسلام : «أسست السموات السبع والأرضون السبع على قل هو الله أحد » ومما يدل عليه أن القول بالثلاثة سبب لخراب السموات والأرض بدليل قوله : { تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال } فوجب أن يكون التوحيد سببا لعمارة هذه الأشياء وقيل السبب فيه معنى قوله تعالى : { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } ( الرابع عشر ) : سورة المانعة روى ابن عباس أنه تعالى قال لنبيه حين عرج به أعطيتك سورة الإخلاص وهي من ذخائر كنوز عرشي ، وهي المانعة تمنع عذاب القبر ولفحات النيران ( الخامس عشر ) : سورة المحضر لأن الملائكة تحضر لاستماعها إذا قرئت ( السادس عشر ) : المنفرة لأن الشيطان ينفر عند قراءتها ( السابع عشر ) : البراءة لأنه روي أنه عليه السلام رأى رجل يقرأ هذه السورة ، فقال : أما هذا فقد برئ من الشرك ، وقال عليه السلام : من قرأ سورة قل هو الله أحد مائة مرة في صلاة أو في غيرها كتبت له براءة من النار ( الثامن عشر ) : سورة المذكرة لأنها تذكر العبد خالص التوحيد فقراءة السورة كالوسمة تذكرك ما تتغافل عنه مما أنت محتاج إليه ( التاسع عشر ) : سورة النور قال الله تعالى : { الله نور السموات والأرض } فهو المنور للسموات والأرض ، والسورة تنور قلبك وقال عليه السلام : «إن لكل شيء نور ونور القرآن قل هو الله أحد » ونظيره أن نور الإنسان في أصغر أعضائه وهو الحدقة ، فصارت السورة للقرآن كالحدقة للإنسان ( العشرون ) : سورة الأمان قال عليه السلام : «إذا قال العبد لا إله إلا الله دخل حصني ومن دخل حصني أمن من عذابي » .

الفصل الرابع : في فضائل هذه السورة وهي من وجوه ( الأول ) : اشتهر في الأحاديث أن قراءة هذه السورة تعدل قراءة ثلث القرآن ، ولعل الغرض منه أن المقصود الأشرف من جميع الشرائع والعبادات ، معرفة ذات الله ومعرفة صفاته ومعرفة أفعاله ، وهذه السورة مشتملة على معرفة الذات ، فكانت هذه السورة معادلة لثلث القرآن ، وأما سورة : { قل يا أيها الكافرون } فهي معادلة لربع القرآن ، لأن المقصود من القرآن إما الفعل وإما الترك وكل واحد منهما فهو إما في أفعال القلوب وإما في أفعال الجوارح فالأقسام أربعة ، وسورة : { قل يا أيها الكافرون } لبيان ما ينبغي تركه من أفعال القلوب ، فكانت في الحقيقة مشتملة على ربع القرآن ، ومن هذا السبب اشتركت السورتان أعني : { قل يا أيها الكافرون } ، و{ قل هو الله أحد } في بعض الأسامي فهما المقشقشتان والمبرئتان ، من حيث إن كل واحدة منهما تفيد براءة القلب عما سوى الله تعالى ، إلا أن : { قل يا أيها الكافرون } يفيد بلفظه البراءة عما سوى الله وملازمة الاشتغال بالله و{ قل هو الله أحد } يفيد بلفظه الاشتغال بالله وملازمة الإعراض عن غير الله أو من حيث إن : { قل يا أيها الكافرون } تفيد براءة القلب عن سائر المعبودين سوى الله ، و{ قل هو الله أحد } تفيد براءة المعبود عن كل ما لا يليق به ( الوجه الثاني ) : وهو أن ليلة القدر لكونها صدقا للقرآن كانت خيرا من ألف شهر فالقرآن كله صدف والدر هو قوله : { قل هو الله أحد } فلا جرم حصلت لها هذه الفضيلة ( الوجه الثالث ) : وهو أن الدليل العقلي دل على أن أعظم درجات العبد أن يكون قلبه مستنيرا بنور جلال الله وكبريائه ، وذلك لا يحصل إلا من هذه السورة ، فكانت هذه السورة أعظم السور ، فإن قيل : فصفات الله أيضا مذكورة في سائر السور ، قلنا : لكن هذه السورة لها خاصية وهي أنها لصغرها في الصورة تبقى محفوظة في القلوب معلومة للعقول فيكون ذكر جلال الله حاضرا أبدا بهذا السبب ، فلا جرم امتازت عن سائر السور بهذه الفضائل ولنرجع الآن إلى التفسير .

قوله تعالى : { قل هو الله أحد } فيه مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أن معرفة الله تعالى جنة حاضرة إذ الجنة أن تنال ما يوافق عقلك وشهوتك ، ولذلك لم تكن الجنة جنة لآدم لما نازع عقله هواه ، ولا كان القبر سجنا على المؤمن لأنه حصل له هناك ما يلائم عقله وهواه ، ثم إن معرفة الله تعالى مما يريدها الهوى والعقل ، فصارت جنة مطلقة ، وبيان ما قلنا : أن العقل يريد أمينا تودع عنده الحسنات ، والشهوة تريد غنيا يطلب منه المستلذات ، بل العقل كالإنسان الذي له همة عالية فلا ينقاد إلا لمولاه ، والهوى كالمنتجع الذي إذا سمع حضور غنى ، فإنه ينشط للانتجاع إليه ، بل العقل يطلب معرفة المولى ليشكر له النعم الماضية والهوى يطلبها ليطمع منه في النعم المتربصة ، فلما عرفاه كما أراده عالما وغنيا تعلقا بذيله ، فقال العقل : لا أشكر أحدا سواك ، وقالت الشهوة : لا أسأل أحدا إلا إياك ، ثم جاءت الشبهة فقالت : يا عقل كيف أفردته بالشكر ولعل له مثلا ؟ ويا شهوة كيف اقتصرت عليه ولعل ههنا بابا آخر ؟ فبقي العقل متحيرا وتنغصت عليه تلك الراحة ، فأراد أن يسافر في عالم الاستدلال ليفوز بجوهرة اليقين فكأن الحق سبحانه قال : كيف أنغص على عبدي لذة الاشتغال بخدمتي وشكري ، فبعث الله رسوله وقال : لا تقله من عند نفسك ، بل قل هو الذي عرفته صادقا يقول لي : { قل هو الله أحد } فعرفك الوحدانية بالسمع وكفاك مؤنة النظر والاستدلال بالعقل ، وتحقيقه أن المطالب على ثلاثة أقسام قسم منها لا يمكن الوصول إليه بالسمع وهو كل ما تتوقف صحة السمع على صحته كالعلم بذات الله تعالى وعلمه وقدرته وصحة المعجزات ، وقسم منها لا يمكن الوصول إليه إلا بالسمع وهو وقوع كل ما علم بالعقل والسمع معا ، وهو كالعلم بأنه واحد وبأنه مرئي إلى غيرهما ، وقد استقصينا في تقرير دلائل الوحدانية في تفسير قوله تعالى : { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } .

المسألة الثانية : اعلم أنهم أجمعوا على أنه لابد في سورة : { قل يا أيها الكافرون } من قل وأجمعوا على أنه لا يجوز لفظ قل في سورة : { تبت } وأما في هذه السورة فقد اختلفوا ، فالقراءة المشهورة : { قل هو الله أحد } وقرأ أبي وابن مسعود . بغير قل هكذا : { هو الله أحد } وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم ، بدون ( قل هو ) هكذا : { الله أحد الله الصمد } فمن أثبت قل قال : السبب فيه بيان أن النظم ليس في مقدوره ، بل يحكي كل ما يقال له ، ومن حذفه قال : لئلا يتوهم أن ذلك ما كان معلوما للنبي عليه الصلاة والسلام .

المسألة الثالثة : اعلم أن في إعراب هذه الآية وجوها ( أحدها ) : أن هو كناية عن اسم الله ، فيكون قوله : الله مرتفعا بأنه خبر مبتدأ ، ويجوز في قوله : { أحد } ما يجوز في قولك : زيد أخوك قائم ( الثاني ) : أن هو كناية عن الشأن ، وعلى هذا التقرير يكون الله مرتفعا بالابتداء وأحد خبره ، والجملة تكون خبرا عن هو ، والتقدير الشأن والحديث : هو أن الله أحد ، ونظيره قوله : { فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا } إلا أن هي جاءت على التأنيث ، لأن في التفسير : اسما مؤنثا ، وعلى هذا جاء : { فإنها لا تعمى الأبصار } أما إذا لم يكن في التفسير مؤنث لم يؤنث ضمير القصة ، كقوله : { إنه من يأت ربه مجرما } ( والثالث ) : قال الزجاج : تقدير هذه الآية أن هذا الذي سألتم عنه هو الله أحد .

المسألة الرابعة : في أحد وجهان ( أحدهما ) : أنه بمعنى واحد ، قال الخليل : يجوز أن يقال : أحد اثنان وأصل أحد وحد إلا أنه قلبت الواو همزة للخفيف وأكثر ما يفعلون هذا بالواو المضمومة ، والمكسورة كقولهم : وجوه وأجوه وسادة وأسادة ( والقول الثاني ) : أن الواحد والأحد ليسا اسمين مترادفين قال الأزهري : لا يوصف شيء بالأحدية غير الله تعالى لا يقال : رجل أحد ولا درهم أحد كما يقال : رجل واحد أي فرد به بل أحد صفة من صفات الله تعالى استأثر بها فلا يشركه فيها شيء . ثم ذكروا في الفرق بين الواحد والأحد وجوها ( أحدها ) : أن الواحد يدخل في الأحد والأحد لا يدخل فيه ( وثانيها ) أنك إذا قلت : فلان لا يقاومه واحد ، جاز أن يقال : لكنه يقاومه اثنان بخلاف الأحد ، فإنك لو قلت : فلان لا يقاومه أحد لا يجوز أن يقال : لكنه يقاومه اثنان ( وثالثها ) : أن الواحد يستعمل في الإثبات والأحد في النفي ، تقول في الإثبات رأيت رجلا واحدا وتقول في النفي : ما رأيت أحدا فيفيد العموم .

المسألة الخامسة : اختلف القراء في قوله : { أحد الله الصمد } فقراءة العامة بالتنوين وتحريكه بالكسر هكذا أحدن الله ، وهو القياس الذي لا إشكال فيه ، وذلك لأن التنوين من أحد ساكن ولام المعرفة من الله ساكنة ، ولما التقى ساكنان حرك الأول منهما بالكسر ، وعن أبي عمرو ، أحد الله بغير تنوين ، وذلك أن النون شابهت حروف اللين في أنها تزاد كما يزدن فلما شابهتها أجريت مجراها في أن حذفت ساكنة لالتقاء الساكنين كما حذفت الألف والواو والياء لذلك نحو غزا القوم ويغزو القوم ، ويرمي القوم ، ولهذا حذفت النون الساكنة في الفعل نحو : { لم يك } { فلا تك في مرية } فكذا ههنا حذفت في ( أحد الله ) لالتقاء الساكنين كما حذفت هذه الحروف .

وقد ذكرنا هذا مستقصى عند قوله : { عزير ابن الله } وروي أيضا عن أبي عمرو : { أحد الله } وقال : أدركت القراء يقرؤونها كذلك وصلا على السكون ، قال أبو علي : قد تجري الفواصل في الإدراج مجراها في الوقف وعلى هذا قال من قال : { فأضلونا السبيلا ربنا } { وما أدراك ماهيه نار } فكذلك { أحد الله } لما كان أكثر القراء فيما حكاه أبو عمرو على الوقف أجراه في الوصل مجراه في الوقف لاستمرار الوقف عليه وكثرته في ألسنتهم ، وقرأ الأعمش : { قل هو الله الواحد } فإن قيل : لماذا ؟ قيل : أحد على النكرة ، قال الماوردي : فيه وجهان ( أحدهما ) : حذف لام التعريف على نية إضمارها والتقدير قل : هو الله الأحد ( والثاني ) : أن المراد هو التنكير على سبيل التعظيم .

المسألة السادسة : اعلم أن قوله : { هو الله أحد } ألفاظ ثلاثة وكل واحد منها إشارة إلى مقام من مقامات الطالبين ( فالمقام الأول ) : مقام المقربين وهو أعلى مقامات السائرين إلى الله وهؤلاء هم الذين نظروا إلى ماهيات الأشياء وحقائقها من حيث هي هي ، فلا جرم ما رأوا موجودا سوى الله لأن الحق هو الذي لذاته يجب وجوده ، وأما ما عداه فممكن لذاته والممكن لذاته إذا نظر إليه من حيث هو هو كان معدوما ، فهؤلاء لم يروا موجودا سوى الحق سبحانه ، وقوله : { هو } إشارة مطلقة والإشارة وإن كانت مطلقة إلا أن المشار إليه لما كان معينا انصرف ذلك المطلق إلى ذلك المعين ، فلا جرم كان قولنا : هو إشارة من هؤلاء المقربين إلى الحق سبحانه فلم يفتقروا في تلك الإشارة إلى مميز ، لأن الافتقار إلى المميز إنما يحصل حين حصل هناك موجودان ، وقد بينا أن هؤلاء ما شاهدوا بعيون عقولهم إلا الواحد فقط ، فلهذا السبب كانت لفظة : { هو } كافية في حصول العرفان التام لهؤلاء ، ( المقام الثاني ) : وهو مقام أصحاب اليمين وهو دون المقام الأول ، وذلك لأن هؤلاء شاهدوا الحق موجودا وشاهدوا الخلق أيضا موجودا ، فحصلت كثرة في الموجودات فلا جرم لم يكن هو كافيا في الإشارة إلى الحق ، بل لابد هناك من مميز به يتميز الحق عن الخلق : فهؤلاء احتاجوا إلى أن يقرنوا لفظة الله بلفظة هو ، فقيل : لأجلهم هو الله ، لأن الله هو الموجود الذي يفتقر إليه ما عداه ، ويستغني هو عن كل ما عداه ( والمقام الثالث ) : وهو مقام أصحاب الشمال وهو أخس المقامات وأدونها ، وهم الذين يجوزون أن يكون واجب الوجود أكثر من واحد وأن يكون الإله أكثر من واحد فقرن لفظ الأحد بما تقدم ردا على هؤلاء وإبطال لمقالاتهم فقيل : { قل هو الله أحد } .

وههنا بحث آخر : أشرف وأعلى مما ذكرناه وهو أن صفات الله تعالى إما أن تكون إضافية وإما أن تكون سلبية ، أما الإضافية فكقولنا : عالم ، قادر مريد خلاق ، وأما السلبية فكقولنا : ليس بجسم ولا بجوهر ولا بعرض والمخلوقات تدل أولا على النوع الأول من الصفات وثانيا على النوع الثاني منها ، وقولنا : الله يدل على مجامع الصفات الإضافية ، وقولنا : أحد يدل على مجامع الصفات السلبية ، فكان قولنا : { الله أحد } تاما في إفادة العرفان الذي يليق بالعقول البشرية ، وإنما قلنا : إن لفظ الله يدل على مجامع الصفات الإضافية ، وذلك لأن الله هو الذي يستحق العبادة ، واستحقاق العبادة ليس إلا لمن يكون مستبدا بالإيجاد والإبداع والاستبداد بالإيجاد لا يحصل إلا لمن كان موصوفا بالقدرة التامة والإرادة النافذة والعلم المتعلق بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات . وهذه مجامع الصفات الإضافة ، وأما مجامع الصفات السلبية فهي الأحدية ، وذلك لأن المراد من الأحدية كون تلك الحقيقة في نفسها مفردة منزهة عن أنحاء التركيب ، وذلك لأن كل ماهية مركبة فهي مفتقرة إلى كل واحد من أجزائه ، وكل واحد من أجزائه غيره فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره ، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته ، فكل مركب فهو ممكن لذاته ، فالإله الذي هو مبدأ لجميع الكائنات ممتنع أن يكون ممكنا ، فهو في نفسه فرد أحد وإذا ثبتت الأحدية ، وجب أن لا يكون متحيزا لأن كل متحيز فإن يمينه مغاير ليساره ، وكل ما كان كذلك فهو منقسم ، فالأحد يستحيل أن يكون متحيزا ، وإذا لم يكن متحيزا لم يكن في شيء من الأحياز والجهاد ، ويجب أن لا يكون حالا في شيء ، لأنه مع محله لا يكون أحدا ، ولا يكون محلا لشيء ، لأنه مع حاله لا يكون أحدا ، وإذا لم يكن حالا ولا محلا لم يكن متغيرا البتة لأن التغير لابد وأن يكون من صفة إلى صفة ، وأيضا إذا كان أحدا وجب أن يكون واحدا إذ لو فرض موجودان واجبا الوجود لاشتركا في الوجوب ولتمايزا في التعين وما به المشاركة غير ما به الممايزة فكل واحد منهما مركب ، فثبت أن كونه أحدا يستلزم كونه واحدا ( فإن قيل ) : كيف يعقل كون الشيء أحدا ، فإن كل حقيقة توصف بالأحدية فهناك تلك الحقيقة من تلك الأحدية ومجموعهما فذاك ثالث ثلاث لا أحد ( الجواب ) : أن الأحدية لازمة لتلك الحقيقة فالمحكوم عليه بالأحدية هو تلك الحقيقة لا المجموع الحاصل منها ومن تلك الأحدية ، فقد لاح بما ذكرنا أن قوله : { الله أحد } كلام متضمن لجميع صفات الله تعالى من الإضافيات والسلوب وتمام الكلام في هذا الباب مذكور في تفسير قوله : { وإلهكم إله واحد } .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الإخلاص مكية وآياتها أربع

هذه السورة الصغيرة تعدل ثلث القرآن كما جاء في الروايات الصحيحة . قال البخاري : حدثنا إسماعيل : حدثني مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، عن أبيه ، عن أبي سعد ، أن رجلا سمع رجلا يقرأ : ( قل هو الله أحد )يرددها . فلما أصبح جاء إلى النبي [ صلى الله عليه وسلم ] فذكر ذلك له - وكأن الرجل يتقالها - فقال النبي [ صلى الله عليه وسلم ] : " والذي نفسي بيده ، إنها لتعدل ثلث القرآن " . .

وليس في هذا من غرابة . فإن الأحدية التي أمر رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يعلنها : ( قل هو الله أحد ) . . هذه الأحدية عقيدة للضمير ، وتفسير للوجود ، ومنهج للحياة . . وقد تضمنت السورة - من ثم - أعرض الخطوط الرئيسية في حقيقة الإسلام الكبيرة . .

( قل هو الله أحد ) . . وهو لفظ أدق من لفظ " واحد " . . لأنه يضيف إلى معنى " واحد " أن لا شيء غيره معه . وأن ليس كمثله شيء .

إنها أحدية الوجود . . فليس هناك حقيقة إلا حقيقته . وليس هناك وجود حقيقي إلا وجوده . وكل موجود آخر فإنما يستمد وجوده من ذلك الوجود الحقيقي ، ويستمد حقيقته من تلك الحقيقة الذاتية .

وهي - من ثم - أحدية الفاعلية . فليس سواه فاعلا لشيء ، أو فاعلا في شيء ، في هذا الوجود أصلا . وهذه عقيدة في الضمير وتفسير للوجود أيضا . .

فإذا استقر هذا التفسير ، ووضح هذا التصور ، خلص القلب من كل غاشية ومن كل شائبة ، ومن كل تعلق بغير هذه الذات الواحدة المتفردة بحقيقة الوجود وحقيقة الفاعلية .

خلص من التعلق بشيء من أشياء هذا الوجود - إن لم يخلص من الشعور بوجود شيء من الأشياء أصلا ! - فلا حقيقة لوجود إلا ذلك الوجود الإلهي . ولا حقيقة لفاعلية إلا فاعلية الإرادة الإلهية . فعلام يتعلق القلب بما لا حقيقة لوجوده ولا لفاعليته !

وحين يخلص القلب من الشعور بغير الحقيقة الواحدة ، ومن التعلق بغير هذه الحقيقة . . فعندئذ يتحرر من جميع القيود ، وينطلق من كل الأوهاق . يتحرر من الرغبة وهي أصل قيود كثيرة ، ويتحرر من الرهبة وهي أصل قيود كثيرة . وفيم يرغب وهو لا يفقد شيئا متى وجد الله ? ومن ذا يرهب ولا وجود لفاعلية إلا لله ?

ومتى استقر هذا التصور الذي لا يرى في الوجود إلا حقيقة الله ، فستصحبه رؤية هذه الحقيقة في كل وجود آخر انبثق عنها - وهذه درجة يرى فيها القلب يد الله في كل شيء يراه . وورائها الدرجة التي لا يرى فيها شيئا في الكون إلا الله . لأنه لا حقيقة هناك يراها إلا حقيقة الله .

كذلك سيصحبه نفي فاعلية الأسباب . ورد كل شيء وكل حدث وكل حركة إلى السبب الأول الذي منه صدرت ، وبه تأثرت . . وهذه هي الحقيقة التي عني القرآن عناية كبيرة بتقريرها في التصور الإيماني . ومن ثم كان ينحي الأسباب الظاهرة دائما ويصل الأمور مباشرة بمشيئة الله : ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) . . ( وما النصر إلا من عند الله ) . . ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله ) . . وغيرها كثير . .

وبتنحية الأسباب الظاهرة كلها ، ورد الأمر إلى مشيئة الله وحدها ، تنسكب في القلب الطمأنينة ، ويعرف المتجه الوحيد الذي يطلب عنده ما يرغب ، ويتقي عنده ما يرهب ، ويسكن تجاه الفواعل والمؤثرات والأسباب الظاهرة التي لا حقيقة لها ولا وجود !

وهذه هي مدارج الطريق التي حاولها المتصوفة ، فجذبتهم إلى بعيد ! ذلك أن الإسلام يريد من الناس أن يسلكوا الطريق إلى هذه الحقيقة وهم يكابدون الحياة الواقعية بكل خصائصها ، ويزاولون الحياة البشرية ، والخلافة الأرضية بكل مقوماتها ، شاعرين مع هذا أن لا حقيقة إلا الله . وأن لا وجود إلا وجوده . وأن لا فاعلية إلا فاعليته . . ولا يريد طريقا غير هذا الطريق !

من هنا ينبثق منهج كامل للحياة ، قائم على ذلك التفسير وما يشيعه في النفس من تصورات ومشاعر واتجاهات : منهج لعبادة الله وحده . الذي لا حقيقة لوجود إلا وجوده ، ولا حقيقة لفاعلية إلا فاعليته ، ولا أثر لإرادة إلا إرادته .

ومنهج للاتجاه إلى الله وحده في الرغبة والرهبة . في السراء والضراء . في النعماء والبأساء . وإلا فما جدوى التوجه إلى غير موجود وجودا حقيقيا ، وإلى غير فاعل في الوجود أصلا ? !

ومنهج للتلقي عن الله وحده . تلقي العقيدة والتصور والقيم والموازين ، والشرائع والقوانين والأوضاع والنظم ، والآداب والتقاليد . فالتلقي لا يكون إلا عن الوجود الواحد والحقيقة المفردة في الواقع وفي الضمير .

ومنهج للتحرك والعمل لله وحده . . ابتغاء القرب من الحقيقة ، وتطلعا إلى الخلاص من الحواجز المعوقة والشوائب المضللة . سواء في قرارة النفس أو فيما حولها من الأشياء والنفوس . ومن بينها حاجز الذات ، وقيد الرغبة والرهبة لشيء من أشياء هذا الوجود !

ومنهج يربط - مع هذا - بين القلب البشري وبين كل موجود برباط الحب والأنس والتعاطف والتجاوب . فليس معنى الخلاص من قيودها هو كراهيتها والنفور منها والهروب من مزاولتها . . فكلها خارجة من يد الله ؛ وكلها تستمد وجودها من وجوده ، وكلها تفيض عليها أنوار هذه الحقيقة . فكلها إذن حبيب ، إذ كلها هدية من الحبيب !

وهو منهج رفيق طليق . . الأرض فيه صغيرة ، والحياة الدنيا قصيرة ، ومتاع الحياة الدنيا زهيد ، والانطلاق من هذه الحواجز والشوائب غاية وأمنية . . ولكن الانطلاق عند الإسلام ليس معناه الاعتزال ولا الإهمال ، ولا الكراهية ولا الهروب . . إنما معناه المحاولة المستمرة ، والكفاح الدائم لترقية البشرية كلها ، وإطلاق الحياة البشرية جميعها . . ومن ثم فهي الخلافة والقيادة بكل أعبائهما ، مع التحرر والانطلاق بكل مقوماتهما . كما أسلفنا .

إن الخلاص عن طريق الصومعة سهل يسير . ولكن الإسلام لا يريده . لأن الخلافة في الأرض والقيادة للبشر طرف من المنهج الإلهي للخلاص . إنه طريق أشق ، ولكنه هو الذي يحقق إنسانية الإنسان . أي يحقق انتصار النفخة العلوية في كيانه . . وهذا هو الانطلاق . انطلاق الروح إلى مصدرها الإلهي ، وتحقيق حقيقتها العلوية . وهي تعمل في الميدان الذي اختاره لها خالقها الحكيم . .

من أجل هذا كله كانت الدعوة الأولى قاصرة على تقرير حقيقة التوحيد بصورتها هذه في القلوب . لأن التوحيد في هذه الصورة عقيدة للضمير ، وتفسير للوجود ، ومنهج للحياة . وليس كلمة تقال باللسان أو حتى صورة تستقر في الضمير . إنما هو الأمر كله ، والدين كله ؛ وما بعده من تفصيلات وتفريعات لا يعدو أن يكون الثمرة الطبيعية لاستقرار هذه الحقيقة بهذه الصورة في القلوب .

والانحرافات التي أصابت أهل الكتاب من قبل ، والتي أفسدت عقائدهم وتصوراتهم وحياتهم ، نشأت أول ما نشأت عن انطماس صورة التوحيد الخالص . ثم تبع هذا الانطماس ما تبعه من سائر الانحرافات .

على أن الذي تمتاز به صورة التوحيد في العقيدة الإسلامية هو تعمقها للحياة كلها ، وقيام الحياة على أساسها ، واتخاذها قاعدة للمنهج العملي الواقعي في الحياة ، تبدو آثاره في التشريع كما تبدو في الاعتقاد سواء . وأول هذه الآثار أن تكون شريعة الله وحدها هي التي تحكم الحياة . فإذا تخلفت هذه الآثار فإن عقيدة التوحيد لا تكون قائمة ، فإنها لا تقوم إلا ومعها آثارها محققة في كل ركن من أركان الحياة . .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الإخلاص

وسميت بها لما فيها من التوحيد ولذا سميت أيضا بالأساس أصل لسائر أصول الدين وعن كعب كما قال الجاحظ بن رجب أسست السموات السبع والأرضون السبع على هذه السورة قل هو الله أحد ورواه الزمخشرى عن أبى وأنس مرفوعا ولم يذكره أحد من المحدثين المعتبرين كذلك وكيف كان المراد فالمراد به كمال قال ما خلقت السموات والأرضون إلا لتكون دلائل على توحيد الله تعالى ومعرفة صفاته التي تضمنتها هذه السورة وقيل معنى تأسيسها عليها انها انما خلقت بالحق كما قال تعالى وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق وهو العدل والتوحيد وهوان لم يرجع الى الاول لا يخلو عن نظر وقيل المراد أن مصحح ايجادهما أي بعد امكانهما الذاتى ما أشارت اليه السورة من وحدته عز وجل واستحالة ان يكون له سبحانه تعالى شريك اذ لولا ذلك لم يمكن وجودهما لا مكان التمانع كما قرره بعض الاجلة في توجيه برهانية قوله تعالى لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا وفيه بعد وتسمى أيضا سورة قل هو الله أحد كما هو مشهور يشير اليه الاثر أيضا والمقشقشة لما سمعت في تفسير سورة الكافرون وسورة التوحيد وسورة التفريد وسورة التجريد وسورة النجاة وسورة الولاية وسورة المعرفة لان معرفة الله تعالى انما تتم بمعرفة ما فيها وفي اثر أن رجلا صلى فقرأها فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ان هذا عبد عرف ربه وسورة الجمال قيل لما روى انه عليه الصلاة والسلام قال ان الله جميل يحب الجمال فسألوه صلى الله تعالى عليه وسلم عن ذلك فقال احد صمد لم يلد ولم يولد ولا اظن صحة الخبر وسورة النسبة لورودها جوابا لمن قال انسب لنا ربك على ما ستسمعه ان شاء الله تعالى وقيل لما اخرجه الطبرانى من طريق عثمان بن عبد الرحمن الطرايفي عن الوازع بن نافع عن أبى سلمة عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لكل شيء نسبة ونسبة الله تعالى قل هو الله احد الله الصمد وهو كما قال الجاحظ ابن رجب ضعيف جدا وعثمان يروى المناكير وفي الميزان انه موضوع وسورة الصمد وسورة المعوذة لما أخرج النسائى والبزار وابن مردويه بسند صحيح عن عبد الله بن أنيس قال أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وضع يده على صدرى ثم قال قل فلم أدرى ما أقول ثم قال قل هو الله أحد فقلت حتى فرغت منها ثم قال قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق فقلت حتى فرغت منها ثم قال قل أعوذ برب الناس فقلت حتى فرغت منها فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هكذا فتعوذ وما تعوذ المتعوذون بمثلهم قط وسورة المانعة قيل لما روى ابن عباس أنه تعالى قال لنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم حين عرج به أعطيتك سورة الاخلاص وهى من ذخائر كنوز عرشى وهى المانعة تمنع كربات القبر ونفحات النيران والظاهر عدم صحة هذا الخبر ويعارضه ما أخرجه ابن الضريس عن أبى أمامة أربع آيات نزلت من كنز العرش لم ينزل منه غيرهن أم الكتاب وآية الكرسى وخاتمة سورة البقرة والكوثر وحكمه حكم المرفوع بل أخرجه الشيخ ابن حبان والديلمى وغيرهما بالسند عن أبى أمامة مرفوعا وسورة المحضر قيل لان الملائكة عليهم السلام تحضر لاستماعها اذا قرئت وسورة المنفرة قيل لان الشيطان ينفر عند قرائتها وسورة البراءة قيل لما روى أنه عليه الصلاة والسلام رأي رجلا يقروها فقال أما هذا فقد بريء من الشرك ولم أدر من روى ذلك نعم روى أبو نعم من طريق عمرو بن مرزوق عن شعبة عن مهاجر قال سمعت رجلا يقول صحبت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في سفر فسمع رجلا يقرأ قل يا أيها الكافرون فقال قد برىء من الشرك وسمع آخر يقرأ قل هو الله أحد فقال غفر له وعليه فألحق بهذا الاسم سورة الكافرون ولعل الاولى أن يقال سميت بذلك لما في حديث الترمذي عن أنس من أراد أن ينام على فراشه فنام على يمينه ثم قرأ قل هو الله أحد مائة مرة كتب الله تعالى له براءة من النار وسورة المذكرة لأنها تذكر خالص التوحيد وسورة النور قيل لما روى من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم ان لكل شيء نورا ونور القرآن قل هو الله أحد وسورة الإيمان لأنه لا يتم بدون ما تضمنته من التوحيد وقد ذكر معظم هذه الاشياء الامام الرازي وبين وجه التسمية بها بما بين والرجل رحمه الله تعالى ليس بإمام في معرفة أحوال المرويات لا يميز غثها من سمينها أو لا يبالى بذلك فيكتب ما ظفر به وان عرف شدة ضعفه وهى مكية في قول عبد الله والحسن عكرمة وعطاء ومجاهد وقتادة مدنية في قول ابن عباس ومحمد ابن كعب وأبى العالية والضحاك قاله في البحر وخبر ابن عباس السابق ان صح ظاهر في انها عنده مكية وفي الاتقان فيها قولان لحديثين في سبب نزولها متعارضين وجمع بعضهم بينهما بتكرر نزولها ثم ظهر لى ترجيح انها مدنية ا ه وعلى ما في الكتابين لا يخفي ما في قول الدواني أنها مكية بالاتفاق من الدلالة على قلة الاطلاع وآيها خمس في المكى والشامى أربع في غيرهما ووضعت هنا قيل للوزان في اللفظ بين فواصلها ومقطع سورة المسد وقيل وهو الاولى انها متصلة بقل يا أيها الكافرون في المعنى فهما بمنزلة كلمة التوحيد في النفي الاثبات ولذا يسميان المقشقشتين وقرن بينهما في القراءة في صلوات كثيرة على ما قاله بعض الائمة كركعتى الفجر والطواف والضحى وسنة المغرب وصبح المسافر ومغرب ليلة الجمعة إلا انه فصل بينهما بالسورتين لما تقدم من الوجه ونحوه وكان في ايلائها سورة تبت ردا على أبى لهب بخصوصه وجاء في أخبار كثيرة تدل على مزيد فضلها منها ما تقدم آنفا وروى مبارك بن فضالة عن أنس ان لرجلا قال يا رسول الله انى أحب هذه السورة ( قل هو الله أحد ) قال ان حبك اياها أدخلك الجنة وأخرجه الامام أحمد في المسند عن أبى النضر عن مبارك المذكور عن أنس وذكر البخاري ان حبها يوجب دخول الجنة تعليقا وروى مالك عن عبد الله بن عبد الرحمن قال سمعت ابا هريرة يقول أقبلت مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فسمع رجلا يقرأ قل هو الله أحد فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وجبت قلت وما وجبت قال الجنة وأخرجه النسائى والترمذى وقال حديث صحيح لا نعرفه إلا من حديث مالك وأخرج أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال حسن غريب عن بريدة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سمع رجلا يقول اللهم انى أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا اله الا انت الاحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الاعظم الذي اذا دعى به أجاب واذا سئل به اعطى وفي المسند عن محجن بن الادرع ان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم دخل المسجد فإذا هو برجل قد قضى صلاته وهو يتشهد ويقول انى أسألك يا الله الواحد الاحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد أن تغفر لي ذنوبي انك انت الغفور الرحيم فقال نبى الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثلاث مرات قد غفر له قد غفر له قد غفر له وأخرج البخاري ومالك وأبو داود والنسائي عن أبى سعيد ان رجلا سمع رجلا يقرأ قل هو الله أحد يرددها فلما أصبح جاء الى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فذكر ذلك له وكان الرجل يتقالها فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والذي نفسى بيده انها لتعدل ثلث القرآن وأخرج أحمد والنسائى في اليوم والليلة من طريق هشيم عن ابى بن كعب أو رجل من الانصار قال رسول الله صلى تعالى عليه وسلم من قرأ قل هو الله أحد فكأنما قرأ بثلث القرآن وفي رواية يوسف بن عطية الصفار بسنده عن أبى مرفوعا من قرأ قل هو الله أحد فكأنما قرأ ثلث القرآن وكتب له من الحسنات بعدد من أشرك بالله تعالى وآمن به وجاء انهلا تعدل ثلث القرآن في عدة أخبار مرفوعة وموقوفة وفي المسند من طريق ابن لهيعة عن عن احرث بن يزيد عن أبى الهيثم عن أبى سعيد قال بات قتادة بن النعمان يقرأ الليلة كله بقل هو الله أحد فذكر ذلك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال والذي نفسي بيده انها لتعدل نصف القرآن أو ثلثه وحمل على الشك من الراوي والروايات تعين الثلث واختلف في المراد بذلك فقيل المراد أنها باعتبار معناها ثلث من القرآن المجزأ الى ثلاثة لا أن ثواب قراءتها ثلث ثواب القرآن والى هذا ذهب جماعة لكنهم اختلفوا في بيان ذلك فقيل أن القرآن يشتمل على قصص وأحكام وعقائد وهى كالها مما يتعلق بالعقائد فكانت ثلثا بذلك الاعتبار وقال االغزالى في الجواهر ما حاصله هى عدل ثلثه باعتبار أنواع العلوم الثلاثة التي هى أم القرآن علم المبدأ وعلم المعاد وعلم ما بينهما أعنى علم الصراط المستقيم وقال الجونى المطالب التي في القرآن معظمها الاصول الثلاثة اتى بها يصح الاسلام ويحصل الإيمان وهى معرفة الله تعالى والاعتراف بصدق رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم واعتقاد القيام بين يديه وهذه السورة تفيد الاصل الاول فهى ثلثه من هذا الوجه وقيل القرآن قسمان خبر وإنشاء والخبر قسمان خبر عن الخالق وخبر عن المخلوق فهذه ثلاثة أثلاث وسورة الاخلاص أخلصت الخبر عن الخالق فهى بهذا الاعتبار ثلث وهذا كما ترى وأياما كان قيل لا تنافي بين رواية الثلث ورواية عدل القرآن كله المذكورة في الكشاف على تقدير ثبوتها لجواز ان يقال هى عدل القرآن باعتبار ان المقصود التوحيد وما دعاه ذرائع اليه ويؤيد اعتبار الاجزاء انفسها دون الثواب ما في صحيح مسلم من طريق قتادة عن أبى الدرداء أن رسول الله صلى اله تعالى عليه وسلم قال أيعجز أحدكم ان يقرأ كل يوم ثلث القرآن قالوا نعم قال فان الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء فقل هو الله أحد ثلث القرآن وقيل المراد تعدل الثلث ثوابا بالظواهر الاحاديث وضعف ذلك ابن عقيل وقال لا يجوز أن يكون المعنى فله أجر ثلث القرآن لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات فيكون ثواب قراءة القرآن بتمامه أضعافا مضاعفة بالنسبة لثواب قراءة هذه السورة والدوانى أورد هذا اشكالا على هذا القول ثم أجاب بان للقارئ ثوابين تفصيليا بحسب قراءة الحروف وإجماليا بسب ختمه القرآن فثواب ( قل هو الله أحد ) يعدل ثلث ثواب الختم الاجمالى لا غيره ونظيره اذا عين أحد لمن يبنى له دارا في كل يوم دنانير وعين له اذا أتمه جائزة أخرى غير أجرته اليومية وفي شرح البخاري للكرمانى فان قلت المشقة في قراءة الثلث أكثر منها في قراءتها فكيف يكون حكمه حكمها قلت يكون ثواب قراءة الثلث بعشر وثواب قراءتها بقدر ثواب مرة منها لان التشبيه في الاصل دون الزائد وتسع منها في مقابلة زيادة المشقة وقال الخفاجى بعد أن قال ليس فيما ذكر ما يثلج الصدر ويطمئن له البال والذي عندي في ذلك ان للنظر في معنى كلام الله تعالى المتدبر لآياته ثوابا وللتالي له وان لم يفهمه ثواب آخر فالمراد ان من تلاها مراعيا حقوق ادائها فاهما دقيق معانيها كانت تلاوته لها مع تاملها وتدبرها تعدل ثواب تلاوة ثلث القرآن من غير نظر في معانيه أو ثلث ليس فيه ما يتعلق بمعرفة الله تعالى وتوحيده ولا بدع في أشرف المعنى اذا ضم لبعض من أشرف الالفاظ أن يعدل من جنس تلك الالفاظ مقدارا كثيرا كلوح ذهب زنته عشرة مثاقيل مرصع بانفس الجواهر يساوى ألف مثقال ذهبا فصاعدا انتهى ولا أرى له كثير امتياز على غيره مما تقدم والذي اختاره ان يقال لا مانع من ان يخص الله عز وجل بعض العبادات التي ليس فيها كثير مشقة بثواب اكثر من ثواب ما هو جنسها واشق منها بأضعاف مضاعفة وهو سبحانه الذي لا حجر عليه ولا يتناهى جوده وكرمه فلا يبعد ان يتفضل جل وعلا على قارئ القرآن بكل حرف عشر حسنات ويزيد على ذلك اضعافا مضاعفة جدا لقارئ الاخلاص بحيث يعدل ثوابه ثواب قارئ ثلث منه غير مشتمل على تلك السورة ويفوض حكمة التخصيص الى علمه سبحانه وكذا يقال في أمثالها وهذا مراد جعل ذلك من المتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه وليس هذا بأبعد ولا أبدع من تخصيص بعض الازمنة والأمكنة الماهية بان للعبادة منه ولو قليلة من الثواب ما بزيد أضعافا مضاعفة على ثواب العبادة في مجاوره مثلا ولو كثيرة بل قد خص سبحانه بعض الازمنة والأمكنة بوجوب العبادة وفي بعضها بحرمتها فيه وله سبحانه في كل ذلك من الحكم ما هو به أعلم وقال ابن عبد البر السكوت في هذه المسألة أفضل من الكلام فيها وأسلم وكذلك حديث معاوية بن معاوية الليثي الذي افتتح به الامام الكلام في هذه السورة الكريمة خرجه الطبراني وأبو يعلى من طرق كلها ضعيفة والأحاديث الصحيحة الواردة فيها تكفي في فضلها بل قيل لذلك انها أفضل سورة في القرآن ومنهم من استدل عليه بما روى الدارمى في مسنده عن أبى المغيرة عن صفوان الكلاعى قال قال رجل يا رسول الله أي سور القرآن أعظم قال قل هو الله أحد وفي المسند من طريقي معاذ بن رفاعة وأسيد بن عبد الرحمن عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الا أعلمك خير ثلاث سور أنزلت في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن العظيم قلت بلى قال فاقرأني قل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ثم قال يا عقبة لا تنساهن ولا تبت ليلة حتى تقرأهن وروى الترمذي بعض هذا الحديث وحسنه ولا يدل على أنها أفضل سور القرآن مطلقا بل على أنها من الافضل وقال ابن الحصاد العجب ممن ينكر الاختلاف في الفضل مع كثرة النصوص الواردة فيه واختلف القائلون بالتفضيل فقال بعضهم الفضل راجع إلى عظم ومضاعفة الثواب بحسب انتقالات النفس وخشيتها وتدبرها عند أوصاف العلا وقيل بل يرجع لذات اللفظ فان تضمنته سورة الإخلاص مثلا من الدلالة على الوحدانية وصفاته تعالى ليس موجودا في تبت مثلا فالتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها ونقل الحليمى عن البيهقى ان معنى التفضيل بين الآيات والسور يرجع الى أشياء أحدها أن يكون العمل بها أولى من العمل بأخرى وأعود على الناس وعلى هذا يقال في آيات الامر والنهى والوعد والوعيد خير من آيات القصص لأنه انما أريد بها تأكيد الأمر والنهى الانذار والتنشير ولا غنى للناس عن هذه الامور وقد يستغنون عن القصص فكان ما هو اعود عليهم وانفع لهم مما يجرى مجرى الاصول خير لهم مما يجعل تبعا لما لابد منه الثانى ان يقال الآيات التي تشتمل على تعديد اسماء الله تعالى وبيان صفاته والدلالة على عظمته عز وجل افضل بمعنى انها واجل قدرا مما لا تشتمل على ذلك الثالث لن يقال سورة خير من سورة أو آية خير من آية بمعنى ان القارئ يتعجل له بقراءتها فائدة سوى الثواب الآجل وبتادى منه بتلاوتها عبادة كآية الكرسي والإخلاص والمعوذتين فان قارئها يتعجل بقراءتها الاحتراز مما يخشى والاعتصام بالله تعالى ويتادى بتلاوتها عبادة الله سبحانه لما فيها من ذكره تعالى بالصفات العلا على سبيل الاعتقاد لها وسكون النفس الى فضل ذلك الذكر وبركته واما آيات الحكم فلا يقع بنفس تلاوتها اقامة حكم وانما يقع بها علم وقد يقال ان سورة افضل من سورة لان الله تعالى جعل قراءتها كقراءة اضعافها مما سواها واوجب بها من الثواب ما لم يوجب سبحانه لغيرها وان كان المعنى الذي لاجله بلغ بها هذا المقدار لا يظهر لنا وهذا نظير ما يقال في تفضيل الازمنة والامكنة بعضها على بعض على ما سمعت آنفا وبالجملة التفضيل باحد هذه الاعتبارات لا ينافي كون الكل كلام الله عز وجل ومتحد النسبة اليه سبحانه كما لا يخفي والله تعالى أعلم

{ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ } المشهور أن هو ضمير الشأن ومحله الرفع على الابتداء خبره الجملة بعده ومثلها لا يكون لها رابط لأنها عين المبتدأ في المعنى والسر في تصديرها به التنبيه من أول الأمر على فخامة مضمونها مع ما فيه من زيادة التحقيق والتقرير فإن الضمير لا يفهم منه من أول الأمر إلا شأن مبهم له خطر جليل فيبقى الذهن مترقباً لما أمامه مما يفسره ويزيل إبهامه فيتمكن عند وروده له فضل تمكن وقول الشيخ عبد القاهر في «دلائل الإعجاز » أن له مع أن حسناً بل لا يصح بدونها غير مسلم نعم قال الشهاب القاسمي أن ههنا إشكالاً لأنه إن جعل الخبر مجموع معنى الجملة المبين في باب القضية أعني مجموع الله ومعنى أحد والنسبة بينهما ففيه أن الظاهر أن ذلك المجموع ليس هو الشأن وإنما الشأن مضمون الجملة الذي هو مفرد أعني الوحدانية وإن جعل مضمون الجملة الذي هو مفرد فتخصيص عدم الرابط بالجملة المخبر بها عن ضمير الشأن غير متجه إذ كل جملة كذلك لأن الخبر لا بد من اتحاده بالمبتدأ بحسب الذات ولا يتحد به كذلك إلا مضمون الجملة الذي هو مفرد وأجيب باختيار الشق الأول كما يرشد إليه تعبيرهم عن هذا الضمير أحياناً بضمير القصة ضرورة أن مضمون الجملة الذي هو مفرد ليس بقصة وإنما القصة معناها المبين في باب القضية وأيضاً هم يعدون مثل قوله صلى الله عليه وسلم أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد من الجمل التي هي عين المبتدأ في المعنى الغير المحتاجة إلى الضمير لذلك ومن العلوم أن ما يقال ليس المضمون الذي هو مفرد بل هو الجملة بذلك المعنى ولذا تراهم يوجبون كسر همزة إن بعد القول وكذا تمثيلهم لها بنطقي الله حسبي وكفي أي منطوقي الذي أنطق به ذلك إذ من الظاهر أن ما نطق به هو الجملة بالمعنى المعروف وقد دل كلام ابن مالك في «التسهيل » على المراد يكون الجملة التي لا تحتاج إلى رابط عين المبتدأ أنها وقعت خبراً عن مفرد مدلوله جملة وهو ظاهر فيما قلنا أيضاً وكون ذلك شأنا أي عظيماً من الأمور باعتبار ما تضمنه ووصف الكلام بالعظم ومقابله بهذا الاعتبار شائع ذائع وقال العلامة أحمد الغنيمي إن أريد أنها عينه بحسب المفهوم فهو مشكل لعدم الفائد وإن أريد عينه بحسب المصدق مع الغاير في المفهوم كما هو شأن سائر الموضوعات مع محمولاتها فقد يقال إن مشكل أيضاً إذ ما صدق ضمير الشأن أعم من الله أحد والخاص لا يحمل على العام في القضايا الكلية ودعوى الجزئية في هذا المقام ينبو عنه تصريحهم بأن ضمير الشأن لا يخلو عن إبهام وبعبارة أخرى وهي أن ما صدق عليه ضمير الشأن مفرد وما صدق الجملة مركب ولا شيء من المفرد بمركب ولذا تراهم يؤولون الجملة الواقعة خبراً بمفرد صادق على المبتدأ ليصح وقوعها خبراً والتزام ذلك في الجملة الواقعة خبراً عن ضمير الشأن ينافي تصريحهم بأنها غير مؤولة بالمفرد وإن كانت في موقعه وأجيب بأن معنى قولهم هو ضمير الشأن أنه ضمير راجع إليه وموضوع موضعه وإن لم يسبق له ذكر للإيذان بأنه من الشهرة والنباهة بحيث يستحضره كل أحد وإليه يشير كل مشير وعليه يعود كل ضمير وقولهم في عد الضمائر التي ترجع إلى متأخر لفظاً ورتبة منها ضمير الشأن فإنه راجع إلى الجملة بعده مسامحة ارتكبوها لأن بيان الشأن وتعيين المراد به بها فما صدق الضمير هو بعينه ما صدق الشأن الذي عاد هو عليه فيختار الشق الثاني فإما أن يراد بالشأن الشأن المعهود ادعاء وتجعل القضية شخصية نظير هذا زيد وأما أن يراد المعنى الكلي وتجعل القضية مهملة وهي في قوة الجزئية كأنه قيل بعض الشأن الله أحد وجاء الإبهام الذي ادعى تصريحهم به من عدم تعين البعض قبل ذكر الجملة وحملها عليه وما صدق عليه الشأن كما يكون مفرداً يكون جملة فليكن هنا كذلك واستمجد الأول واحتمال الكلية مبالغة نحو كل الصيد في جوف الفرا كما ترى فليتأمل وجوزوا أن يكون هو ضمير المسؤول عنه أو المطلوب صفته أو نسبته فقد أخرج الإمام أحمد في «مسنده » والبخاري في «تاريخه » والترمذي والبغوي في «معجمه » وابن عاصم في «السنة » والحاكم وصححه وغيرهم عن أبي بن كعب أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم يا محمد أنسب لنا ربك فأنزل الله تعالى : { قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ } السورة وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني في «الأوسط » والبيهقي بسند حسن وآخرون عن جابر قال جاء إعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أنسب لنا ربك فأنزل الله تعالى : { قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ } الخ وفي المعالم عن ابن عباس أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال عامر إلام تدعونا يا محمد قال إلى الله قالا صفه لنا أمن ذهب هو أم من فضة أو من حديد أو من خشب فنزلت هذه السورة فأهلك الله تعالى أربد بالصاعقة وعامراً بالطاعون وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في «الأسماء والصفات » عن ابن عباس أن اليهود جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام منهم كعب بن الأشرف وحيى بن أخطب فقالوا يا محمد صف لنا ربك الذي بعثك فأنزل الله تعالى السورة وكون السائلين اليهود مروي عن الضحاك وابن جبير وقتادة ومقاتل وهو ظاهر في أن السورة مدنية وجاز رجوع الضمير إلى ذلك للعلم به من السؤال وجرى ذكره فيه وهو عليه مبتدأ والاسم الجليل خبره وأحد خبر بعد خبر وأجاز الزمخشري أن يكون بدلاً من الاسم الجليل على ما هو المختار من جواز إبدال النكرة من المعرفة وأن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو أحد وأجاز أبو البقاء أن يكون الاسم الأعظم بدلاً من هو وأحد خبره والله تعالى وتقدم علم على الذات الواجب الوجود كما ذهب إليه جمهور الأشاعرة وغيرهم خلافاً للمعتزلة حيث قالوا العلم في حقه سبحانه محال لأن أحداً لا يعلم ذاته تعالى المخصوص بخصوصية حتى يوضع له وإنما يعلم بمفهومات كلية منحصرة في فرد فيكون اللفظ موضوعاً لأمثال تلك المفهومات الكلية فلا يكون علماً ورد بأنه تعالى عالم بخصوصية ذاته فيجوز أن يضع لفظاً بإزائه بخصوصه فيكون علماً وهذا على مذهب القائلين بأن الواضع هو الله تعالى ظاهر إلا أنه يلزم أن يكون ما يفهم من لفظ الله غير ما وضع له إذ لا يعلم غيره تعالى خصوصية ذاته تعالى التي هي الموضوع له على هذا التقدير والقول بأنه يجوز أن يكون المفهوم الكلى آلة للوضع ويكون الموضوع له هو الخصوصية التي يصدق عليها المفهوم الكلي كما قيل في هذا ونظائره يلزم عليه أيضاً أن يكون وضع اللفظ لما لا يفهم منه فإنا لا نفهم من أسمائه تعالى إلا تلك المفهومات الكلية والظاهر أن الملائكة عليهم السلام كذلك لاحتجاب ذاته عز وجل عن غيره سبحانه ومن هنا استظهر بعض الأجلة ما نقل عن حجة الإسلام أن الأشبه أن الاسم الجليل جار في الدلالة على الموجود الحق الجامع لصفات الإلهية المنعوت بنعوت الربوبية المنفرد بالوجود الحقيقي مجرى الإعلام أي وليس بعلم وقد مر ما يتعلق بذلك أول الكتاب فارجع إليه بقي في هذا المقام بحث وهو أن الإعلام الشخصية كزيد أما أن يكون كل منها موضوعاً للشخص المعين كما هو المتبادر المشهور فإذا أخبر أحد بتولد ابن له فسماه زيداً مثلاً من غير أن يبصره يكون ذلك اللفظ اسماً للصورة الخيالية التي حصلت في مخيلته وحينئذ إذا لم يكن المولود بهذه السورة لم يكن إطلاق الاسم عليه بحسب ذلك الوضع ولو قيل بكونه موضوعاً للمفهوم الكلي المنحصر في ذلك الفرد لم يكن علماً كما سبق ثم إذا سمعنا علماً من تلك الأعلام الشخصية ولم نبصر مسماه أصلاً فإنا لا نفهم الخصوصية التي هو عليها بل ربما تخيلناه على غير ما هو عليه من الصور وإما أن يكون جميع تلك الصور الخالية موضوعاً له فيكون من قبيل الألفاظ المشتركة بين معان غير محصورة وأما أن يكون الموضوع له هو الخصوصية التي هو عليها فقط فيكون غيرها خارجاً عن الموضوع له فيكون فهم غيرها من الخصوصيات منه غلطاً فإما أن يترك دعوى كون تلك الأعلام جزئيات حقيقة ويقال إنها موضوعات للمفهومات الكلية المنحصرة في الفرد أو يلتزم أحد الاحتمالات الآخر وكلا الوجهين محل تأمل كما ترى فتأمل واحد قالوا همزته مبدلة من الواو وأصله واحد وإبدال الواو المفتوحة همزة قليل ومنه قولهم امرأة أناة يريدون وناة لأنه من الونى وهو الفتور وهذا بخلاف أحد الذي يلازم النفي ونحوه ويراد به العموم كما في قوله تعالى : { فما مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجزين } [ الحاقة : 47 ] وقوله عليه الصلاة والسلام " أحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي " وقوله تعالى : { هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مّنْ أَحَدٍ } [ مريم : 98 ] وقوله سبحانه : { فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَداً } [ الجن : 18 ] وقوله عز وجل : { وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك } [ التوبة : 6 ] فإن همزته أصلية وقيل الهمزة فيه أصلية كالهمزة في الآخرة والفرق بينهما قال الراغب أن المختص بالنفي منهما لاستغراق جنس الناطقين ويتناول القليل والكثير على طريق الاجتماع والافتراق نحو ما في الدار أحد أي لا واحد ولا اثنان فصاعداً لا مجتمعين ولا مفترقين ولهذا لم يصح استعماله في الإثبات لأن نفي المتضادين يصح ولاي صح إثباتهما فلو قيل في الدار أحد لكان فيه إثبات واحد منفرد مع إثبات ما فوق الواحد مجتمعين ومفترقين وذلك ظاهر الإحالة ولتناول ذلك ما فوق الواحد يصح أن يقال ما من أحد فاضلين وعليه الآية المذكورة آنفاً والمستعمل في الإثبات على ثلاثة أوجه الأول أن يضم إلى العشرات نحو أحد عشر واحد وعشرون والثاني أن يستعمل مضافاً أومضافاً إليه بمعنى الأول كما في قوله تعالى : { أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا } [ يوسف : 41 ] وقولهم يوم الأحد أي يوم الأول والثالث أن يستعمل مطلقاً وصفاً وليس ذلك إلا في وصف الله تعالى وهو وأن كان أصله واحداً إلا أن وحداً يستعمل في غيره سبحانه نحو قول النابغة

: كأن رحلي وقد زال النهار بنا *** بذي الجليل على مستأنس وحد

انتهى . وقال مكي أصل أحد واحد فأبدلوا الواو همزة فاجتمع ألفان لأن الهمزة تشبه الألف فحذفت إحداهما تخفيفاً وفرق ثعلب بين أحد وواحد بأن أحداً لا يبني عليه العدد ابتداء فلا يقال أحد واثنان كما يقال واحد واثنان ولا يقال رجل أحد كما يقال رجل واحد ولذلك اختص به سبحانه وفرق بعضهم بينهما أيضاً بأن الأحد في النفس نص في العموم بخلاف الواحد فإنه محتمل للعموم وغيره فيقال ما في الدار أحد ولا يقال بأن اثنان ويجوز أن يقال ما في الدار واحد بل اثنان ونقل عن بعض الحنفية أنه قال في التفرقة بينهما أن الأحدية لا تحتمل الجزئية والعددية بحال والواحدية تحتملها لأنه يقال مائة واحدة وألف واحد ولا يقال مائة أحد ولا ألف أحد وبنى على ذلك مسألة الإمام محمد بن الحسن التي ذكرها في «الجامع الكبير » إذا كان لرجل أربع نسوة فقال والله لا أقرب واحدة منكن صار مولياً منهن جميعاً ولم يجز أن يقرب واحدة منهن إلا بكفارة ولو قال والله لا أقرب أحداكن لم يصر مولياً إلا من إحداهن والبيان إليه وفرق الخطابي بأن الأحدية لتفرد الذات والواحدية لنفي المشاركة في الصفات ونقل عن المحققين التفرقة بعكس ذلك ولما لم ينفك في شأنه تعالى أحد الأمرين من الآخر قيل الواحد الأحد في حكم اسم واحد وفسر الأحد هنا ابن عباس وأبو عبيدة كما قال ابن الجوزي بالواحد وأيد بقراءة الأعمش { قُلْ هُوَ الله } الواحد وفسر بما لا يتجزأ ولا ينقسم وقال بعض الأجلة أن الواحد مقول على ما تحته بالتشكيك فالمراد به هنا حيث أطلق المتصف بالواحدية التي لا يمكن أن يكون أزيد منها ولا أكمل فهو ما يكون منزه الذات عن أنحاء التركيب والتعدد خارجاً وذهناً وما يستلزم أحدهما كالجسمية والتحيز والمشاركة في الحقيقة وخواصها كوجوب الوجود والقدرة الذاتية والحكمة التامة المقتضية للألوهية وهو مأخوذ من كلام الرئيس أبي علي بن سينا في تفسيره السورة الجليلة حيث قال إن أحداً دال على أنه تعالى واحد من جميع الوجوه وأنه لا كثرة هناك أصلاً لا كثرة معنوية وهي كثرة المقومات والأجناس والفصول وكثرة الأجزاء الخارجية المتمايزة عقلاً كما في المادة والصورة والكثرة الحسية بالقوة أو بالفعل كما في الجسم وذلك يتضمن لكونه سبحانه : منزهاً عن الجنس والفصل والمادة والصورة والأعراض والأبعاض والأعضاء والأشكال والألوان وسائر ما يثلم الوحدة الكاملة والبساطة الحقة اللائقة بكرم وجهه عز وجل عن أن يشبهه شيء أو يساويه سبحانه شيء وقال ابن عقيل الحنبلي الذي يصح لنا من القول مع إثبات الفات أنه تعالى واحد في إلهيته لا غير وقال غيره من السلفيين كالحافظ ابن رجب هو سبحانه الواحد في إلهيته وربوبيته فلا معبود ولا رب سواه عز وجل واختار بعد وصفه تعالى بما ورد له سبحانه من الصفات أن المراد الواحدية الكاملة وذلك على الوجهين كون الضمير للشأن وكونه للمسؤول عنه ولا يصح أن يراد الواحد بالعدد أصلاً إذ يخلو الكلام عليه من الفائدة وذكر بعضهم أن الاسم الجليل يدل على جميع صفات الكمال وهي الصفات الثبوتية ويقال لها صفات الإكرام أيضاً والأحد يدل على جميع صفات الجلال وهي الصفات السلبية ويتضمن الكلام على كونهما خبرين الأخبار بكون المسؤول عنه متصفاً بجميع الصفات الجلالية والكمالية وتعقب بأن الإلهية جامعة لجميع ذلك بل كل واحد من الأسماء الحسنى كذلك لأن الهوية الإلهية لا يمكن التعبير عنها لجلالتها وعظمتها إلا بأنه هو هو وشرح تلك الهوية بلوازم منها ثبوتية ومنها سلبية واسم الله تعالى متناول لهما جميعاً فهو إشارة إلى هويته تعالى والله سبحانه كالتعريف لها فلذا عقب به وكلام الرئيس ينادي بذلك وسنشير إليه إن شاء الله تعالى وقرأ عبد الله وأبي هو الله أحد بغير قل وقد اتفقوا على أنه لا بد منها في { قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون } [ الكافرون : 1 ] ولا تجوز في { تبت } فقيل لعل ذلك لأن سورة الكافرين مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم أو موادعته عليه الصلاة والسلام لهم ومثل ذلك يناسب أن يكون من الله تعالى لأنه صلى الله عليه وسلم مأمور بالإنذار والجهاد وسورة تبت معاتبة لأبي لهب والنبي عليه الصلاة والسلام على خلق عظيم وأديب جسيم فلو أمر بذلك لزم مواجهته به وهو عمه صلى الله عليه وسلم وهذه السورة توحيد وهو يناسب أن يقول به تارة ويؤمر بأن يدعو إليه أخرى وقيل في وجه قل في سورة الكافرون أن فيها ما لا يصح أن يكون من الله تعالى ك { لا أعبد ما تعبدون } [ الكافرون2 ] فلا بد فيها من ذكر قل وفيه نظر لأنه لا يلزم ذكره بهذا اللفظ فافهم وقال الدواني في وجه ترك قل في تبت لا يبعد أن يقال أن القول بمعاتبة أبي لهب إذا كان من الله تعالى كان أدخل في زجره وتفضيحه وقيل فيه رمز إلى أنه لكونه على العلات عمه صلى الله عليه وسلم لا ينبغي أن يهينه بمثل هذا الكلام إلا الذي خلقه إذ لا يبعد أن يتأذى مسلم من أقاربه لو سبه أحد غيره عز وجل فقد أخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه رضي الله تعالى عنهما قال مرت درة ابنة أبي لهب برجل فقال هذه ابنة عدو الله أبي لهب فأقبلت عليه فقالت ذكر الله تعالى أبي بنباهته وشرفه وترك أباك بجهالته ثم ذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فخطب فقال «لا يؤذين مسلم بكافر » ثم إن إثبات قل على قراءة الجمهور في المصحف والتزام قراءتها في هذه السورة ونظائرها مع أنه ليس من دأب المأمور بقل إن يتلفظ في مقام الائتمار إلا بالمقول قال الماتريدي في التأويلات لأن المأمور ليس المخاطب به فقط بل كل أحد ابتلى بما ابتلى به المأمور فأثبت ليبقى على مر الدهور منا على العباد وقيل يمكن أن يقال المخاطب بقل نفس التالي كأنه تعالى أعلم به أن كل أحد عند مقام هذا المضمون ينبغي أن يأمر نفسه بالقول به وعدم التجاوز عنه فتأمل والله تعالى الموفق