قوله تعالى { لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير } .
المسألة الأولى : في كيفية النظم وجوه الأول : قال الأصم : إنه تعالى لما جمع في هذه السورة أشياء كثيرة من علم الأصول ، وهو دليل التوحيد والنبوة ، وأشياء كثيرة من علم الأصول ببيان الشرائع والتكاليف ، وهي في الصلاة ، والزكاة ، والقصاص ، والصوم ، والحج ، والجهاد ، والحيض ، والطلاق ، والعدة ، والصداق ، والخلع ، والإيلاء ، والرضاع ، والبيع ، والربا ، وكيفية المداينة ختم الله تعالى هذه السورة بهذه الآية على سبيل التهديد .
وأقول إنه قد ثبت أن الصفات التي هي كمالات حقيقية ليست إلا القدرة والعلم ، فعبر سبحانه عن كمال القدرة بقوله { لله ما في السماوات وما في الأرض } ملكا وملكا ، وعبر عن كمال العلم المحيط بالكليات والجزئيات بقوله { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } وإذا حصل كمال القدرة والعلم ، فكان كل من في السماوات والأرض عبيدا مربوبين وجدوا بتخليقه وتكوينه كان ذلك غاية الوعد للمطيعين ، ونهاية الوعيد للمذنبين ، فلهذا السبب ختم الله هذه السورة بهذه الآية .
والوجه الثاني : في كيفية النظم ، قال أبو مسلم : إنه تعالى لما قال في آخر الآية المتقدمة { والله بما تعملون عليم } [ البقرة : 283 ] ذكر عقيبه ما يجري مجرى الدليل العقلي فقال : { لله ما في السماوات وما في الأرض } ومعنى هذا الملك أن هذه الأشياء لما كانت محدثة فقد وجدت بتخليقه وتكوينه وإبداعه ومن كان فاعلا لهذه الأفعال المحكمة المتقنة العجيبة الغريبة المشتملة على الحكم المتكاثرة والمنافع العظيمة لا بد وأن يكون عالما بها إذ من المحال صدور الفعل المحكم المتقن عن الجاهل به ، فكان الله تعالى احتج بخلقه السماوات والأرض مع ما فيهما من وجوه الإحكام والإتقان على كونه تعالى عالما بها محيطا بأجزائها وجزئياتها .
الوجه الثالث : في كيفية النظم ، قال القاضي : إنه تعالى لما أمر بهذه الوثائق أعني الكتبة والإشهاد والرهن ، فكان المقصود من الأمر بها صيانة الأموال ، والاحتياط في حفظها بين الله تعالى أنه إنما المقصود لمنفعة ترجع إلى الخلق لا لمنفعة تعود إليه سبحانه منها فإنه له ملك السماوات والأرض .
الوجه الرابع : قال الشعبي وعكرمة ومجاهد : إنه تعالى لما نهى عن كتمان الشهادة وأوعد عليه بين أنه له ملك السماوات والأرض فيجازي على الكتمان والإظهار .
المسألة الثانية : احتج الأصحاب بقوله { لله ما في السماوات وما في الأرض } على أن فعل العبد خلق الله تعالى ، لأنه من جملة ما في السماوات والأرض بدليل صحة الاستثناء ، واللام في قوله { لله } ليس لام الغرض ، فإنه ليس غرض الفاسق من فسقه طاعة الله ، فلا بد وأن يكون المراد منه لام الملك والتخليق .
المسألة الثالثة : احتج الأصحاب بهذه الآية على أن المعدوم ليس بشيء لأن من جملة ما في السماوات والأرض حقائق الأشياء وماهياتها فهي لا بد وأن تكون تحت قدرة الله سبحانه وتعالى وإنما تكون الحقائق والماهيات تحت قدرته لو كان قادرا على تحقيق تلك الحقائق ، وتكوين تلك الماهيات ، فإذا كان كذلك كانت قدرة الله تعالى مكونة للذوات ، ومحققة للحقائق ، فكان القول بأن المعدوم شيء باطلا .
ثم قال تعالى : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } يروى عن ابن عباس أنه قال : لما نزلت هذه الآية جاء أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ وناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا رسول الله كلفنا من العمل ما لا نطيق إن أحدنا ليحدث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه ، وإن له الدنيا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « فلعلكم تقولون كما قال بنو إسرائيل سمعنا وعصينا قولوا : سمعنا وأطعنا » ، فقالوا سمعنا وأطعنا ، واشتد ذلك عليهم فمكثوا في ذلك حولا فأنزل الله تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } [ البقرة : 286 ] فنسخت هذه الآية ، فقال صلى الله عليه وسلم : « إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثوا به أنفسهم ما لم يعملوا أو يتكلموا به » .
واعلم أن محل البحث في هذه الآية أن قوله { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } يتناول حديث النفس ، والخواطر الفاسدة التي ترد على القلب ، ولا يتمكن من دفعها ، فالمؤاخذة بها تجري مجرى تكليف ما لا يطاق ، والعلماء أجابوا عنه من وجوه :
الوجه الأول : أن الخواطر الحاصلة في القلب على قسمين ، فمنها ما يوطن الإنسان نفسه عليه ويعزم على إدخاله في الوجود ، ومنها ما لا يكون كذلك بل تكون أمورا خاطرة بالبال مع أن الإنسان يكرهها ولكنه لا يمكنه دفعها عن النفس ، فالقسم الأول : يكون مؤاخذا به ، والثاني : لا يكون مؤاخذا به ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } [ البقرة : 225 ] وقال في آخر هذه السورة { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } [ البقرة : 286 ] وقال : { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين ءامنوا } [ النور : 19 ] هذا هو الجواب المعتمد .
والوجه الثاني : أن كل ما كان في القلب مما لا يدخل في العمل ، فهو في محل العفو وقوله { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } فالمراد منه أنه يدخل ذلك العمل في الوجود إما ظاهرا وإما على سبيل الخفية وأما ما وجد في القلب من العزائم والإرادات ولم يتصل بالعمل فكل ذلك في محل العفو وهذا الجواب ضعيف ، لأن أكثر المؤاخذات إنما تكون بأفعال القلوب ألا ترى أن اعتقاد الكفر والبدع ليس إلا من أعمال القلوب : وأعظم أنواع العقاب مرتب عليه ، وأيضا فأفعال الجوارح إذا خلت عن أفعال القلوب لا يترتب عليها عقاب كأفعال النائم والساهي فثبت ضعف هذا الجواب .
والوجه الثالث في الجواب : أن الله تعالى يؤاخذه بها لكن مؤاخذتها هي الغموم والهموم في الدنيا ، روى الضحاك عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ما حدث العبد به نفسه من شر كانت محاسبة الله عليه بغم يبتليه به في الدنيا أو حزن أو أذى ، فإذا جاءت الآخرة لم يسأل عنه ولم يعاقب عليه ، وروت أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فأجابها بما هذا معناه .
فإن قيل : المؤاخذة كيف تحصل في الدنيا مع قوله تعالى : { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت } [ غافر : 17 ] .
قلنا : هذا خاص فيكون مقدما على ذلك العام .
الوجه الرابع في الجواب : أنه تعالى قال : { يحاسبكم به الله } ولم يقل : يؤاخذكم به الله وقد ذكرنا في معنى كونه حسيبا ومحاسبا وجوها كثيرة ، وذكرنا أن من جملة تفاسيره كونه تعالى عالما بها ، فرجع معنى هذه الآية إلى كونه تعالى عالما بكل ما في الضمائر والسرائر ، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : إن الله تعالى إذا جمع الخلائق يخبرهم بما كان في نفوسهم ، فالمؤمن يخبره ثم يعفو عنه ، وأهل الذنوب يخبرهم بما أخفوا من التكذيب والذنب .
الوجه الخامس في الجواب : أنه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله { فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } فيكون الغفران نصيبا لمن كان كارها لورود تلك الخواطر ، والعذاب يكون نصيبا لمن يكون مصرا على تلك الخواطر مستحسنا لها .
الوجه السادس : قال بعضهم : المراد بهذه الآية كتمان الشهادة ، وهو ضعيف ، لأن اللفظ عام ، وإن كان واراه عقيب تلك القضية لا يلزم قصره عليه .
الوجه السابع في الجواب : ما روينا عن بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة بقوله { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } [ البقرة : 286 ] وهذا أيضا ضعيف لوجوه أحدها : أن هذا النسخ إنما يصح لو قلنا : أنهم كانوا قبل هذا النسخ مأمورين بالاحتراز عن تلك الخواطر التي كانوا عاجزين عن دفعها ، وذلك باطل ، لأن التكليف قط ما ورد إلا بما في القدرة ، ولذلك قال عليه السلام : « بعثت بالحنيفية السهلة السمحة » والثاني : أن النسخ إنما يحتاج إليه لو دلت الآية على حصول العقاب على تلك الخواطر ، وقد بينا أن الآية لا تدل على ذلك والثالث : أن نسخ الخبر لا يجوز إنما الجائز هو نسخ الأوامر والنواهي .
واعلم أن الناس اختلافا في أن الخبر هل ينسخ أم لا ؟ وقد ذكرنا في أصول الفقه ، والله أعلم .
ثم قال : { فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : الأصحاب قد احتجوا بهذه الآية على جواز غفران ذنوب أصحاب الكبائر وذلك لأن المؤمن المطيع مقطوع بأنه يثاب ولا يعاقب ، والكافر مقطوع بأنه يعاقب ولا يثاب ، وقوله { فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } رفع للقطع واحد من الأمرين ، فلم يبق إلا أن يكون ذلك نصيبا للمؤمن يرثه المذنب بأعماله .
المسألة الثانية : قرأ عاصم وابن عامر ( فيغفر ، ويعذب ) برفع الراء والباء ، وأما الباقون فبالجزم أما الرفع فعلى الاستئناف ، والتقدير : فهو يغفر ، وأما الجزم فبالعطف على يحاسبكم ونقل عن أبي عمرو أنه أدغم الراء في اللام في قوله { يغفر لمن يشاء } قال صاحب «الكشاف » : إنه لحن ونسبته إلى أبي عمرو كذب ، وكيف يليق مثل هذا اللحن بأعلم الناس بالعربية .
ثم قال : { والله على كل شيء قدير } وقد بين بقوله { لله ما في السماوات وما في الأرض } أنه كامل الملك والملكوت ، وبين بقوله { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } أنه كامل العلم والإحاطة ، ثم بين بقوله { والله على كل شيء قدير } أنه كامل القدرة مستولي على كل الممكنات بالقهر والقدرة والتكوين والإعدام ولا كمال أعلى وأعظم من حصول الكمال في هذه الصفات والموصوف بهذه الكمالات يجب على كل عاقل أن يكون عبدا منقادا له ، خاضعا لأوامره ونواهيه محترزا عن سخطه ونواهيه ، وبالله التوفيق .
ثم يستمر السياق في توكيد هذه الإشارة ، واستجاشة القلب للخوف من مالك السماوات والأرض وما فيهما ، العليم بمكنونات الضمائر خفيت أم ظهرت ، المجازي عليها ، المتصرف في مصائر العباد بما يشاء من الرحمة والعذاب ، القدير على كل شيء تتعلق به مشيئته بلا تعقيب !
( لله ما في السماوات وما في الأرض . وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ، فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ، والله على كل شيء قدير ) .
وهكذا يعقب على التشريع المدني البحت بهذا التوجيه الوجداني البحت ؛ ويربط بين التشريعات للحياة وخالق الحياة ، بذلك الرباط الوثيق ، المؤلف من الخوف والرجاء في مالك الأرض والسماء . فيضيف إلى ضمانات التشريع القانونية ضمانات القلب الوجدانية . . وهي الضمان الوثيق المميز لشرائع الإسلام في قلوب المسلمين في المجتمع المسلم . . وهي والتشريع في الإسلام متكاملان . فالإسلام يصنع القلوب التي يشرع لها ؛ ويصنع المجتمع الذي يقنن له . صنعة إلهية متكاملة متناسقة . تربية وتشريع . وتقوى وسلطان . . ومنهج للإنسان من صنع خالق الإنسان . فأنى تذهب شرائع الأرض ، وقوانين الأرض ، ومناهج الأرض ؟ أنى تذهب نظرة إنسان قاصر ، محدود العمر ، محدود المعرفة ، محدود الرؤية ، يتقلب هواه هنا وهناك ، فلا يستقر على حال ، ولا يكاد يجتمع اثنان منه على رأي ، ولا على رؤية ، ولا على إدراك ؟ وأنى تذهب البشرية شاردة عن ربها . ربها الذي خلق ، والذي يعلم من خلق ، والذي يعلم ما يصلح لخلقه ، في كل حالة وفي كل آن ؟
ألا إنها الشقوة للبشرية في هذا الشرود عن منهج الله وشرعه . الشقوة التي بدأت في الغرب هربا من الكنيسة الطاغية الباغية هناك ؛ ومن إلهها الذي كانت تزعم أنها تنطق باسمه وتحرم على الناس أن يتفكروا وأن يتدبروا ؛ وتفرض عليهم باسمه الإتاوات الباهظة والاستبداد المنفر . . فلما هم الناس أن يتخلصوا من هذا الكابوس ، تخلصوا من الكنيسة وسلطانها . ولكنهم لم يقفوا عند حد الاعتدال ، فتخلصوا كذلك من إله الكنيسة وسلطانه ! ثم تخلصوا من كل دين يقودهم في حياتهم الأرضية بمنهج الله . . وكانت الشقوة وكان البلاء ! !
فأما نحن - نحن الذين نزعم الإسلام - فما بالنا ؟ ما بالنا نشرد عن الله ومنهجه وشريعته وقانونه ؟ ما بالنا وديننا السمح القويم لم يفرض علينا إلا كل ما يرفع عنا الأغلال ، ويحط عنا الأثقال ، ويفيض علينا الرحمة والهدى واليسر والاستقامة على الطريق المؤدي إليه وإلى الرقي والفلاح ؟ !
{ لّلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا في الأرض } من الأمور الداخلة في حقيقتهما والخارجة عنهما كيف كانت أي كلها ملك له تعالى ومختصة به فله أن يلزم من شاء من مملوكاته بما شاء من تكليفاته ، وليس لأحد أن يقول المال مالي أتصرف به كيف شئت ، ومن الناس من جعل هذه الجملة كالدليل لما قبلها { وَإِن تُبْدُواْ } أي تظهروا للناس { مَا فِي أَنفُسِكُمْ } أي ما حصل فيها حصولاً أصلياً بحيث يوجب اتصافها به كالملكات الرديئة والأخلاق الذميمة كالحسد والكبر والعجب والكفران وكتمان الشهادة { أَوْ تُخْفُوهُ } بأن لا تظهروه .
{ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله } أي يجازيكم به يوم القيامة ، وأما تصور المعاصي والأخلاق الذميمة فهو لعدم إيجابه اتصاف النفس به لا يعاقب عليه ما لم يوجد في الأعيان ، وإلى هذا الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم : " إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم " أي إن الله تعالى لا يعاقب أمتي على تصور المعصية وإنما يعاقب على عملها ، فلا منافاة بين الحديث والآية خلافاً لمن توهم ذلك ووقع في حيص بيص لدفعه . ولا يشكل على هذا أنهم قالوا : إذا وصل التصور إلى حد التصميم والعزم يؤاخذ به لقوله تعالى : { ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } [ البقرة : 225 ] لأنا نقول : المؤاخذة بالحقيقة على تصميم العزم على إيقاع المعصية في الأعيان وهو أيضاً من الكيفيات النفسانية التي تلحق بالملكات ولا كذلك سائر ما يحدث في النفس ونظمه بعضهم بقوله :
مراتب القصد خمس هاجس ذكروا *** فخاطر فحديث النفس فاستمعا
يليه هم فعزم كلها رفعت *** سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعا
فالآية على ما قررنا محكمة ، وادعى بعضهم أنها منسوخة محتجاً بما أخرجه أحمد ومسلم عن أبي هريرة قال : «لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم { وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ } الآية اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جثوا على الركب فقالوا : يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصوم والجهاد والصدقة وقد أنزل الله تعالى عليك هذه الآية ولا نطيقها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قلبكم : سمعنا وعصينا ؟ بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير » فلما اقترأها القوم وزلت بها ألسنتهم أنزل الله تعالى في إثرها { آمن الرسول } [ البقرة : 285 ] الآية ، فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل سبحانه { لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } [ البقرة : 286 ] الخ ، وصح مثل ذلك عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وابن مسعود وعائشة رضي الله تعالى عنهم ، وأخرج البخاري عن مروان الأصغر عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسبه ابن عمر { إِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } قال : نسختها الآية التي بعدها ، وعلى هذا لا يحتاج إلى التوفيق بين الآية وذلك الحديث الصحيح بوجه ، ويكون الحديث إخباراً عما كان بعد النسخ ، واستشكل ذلك بأن النسخ مختص بالإنشاء ولا يجري في الخبر والآية الكريمة من القسم الثاني .
ومن هنا قال الطبرسي : وأخطأ أن الروايات في النسخ كلها ضعيفة ، وأجيب بأن النسخ لم يتوجه إلى مدلول الخبر نفسه سواء قلنا إنه مما يتغير كإيمان زيد وكفر عمرو أم لا كوجود الصانع وحدوث العالم بل إن النهي المفهوم منه كما يدل عليه قول الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم : «كلفنا من الأعمال ما نطيق وقد أنزل الله تعالى عليك هذه الآية ولا نطيقها » فإن ذلك صريح في أنهم فهموا من الآية تكليفاً ، والحكم الشرعي المفهوم من/ الخبر يجوز نسخه بالاتفاق كما يدل عليه كلام العضد وغيره ؛ وبعض من ادعى أن الآية محكمة وتوقف في قبول هذا الجواب ذهب إلى أن المراد من النسخ البيان وإيضاح المراد مجازاً كما مرت الإشارة إليه عند قوله تعالى : { فاعفوا واصفحوا } [ البقرة : 109 ] كأنه قيل : كيف يحمل { مَا فِي أَنفُسِكُمْ } على ما يعم الوساوس الضرورية وهو يستلزم التكليف بما ليس في الوسع والله لا يكلف نفساً إلا وسعها ، واعترض هذا بأنه على بعده يستلزم أنه صلى الله عليه وسلم أقر الصحابة على ما فهموه وهو بمعزل عن مراد الله تعالى ولم يبينه لهم مع ما هم فيه من الاضطراب والوجل الذي جثوا بسببه على الركب حتى نزلت الآية الأخرى ، ويمكن أن يجاب على بعد بأنه لا محذور في هذا اللازم ويلتزم بأنه من قبيل إقراره صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حين فسر الرؤيا بين يديه عليه الصلاة والسلام وقال : «أخطأت أم أصبت يا رسول الله ؟ فقال له صلى الله عليه وسلم : أصبت بعضها وأخطأت بعضها » ولم يبين له فيما أصاب وفيما أخطأ لأمر ما ، ولعله هنا ابتلاؤهم وأن يمحص ما في صدورهم ، وهذا على العلات أولى من حمل النسخ على التخصيص لاستلزامه مع ما فيه وقوع التكليف بما لا يطاق كما لا يخفى ، وقيل : معنى الآية إن تعلنوا ما في أنفسكم من السوء ، أو لم تعلنوه بأن تأتوا به خفية يعاقبكم الله تعالى عليه ، ويؤول إلى قولنا أن تدخلوا الأعمال السيئة في الوجود ظاهراً أو خفية يحاسبكم بها الله تعالى أو إن تظهروا ما في أنفسكم من كتمان الشهادة بأن تقولوا لرب الشهادة عندنا شهادة ولكن نكتمها ولا نؤديها لك عند الحكام ، أو تخفوه بأن تقولوا له ليس في علمنا خبر ما تريد أن نشهد به وأنتم كاذبون في ذلك يحاسبكم به الله ، وأيد هذا بما أخرجه سعيد بن منصور ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه في الآية الكريمة قال : نزلت في الشهادة ، وقيل : الآية على ظاهرها ، و{ مَا فِي أَنفُسِكُمْ } على عمومه الشامل لجميع الخواطر إلا أن معنى { يُحَاسِبْكُم } يخبركم به الله تعالى يوم القيامة ، وقد عدوا من جملة معنى الحسيب العليم ، وجميع هذه الأقوال لا تخلوا عن نظر فتدبر .
وارجع إلى ذهنك فلا إخالك تجد فوق ما ذكرناه أو مثله في كتاب . وتقديم الجار والمجرور على الفاعل للاعتناء به ، وأما تقديم الإبداء على الإخفاء على عكس ما في قوله تعالى : { قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا في أَنفُسَكُمْ أَوِ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ الله } فلما قيل : إن المعلق بما في أنفسهم هنا المحاسبة والأصل فيها الأعمال البادية ، وأما العلم فتعلقه بها كتعلقه بالأعمال الخافية ولا يختلف الحال عليه تعالى بين الأشياء البارزة والكامنة بل لا كامن بالنسبة إليه سبحانه خلا أن مرتبة الإخفاء متقدمة على مرتبة الإبداء ما من شيء يبدو إلا وهو أو مباديه قبل ذلك مضمر في النفس فتعلق علمه تعالى بحالته الأولى متقدم على تعلق علمه بحالته الثانية .
{ فَيَغْفِرُ } بالرفع على الاستئناف أي فهو يغفر بفضله { لِمَن يَشَاء } أن يغفر له من عباده { وَيُعَذّبَ } بعَدْلِهِ . { مَن يَشَآء } أن يعذبه من عباده ، وتقديم المغفرة على التعذيب لتقدم رحمته على غضبه ، وقرأ غير ابن عامر ، وعاصم ، ويعقوب بجزم الفعلين عطفاً على جواب الشرط ، وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بنصبهما بإضمار أن وتكون هي وما في حيزها بتأويل مصدر معطوف على المصدر المتوهم من الفعل السابق ، والتقدير تكن محاسبة فغفران وعذاب ، ومن القواعد المطردة أنه إذا وقع بعد جزاء الشرط فعل بعد واو أو فاء جاء فيه الأوجه الثلاثة وقد أشار لها ابن مالك :
والفعل من بعد الجزا إن يقترن *** بالفاء أو الواو بتثليث قمن
/وقرأ ابن مسعود يغفر ، ويعذب بالجزم بغير فاء ووجهه عند القائل بجواز تعدد الجزاء كالخبر ظاهر وأما عند غيره فالجزم على أنهما بدل من { يُحَاسِبْكُم } بدل البعض من الكل أو الاشتمال ، فإن كلا من المغفرة والتعذيب بعض من الحساب المدلول عليه بيحاسبكم ومطلق الحساب جامع لهما فإن اعتبر جمعه لهما على طريق اشتمال الكل على الأجزاء يكون بدل البعض من الكل وإن اعتبر على طريق الشمول كشمول الكلي لأفراده يكون بدل اشتمال كذا قيل ، وقيل : إن أريد بيحاسبكم معناه الحقيقي فالبدل بدل اشتمال كأحب زيداً علمه وإن أريد به المجازاة فالبدل بدل بعض كضربت زيداً رأسه . وقيل : غير ذلك ، وذهب أبو حيان إلى تعين الاشتمال قال : ووقوعه في الأفعال صحيح لأن الفعل يدل على جنس تحته أنواع يشتمل عليها ولذلك إذا وقع عليه النفي انتفت جميع أنواع ذلك الجنس ، وأما بدل البعض من الكل فلا يمكن في الفعل إذ الفعل لا يقبل التجزي ، فلا يقال فيه له كل وبعض إلا بمجاز بعيد ، واعترضه الحلبي بأنه ليس بظاهر لأن الكلية والبعضية صادقتان على الجنس ونوعه فإن الجنس كل والنوع بعض فالصحيح وقوع النوعين في الفعل وقد قيل بهما في قوله :
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا *** تجد خير نار عندها خير موقد
فإنهم جعلوا الإلمام بدلاً من الإتيان إما بدل بعض ؛ لأنه إتيان لا توقف فيه فهو بعضه أو اشتمال لأنه نزول خفيف ، وروي عن أبي عمرو إدغام الراء في اللام ، وطعن الزمخشري على عادته في الطعن في القراءات السبع إذا لم تكن على قواعد العربية ومن قواعدهم أن الراء لا تدغم إلا في الراء لما فيها من التكرار الفائت بالإدغام في اللام وقد يجاب بأن القراءات السبع متواترة والنقل بالمتواتر إثبات علمي ، وقول النحاة نفي ظني ولو سلم عدم التواتر فأقل الأمر أن تثبت لغة بنقل العدول وترجح بكونه إثباتاً ، ونقل إدغام الراء في اللام عن أبي عمرو من الشهرة والوضوح بحيث لا مدفع له وممن روى ذلك عنه أبو محمد اليزيدي وهو إمام في النحو إمام في القراءات إمام في اللغات ، ووجهه من حيث التعليل ما بينهما من شدة التقارب حتى كأنهما مثلان بدليل لزوم إدغام اللام في الراء في اللغة الفصيحة إلا أنه لمح تكرار الراء فلم يجعل إدغامه في اللام لازماً على أن منع إدغام الراء في اللام مذهب البصريين ، وقد أجازه الكوفيون وحكوه سماعاً ، منهم الكسائي ، والفراء ، وأبو جعفر الرواسي ، ولسان العرب ليس محصوراً فيما نقله البصريون فقط ، والقراء من الكوفيين ليسوا بمنحطين عن قراء البصرة وقد أجازوه عن العرب فوجب قبوله والرجوع فيه إلى علمهم ونقلهم إذ من علم حجة على من لم يعلم .
{ والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } تذييل مقرر لمضمون ما قبله ، فإن كمال قدرته تعالى على جميع الأشياء موجب لقدرته على ما ذكر من المحاسبة وما فرع عليه من المغفرة والتعذيب ، وفي الآية دليل لأهل السنة في نفي وجوب التعذيب حيث علق بالمشيئة واحتمال أن تلك المشيئة واجبة كمن يشاء صلاة الفرض فإنه لا يقتضي عدم الوجوب خلاف الظاهر .
( ومن باب الإشارة ) في هذه الآيات : { للَّهِ مَا في السموات } أي العوالم الروحانية كلها ، وما استتر في أستار غيوبه وخزائن علمه { وَمَا في الأرض } أي العالم الجسماني والظواهر المشاهدة التي هي مظاهر الأسماء والأفعال { وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ } يشهده بأسمائه وظواهره فيحاسبكم به وإن تخفوه يشهده بصفاته وبواطنه ويحاسبكم به فيغفر لكم لمن يشاء لتوحيده وقوة يقينه وعروض سيآته وعدم رسوخها في ذاته { وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } لفساد اعتقاده ووجود شكه ، أو رسوخ سيآته في نفسه { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } [ البقرة : 284 ] لأن به ظهور كل ظاهر وبطون كل باطن فيقدر على المغفرة والتعذيب .