مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعۡبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرۡفٖۖ فَإِنۡ أَصَابَهُۥ خَيۡرٌ ٱطۡمَأَنَّ بِهِۦۖ وَإِنۡ أَصَابَتۡهُ فِتۡنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ} (11)

قوله تعالى : { ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير } .

القراءة : قرئ { خاسر الدنيا والآخرة } بالنصب والرفع فالنصب على الحال والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، وفي حرف عبد الله { من ضره } بغير لام ، واعلم أنه تعالى لما بين حال المظهرين للشرك المجادلين فيه على ما ذكرنا عقبه بذكر المنافقين فقال : { ومن الناس من يعبد الله على حرف } وفي تفسير الحرف وجهان . الأول : ما قاله الحسن وهو أن المرء في باب الدين معتمده القلب واللسان فهما حرفا الدين ، فإذا وافق أحدهما الآخر فقد تكامل في الدين وإذا أظهر بلسانه الدين لبعض الأغراض وفي قلبه النفاق جاز أن يقال فيه على وجه الذم يعبد الله على حرف الثاني : قوله : { على حرف } أي على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه ، وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم لا على سكون طمأنينة كالذي يكون على طرف من العسكر فإن أحس بغنيمة قر واطمأن وإلا فر وطار على وجهه . وهذا هو المراد { فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه } لأن الثبات في الدين إنما يكون لو كان الغرض منه إصابة الحق وطاعة الله والخوف من عقابه فأما إذا كان غرضه الخير المعجل فإنه يظهر الدين عند السراء ويرجع عنه عند الضراء فلا يكون إلا منافقا مذموما وهو مثل قوله تعالى : { مذبذبين بين ذلك } وكقوله : { فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم } .

المسألة الثانية : قال الكلبي : نزلت هذه الآية في أعراب كانوا يقدمون على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة مهاجرين من باديتهم فكان أحدهم إذا صح بها جسمه ونتجت فرسه مهرا حسنا وولدت امرأته غلاما وكثر ماله وماشيته رضي به واطمأن إليه وإن أصابه وجع وولدت امرأته جارية أو أجهضت رماكه{[8]} وذهب ماله وتأخرت عنه الصدقة أتاه الشيطان وقال له ما جاءتك هذه الشرور إلا بسبب هذا الدين فينقلب عن دينه . وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير والحسن ومجاهدة وقتادة وثانيها : وهو قول الضحاك نزلت في المؤلفة قلوبهم ، منهم عيينة بن بدر والأقرع بن حابس والعباس بن مرداس قال بعضهم لبعض ندخل في دين محمد فإن أصبنا خيرا عرفنا أنه حق ، وإن أصبنا غير ذلك عرفنا أنه باطل وثالثها : قال أبو سعيد الخدري : «أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله وولده فقال يا رسول الله أقلني فإني لم أصب من ديني هذا خيرا ، ذهب بصري وولدي ومالي . فقال صلى الله عليه وسلم : «إن الإسلام لا يقال ، إن الإسلام ليسبك كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة » فنزلت هذه الآية .

وأما قوله : { وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه } ففيه سؤالات الأول : كيف قال : { وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه } والخير أيضا فتنة لأنه امتحان وقال تعالى : { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } ، والجواب : مثل هذا كثير في اللغة لأن النعمة بلاء وابتلاء لقوله : { فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه } ولكن إنما يطلق اسم البلاء على ما يثقل على الطبع ، والمنافق ليس عنده الخير إلا الخير الدنيوي ، وليس عنده الشر إلا الشر الدنيوي ، لأنه لا دين له . فلذلك وردت الآية على ما يعتقدونه ، وإن كان الخير كله فتنة ، لكن أكثر ما يستعمل فيما يشتد ويثقل .

السؤال الثاني : إذا كانت الآية في المنافق فما معنى قوله : { انقلب على وجهه } وهو في الحقيقة لم يسلم حتى ينقلب ويرتد ؟ والجواب : المراد أنه أظهر بلسانه خلاف ما كان أظهره فصار يذم الدين عند الشدة وكان من قبل يمدحه وذلك انقلاب في الحقيقة .

السؤال الثالث : قال مقاتل : الخير هو ضد الشر فلما قال : { فإن أصابه خير اطمأن به } كان يجب أن يقول : وإن أصابه شر انقلب على وجهه الجواب : لما كانت الشدة ليست بقبيحة لم يقل تعالى وإن أصابه شر بل وصفه بما لا يفيد فيه القبح .

أما قوله تعالى : { خسر الدنيا والآخرة } فذلك لأنه يخسر في الدنيا العزة والكرامة وإصابة الغنيمة وأهلية الشهادة والإمامة والقضاء ولا يبقى ماله ودمه مصونا ، وأما في الآخرة فيفوته الثواب الدائم ويحصل له العقاب الدائم { وذلك هو الخسران المبين } .


[8]:الرماك جمع رمكة وهي الفرس أنثى الحصان، والبرذونة أنثى الحمار، تتخذ للنسل والنتاج، وتجمع على أرماك أيضا.
 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعۡبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرۡفٖۖ فَإِنۡ أَصَابَهُۥ خَيۡرٌ ٱطۡمَأَنَّ بِهِۦۖ وَإِنۡ أَصَابَتۡهُ فِتۡنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ} (11)

ويمضي السياق إلى نموذج آخر من الناس - إن كان يواجه الدعوة يومذاك فهو نموذج مكرور في كل جيل - ذلك الذي يزن العقيدة بميزان الربح والخسارة ؛ ويظنها صفقة في سوق التجارة :

( ومن الناس من يعبد الله على حرف ، فإن أصابه خير اطمأن به ، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة . ذلك هو الخسران المبين . يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه . ذلك هو الضلال البعيد . يدعو لمن ضره أقرب من نفعه . لبئس المولى ولبئس العشير ) . .

إن العقيدة هي الركيزة الثابتة في حياة المؤمن ، تضطرب الدنيا من حوله فيثبت هو على هذه الركيزة ونتجاذبه الأحداث والدوافع فيتشبث هو بالصخرة التي لا تتزعزع ؛ وتتهاوى من حوله الأسناد فيستند هو إلى القاعدة التي لا تحول ولا تزول .

هذه قيمة العقيدة في حياة المؤمن . ومن ثم يجب أن يستوي عليها ، متمكنا منها ، واثقا بها ، لا يتلجلج فيها ، ولا ينتظر عليها جزاء ، فهي في ذاتها جزاء . ذلك أنها الحمى الذي يلجأ إليه ، والسند الذي يستند عليه . أجل هي في ذاتها جزاء على تفتح القلب للنور ، وطلبه للهدى . ومن ثم يهبه الله العقيدة ليأوي إليها ، ويطمئن بها . هي في ذاتها جزاء يدرك المؤمن قيمته حين يرى الحيارى الشاردين من حوله ، تتجاذبهم الرياح ، وتتقاذفهم الزوابع ، ويستبد بهم القلق . بينما هو بعقيدته مطمئن القلب ، ثابت القدم ، هادى ء البال ، موصول بالله ، مطمئن بهذا الاتصال .

أما ذلك الصنف من الناس الذي يتحدث عنه السياق فيجعل العقيدة صفقة في سوق التجارة : ( فإن أصابه خير اطمأن به )وقال : إن الإيمان خير . فها هو ذا يجلب النفع ، ويدر الضرع ، وينمي الزرع ، ويربح التجارة ، ويكفل الرواج ( وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ) . . خسر الدنيا بالبلاء الذي أصابه فلم يصبر عليه ، ولم يتماسك له ، ولم يرجع إلى الله فيه . وخسر الآخرة بانقلابه على وجهه ، وانكفائه عن عقيدته ، وانتكاسه عن الهدى الذي كان ميسرا له .

والتعبير القرآني يصوره في عبادته لله ( على حرف )غير متمكن من العقيدة ، ولا متثبت في العبادة . يصوره في حركة جسدية متأرجحة قابلة للسقوط عند الدفعة الأولى . ومن ثم ينقلب على وجهه عند مس الفتنة ، ووقفته المتأرجحة تمهد من قبل لهذا الانقلاب !

إن حساب الربح والخسارة يصلح للتجارة ، ولكنه لا يصلح للعقيدة . فالعقيدة حق يعتنق لذاته ، بانفعال القلب المتلقي للنور والهدى الذي لا يملك إلا أن ينفعل بما يتلقى . والعقيدة تحمل جزاءها في ذاتها ، بما فيها من طمأنينة وراحة ورضى ، فهي لا تطلب جزاءها خارجا عن ذاتها .

والمؤمن يعبد ربه شكرا له على هدايته إليه ، وعلى اطمئنانه للقرب منه والأنس به . فإن كان هنالك جزاء فهو فضل من الله ومنة . استحقاقا على الإيمان أو العبادة !

والمؤمن لا يجرب إلهه . فهو قابل ابتداء لكل ما يقدره له ، مستسلم ابتداء لكل ما يجربه عليه راض ابتداء بكل ما يناله من السراء والضراء . وليست هي صفقة في السوق بين بائع وشار ، إنما هي إسلام المخلوق للخالق ، صاحب الأمر فيه ، ومصدر وجوده من الأساس .

والذي ينقلب على وجهه عند مس الفتنة يخسر الخسارة التي لا شبهة فيها ولا ريب : ( ذلك هو الخسران المبين ) . . يخسر الطمأنينة والثقة والهدوء والرضى . إلى جوار خسارة المال أو الولد ، أو الصحة ، او أعراض الحياة الأخرى التي يفتن الله بها عباده ، ويبتلي بها ثقتهم فيه ، وصبرهم على بلائه ، وإخلاصهم أنفسهم له ، واستعدادهم لقبول قضائه وقدره . . ويخسر الآخرة وما فيها من نعيم وقربى ورضوان . فيا له من خسران !

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعۡبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرۡفٖۖ فَإِنۡ أَصَابَهُۥ خَيۡرٌ ٱطۡمَأَنَّ بِهِۦۖ وَإِنۡ أَصَابَتۡهُ فِتۡنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ} (11)

{ وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ } شروع في حال المذبذبين أي ومنهم من يعبده تعالى كائناً على طرف من الدين لا ثبات له فيه كالذي يكون في طرف الجيش فإن أحس بظفر قر وإلا فر ففي الكلام استعارة تمثيلية ، وقوله تعالى : { فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ } الخ تفسير لذلك وبيان لوجه الشبه ، والمراد من الخير الخير الدنيوي كالرخاء والعافية والولد أي إن أصابه ما يشتهي { اطمأن بِهِ } أي ثبت على ما كان عليه ظاهراً لا أنه اطمأن به اطمئنان المؤمنين الذين لا يزحزحهم عاصف ولا يثنيهم عاطف { وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ } أي شيء يفتن به من مكروه يعتريه في نفسه أو أهله أو ماله { انقلب على وَجْهِهِ } أي مستولياً على الجهة التي يواجهها غير ملتفت يميناً وشمالاً ولا مبال بما يستقبله من حرار وجبال ، وهو معنى قوله في «الكشاف » : طار على وجهه وجعله في «الكشف » كناية عن الهزيمة ، وقيل هو ههنا عبارة عن القلق لأنه في مقابلة اطمأن ، وأياً ما كان فالمراد ارتد ورجع عن دينه إلى الكفر .

أخرج البخاري . وابن أبي حاتم . وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية : كان الرجل يقدم المدينة فإذا ولدت امرأته غلاماً ونتجت خيله قال : هذا دين صالح وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال : هذا دين سوء ، وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد قال : أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله وولده فتشاءم من الإسلام فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أقلني فقال عليه الصلاة والسلام : إن الإسلام لا يقال فقال : لم أصب من ديني هذا خيراً ذهب بصري ومالي ومات ولدي فقال صلى الله عليه وسلم : يا يهودي الإسلام يسبك الرجال كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة فنزلت هذه الآية ، وضعف هذا ابن حجر ، وقيل : نزلت في شيبة بن ربيعة أسلم قبل ظهوره عليه الصلاة والسلام وارتد بعد ظهوره وروى ذلك عن ابن عباس ، وعن الحسن أنها نزلت في المنافقين { خَسِرَ الدنيا والآخرة } جملة مستأنفة أو بدل من { انقلب } كما قال أبو الفضل الرازي أو حال من فاعله بتقدير قد أو بدونها كما هو رأي أبي حيان ، والمعنى فقد الدنيا والآخرة وضيعهما حيث فاته ما يسره فيهما .

وقرأ مجاهد : وحميد . والأعرج . وابن محيصن من طريق الزعفراني . وقعنب . والجحدري . وابن مقسم { خاسر } بزنة فاعل منصوباً على الحال لأن إضافته لفظية ، وقرئ { خاسر } بالرفع على أنه فاعل { انقلب } وفيه وضع الظاهر موضع المضمر ليفيد تعليل انقلابه بخسرانه ، وقيل : إنه من التجريد ففيه مبالغة ، وجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو خاسر ، والجملة واردة على الذم والشتم { ذلك } أي ما ذكر من الخسران ، وما فيه من معنى البعد للإيذان بكونه في غاية ما يكون ، وقيل أن أداة البعد لكون المشار إليه غير مذكور صريحاً { هُوَ الخسران المبين } أي الواضح كونه خسراناً لا غير .

ومن باب الإشارة : { وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ } الآية يدخل فيه من يعبد الله تعالى طمعاً في الكرامات ومحمدة الخلق ونيل دنايهم فإن رأي شيئاً من ذلك سكن إلى العبادة وإن لم ير تركها وتهاون فيها { خَسِرَ الدنيا } بفقدان الجاه والقبول والافتضاح عند الخلق { والآخرة } [ الحج : 11 ] ببقائه في الحجاب عن مشاهدة الحق واحتراقه بنار البعد .