معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ} (7)

قوله تعالى : { صراط الذين أنعمت عليهم } . أي مننت عليهم بالهداية والتوفيق قال عكرمة : مننت عليهم بالثبات على الإيمان والاستقامة ، وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وقيل : هم كل من ثبته الله على الإيمان من النبيين والمؤمنين الذين ذكرهم الله تعالى في قوله : ( فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ) الآية وقال ابن عباس : هم قوم موسى وعيسى عليهما السلام قبل أن غيروا دينهم ، وقال عبد الرحمن : هم النبي ومن معه ، وقال أبو العالية : هم الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، قال عبد الرحمن بن زيد : إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته ، وقال شهر بن حوشب : هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته . قرأ حمزة : ( عليهم ، ولديهم ، وإليهم ) ، بضم هاءاتها ، ويضم يعقوب كل هاء قبلها ياء ساكنة تثنية وجمعاً إلا قوله : ( بين أيديهن وأرجلهن ) وقرأ الآخرون بكسرهما ، فمن ضم الهاء ردها إلى الأصل ، لأنها مضمومة عند الانفراد ومن كسرها فلأجل الياء الساكنة و الياء أخت الكسرة ، وضم ابن كثير و أبو جعفر كل ميم جمع مشبعاً في الوصل إذا لم يلقها ساكن ، فإن لقيها ساكن فلا يشبع ، ونافع يخير ، ويضم ورش عند ألف القطع ، فإذا تلقته ألف وصل وقبل الهاء كسر أو ياء ساكنة ضم الهاء والميم حمزة و الكسائي ، وكسرهما أبو عمرو ، وكذلك يعقوب إذا انكسر ما قبله ، والآخرون يقرؤون بضم الميم وكسر الهاء في الكل لأجل الياء ، أو لكسر ما قبلها وضم الميم على الأصل .

قوله تعالى : { غير المغضوب عليهم } . يعني غير صراط الذين غضبت عليهم ، والغضب هو : إرادة الانتقام من العصاة ، وغضب الله تعالى لا يلحق عصاة المؤمنين إنما يلحق الكافرين .

قوله تعالى : { ولا الضالين } . أي وغير الضالين عن الهدى . وأصل الضلال الهلاك والغيبوبة ، يقال : ضل الماء في اللبن إذا هلك وغاب . و( غير ) هاهنا بمعنى لا ، ولا بمعنى غير ، ولذلك جاز العطف عليها ، كما يقال : فلان غير محسن ولا مجمل ، فإذا كان ( غير ) بمعنى سوى فلا يجوز العطف عليها بلا ، ولا يجوز في الكلام : عندي سوى عبد الله ولا زيد . وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه " صراط من أنعمت عليهم " لأن الله تعالى حكم على اليهود بالغضب فقال : ( من لعنه الله وغضب عليه ) وحكم على النصارى بالضلال ( غير المغضوب عليهم ) وغير الضالين وقيل المغضوب عليهم هم اليهود ، والضالون هم النصارى فقال : ( ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل ) وقال سهل بن عبد الله ( غير المغضوب عليهم ) بالبدعة ( ولا الضالين ) عن السنة .

ختام السورة:

والسنة للقارئ أن يقول بعد فراغه من قراءة الفاتحة { آمين } . مفصولا عن الفاتحة بسكتة وهو مخفف ، ويجوز ممدودا ومقصورا ومعناه : اللهم اسمع واستجب . وقال ابن عباس و قتادة : معناه كذلك يكون ، وقال مجاهد : هو اسم من أسماء الله تعالى ، وقيل : هو طابع الدعاء ، وقيل هو خاتم الله على عباده يدفع به الآفات عنهم ، كخاتم الكتاب يمنعه من الفساد وظهور ما فيه .

أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، و أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي قالا : أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري ، أنا أبو علي محمد ابن أحمد بن محمد بن معقل الميداني ، ثنا محمد بن يحيى ، ثنا عبد الرزاق ، أنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين ، فإن الملائكة تقول آمين ، وإن الإمام يقول آمين ، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه " صحيح .

فصل

في فضل فاتحة الكتاب

أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد الكناني ، أنا أبو نصر محمد ابن علي بن الفضل الخزاعي ، أنا أبو عثمان عمر بن عبد الله البصري ، ثنا محمد ابن عبد الوهاب ، ثنا خالد بن مخلد القطراني ، حدثني محمد بن جعفر بن أبي كثير ، هو أخو إسماعيل بن جعفر ، عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال : " مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبيّ بن كعب وهو قائم يصلي فصاح به فقال : تعال يا أبي ، فعجل أبي في صلاته ، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما منعك يا أبي أن تجيبني إذ دعوتك ؟ أليس الله يقول : ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذ دعاكم لما يحييكم ) قال أبي : لا جرم يا رسول الله لا تدعوني إلا أجبتك وإن كنت مصليا . قال : أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها ؟ فقال أبيّ : نعم يا رسول الله فقال : لا تخرج من باب المسجد حتى تعلمها والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي يريد أن يخرج من المسجد ، فلما بلغ الباب ليخرج قال له أبي : السورة يا رسول الله ؟ فوقف فقال : نعم كيف تقرأ في صلاتك ؟ فقرأ أبي أم القرآن ، فقال رسول الله : صلى الله عليه وسلم " والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها ، وإنما هي السبع من المثاني التي آتاني الله عز وجل " هذا حديث حسن صحيح .

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي ، أنا الحاكم أبو الفضل محمد ابن الحسين الحدادي ، أنا أبو يزيد محمد بن يحيى بن خالد ، أنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ، ثنا يحيى بن آدم ، ثنا أبو الأحوص عن عمار بن ذريق عن عبد الله بن عيسى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده جبريل إذ سمع نقضا من فوقه ، فرفع جبريل بصره إلى السماء ، فقال : هذا باب فتح من السماء ما فتح قط ، قال : فنزل منه ملك ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك ، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة ، لن تقرأ حرفا منهما إلا أعطيته " صحيح .

أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد الشيرازي ، ثنا زاهر بن أحمد السرخسي ، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي ، أنا أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري ، عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة ، يقول : سمعت أبا هريرة يقول ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام " قال : فقلت يا أبا هريرة إني أحيانا أكون وراء الإمام ؟ فغمز ذراعي وقال : اقرأ بها يا فارسي في نفسك ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " قال الله عز وجل : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقرؤوا يقول العبد : ( الحمد لله رب العالمين ) يقول الله : حمدني عبدي ، يقول العبد : ( الرحمن الرحيم ) يقول الله : أثنى علي عبدي ، يقول العبد : ( مالك يوم الدين ) يقول الله : مجدني عبدي . يقول العبد : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) يقول الله عز وجل : هذه الآية بيني وبين عبدي ، فلعبدي ما سأل . يقول العبد : ( اهدنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) يقول الله : فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل " صحيح .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ} (7)

قوله : ( صراط الذين أنعمت عليهم( صراط بدل من الصراط الأول{[12]} والمراد بالمنعم عليهم : النبيون والصديقون والشهداء والصالحون ، وهو قول أكثر المفسرين ، ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى : ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا( وأنعمت من الإنعام وهو إيصال النعمة وهي في الأصل الحالة التي يستطيبها الإنسان ويستلذها ، ونعمة الله وجوهها وضروبها كثيرة لتشمل أوجه الخير واللين والراحة في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا : فنعم الله على الإنسان عظيمة ومستفيضة ، فمنها : قوة العقل وما يتفرع عن ذلك من فطانة وبراعة وذكاء وإدراك .

ومنها : قوة الجسم بما حواه من حواس البصر والسمع والشم والغرائز ، وما يستلزمه ذلك من أوجه الاستمتاع بالطيبات الدنيا .

ومنها سلامة الفطرة من كل ظواهر المرض والشذوذ ليأتي الطبع بذلك سويا مستقيما خاليا من المعضلات النفسية والعصبية والسلوكية ، وفي هذه الحالة من سلامة الفطرة واستواء النفس والبدن لسوف يجد الإنسان في حياته كامل الراحة والاستمتاع بطيبات الحياة الدنيا .

وأما في الآخرة فإن النعمة فيها لهي كبرى النعم وهي الفوز الأكمل الذي يحظى به الفائزون في يوم الحساب العصيب ، لا جرم أن نعمة الله بالفوز بجنته ورضاه لهي خير النعم ، وهذا ما يرتجيه المؤمنون المخلصون الحريصون لينجوا من عذاب الله يومئذ ويحظون بثوابه وجزائه .

قوله : ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين( غير مجرور على البدل من الضمير في قوله : ( عليهم( وقيل : مجرور على البدل من الذين ، وقيل : مجرور على الوصف للذين ، وهو قول الجمهور .

وقيل : ( غير( منصوب على الحال ، أو بتقدير أعني ، أو على الاستثناء المنقطع ، {[13]} ( ولا الضالين( لا ، زائدة للتوكيد ، وقيل : بمعنى غير ، {[14]} والغضب معناه في اللغة الشدة ، والمراد به هنا في صفة الله العقوبة للمذنبين الخاطئين ، والمراد بالمغضوب عليهم : الذين فسدت إرادتهم فعلموا الحق والصواب وعدلوا عنهما فاستحقوا بذلك الغضب من الله .

والمراد بالضالين : الهائمون في الضلالة ، الشاردون عن دين الله الحق ليسدروا في العمى والتيه .

وجملة القول في الصنفين : أنهم الذين فسدت طبائعهم وضلت أذهانهم عن طريق الله المستقيم فسدروا تائهين جامحين ، وانقلبوا خاسرين منتكسين ، وقيل : المراد بالمغضوب عليهم : المشركون ، والمراد بالضالين ، المنافقون ، وقيل ( المغضوب عليهم( : اليهود ، و ( الضالين( : النصارى ، وهو قول الجمهور . {[15]}

ختام السورة:

أما التأمين عقيب قراءة الفاتحة : فهو مستحب لمن يقرأها ، وهو أن يقول « آمين  » وهو دعاء وليس من القرآن ، وهو اسم فعل ومعناه : اللهم استجب لنا ، وفيه لغتان : إحداهما : بالمد ، فهو على وزن فاعل ومثل هابيل وقابيل ، والثانية : بالمقصر ، فهو على وزن فعيل مثل رقيب وعتيد . {[1]}

والدليل على استحباب التأمين ما رواه الإمام أحمد ، وأبو داود والترمذي عن وائل بن حجر قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قرأ : ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين( قال : « آمين  » مد بها صوته ، وفي لفظ أبي داود : رفع بها صوته .

وروى أبو داود وابن ماجة عن أبي هريرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا : ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين( قال : « آمين  » حتى يسمع من يليه من الصف الأول ، وذلك منفردا أو إماما أو مأموما ، وذلك لما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : « إذا أمن الإمام فأمنوا ، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه  » .

وقد ذهب إلى استحباب التأمين من الإمام والمأموم كثير من أهل العلم وفيهم المالكية والحنابلة ، والشافعي في القديم ، أما الحنفية ، والشافعي في الجديد ، ومالك في رواية عنه ، فقد ذهبوا إلى أن الإمام لا يجهر بالتأمين بل يجهر بها المأموم ، واحتجوا بما رواه مسلم عن أبي موسى الأشعري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا فبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا فقال : « إذا صليتم فأقيموا صفوفكم ، ثم ليؤمكم أحدكم ، فإذا كثير فكبروا ، وإذا قال : ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين( فقولوا : آمين يحبكم الله  » .

ومثلما يستحب القول : آمين في الصلاة ، فإنه يستحب قولها أيضا لقارئ الفاتحة خارج الصلاة .

والراجح القول الأول وهو أن يجهر الإمام والمأمون بقراءة « آمين  » وذلك لما يقويه من صحيح الأخبار ، منها ما جاء في الموطأ والصحيحين عن ابن شهاب : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « آمين  » وفي سنن ابن ماجة عن أبي هريرة قال : ترك الناس آمين ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ قال : ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين( قال : « آمين  » حتى يسمعها أهل الصف الأول فيرتج بها المسجد . {[2]}


[1]:مختار الصحاح للرازي ص 461.
[2]:مختار الصحاح ص 236.
[12]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 39.
[13]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 41.
[14]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 41.
[15]:تفسير القرطبي جـ 1 ص 145، وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 26-31 وتفسير البيضاوي ص 4-5.