اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ} (7)

قوله تعالى : { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ الضَّآلِّينَ }

قولُه تَعَالَى : { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } .

" صِرَاطَ الذِيْنَ " بدل منه ، بدل كُلِّ مِنْ كُلّ ، وهو بَدَلُ مَعْرِفَةٍ مِنْ مَعْرِفَةٍ .

والبدلُ سبعةُ أَقْسَامٍ على خلاف في بعضها :

بدلُ كُلّ من كُلّ ، وبدل بَعْضٍ من كُلّ ، وبدلُ اشْتِمَالٍ ، وبدلُ غَلَطٍ ، وبدل نِسْيَان ، وبدل بَدَاء ، وبدل كُلّ من بعض .

أما الأقسامُ الثلاثَةُ الأُوَلُ ، فلا خلافَ فِيها .

وأما بدلُ البدَاء ، فأثبته بعضُهم ؛ مستدلاًّ بقوله عليه الصَّلاة والسَّلام : " وإنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي الصلاَة ، وما كتب له نِصْفُهَا ثُلُثُهَا رُبعُهَا إلى العُشُرِ " ولا يَرِدُ هذا في القرآن الكريمِ .

وأما الغَلَطُ والنسْيَانُ ، فأثبتهما بعضُهم ؛ مُسْتَدِلاًّ بقول ذي الرُّمَّةِ : [ البسيط ]

75- لَمْيَاءُ فِي شَفَتَيْهَا حُوَّةٌ لَعَسٌ- *** -وَفِي اللِّثَاتِ وَفِي أَنْيَابِهَا شَنَبُ{[323]}

قال : لأنَّ " الحُوّة " السّوادُ الخالِصُ ، و " اللَّعَسُ " سواد يشوبه حُمْرَة ، ولا يرِدُ هذان البدلان في كَلاَمٍ فصيحٍ .

وأما بدل الكُلّ من البعض ، فأثبته بعضهُم ، مُسْتَدِلاًّ بظاهِر قوله : [ الخفيف ]

76- نَضَرَ اللهُ أَعْظُماً دَفَنُوهَا- *** -بِسِجِسْتَانَ طَلْحَةَ الطَّلَحَاتِ{[324]}

في رواية مَنْ نَصَبَ " طَلْحَةَ " ، قال : لأنَّ " الأَعْظُمَ " بعضُ " طَلْحَةَ " ، و " طَلْحَةَ " كُلّ وقد أُبْدِلَ منها ؛ واستدلّ - أيضاً - بقول امرىء القيس [ الطويل ]

77- كَأَنِّي غَدَاةَ البَيْنِ يَوْمَ تَحَمَّلُوا- *** -لَدَى سَمُرَاتِ الحَيِّ نَاقِفُ حَنْظَلِ{[325]}

ف " غَدَاةَ " بعضُ " اليوم " ، وقد أُبْدِلَ " اليوم " منها .

ولا حُجَّةَ في البيتيْنِ ، أما الأولُ : فإنَّ الأَصْلَ " أعظماً دفنوها أَعْظُمَ طلحة " ثم حُذِفَ المضافُ ، وأقيم المُضَافُ إليهِ مُقَامه ؛ ويدلُّ على ذلك الروايةُ المشهورةُ وهي جَرُّ " طَلْحَةَ " على أنَّ الأصل : " أعظم طلحة " ولم يُقَم المضاف إليه مقامَ المضاف .

وأما الثاني : فإنَّ " اليَوْمَ " يُطلقُ على القطعةِ من الزمان ، كما تقدّم ، وليس هذا موضعَ البَحْثِ عَن دَلائِلِ المذهبيْن .

وقيل : " الصراط " الثاني غير الأول ، والمرادُ به : العلمُ بالله تعالى . قاله جَعْفَرُ بنُ محمد{[326]} رحمه الله تعالى : وعلى هذا فتخريجته أن يكونَ مَعْطُوفاً حُذِفَ منه حَرْفُ العَطْفِ ، وبالجملة فهو مُشْكلٌ .

والبدلُ ينقسمُ أيضاً إلى :

بدل مَعرفةٍ ، ونكرةٍ منْ نكرةٍ ، ومعرفةٍ منْ نكرةٍ ، ونكرةٍ مِنْ معرفةٍ .

ويَنْقَسمُ أيضاً إلى :

بدل ظاهِر من ظاهرٍ : ومُضْمَرٍ مِنْ مُضْمَرٍ ، وظاهرٍ مِنْ مضمر ، ومضمرٍ من ظاهر .

وفائدةُ البَدلِ : الإيضاحُ بعد الإبْهَامِ ؛ لأنهُ يُفِيدُ تأكيداً من حَيْثُ المعنى ، إذ هو على نيّةِ تَكْرَار العامل .

و " الذين " في مَحَلِّ جرٍّ بالإضافة ، وهو اسمُ موصولٍ ، لافتقاره إلى صِلَةٍ وعائدٍ ، وهو جمع " الذي " في المعنى ، والمشهور فيه أن يكونَ بالياءِ ، رفعاً ، ونصباً ، وجرًّا ؛ وبعضُهم يرفعُه بالواوِ ؛ جَرْياً له مَجْرَى جَمْعِ المذكَّر السَّالم ؛ ومنه : [ الرجز ]

78- نَحْنُ الَّذُونَ صَبَّحُوا الصَّبَاحَا- *** -يَوْمَ الفَسَادِ غَارَةً مِلْحَاحَا{[327]}

وقد تُحْذَفُ نُونُه اسْتِطَالةً بصلته ؛ كقوله : [ الطويل ]

79- وَإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلْجٍ دمَاؤُهُمْ- *** -هُمُ الْقَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدِ{[328]}

ولا يقع إلاَّ على أُولي العلمِ ، [ ولا يقع مجرى جمع المذكر السَّالم ، بخلاف مجرده فإنه يقع على أولي العلم ]{[329]} وغيرهم .

و " أَنْعَمْتَ " : فِعْلٌ ، وفاعلٌ ، صِلَة المَوْصُولِ .

والتاء في " أنعمتَ " ضميرُ مرفوعٍ مُتَّصل . و " عليهم " جار ومجرور متعلّق ب " أنعمتَ " ، والضميرُ هو العائدُ ، وهو ضمير جمع المذكرين العقلاء ، ويستوي فيه لفظ مُتَّصِلِه ومُنْفَصِلِهِ .

والهمزةُ في " أنعمتَ " ؛ لجَعْلِ الشيءِ صَاحِبَ {[330]}ما صِيَغَ منه ، فحقُّه أن يَتَعَدَّى بِنَفْسِه ، ولكن ضُمِّنَ معنى " تَفَضَّلَ " فَتَعَدَّى تَعْدِيَتَهُ .

وقرأ عمر{[331]} بنُ الخَطّابِ ، وابنُ الزُّبَيْرِ{[332]} رضي الله - تعالى - عنهما " صِرَاطَ مَنْ أَنْعَمْتَ " .

ول " أَفْعَلَ " أربعةٌ وعشرُونَ مَعْنى ، تقدّمَ وَاحِدٌ .

والتعدِيَةُ ؛ نحو : " أَخْرَجتُه " .

والكثرةُ ؛ نحو : " أَظْبَى المَكَانُ " أَيْ : " كَثُرَ ظِبَاؤُه " .

والصَّيرورةُ ؛ نحو : " أَغَدَّ البَعِيرُ " صار ذا غُدّة .

والإعانة ؛ نحو : " أَحْلَبْتُ فُلاَناً " أي : أعنتُه على الحَلْبِ .

والتَّشْكِيَةُ ؛ نحو : " أَشكيتُه " أي : أزلتُ شِكَايَتَهُ .

والتَّعرِيضُ ؛ نحو : " أبعتُ المبتاعَ " ، أي : عرضتُه للبيع .

وإصابةُ الشيءِ بمعنى ما صيغ منه ؛ نحو : " أحمدتُه " أي : وجدتُه محموداً .

وبلوغُ عَدَدٍ ؛ نحو : " أعْشَرتِ الدَّرَاهِمُ " ، أي : بلغتِ العَشَرَة .

أو بلوغُ زَمانٍ ؛ نحو " أصبح " ، أو مَكَانٍ ؛ نحو " أَشْأَمَ " .

وموافقَةُ الثّلاثي ؛ نحو : " أحزتُ المكانَ " بمعنى : حُزْتُهُ .

أَوْ أَغْنَى عن الثلاثي ؛ نحو : " أَرْقَلَ البعيرُ " .

ومطاوعةُ " فَعَلَ " ؛ نحو قَشَع الريح ، فَأَقْشَع السّحابُ .

ومطاوعَةُ " فَعَّلَ " ؛ نحو : " فَطَّرْتُه ، فَأَفْطَرَ " .

ونَفْيُ الغريزَةِ ؛ نحو : " أسرع " .

والتَّسميةُ ؛ نحو : " أخطأتهُ " ، أَيْ : سَمَّيْتُه مخْطِئاً .

والدعاءُ ؛ نحو : " أسقيتُه " ، أَي : قلتُ له : سَقَاكَ الله تعالى .

والاستحقاقُ ؛ نحو " أَحْصَدَ الزرعُ " ، أَيْ : استحقَّ الحصادَ .

والوصولُ ؛ نحوه : " أَعْقَلْتُهُ " ، أَيْ : وَصَّلْتُ عقلي إليه .

والاستقبالُ نحو : " أَفَفْتُه " ، أَي : استقبلتُه بقول : أُفٍّ .

والمجيءُ بالشيء ؛ نحو : " أكثرتُ " أَيْ : جئتُ بالكثير .

والفرقُ بين أَفْعَلَ وفَعَل ، نحو : أَشْرَقَتِ الشَّمسُ : أضاءتْ ، وشَرَقَتْ : طَلَعَتْ .

والهجومُ ؛ نحو : أَطْلَعْتُ على القوم ، أيْ : اطَّلعْتُ عَلَيْهِمْ .

و " على " حرف استعلاء حقيقةً أو مجازاً ؛ نحو : عليه دَيْنٌ : ولها معانٍ أُخَرُ ، منها : المُجَاوزة ؛ كقوله : [ الوافر ]

80- إِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ- *** -لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا{[333]}

أيْ : عَنِّي .

وبمعنى " الباءِ " { حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ } [ الأعراف : 105 ] ، أي : بأَنْ ، وبمعنى " فِي " ؛ { الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ } [ البقرة : 102 ] أيْ : فِي [ مُلْكِ ] ، { الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى } [ البقرة : 177 ] .

والتعليلُ : { وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ } [ البقرة : 185 ] ؛ أي لأجلِ هِدَايَتِه إياكم .

وبمعنى " مِن " : { حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ }[ المؤمنون : 5 ، 6 ] ، أيْ : إلاّ مِنْ أَزواجهم .

والزيادة كقوله : [ الطويل ]

81- أبَى اللهُ إلاَّ أَنَّ سَرْحَةَ مَالِكٍ- *** -عَلَى كُلِّ أَفْنَانِ العِضَاهِ تَرُوقُ{[334]}

لأنَّ " تُروقُ " يتعدى بنفسِه ، ولكل موضع من هذه المواضعِ مَجَالٌ للنظر .

وهي مترددةٌ بين الحَرْفِيَّةِ ، والاسْمِيَّةِ{[335]} ؛ فتكون اسماً في موضعين :

أحدهُما : أن يدخلَ عليها حَرْفُ الجَرّ ؛ كقول الشاعر : [ الطويل ]

82- غَدَتْ مِنْ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا تَمَّ ظِمْؤُهَا- *** -تَصِلُّ وَعَنْ قَيْضٍ بِزَيزَاءَ مَجْهَلِ{[336]}

ومعناها " فَوْق " ، أيْ : من فوقه .

والثاني : أنْ يؤدي جعلُه حرفاً ، إلى تعدِّي فعل المضمر المنفصل إلى ضمير المُتّصل في غيرِ المَوَاضِع الجَائِز فيها ؛ ومن ذلك قوله : [ المتقارب ]

83- هَوِّنْ عَلَيْكَ فإنَّ الأُمُورَ- *** -بِكَفِّ الإِلهِ مَقَادِيرُهَا{[337]}

ومثلُها في هذيْن الحُكْمَيْن " عَنْ " ، وستأتي إنْ شاء الله تعالى .

وزعم بعضُهم أنَّ " على " مترددةٌ بين الاسم ، والفِعْلِ ، والحرفِ .

أما الاسمُ والحرفُ ، فقد تقدما .

وأما الفعلُ : قال : فإنك تقولُ : " عَلاَ زيدٌ " أي : ارتفع . وفي هذا نَظَرٌ ؛ لأن " عَلاَ " إذا كان فِعْلاً ، مُشْتَقٌّ من العُلُوِّ ، وإذا كان اسماً أو حرفاً ، فلا اشتقاقَ له ، فليس هو ذَاكَ ، إلاَّ أنَّ هذا القَائِلَ يَرُدُّ هذا النظرَ ، [ بقولهم : إنَّ " خَلاَ " ، " وَعَدا " مترددانِ بين الفعليَّةِ والحرفيَّةِ ، ولم يلتفتوا إلى هذا النظر ]{[338]} .

والأصلُ في هاء الكِناية الضَّمُّ ، فإنْ تقدمها ياءٌ ساكنة ، أو كسرةٌ ، كَسَرَها غيرُ الحِجازَيين ؛ نحو : عَلَيْهِم وفِيهِمْ وَبِهِمْ .

والمشهورُ في مِيمِهَا السكونُ قبل متحرك ، والكسرُ قبلَ ساكن ، هذا إذا كَسَرْتَ الهاء ، أما إذا ضممتَ ، فالكَسْرُ ممتنع إلاّ في ضَرُورة ؛ كقوله : " وفِيهُمِ الحكام " بِكَسْرِ المِيمِ .

وفي " عَلَيْهِمْ " عشرُ لُغاتٍ :

قُرِئ{[339]} بِبَعْضِها : " عَلَيْهُِمْ " بكسر الهاء وضمها ، مع سُكُون الميم .

" عَلَيْهِمِي " ، بكسر الهاء ، وزيادة الياء ، وبكسر الميم فقط .

" عليهُمُو " بضم الميم ، وزيادة واو ، أو الضم فقط .

" عليهِمُو " بِكَسْرِ الهاءِ ، وضم الميمِ ، بزيادة الواو .

" عليهُمِي " بِضَمِّ الهاء ، وزيادة ياء بعد الميم .

أو الكسر فقط " عليهِمُ " بكسر الهاء ، وضم الميم ، حكى ذلك ابنُ الأَنْبَارِي{[340]} .

والتفسيرُ ، قال البَغَويُّ - رحمه الله تعالى - : صراط الذين أنعمت عليهم أي : مَنَنْتَ عليهم بِالهِدَايَةِ والتوفيق ، وقال عِكْرَمة{[341]}- رضي الله تعالى عنه - : مَنَنْتَ عليهم بالثَّبات على الإيمان والاسْتِقَامَة وعلى الأنبياء عليهم السلام .

وقِيل : على كُلِّ مَنْ ثَبَتَهُ الله - تعالى - من النَّبِيِّين والمُؤْمنين الذين ذكرهم الله - تَعَالَى - في قوله :{ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ } [ النساء : 69 ]

وقال ابنُ عباس - رضي الله تعالى عنهما - هُمْ قومُ مُوسَى ، وعِيسَى - عليهما الصلاة والسلام ، قبل أن غيروا دينهم .

وقال أَبُو العَالِيَةَ{[342]} : هم آلُ الرسولِ صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ، وعمر رضي الله عنهما .

وقال شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ{[343]} - رضي الله عنه - : هم أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم ، وأهل بَيْتِهِ .

وقرأ حَمْزَةُ {[344]} " عَلَيْهُمْ " ، و " إلَيْهُمْ " ، و " لَدَيْهُمْ " بضم الهاء .

ويضم يَعْقُوب{[345]} كُلَّ هاءٍ قبلها ياءٌ ساكنة تثنيةً وجمعاً ، إلاّ قولَه تعالى :

{ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ } [ الممتحنة : 12 ] .

والآخرُونَ : بكسرها . فَمَنْ ضَمَّها ردّها إلى الأصل ؛ لأنها مضمومة عند الانفراد .

ومَنْ كسرها ، فالأصل الياءُ السَّاكنة ، والياءُ أختُ الكسرة .

وضم ابنُ كَثِير{[346]} ، وأَبُو جَعْفَر{[347]} كُلَّ ميم جمع مُشْبِعاً في الوَصْلِ ، إذا لم يلقها ساكن ، فإنْ لقيها ساكِنٌ فلا يُشْبِع .

ونَافِعٌ يُخَيِّرُ ، ويضمُّ وَرْش{[348]} عند ألِفِ القطع .

وإذا تلقته ألفُ الوصلِ ، وقبل الهاء كسرٌ ، أو ياءٌ ساكنةٌ ، ضمّ الهاءَ والمِيمَ حَمْزَةُ والكسائي - رحمهما الله - وكسرَهُما أَبُو عَمْرو ، وكذلك يَعْقُوبُ إذَا انْكَسر ما قبله .

والآخرون : بضمّ الميم ، وكسرِ الهاء ؛ لأجل الياء أو لكسر ما قبلها ، وضمّ الميم على الأصل ، وقرأ عمرُ بن الخَطَّاب{[349]} - رضي الله تعالى عنه - : " صرَاطَ مَنْ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ " .

قال ابنُ الخَطِيب{[350]} - رحمه الله تعالى - : اخْتُلِفَ في حَدّ النّعْمَةِ :

فقال بعضُهم : إنَّها عِبَارَةٌ عن المَنْفَعةِ المفعولة على جِهَةِ الإحسان إلَى الغيرِ .

[ ومنهم مَنْ يقولُ : المنفعة الحسنة المفعولة على جهة الإحْسَان إلى الغير ] .

قالوا : وإنما زدْنا على هذا القَيْدِ ، لأن النعمةَ يستحقّ لها الشكر والإحسان [ والحقّ أن هذا القيد غير معتبر ؛ لأنه لا يجوز أن يستحق الشكر بالإحسان ]{[351]} ، وإنْ كان فعله محظوراً ؛ لأن جهةَ استحقاقِ السكر غير جهةِ استحقاق الذَّنْب والعِقاب ، فأيُّ امتناعٍ في اجتماعهما ؟ أَلاَ ترى أن الفاسِقَ يستحقُّ بإنعامه الشُّكْرَ ، والذَّمَّ بمعصيةِ الله تعالى ، فلا يجوزُ أنْ يَكُونَ الأمرُ ها هنا كذلك .

ولنرجع إلى تفسير الحَدّ : فنقول : أما قَولُنا : " المنفعة " ؛ فلأن المَضَرّةَ المحضةَ لا تكون نِعْمَةً .

وقولنا : المفعولة على جهة الإحسان ؛ لأنه لو كان نفعاً حقًّا وقَصَدَ الفاعلُ به نفعَ نفسه ، نَفْعَ المفعولِ به ، فلا يكون نِعْمَةً{[352]} ، كَمَنْ أحسن إلى جَاِريَتِهِ ، ليربَحَ عليها .

وها هنا فوائدُ :

الفائِدَةُ الأُوْلَى : أَنَّ كلّ ما يصل إلى الخلق من النفع ، ودفع الضَّرر ، فهو من الله تعالى على ما قال تبارك وتعالى :{ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ } [ النحل : 53 ] ، ثمَّ إنَّ النعمةَ على ثلاثةِ أَقْسَامٍ :

أحدُها : نِعمةٌ تَفَرَّدَ الله - تعالى - بإيجَادِهَا ، نحو : أنْ خَلَق ورَزَقَ .

وثانيها{[353]} : نعمةٌ وصلت إلينا من جهةِ غير الله - تعالى - في ظاهرِ الأَمْرِ ، وفي الحقيقة فهي - أيضاً - إنّما وصلتْ من الله تبارك وتعالى ؛ وذلك لأنه - تعالى - هو الخالقُ لتلك النعمةِ ، والخالقُ لذلك المنعِِمِ ، وخالقٌ لداعيةِ الإنْعَام بتلك النعمة في قلب ذلك المنعم ، إلاّ أنه تبارك وتعالى لَمّا أَجْرَى تلك النعمة على يَدِ ذلك العَبْدِ ، كان ذلك العبدُ مشكوراً ، ولكن المشكور في الحقيقة هو الله - تعالى - ولهذا قال تعالى : { أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ } [ لقمان : 14 ] فبدأ بنفسِه ، تنبيهاً على أن إنعامَ الخلقِ لا يتمّ إلاّ بإنعام الله تعالى .

وثالثها : نِعمٌ وصلت من الله إلينا بسبب طاعتنا ، وهي أيضاً من الله تعالى{[354]} ؛ لأنه لولا أنَّ الله - سبحانه وتعالى - وَفّقنا للطاعات ، وأعاننا عليها ، وهدانا إليها ، وأَزَاحَ الأعذار عَنا ، وإِلاَّ لَمَا وَصَلْنَا إلى شَيْءٍ منها ، فظهر بها التقرير أنَّ جَمِيعَ النعم في الحقيقة من الله تَعَالى .

الفائدةُ الثَّانيةُ : اختلفوا [ في أنه ]{[355]} هل لله - تعالى - نعمةً على الكافرِ أَم لاَ ؟ فقال بعضُ أصحابنا : ليس لله - تعالى - على الكافر نعمة .

وقالت المعتزلةُ : لله - تعالى - على الكافر نعمة دينية ، ونعمة دنيوية .

واحتجَّ الأصحابُ على صحّةِ قولهم ، بالقرآن [ الكريم ]{[356]} ، والمعقول .

أما القرآنُ ؛ فقوله تبارك وتعالى : { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } ؛ وذلك لأنه لو كان لله على الكافر نعمةٌ ، لكانوا داخِلِينَ تحت قوله : { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } فيكون طلباً لصراطِ الكُفّارِ ، وذلك بَاطِلٌ ، فثبت بهذه الآيةِ أنه ليس لله - تعالى - على الكافر نعمةٌ .

فإن قَالُوا : إنَّ قَوْله : { الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } يدفعُ ذَلكَ .

قلنا : { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } بدل مِنْ قَوْلِه : { الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } ؛ فكان التَّقْدِير : " اهْدِنا صراطَ الذين أنعمت عليهم " ، وحينئذٍ يَعُودُ المحذوفُ المذكورُ .

وقوله تبارك وتعالى : { وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَِنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً } [ آل عمران : 178 ] .

وأما المَعْقُولُ : فهو أَنَّ نِعَمَ الدنيا الفانيةَ في مُقَابلةِ عَذَابِ الآخرة على الدوام ، كالقَطْرة في البحر ، ومثل هذا لا يكون نِعْمَةً ، بدليل أنَّ مَنْ جعل السُّمَّ في الحَلْوَى لم يَعُدِ النفعُ الحاصلُ منه نعمةً ؛ لأجل أن ذلك النفع حقيرٌ في مُقابلةِ ذلك الضَّرر الكبير{[357]} ، فكذا ههُنا .

وأما الَّذِين قالوا : إن لله على الكافر نعمةً ، فقد احتجُّوا بقوله تعالى : { يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَآءً } [ البقرة : 21 ، 22 ] ، على أنه يَجبُ على الكُلِّ طاعةُ الله - تعالى - لأجلِ هذه النعم ، وإلاّ لما كانت هذه النعمُ العظيمةُ معتبرةً ؛ وقولِه تعالى : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ } [ البقرة : 28 ] ، ذكر ذلك في معرض الامْتِنَانِ ، وشرحِ النعم .

وقولِه تعالى : { يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } [ البقرة : 40 ] .

وقولِه تعالى : { وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } [ سبأ : 13 ] .

وقول إبليس : { وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ } [ الأعراف : 17 ] .

ولو لم تحصل النعمة ، لم يلزمْ من عَدَمِ إقدامِهم على الشكر محذورٌ ؛ لأنّ الشكر لا يمكن إلاَّ عند حصول النعمة .

الفائدة الثالثةُ : قال ابنُ الخَطِيب{[358]} - رحمه الله - : قوله تعالى : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } يدل على إمامةِ أبي بكر - رضي الله عنه ؛ لأنا ذكرنا أن تقديرَ الآية : " اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم " والله - تعالى - قد بيّن في آية أُخْرَى أَنَّ { الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } من هم ؛ بقوله تعالى : { فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ } [ النساء : 69 ] ورئيسهم أبو بكر الصّديق - رضي الله تعالى عنه - فكان معنى الآية أن الله - تعالى - أمرنا أن نطلب الهداية [ التي كان عليها أبو بكر الصديق ، وسائر الصّديقين ، ولو كان أبو بَكْرٍ - رضي الله تعالى عنه - غيرَ إمامٍ ، لما جَازَ الاقتداء به ]{[359]} ، فثبت [ بما ذكرناه دلالة هذه الآية على ]{[360]} إمامة أبي بكر رضي الله عنه .

الفائدة الرابعة : قوله تعالى : { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } يتناول كُلّ من كان لله - تعالى - عليه نعمة ، وهذه النعمة إما أن يكون المراد منها نعمة الدنيا ، أو نعمة الدين ، والأول باطل فثبت أن المراد منه نعمة الدين .

فنقول : كل نعمة ديِنِيّة سوى الإيمان فهي مشروطة بحصول الإيمان ، وأمّا نعمة الإيمان فيمكن حصولها خالياً عن سائر النعم الدينية ، وهذا يدلّ على أن المراد من قوله تعالى : { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } هو نعمة الإيْمَان ، فرجع حاصل القول في قوله تعالى : { هْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } أنه طلب لنعمة الإيمان ، وإذا ثبت هذا الأصل ، فيتفرع عليه أحكام :

الأول : أنه لما ثبت أن المُرادَ من هذه النعمة نِعْمَةُ الإيمان ، إذ لفظ الآية الكريمة صريح في أن الله - تعالى - هو المنعم بالنعمة ، ثبت أنّ الخالق للإيمان ، والمعطي للإيمان هو الله تعالى ، وذلك يدلّ على فساد قول المعتزلة ، وكان الإيمان أعظم النعم ، فلو كان الفاعل للإيمان هو العبد لكان إنعام العبد أشرف وأعلى من إنعام الله تعالى ، ولو كان كذلك لما حسن من الله - تعالى - أن يذكر إنعامه في معرض التعظيم .

الحكم الثاني : يجب ألاَّ يبقى المؤمن مخلداً في النار ؛ لأن قوله : { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } مذكور في معرض التَّعْظيم بهذا الإنعام ، ولو لم يكن له أثر في دفع العَذَاب المؤبّد لكان قليل الفائدة ، فما كان يحسن من الله - تعالى - ذكره في معرض التَّعْظيم .

الحكم الثالث : دلّت الآية الكريمة على أنه لا يجب على الله - تعالى - رعاية [ الصلاح والأصلح ]{[361]} في الدين ؛ لأنه لو كان الإرْشاد على الله - تعالى - واجباً لم يكن ذلك إنعاماً ، وحيث سماه الله - تعالى - إنعاماً علمنا أنه غير واجب .

الحكم الرابع : لا يجوز أن يكون المراد بالإنعام الإقدار على الإيمان ؛ لأن الله - تبارك وتعالى - قدر المكلف عليه ، وأرشده إليه ، وأزاح أعْذَارَهُ وعِلَلَهُ عَنْهُ ، لأن كل ذلك حاصل في حَقّ الكفار ، فلما خص - تعالى - بعض المكلفين بهذا الإنعام ، مع أن الإقدار ، وإزاحة العلل حاصل في حَقّ الكل ، علمنا أن المراد ليس هو الإقدار ، وإزاحة الموانع .

قوله تعالى : { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّآلِّينَ }

" غير " بدل من " الذين " بدل نكرة من معرفة .

وقيل : نعت ل " الذين " ، وهو مشكل ؛ لأن " غير " نكرة و " الذين " معرفة{[362]} ، وأجابوا عنه بجوابين :

أحدهما : أن " غير " إنما يكون نكرة إذا لم يقع بين ضدّين ، فأما إذا وقع بين ضدين فقد انحصرت الغيرية ، فيتعرف " غير " حينئذ بالإضافة ، تقول : " مررت بالحركة غير السكون " والآية من هذا القبيل ، وهذا إنما يتمشّى على مذهب ابن السّراج ، وهو مرجوح .

والثاني : أن الموصول أَشْبَهَ النكرات في الإبْهَام الذي فيه ، فعومل معاملة النكرات .

وقيل : إن " غير " بدل من المضمر المجرور في " عليهم " ، وهذا يشكل على قول من يرى أن البدل يحل محلّ المبدل منه ، وينوي بالأول الطّرح ؛ إذ يلزم منه خلو الصّلة من العائد ، ألا ترى أن التقدير يصير : " صراط الذين أنعمت على غير المغضوب عليهم " .

و " المغضوب " خفض بالإضافة ، وهو اسم مفعول ، والقائم مقام الفاعل الجار والمجرور ، ف " عليهم " الأولى منصوبة المَحَلّ ، والثانية مرفوعته ، و " أل " فيه موصولة ، والتقدير : " غير الذين غُضِب عليهم " .

والصحيح في " أل " الموصولة أنها اسم لا حَرْفٌ .

واعلم أن لفظ " غير " مفرد مذكر أبداً ، إلا أنه إن أريد به مؤنث جاز تأنيث فعله المسند إليه ، نقول : " قامت غيرك " ، وأنت تعني امرأة ، وهي في الأصل صفة بمعنى اسم الفاعل ، وهو مغاير ، ولذلك لا تتعرف بالإضافة ، وكذلك أخواتها ، أعني نحو : " مِثْل وشِبْه وشَبِيه وخِدْن وتِرْب " .

وقد يستثنى بها حملاً على " إلاّ " كما يوصف ب " إلاّ " حملاً عليها ، وقد يراد بها النفي ك " لا " ، فيجوز تقديم معمول معمولها عليها ، كما يجوز في " لا " تقول : " أنا زيداً غَيْرُ ضارب " أي : غير ضارب زيداً ؛ ومنه قول الشاعر : [ البسيط ]

84- إِنَّ امْرَءًا خَصَّنِي عَمْداً مَوَدَّتْهُ- *** -عَلَى التَّنَائِي لَعِنْدِي غَيْرُ مَكْفُورِ{[363]}

تقديره : غير مكفور عندي ، ولا يجوز ذلك فيها إذا كانت لغير النَّفي .

لو قلت : " جاء القوم زيداً غير ضارب " ، تزيد : غير ضارب زيداً لم يجز ؛ لأنها ليست بمعنى " لا " التي يجوز فيها ذلك على الصَّحيح من الأقوال في " لا " .

وفيها قول ثانٍ يمنع ذلك مطلقاً .

وقول ثالث : يفصل بين أن تكون جَوَاب قَسَمٍ ، فيمتنع فيها ذلك ، وبين ألاّ يكون فيجوز .

وهي من الألفاظ اللاَّزمة للإضافة لفظاً وتقديراً ، فإدْخَال الألف واللام عليها خَطَأ .

واختلفوا هل يجوز دخول " أل " على " غير وبعض وكل " والصحيح جوازه .

قال البغوي - رحمه الله تعالى - : " غير " ها هنا بمعنى " لا " و " لا " بمعنى " غير " ، ولذلك جاز العَطْفُ عليها ، كما يقال : " فلان غير مُحْسن ولا مجمل " ، فإذا كان " غير " بمعنى " لا " ، فلا يجوز العَطْفُ عليها ب " لا " ؛ لا يجوز في الكلام : " عندي سوى عبد الله ولا زيد " .

وقرئ{[364]} : " غَيْرَ " نصباً ، فقيل : حال من " الَّذِين " وهو ضعيف ؛ لمجيئه من المُضَاف إليه في غير المواضع الجائز فيها ذَلِكَ ، كما ستعرفه إن شَاءَ اللهُ تعالى : وقيل : من الضمير في " عليهم " .

وقيل على الاستثناء المنقطع ، ومنعه الفَرَّاء ؛ قال : لأن " لا " لا تُزَادُ إلاَّ إذا تقدمها نفي ، كقول الشاعر : [ البسيط ]

85- مَا كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللهِ فِعْلَهُمَا- *** -وَالطَّيِّبَانِ أَبُو بَكْرٍ وَلاَ عُمَرُ{[365]}

وأجابوا بأن " لا " صلة زائدة مثلها في قوله تعالى : { مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ } [ الأعراف : 12 ] ؛ وقول الشَّاعر : [ الرجز ]

86- فَمَا أَلُومُ البِيضَ ألاّ تَسْخَرَا{[366]}- *** -

وقول الآخر : [ الطويل ]

87- وَيَلْحَيْنَني في اللَّهْوِ أَلاَّ أُحِبَّهُ- *** -ولِلَّهْوِ دَاعٍ دَائِبٌ غَيْرُ غَافِلِ{[367]}

وقول الآخر : [ الطويل ]

88- أَبَى جُودُهُ لاَ البُخْلَ واسْتَعْجَلَتْ بِهِ- *** -نَعَمْ مِنْ فَتًى لا يَمْنَعُ الجُودَ نَائِلُهْ{[368]}

ف " لا " في هذه المواضع كلها صلةٌ .

وفي هذا الجواب نظر ؛ لأن الفَرَّاء لم يقل : إنها غير زائدة ، وقولهم : إن " لا " زائدة في الآية ، وتنظيرهم بالمَوَاضِعِ المتقدّمة لا تفيد ، وإنّما تحرير الجواب أن يقولوا : وجدت " لا " زائدةً من غير تقدّم نفي ، كهذه المواضع المتقدمة .

ويحتمل أن تكون " لا " في قوله : " لا البُخْلَ " مفعولاً به ل " أَبَى " ، ويكون نصب " البُخْلَ " على أنه بدل من " لا " أي : أبى جُودُهُ قَوْلَ لا ، وقول : لا هو البخل ، ويؤيد هذا قوله : " واسْتَعْجَلَتْ بِهِ نَعَمْ " فجعل " نَعَمْ " فاعل " اسْتَعْجَلَتْ " ، فهو من الإِسْنَادِ اللَّفْظي ، أي : إلى جود هذا اللَّفظ ، واستعجل به هذا اللفظ .

وقيل : إن نصب " غير " بإضمار أعني . ويحكى عن الخليل ، وقدّر بعضهم بعد " غير " محذوفاً قال : التقدير : " غير صِرَاط المَغْضُوب " ، وأطلق هذا التَّقدير ، فلم يقيده بِجَرّ " غير " ، ولا نصبه ولا يتأتى ذلك إلاَّ مع نصبها ، وتكون صفةً لقوله تعالى : { الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } وهذا ضعيف ؛ لأنه متى اجتمع البدل{[369]} والوصف قدم الوصف ، فالأولى أن تكون صفةً ل " صراط الذين " ، ويجوز أن تكون بدلاً من " الصراط المستقيم " ، أو من " صراط الذين " {[370]} إلا أنه يلزم منه تكرار البدل ، وفي جوازه نَظَر ، وليس في المَسْألة نقل ، إلاّ أنهم قد ذكروا ذلك في بَدَلِ البَدَاء خَاصّة ، أو حالاً من " الصراط " الأول أو الثاني .

واعلم أنّه حيث جعلنا " غير " صفةً فلا بد من القول{[371]} بتعريف " غير " ، أو إبهام الموصوف ، وجريانه مجرى النكرة ، كما تقدم تقريره ذلك في القراءة بجرّ " غير " .

و " لا " في قوله تعالى : { وَلاَ الضَّآلِّينَ } زائدة لتأكيد معنى النَّفي المفهوم من " غير " لئلا يتوهّم عطف " الضَّالين " على " الذين أنعمت " .

وقال الكوفيون : هي بمعنى " غير " وهذا قريبٌ من كونها زائدةً ، فإنه لو صرح ب " غير " كانت للتأكيد أيضاً ، وقد قرأ بذلك عمر بن الخَطَّاب وأبيٌّ رضي الله عنهما .

و " الضَّالين " مجرور عطفاً على " المغضوب " ، وقرىء شاذاً " {[372]} الضَّأَلِّينَ " ، بهمز الألف ؛ وأنشدوا : [ الطويل ]

89- وَلِلأَرْضِ أَمَّا سُودُهَا فَتَجَلَّلََتْ- *** -بَيَاضاً ، وأَمَّا بِيضُهَا فَادْهَأَمَّتِ{[373]}

قال الزَّمَخْشَرِي : " وفعلوا ذلك ، لِلْجِدِّ في الهَرَبِ من التقاء السَّاكنين " .

وقد فعلوا ذلك حيث لا سَاكِنَانِ ؛ قال الشاعر : [ الرجز ]

90- وَخِنْدِفٌ هَامَةُ هَذَا العَأْلَمِ{[374]}- *** -

بهمز " العألم " .

وقال آخر : [ البسيط ]

91- وَلَّى نَعَامُ بَنِي صَفْوَانَ زَوْزَأَةً- *** - . . . . . . . . . . . . . . . . . . {[375]}

بهمز ألف " زَوْرَأَة " ، والظَّاهر أنها لغةٌ مطَّردةٌ ؛ فإنهم قالوا في قراءة{[376]} ابن ذَكْوَان{[377]} : " مِنْسَأَتَهُ " بهمز ساكنة : إنّ أصلها ألف ، فقلبت همزة ساكنة .

فإن قيل : لم أتى بصلة " الذين " فعلاً ماضياً ؟

قيل : ليدلّ ذلك على ثبوت إنعام الله - تبارك وتعالى - عليهم وتحقيقه لهم ، وأتى بصلة " أل " اسماً ليشمل سائر الأزمان ، وجاء مبنيًّا للمفعول ؛ تحسيناً للفظ ؛ لأنّ من طلبت منه الهداية ، ونسب الإنعام إليه لا يناسبه نسبة الغضب إليه ، لأنه مقام تلطُّف ، وترفّق لطلب الإحسان ، فلا يحسن مواجهته بصفة الانتقام .

والإنعام : إيصال الإحسان إلَى الغير ، ولا يقال إلا إذا كان الموصل إليه الإحْسَان من العُقَلاَء ، فلا يقال : أنعم فلان على فَرَسِهِ ، ولا حماره .

والغضب : ثَورَان دم القلب إرادة الانتقام ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : " اتَّقُوا الغَضَبَ فإنه جَمْرَةٌ تُوقَدُ في قَلْبِ ابْنِ آدَمَ ، ألم تَرَ إلى انْتِفَاخِ أَوْدَاجِهِ وحُمْرَةِ عينيه{[378]} " .

وإذا وصف به الباري - تبارك وتعالى - فالمراد به الانتقام لا غيره .

قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى - : هنا قاعدة كليةٌ ، وهي أن جميع الأعراض النَّفْسَانية - أعني الرحمة ، والفرح ، والسُّرور ، والغضب ، والحَيَاء ، والعُتُوّ ، والتكبر ، والاستهزاء -لها أوائل ولها غايات .

ومثاله : الغضب : فإنّ أول غليان دم القلب ، وغايته : إرادة إيصال الضَّرَرِ إلى [ المغضوب عليه ، فلفظ الغضب في حق الله لا يحمل على أوله الذي هو غليان دم القلب ، بل على غايته الذي هو إرادة الإضرار ، وأيضاً الحَيَاءُ ]{[379]} له أول وهو انكسار النفس ، وهذه قاعدة شريفة في هذا الباب .

ويقال : فُلاَن غُضبَّة : إذا كان سريع الغَضَبِ .

ويقال : غضبت لفلان إذا كان حيًّا وغضبت به إذا كان ميتاً .

وقيل : الغضب تغيُّر القلب لمكروه .

وقيل : إن أريد بالغضب العُقُوبة كان صفة فعل ، وإن أريد به إرادة العقوبة كان صفة ذاتٍ .

والضلال : الخَفَاء والغيبوبة .

وقيل : الهلاك ، فمن الأول قولهم : ضَلَّ الماءُ في اللبن .

[ وقال القائل ]6 : [ الوافر ]

92- أَلَمْ تَسْأَلْ فَتُخْبِرَكَ الدِّيَارُ- *** -عَن الحَيِّ المُضَلَّلِ أَيْنَ سَارُوا{[380]} ؟

" والضَّلضلَة " : حجر أملس يَرُده السَّيْل في الوادي .

ومن الثاني :

{ أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ }[ السجدة : 10 ] ، وقيل : الضّلال : العُدُول عن الطريق المستقيم ، وقد يُعَبَّرُ به عن النِّسْيان كقوله تعالى :{ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا } [ البقرة : 282 ] بدليل قوله :{ فَتُذَكِّرَ } [ البقرة : 282 ] .

التفسير : قيل : " المغضوب عليهم " هم اليهود .

وقيل : " الضالون " هم النصارى ؛ لأن الله - تعالى - حكم على اليهود بالغَضَبِ فقال تعالى :{ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ } [ المائدة : 60 ] ، وحكم على النصارى بالضَّلال فقال تعالى : { وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ } [ المائدة : 77 ] .

وقيل : هذا ضعيف ؛ لأن منكري الصَّانع والمشركين أَخْبَثُ ديناً من اليهود والنصارى ، فكان الاحتراز من دينهم أولى .

وقيل : " المغضوب عليهم " : هم : الكُفّار ، و " الضّالون " : هم المنافقون .

وقال سهل بن عبد الله رضي الله عنهما : " غير المغضوب عليهم " بالبِدْعَةِ ، " والضّالين " عن السُّنَّة .

والأَوْلَى أن يحمل " المغضوب عليهم " على كل من أَخْطَأَ في الاعتقاد ؛ لأن اللفظ عام ، والتقييد خلاف الأصل .

فَصْلٌ في عصمة الأنبياء والملائكة

قال ابن الخطيب- رحمه الله تعالى - : " غير المغضوب عليهم " يدلُّ على أن أحداً من الملائكة ، والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ما أَقْدَمَ على عملٍ مخالف قول الدين ، ولا على اعتقاد مخالف اعتقاد دين الله ؛ لأنه لو صدر عنه ذلك لكان قد ضَلّ عن الحق ، لقوله تعالى : { فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ } [ يونس : 32 ] ، ولو كانوا ضالين لما جاز الاقتداء بهم ، ولا بطريقهم ، ولكانوا خارجين عن قوله تعالى : { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } ، ولما كان ذلك باطلاً علمنا بهذه الآية عِصْمةَ الملائكة ، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام .

فَصْلٌ في إضافة الغضب لله

قالت المعتزلة : غَضَبُ الله - تعالى - عليهم يدلُّ على كونهم فاعلين للقبائح باختيارهم ، وإلاَّ لكان الغضب عليهم ظلماً من الله - تعالى - عليهم .

وقال أصحابنا - رحمهم الله تعالى - : لما ذكر غضب الله عليهم ، وأتبعه بذكر كونهم ضالين دلّ ذلك على أن غضب الله - تعالى - عليهم علّة لكونهم ضالين ، وحينئذ تكون صفة الله - تعالى - مؤثرةً في صفة العبد .

أما لو قلنا : إن كونهم ضالين يوجب غضب الله - تعالى - عليهم لزم أن تكون صفة العبد مؤثرة في صفة الله تعالى ، وذلك مُحَال .

فَصْلٌ

قال ابن الخطيب{[381]} - رحمه الله تعالى - : دلّت هذه الآية على أن المكلّفين ثلاث فرق :

أهل الطاعة ، وإليهم الإشارة بقوله تعالى : { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } .

وأهل البغي والعدوان ، وهم المراد بقوله تعالى : { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ } .

وأهل الجهل في دين الله ، وإليهم الإشارة بقوله تعالى : { وَلاَ الضَّآلِّينَ } .

فإن قيل : لم قدم ذكر العُصَاة على ذكر الكَفَرَةِ ؟

قلنا : لأن كل أحد يحترز عن الكفر ، أما قد لا يحترز عن الفِسْق ، فكان أهم فقدم لهذا السّبب ذلك .

قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى - : ها هنا سؤال ، وهو أن غضب الله إنما تولَّد عن علمه بصدور القبيح والجناية{[382]} عنه ، فهذا العلم إما أن يقال : إنه قديم ، أو محدث ، فإن كان قديماً فلم خلقه ، ولم أخرجه من العَدَمِ إلى الوجود ، مع علمه بأنه لا يستفيد من دخوله في الوجود إلا العَذَاب الدَّائم ، ولأنه من كان غضبان على الشَّيء كيف [ يعقل ]{[383]} إقدامه على إيجَادِهِ وتكوينه ؟ فإن كان ذلك العلم حادثاً لكان الباري - تعالى - محلاًّ للحوادث ، إلاَّ أنه يلزم أن يفتقر إحداث ذلك العلم إلى سَبْقِ علمٍ آخر ، وتسلسل ، وهو مُحَال .

والجواب : يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد .

سؤال آخر

وهو أن من أنعم الله - تعالى - عليه امتنع أن يكون مغضوباً عليه ، وأن يكون من الضَّالين ، فلما ذكر قوله : { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } ، فما الفائدة في أن ذكر عقيبه : { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ الضَّآلِّينَ } ؟

والجواب : الإيمان إنما يكمل بالرَّجَاء والخوف ، كما قال عليه الصلاة والسلام : " لَوْ وُزِنَ خَوْفُ المُؤْمِن وَرَجَاؤُهُ لاعتْدَلا " {[384]} ، فقوله : { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } يوجب الرَّجَاء الكامل ، وقوله تعالى : { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّآلِّينَ } يوجب الخوف الكامل ، وحينئذٍ يقوى الإيمان بركنيه وطرفيه ، وينتهي إلى حَدِّ الكمال .

سؤال آخر

ما الحكمة في أنه - تَعَالَى - جعل المقبولين طائفةً واحدةً ، وهم الذين أنعم الله عليهم ، والمردودين فريقين : المغضوب عليهم ، والضَّالين ؟

فالجواب : أنّ الذين كملت نعم الله - تَعَالَى - عليهم هم الذين جمعوا بين معرفة الحَقّ لذاته ، والخير لأجل العمل به ، فهؤلاء هم المُرَادون بقوله : { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } ، فإن اختلّ قيد العمل فهم الفَسَقَةُ ، وهم المغضوب عليهم ، كما قال تعالى : { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ }[ النساء :93 ]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وإن اختلّ قيد العلم فهم الضَّالون لقوله تعالى :{ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ } [ يونس : 32 ] .

ختام السورة:

فصل في حروف لم ترد في هذه السورة

قالوا : إنّ هذه السورة لم يحصل{[1]} فيها سبعة من الحروف ، وهو الثاء ، والجيم ، والخاء ، والزاي ، والشين ، والظاء ، والفاء ، والسبب فيه أن هذه الحروف مُشْعرة بالعذاب ، فالثناء أوّل حروف الثبور .

والجيم أوّل حروف جهنم .

والخاء : أول حروف الخِزْي .

والزاي والشين أول حروف الزفير والشّهيق ، والزّقوم والشّقاوة .

والظَّاء أول حرف ظلّ ذي ثلاث شعب ، ويدل أيضاً على لَظَى الظاء .

والفاء أول حروف الفراق تعالى : { يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ } [ الروم : 14 ] .

قلنا : فائدته أنه - تعالى - وصف جَهَنّم بأن { لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ } [ الحجر : 44 ] فلما أسقط هذه الحروف السّبعة الدّالة على العَذَاب من هذه السورة نبّه بذلك على أن من قرأ هذه السورة ، وآمن بها ، وعرف حقائقها أمن من دَرَكَاتِ جهنم السّبعة .

القول في " آمين " : ليست من القرآن إجماعاً ، ومعناها : اللَّهم اسمع واستجب .

وقال ابن عباس وقتادة - رضي الله تعالى عنهما - : معناه كذلك يكون ، فهي اسم فعل مَبْنِيّ على الفَتْحِ .

وقيل : ليس باسم فعل ، بل هو من أسماء البَارِي تعالى ، والتقدير : يا آمين ، وضعف أبو البقاء هذا بوجهين :

أحدهما : أنه لو كان كذلك لَكَانَ ينبغي أن يبنى على الضَّمِّ ، لأنه منادى مفرد معرفة .

والثاني : أن أسماء الله - تعالى - توقيفيةٌ .

ووجه الفارسي قول من جعله اسماً لله - تعالى - على معنى : أن فيه ضميراً يعود على الله تعالى ؛ لأنه اسم فعل ، وهو توجيه حسن نقله صاحب " المُغْرِب " .

وفي " آمين " لغتان : المَدّ ، والقَصْر ، فمن الأول قول القائل : [ البسيط ]

93- آمِينَ آمِينَ لاَ أَرْضَى بِوَاحِدةٍ- *** -حَتَّى أُبَلِّغَهَا أَلْفَيْنِ آمِينَا{[2]}

وقال الآخر : [ البسيط ]

94- يَا رَبِّ لاَ تَسْلُبَنِّي حُبَّهَا أَبَداً- *** -وَيَرْحَمُ اللهُ عَبْداً قَالَ : آمِينَا{[3]}

ومن الثاني قوله : [ الطويل ]

95- تَبَاعَدَ عَنِّي فُطْحُلٌ إِذْ رَأَيْتُهُ- *** -أَمِينَ فَزَادَ اللهُ ما بَيْنَنَا بُعْدَا{[4]}

وقيل : الممدود : اسم أَعْجَمِيّ ، لأنه بِزِنَةِ قَابِيل وهَابِيل .

وهل يجوز تشديد الميم ؟

المشهور أنه خطأ ، نقله الجَوْهَرِيّ{[5]} - رحمه الله تعالى - ، ولكنه قد رُوي عن الحسن وجعفر الصّادق - رضي الله تعالى عنهما - التشديد ، وهو قول الحسين بن الفَضْلِ ، من أمَّ : إذا قصد ، أي : نحن قاصدون نحوك .

ومنه : { وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ } [ المائدة : 2 ] .

وقيل : معناه : هو طابع الدعاء .

وقيل : هو خاتم الله على عباده يدفع به الآفات عنهم كخاتم الكتاب يمنعه من الفسادِ ، وظهور ما فيه . وقال النَّووي{[6]} - رحمه الله تعالى - في " التهذيب " : وقال عطية العوفي{[7]} : [ " آمين " ]{[8]} كلمة عبرانية ، أو سُرْيانية ، وليست عربية .

وقال عَبْدُ الرَّحمن بن زيد : " آمِينَ " كَنْزٌ من كنوز العَرْشِ لا يعلم أحد تأويله إلاّ الله تعالى .

وروي فيها الإِمَالَة مع المَدّ عن حَمْزَةَ والكِسَائي ، والنون فيها مفتوحة أبداً مثل : أَيْنَ وَكَيْفَ .

وقيل : آمين درجة في الجَنَّة تجب لقائلها .

وقيل : معناه : اللَّهم آمنا بخير .

وقال بعضهم : بنيت لأنها ليست عربية ، وأنها اسم فعل [ ك " صَهٍ " " ومَهٍ " أَلاَ ترى أن معناها : " اللهم استجب ، وأعطنا ما سألناك " .

وقالوا : إن مجيء " آمِين " دليلٌ على أنها ليست عربيةً ]{[9]} ؛ إذ ليس في كلام العرب " فَاعِيل " .

فأما " آري " فليس ب " فَاعِيل " ، بل هو عند جماعة " فَاعُول " .

وعند بعضهم " فَاعِلي " .

وعند بعضهم [ " فَاعِي " ]{[10]} بالنقصان .

وقال بعضهم : إن " أمين " المقصورة لم يجىء عن العرب ، والبيت الذي ينشد مقصوراً لا يصح على هذا الوجه إنما هو : [ الطويل ]

96- . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . - *** -فآمِينَ زَادَ اللهُ مَا بَيْنَنَا بُعْدَا{[11]}

روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إِذَا قَالَ الإمَامُ : { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّآلِّينَ }{[12]} ، فقولوا : آمِين ، فإنّ المَلائِكَةَ تقول : آمين ، فمن وافق تَأْمِينُهُ تأمينَ الملائكة غُفِرَ له ما تقدم من ذَنْبِهِ " .

فصل في وجوب القراءة في الصلاة

قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى - : أجمع الأكثرون على أن القراءة واجبةٌ في الصلاة .

وعن الأَصَمّ{[13]} والحسن بن صالح{[14]} - رضي الله تعالى عنهما - أنهما قالا : لا تجب لنا [ أن كلّ دليل نذكره في بيان أن ]{[15]} قراءة الفاتحة واجبة ، فهو يدلّ على أن أصل القراءة واجب ، ونزيد - ها هنا - وجوهاً :

الأول : فهو قوله تبارك وتعالى : { أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الْلَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ } [ الإسراء : 78 ] .

والمراد بالقرآن القراءة ، والتقدير : أقم قراءة الفجر ، وظاهر الأمر الوجوب .

الثاني : عن أبي الدَّرْدَاء{[16]} - رضي الله تعالى عنه - " أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أفي الصَّلاَةِ قِراءةٌ فقال : " نَعَمْ " فقال السَّائل : وجبت ، فأقر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل على قوله : " وَجَبَتْ " {[17]} .

الثالث : عن ابن مَسْعُودٍ - رضي الله تعالى عنه - " أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِلَ : أيقرأ في الصلاة ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : " أتَكُونُ صَلاَةٌ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ " {[18]} ، هذان الخبران نقلهما من تعليق الشيخ أبي أحمد الإسفرايني{[19]} .

وحجّة الأصم - رحمه الله تعالى - قوله عليه الصلاة والسلام : " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُوني أُصَلّي " {[20]} جعل الصلاة من الأشياء المرئية ، والقراءة ليست مرئية ، فوجب كونها خارجةً عن الصلاة ، والجواب : أنّ الرؤية إذا كانت متعديةً إلى مفعولين كانت بمعنى العلم .

فصْلٌ

قال الشافعي - رحمه الله تعالى - : قراءة الفاتحة واجبةٌ في الصلاة ، فإن ترك منها حرفاً واحداً وهو يحسنها لم تصحّ صلاته ، وبه قال الأكثرون .

وقال أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه - : لا تجب قراءة الفَاتِحَةِ .

لنا وجوه :

الأول : أنه - عليه الصّلاة والسلام - وَاظَبَ طول عمره على قراءة الفاتحة في الصَّلاة ، فوجب علينا ذلك ، لقوله تعالى : { وَاتَّبِعُوهُ } [ الأعراف : 158 ] ، ولقوله : { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ } [ النور : 63 ] ، ولقوله تعالى : { فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } [ آل عمران : 31 ] .

ويا للعجب من أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - أنه تمسّك في وجوب مسح النّاصية بخبر واحدٍ ، في أنه - عليه الصلاة والسلام - مسح على النّاصية ، فجعل ذلك القَدْرَ من المسح شرطاً لصحة الصلاة ، وها هنا نقل أهل العلم نقلاً متواتراً أنه - عليه الصلاة والسلام - واظب على قراءة الفاتحة ، ثم قال : إن صحّة الصَّلاة غير موقوفةٍ عليها ، وهذا من العَجَائب .

الثاني : قوله تعالى : { وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ } [ البقرة : 43 ] ، والصلاة لفظ مُحَلّى بالألف واللام ، فيكون المراد منها المعهود السَّابق ، وليس عند المسلمين معهودٌ سابق من لفظ الصَّلاة إلى الأعمال التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي بها .

وإذا كان كذلك كان قوله تعالى :{ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ } [ البقرة :43 ] جارياً مجرى أمره بقراءة الفاتحة ، وظاهر الأمر [ الوجوب ]{[21]} ، ثم إنّ هذه اللَّفظة تكررت في القرآن الكريم أكثر من مائة مرة ، فكان ذلك دليلاً قاطعاً على وجوب قراءة الفَاتحَةِ في الصَّلاةِ .

الثالث : أنّ الخلفاء الراشدين - رضي الله تعالى عنهم - واظبوا على قراءتها طول عمرهم ، ويدلُّ عليه ما روي في " الصّحيحين " " أن النَّبي - عليه الصلاة والسلام - وأبا بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهما - كانوا يستفتحون القراءة ب { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }{[22]} ، وإذا ثبت هذا وجَبَ علينا ذلك ، لقوله عليه الصلاة والسلام : " عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ من بَعْدِي " {[23]} .

ولقوله عليه الصلاة والسلام : " اقْتَدُوا باللَّذينِ مِنْ بَعْدِي : أَبي بَكْرٍ وَعُمَرَ " رضي الله عنهما .

والعجب من أبي حنيفة - رحمه الله - أنه تمسَّك بطلاق الفَارّ بأثر عثمان{[24]} - رضي الله عنه - مع أن عبد الرحمن ، وعبد الله بن الزبير - رضي الله عنهما - كانا يخالفانه - ونص القرآن أيضا يوجب عدم الإرْث ، فلم يتمسّك بعمل [ كل ] الصحابة - رضي الله عنهم - على سبيل الإطباق ، والاتفاق على وجوب قراءة الفاتحة ، مع أن هذا القول على وَفْقِ القرآن ، والإخبار ، والمعقول !

الرابع : أن الأمّة [ وإن ]{[25]} اختلفت في أنه هل تجب قراءة الفاتحة أم لا ؟ لكنهم اتفقوا عليه في العَمَلِ فإنك لا ترى أحداً من المسلمين في العرف إلا ويقرأ الفاتحة في الصَّلاة ، وإذا ثَبَتَ هذا فنقول : إنَّ من صَلَّى ولم يقرأ الفاتحة كان تاركاً سبيل المؤمنين ، فيدخل تحت قوله تعالى : { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ } [ النساء : 115 ] فإن قالوا : إنَّ الذين اعتقدوا أنَّهُ لا يَجِب قراءتها قَرَءُوهَا لا عن اعتقاد الوجوب ، بل على اعتقاد النّدبية ، فلم يحصل الإجماع على وجوب قرَاءتها .

فنقول : أعمال الجوارح غير أعمال القلوب ، ونحن قد بَيَّنَّا إطباق الكُلّ على الإتيان بالقراءة ، فمن لم يَأْتِ بالقراءة كان تاركاً طريقة المؤمنين في هذا العَمَلِ فدخل تَحْتَ الوَعِيدِ ، وهذا القدر يكفينا في الدَّلِيلِ ، ولا حاجة في تقرير هذا الدَّليل إلى ادِّعَاء الإجماع في اعتقاد الوجوب .

الخامس : قوله عَزَّ وجَلَّ : " قسمتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْن ، فإذا قَالَ العَبْدُ : { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } يقول الله تَعَالى : حَمِدَنِي عَبْدِي . . . " {[26]} ، إلى آخر الحديث .

وجه الاستدلال : أنه - تَعَالَى - حكم على كلّ صلاة بكونها بينه وبين العبد نصفين ، ثم بين أنّ هذا التصنيف لم يحصل إلاّ بسبب آيات هذه السورة ، ولازم اللازم لازم ، فوجب كون هذه السورة من لوازم الصلاة ، وهذا اللزوم{[27]} لا يحصل إلا إذا قلنا : قراءة الفاتحة شرط في صِحّة الصلاة .

السَّادس : قوله عليه الصلاة والسلام : " لا صَلاَةَ إلاَّ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ " .

قالوا : حرف النفي دخل على الصَّلاة ، ودخل على غير مُمْكِنٍ ، فلا بُدّ من صرفه إلى حكم من أحكام الصَّلاة ، وليس صرفه إلى الصِّحة أولى من صرفه إلى الكمال .

والجواب من وجوه :

الأول : أنه جاء في بعض الرِّوَايات : " لا صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ " ، وعلى هذه الرواية فالنَّفي ما دخل على الصَّلاة ، وإنما دخل على حصولها للرَّجل ، وحصولها للرجل عبارة عن انتفاعه بها ، وخروجه عن عُهْدَةِ التَّكْليف بسببها ، وعلى هذا التَّقدير فإنه يمكن إجراء حرف النَّفي على ظاهره .

الثاني : من اعتقدوا أن قراءة الفاتحة جزء من أجزاء ماهية الصلاة ، فعند عدم القراءة لا توجد ماهية الصلاة ؛ لأنّ الماهية تمنع حصولها حال عدم بعض أجزائها ، وإذا ثبت هذا فقولهم : إنه لا يمكن إدخال حرف النَّفي على مُسَمَّى الصلاة إنما يصح لو ثبت أن الفَاتحَةَ ليست جزءاً من الصّلاة ، وهذا [ هو ]{[28]} أول المسألة ، فثبت أن قولنا : يمكن إجراء هذه اللفظة على أنه متى تعذّر العمل بالحقيقة ، وحصل للحقيقة مجازان أحدهما : أقرب إلى الحقيقة ، والثاني : أبعد ؛ فإنه يجب حمل اللَّفظ على المَجَاز الأقرب .

إذا ثبت هذا فنقول : المُشَابهة بين المعدوم ، وبين الموجود الذي يكون صحيحاً [ أتم من المُشابَهة بين المعدوم وبين الموجود الذي لا يكون صحيحاً ]{[29]} ، لكنه لا يكون كاملاً ، فكان حمل هذا اللَّفظ على نفي الصِّحة أولى .

الحُجَّة السَّابعة : عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " كُلّ صَلاَةٍ لم يقرأ فيها بِأُمِّ القُرْآنِ فهي خِدَاج ، فهي خداج " {[30]} أي غير تمام ، قالوا : الخِدَاجُ هو النقصان ، وذلك لا يدل على عدم الجواز .

قلنا : بل هذا يدلّ على عدم الجواز ؛ لأن التكليف بالصَّلاة دائم ، والأصل في الثابت ، البقاء ، خالفنا هذا الأصل عند الإتيان بالصَّلاة على صفة الكَمَالِ ، فعند الإتيان بها على سبيل النُّقصان يوجب ألاّ يخرج عن العُهْدَةِ ، والذي يقوي هذا أنَّ عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - يصح الصوم في يوم العيد إلا أنه قال : لو صام يوم العِيدِ قضاء عن رَمَضَان لم يصح ؛ لأن الواجب عليه هو الصَّوم الكامل ، والصوم في هذا اليوم ناقص ، فوجب ألا يفيد هذا القضاء الخروج عن العُهْدَةِ .

وإذا ثبت هذا فنقول : فلم لم يقل بمثل هذا الكلام ها هنا ؟

الحُجّة الثامنة : نقل الشيخ أبو حامد في " تعليقه " عن ابن المُنْذِرِ{[31]} أنه روى بإسناده عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تُجْزِىء صَلاَةٌ لا يُقْرأ فيها بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ " .

الحُجّة التاسعة : روى رفاعة بن مالك{[32]} - رضي الله عنه - أن رَجُلاً دخل المَسْجِد فصلّى ، فلما فرغ من صلاته ، ذكر في الخبر أن الرجل قال : علّمني الصَّلاة يا رسول الله ، فقال عليه الصلاة والسلام : " إذا تَوَجَّهْتُم إلى القِبْلَةِ فَكَبِّرُوا ، واقْرَءُوا بفاتحة الكِتَابِ " {[33]} ، وهذا أمر ، والأمر للوجوب .

الحُجّة العاشرة : " روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ألا أخبركم بِسُورَةٍ ليس في التَّوْرَاة ولا في الإِنْجِيل ولا في الزَّبُور مثلها " ، قالوا : نعم ، قال : " فما تقرءونه في صَلاَتكم " ؟ فقالوا : الحمد لله ربّ العالمين ، قال : " هِيَ هِيَ " " .

وجه الدليل : " أنه - عليه الصلاة والسلام - لما قال : " ما تَقْرَءُونَهُ في صلاتكم " ؟ قالوا : الحمد لله رب العالمين " {[34]} ، وهذا يدل على أنه كان مشهوراً عند الصحابة - رضي الله عنهم - أنه لا يصلي أحد إلاّ بهذه السورة ، فكان هذا إجماعاً معلوماً عندهم .

الحُجّة الحادية عشرة : التمسُّك بقوله تعالى : { فَاقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ } [ المزمل : 20 ] فهذا أمر ، والأمر للوجوب ، فهذا يقتضي أن قراءة ما تَيَسَّرَ من القرآن واجبةٌ .

فنقول : المراد بما تيسّر من القرآن ، إما أن يكون هو الفاتحة بعينها واجبة ، وهو المطلوب وإمّا يقتضي أن قراءة غير الفاتحة واجبة ، وذلك باطل بالإجماع ، أو يقتضي التخيير بين قراءة الفاتحة ، وبين قراءة غيرها وذلك باطل بالإجماع ، لأن الأمّة مجمعةٌ على أن قراءة الفاتحة أولى من قراءة غيرها .

وسلم أبو حنيفة أن الصلاة بدون قراءة الفاتحة خِدَاجٌ ناقصة ، والتخيير بين الناقص والكامل لا يجوز .

واعلم أنه إنما سمى قراءة الفاتحة لما تيسّر من القرآن ؛ لأن هذه السّورة محفوظة لجميع المكلّفين من المسلمين ، فهي متيسّرة للكل ، أما سائر السُّور فقد تكون محفوظة ، وقد لا تكون ، وحينئذٍ لا تكون متيسّرة للكلّ .

الحُجّة الثَّانية عشرة : الأصل بقاءُ التكليف ، فالقولُ بأنَّ الصَّلاةَ بدون قراءة الفاتحة يقتضي الخروج عن العهدة ، إما أنْ يعرف بالنَّص{[35]} أو بالقياس{[36]} .

أما الأول فباطل .

[ لأن النص الذي تمسكوا به قوله تعالى :{ فَاقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ }[ المزمل :20 ] وقد بينا أنه دليلنا .

وأما القياس ]{[37]} فباطل ؛ لأن التعبدّات غالبة على الصَّلاة ، وفي مثل هذه الصورة يجب ترك القياس .

الحُجّة الثالثة عشرة : أن النبي - عليه الصلاة والسلام - وَاظَبَ على الصَّلاة بها طول عمره ، فيكون قراءة غير الفاتحة ابتداعاً وتركاً للاتباع ، وذلك حرام لقوله صلى الله عليه وسلم : " اتَّبِعُوا وَلاَ تَبْتَدِعُوا " ، و " أَحْسَن الهَدْي هَدْيُ مُحَمّدٍ ، وَشَرّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا " {[38]} .

واحتج أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه - بالقرآن والخبر .

أما القرآن الكريم فقوله تبارك وتعالى : { فَاقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ } [ المزمل :20 ] .

وأما الخبر فما روى أبو عثمان النهدي{[39]} عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنهما - قال " أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أخرج وأنادي : لا صَلاَةَ إلا بِقَرَاءَةٍ ، ولو بفاتحة الكِتَاب " {[40]} .

والجواب عن الأول : أنا بَيّنا أنّ هذه الآية من أقوى الدلائل على قولنا .

وعن الثاني : أنه معارض بما نقل عن أبي هريرة ، وأيضاً لا يجوز أن يقال : المراد من قوله : " لا صَلاَةَ إلا بقراءة ، ولو بفاتحة الكتاب " وهو أنه لو اقتصر على الفاتحة لكفى .

1000

فَصْلٌ

قال ابن الخطيب - رحمه الله - : نقل في بعض الكتب القديمة أن ابن مسعود - رضي الله عنه - كان ينكر كَوْنَ سورة الفاتحة من القرآن الكريم ، وكان ينكر كون المُعَوّذتين من القرآن .

واعلم أن هذا في غاية الصعوبة ؛ لأنا إن قلنا : إن النقل المتواتر كان حاصلاً في عصر الصحابة{[59]} بِكَوْنِ سورة الفاتحة من القرآن ، فحينئذٍ كان ابن مسعود - رضي الله عنه - عالماً بذلك فإنكاره يوجب الكُفْر أو نقصان العقل .

وإن قلنا : النقل المتواتر ما كان حاصلاً في ذلك الزمان فهذا يقتضي أن يقال : إن نقل القرآن ليس بمتواترٍ في الأصل ، وذلك يخرج القرآن عن كونه حُجَّةً يقينية .

والأغلب على الظن أن يقال : هذا المذهب عن ابن مسعود نَقْلٌ كاذِبٌ باطل ، وبه يحصل الخلاص عن هذه العُقْدَةِ ، والله الهادي إلى الصواب ، إليه يرجع الأمر كله في الأول والمآب .


[1]:في النسختين تقدم. وندم تصحيح من الرازي. وانظر تصحيح ذلك وغيره في تفسير الإمام 28/117.
[2]:ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (6/605) وعزاه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
[3]:أخرجه الطبري في "تفسيره" (12/612، 613) عن ابن عباس وأبي عبد الرحمن السلمي والضحاك. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (/605) عن أبي عبد الرحمن السلمي وزاد نسبته إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
[4]:أخرجه البخاري (4/301)، كتاب: فضل ليلة القدر، باب: التماس ليلة القدر في السبع الأواخر رقم (2015)، ومسلم (2/822)، كتاب: الصيام، باب: فضل ليلة القدر والحث على طلبها... رقم (205- 1165).
[5]:تقدم.
[6]:سقط من: ب.
[7]:تقدم.
[8]:ينظر: تفسير القرطبي (20/93).
[9]:سقط من: ب.
[10]:الجامع لأحكام القرآن 20/91.
[11]:سقط في ب.
[12]:سقط في ب.
[13]:ستأتي في "المؤمنون" 1 وينظر: شرح الطيبة 4/ 145.
[14]:قال سيبويه في الكتاب 3/265 وزعم من يوثق به: أنه سمع من العرب من يقول: "ثلاثة أربعه" طرح همزة أربعه على الهاء ففتحها، ولم يحولها تاء لأنه جعلها ساكتة والساكن لا يتغير في الإدراج، تقول: اضرب، ثم تقول: اضرب زيدا.
[15]:ينظر: الكتاب 4/ 166.
[16]:ينظر: الدر المصون 2/35.
[17]:ينظر: السبعة 200، والكشف 1/334، والحجة، 3/6 والبحر المحيط 2/389، والدر المصون 2/5.
[18]:قال سيبويه 3/25 "فإن قلت: ما بالي أقول: واحد اثنان، فأشم الواحد، ولا يكون ذلك في هذه الحروف فلأن الواحد اسم متمكن، وليس كالصوت، وليست هذه الحروف مما يدرج وليس أصلها الإدراج...".
[19]:ينظر: المشكل 1/ 123.
[20]:ينظر: الكتاب 2/107.
[21]:ينظر: البحر المحيط 2/391.
[22]:سقط في ب.
[23]:ينظر: الدر المصون 2/6.
[24]:ينظر ديوانه ص 216، ولسان العرب (ثور)، وخزانة الأدب 7/210، ورصف المباني ص 41 والمصنف 1/68، والدر المصون 2/6.
[25]:قرأ بها عيسى بن عمر كما في الشواذ 129، وستأتي في سورة "ص" آية 1،2.
[26]:تقدمت.
[27]:سقط في أ.
[28]:سقط في أ.
[29]:ينظر: المشكل 1/123.
[30]:ينظر: الكتاب 3/324.
[31]:ينظر:الإملاء 1/ 122.
[32]:ينظر: الكشاف 1/335، والمحرر الوجيز 1/397، والبحر المحيط 2/ 389، الدر المصون 2/7. وأما رد الفارسي لكلام أبي إسحاق الزجاج وانتصاره للأخفش فلم أجده في "الحجة" في مظنته، بل إنه لم يحك مذهب كسر الميم.
[33]:ينظر معاني القرآن للزجاج 1/327. وفي ب الذي حكاه الأخفش من كسر الميم- خطأ لا يجوز، ولا تقوله العرب لثقله.
[34]:وهذا الطعن عندي ضعيف، لأن الكسرة حركة فيها بعض الثقل والياء أختها، فإذا اجتمعا، عظم الثقل، ثم يحصل الانتقال منه إلى النطق بالألف في قولك: "الله" وهو في غاية الخفة، فيصير اللسان منتقلا من أثقل الحركات إلى أخف الحركات، والانتقال من الضد إلى الضد دفعة واحدة صعب على اللسان، أما إذا جعلنا الميم مفتوحة، انتقل اللسان من فتحة الميم إلى الألف في قولنا: "الله" فكان النطق بها سهلا، فهذا وجه تقرير قول سيبويه والله أعلم. ينظر الرازي 7/134.
[35]:(10) في أ: وبقوله.
[36]:سقط في أ.
[37]:روي ذلك عن مقاتل، وذكره أبو حيان في البحر المحيط 2/389.
[38]:آية 61 من سورة آل عمران. والبهل: اللعن: وفي حديث ابن الصبغاء قال: الذي بهله بريق أي الذي لعنه ودعا عليه رجل اسمه بريق. وبهله الله بهلا: لعنه. وعليه بهلة الله وبهلته أي لعنته. وفي حديث أبي بكر: من ولي من أمور الناس شيئا فلم يعطهم كتاب الله فعليه بهلة الله أي لعنة الله، وتضم باؤها وتفتح. وباهل القوم بعضهم بعضا وتباهلوا وابتهلوا: تلاعنوا. والمباهلة: الملاعنة. يقال: باهلت فلانا؟ أي لاعنته، ومعنى المباهلة أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء فيقولوا: لعنة الله على الظالم منا. وفي حديث ابن عباس: من شاء باهلته أن الحق معي. ينظر: اللسان (بهل).
[39]:(نجران) بفتح النون وسكون الجيم: بلد كبير على سبع مراحل من مكة إلى جهة اليمن، يشتمل على ثلاثة وسعين قرية مسيرة يوم للراكب السريع، كذا في زيادات يونس بن بكير بإسناد له في المغازي، وذكر ابن إسحاق أنهم وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وهم حينئذ عشرون رجلا، لكن أعاد ذكرهم في الوفود بالمدينة فكأنهم قدموا مرتين. قال ابن سعد: كان النبي صلى الله عليه وسلم كتب إليهم، فخرج إليه وفدهم في أربعة عشر رجلا من أشرافهم، وعند ابن إسحاق أيضا من حديث كرز بن علقمة: أنهم كانوا أربعة وعشرين رجلا، وسرد أسماءهم. وفي قصة أهل نجران من الفوائد أن إقرار الكافر بالنبوة لا يدخل في الإسلام، حتى يلتزم أحكام الإسلام، وفيها جواز مجادلة أهل الكتاب، وقد تجب إذا تعينت مصلحته، وفيها مشروعية مباهلة المخالف إذا أصر بعد ظهور الحجة، وقد دعا ابن عباس إلى ذلك ثم الأوزاعي، ووقع ذلك لجماعة من العلماء، ومما عرف بالتجربة أن من باهل وكان مبطلا لا تمضي عليه سنة من يوم المباهلة، ووقع لي ذلك مع شخص كان يتعصب لبعض الملاحدة، فلم يقم بعدها غير شهرين، وفيها مصالحة أهل الذمة على ما يراه الإمام من أصناف المال، ويجري ذلك مجرى الجزية عليهم؛ فإن كلا منهما مال يؤخذ من الكفار على وجه الصغار في كل عام، وفيها بعث الإمام الرجل العالم الأمين إلى أهل الهدنة في مصلحة الإسلام، وفيها منقبة ظاهرة لأبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، وقد ذكر ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عليا إلى أهل نجران؛ ليأتيه بصدقتاهم وجزيتهم، وهذه القصة غير قصة أبي عبيدة؛ لأن أبا عبيدة توجه معهم، فقبض مال الصلح ورجع، وعلي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يقبض منهم ما استحق عليهم من الجزية، ويأخذ ممن أسلم منهم ما وجب عليه من الصدقة والله أعلم. ينظر فتح الباري 8/428، 429.
[40]:والحبرة والحبرة: ضرب من برود اليمن منمر، والجمع حبر وحبرات. الليث: حبرة ضرب من البرود اليمانية. يقال برد حبير وبرد حبرة، مثل عنبة. على الوصف والإضافة وبرود حبرة. قال: وليس حبرة موضعا أو شيئا معلوما إنما هو وشيء كقولك ثوب قرمز. ينظر لسان العرب 2/749- 750. (حبر)، النهاية في غريب الحديث 1/328.
[59]:- محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي، الزمخشري، جار الله أبو القاسم، ولد سنة 467هـ في زمخشر (من قرى خوارزم)، من أئمة العلم بالدين والتفسير واللغة والآداب، سافر إلى مكة فجاور بها زمنا؛ فلقب بـ"جار الله". أشهر كتبه: "الكشاف"، و"أساس البلاغة"، و"المفصل"، ومن كتبه: "المقامات" و"مقدمة الأدب" و"نوافع الكلم"، و"ربيع الأبرار". توفي بـ"الجرجانية"، بـ"خوارزم" سنة 538هـ. ينظر: وفيات الأعيان:2/81، ولسان الميزان: 6/4، والجواهر المضيئة: 2/160، وآداب اللغة: 3/46، والأعلام: 7/178.
[323]:-ينظر ديوانه: ص 32، والخصائص: 3/296، والدرر: 6/56، ولسان العرب (شنب)، (حوا)، والمقاصد النحوية: 4/203، وهمع الهوامع: 2/126، شرح الأشموني: 2/438، العيني: 4/202، شرح جمل الزجاجي لابن عصفور: 1/283، الكامل: 1/160، الدر: 1/79.
[324]:-البيت لابن قيس الرقيات-ينظر ديوانه: 20، شرح المفصل لابن يعيش: 1/47، الإنصاف: 28، رصف المباني: 297، الهمع: 2/127، الدرر: 2/162، اللسان (طلح) ضرائر الشعر: 1/165، خزانة الأدب: 4/414، 8/10، الدر: 1/79.
[325]:- ينظر ديوانه: ص9، وخزانة الأدب: 4/376، الدر: 6/60، لسان العرب (نقف)، والمقاصد النحوية: 4/201، شرح الأشموني: 2/437، شرح المعلقات للزوزني: 6، شرح القصائد العشر: 16، الشنقيطي: 58، شرح الألفية للمرادي: 3/150، الدر: 1/80.
[326]:-جعفر بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السبط، الهاشمي القرشي ولد في 80هـ الملقب بالصادق لأنه لم يعرف عنه الكذب قط، سادس الأئمة الاثني عشر عند الإمامية أخذ عنه جماعة، منهم الإمامان أبو حنيفة ومالك، كان جريئا صداعا للحق توفي 148هـ. ينظر وفيات الأعيان: 1/105، والأعلام: 1/126.
[327]:- البيت قيل لرجل جاهل يسمى أبا حرب بن الأعلم. ينظر شرح الأشموني: 1/149، الهمع: 1/61، الخزانة: 2/506، النوادر: 47، شرح ابن عقيل: 1/144، الدرر: 1/36، مغني اللبيب: 2/410، شرح شواهد المغني: 2/832، الدر: 1/79.
[328]:- البيت للأشهب بن رميلة. ينظر الكتاب: 1/86-187، الخزانة: 2/507، ابن الشجري: 2/307، شواهد المغني: 175، ابن يعيش: 3/155، رصف المباني: 341، الهمع: 1/49، الدرر:1/24، المحتسب: 1/185، المنصف: 1/67، التصريح: 1/131، مغني اللبيب: 1/194، القرطبي: 1/148، الدر: 1/81، ولسان العرب (فلج)، (لذا) والمؤتلف والمختلف: ص33، ومعجم ما استعجم: ص 1028 والمقاصد النحوية: 1/482 والمقتضب: 4/146، والأزهية: ص 299، وسر صناعة الإعراب: 2/ 537.
[329]:-سقط في ب.
[330]:- في أ: واجب.
[331]:- وقرأ بها ابن مسعود وزيد بن علي. ينظر البحر المحيط: 1/147.
[332]:- عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي أبو خبيب بمعجمة مضمومة، المكي ثم المدني، أول مولود في الإسلام وفارس قريش له ثلاثة وثلاثون حديثا. شهد اليرموك وبويع بعد موت يزيد وغلب على اليمن والحجاز والعراق وخراسان، وكان فصيحا شريفا شجاعا، لسنا أطلس. قتل بمكة سنة ثلاث وسبعين ومولده بعد الهجرة بعشرين شهرا. ينظر الخلاصة: 2/56، وتاريخ البخاري الكبير: ت (9)، والجرح والتعديل: ت (261).
[333]:-البيت للقحيف العقيلي ينظر خزانة الأدب: 10/132، 133، والدرر: 4/135، ولسان العرب (رضي)، وشرح التصريح: 2/14، وأدب الكاتب: ص 507، وشرح شواهد المغني: 1/416، والمقاصد النحوية: 3/282، وأدب الكاتب: ص 507، والأزهية: ص277، ونوادر أبي زيد: ص176، والأشباه والنظائر: 2/118، والمقتضب: 2/320، والمحتسب: 1/52، 348، ومغني اللبيب: 2/143، وهمع الهوامع: 2/28، وأوضح المسالك: 3/41، والإنصاف: 2/630، وجمهرة اللغة: ص 1314، والجنى الداني: ص 477، والخصائص: 2/311، 389، ورصف المباني: ص372، وشرح الأشموني: 2/294، وشرح شواهد المغني: 2/954، وشرح ابن عقيل: ص 365، وشرح المفصل: 1/120. الأمالي الشجرية: 2/296، مجاز القرآن: 2/84، ارتشاف الضرب: 2/453، الدر: 1/81.
[334]:- البيت لحميد بن ثور ينظر ديوانه: ص 41، ولسان العرب (سرح)، والدرر: 4/137، وشرح التصريح: 2/15، وشرح شواهد المغني: 1/420 وأدب الكاتب: ص532، وأساس البلاغة: ص 185 (روق)، والجنى الداني: ص 479، ومغني اللبيب: 1/144، وخزانة الأدب: 2/194، 10/144، 145، وشرح الأشموني: 2/ 294، وجواهر الأدب: ص377، ارتشاف الضرب: 2/454، البحر المحيط: 1/145، الدر المصون: 1/82.
[335]:-الأصل في الحرف "على" أنه حرف، ثم اتسع فيها واستعملت اسما، ولحظوا فيها معنى (فوق)، فأدخلوا عليها (من) فقالوا: قمت من عليه، وذهب ابن الطراوة إلى أن (على) لا تكون حرفا، وإنما هي ظرف بمنزلة (فوق)، فإذا قلت: جلست عليه، فهي بمنزلة: جلست فوقه، وهي من الظروف التي تتصرف، ولا تخفض إلا بـ"من" خاصة نحو "عند" تقول: جلست عندك، ولا يجوز أن ترفع ولا تنصب على غير الظرف ولا تخفض إلا بـ"من"، وادعى أن هذا مذهب "سيبويه"، واستدل بما ذكره "سيبويه" في باب (عدة ما يكون عليه الكلام)، وهو قوله (وعلى اسم) ولا تكون إلا ظرفا فالكلام في هذا الموضع في فصلين: أحدهما: أنك إذا قلت: جلست عليك، فليس بمنزلة: جلست فوقك. الثاني: أن مذهب سيبويه أن (على) تكون حرفا وتكون اسما؛ كما قال النحويون؛ فأما الأول فاعلم أنك إذا قلت: جلست فوقك، فلا يقتضي أن الجلوس يتعلق بك، إنما يقتضي هذا اللفظ أن الجلوس وقع في مكان له منك هذه النسبة بمنزلة: جلست تحتك، وجلست يمينك، وجلست شمالك، وإذا قلت: جلست عليك، فيقتضي أن الجلوس وصل إليك، ووقع بك، إلا أنه لم يصل بنفسه ووصل بحرف الجر؛ فهو بمنزلة: صرت إليك ومشيت لك. الإضافة على حسب ما ذكرته، فكيف يقال: إن (على) في قولك: جلست عليك، ظرف بمنزلة (فوق)، ومطلوب الفعل ما بعدها، (وعلى) موصلة الفعل إليه، وجلست فوقك ليس الاسم هو مطلوب الجلوس، و(فوق) موصولة، وإنما (فوق) دالة على المكان الذي يطلبه الجلوس؛ وأضيف إليه ليزول عمومه ويتخصص بمنزلة: ضربت غلامك فالضرب بالغلام، لكن لما كان الغلام عاما، أضيف إلى المخاطب؛ ليزول عمومه ويتخصص بذلك، وأما نسبته إلى "سيبويه"، لقوله في الباب الذي ذكر: (ولا تكون إلا ظرفا) فيريد-والله أعلم-: ولا تكون إلا ظرفا إذا كانت اسما، والدليل على ذلك: أنه قال في باب: (ما يتعدى إلى المفعولين ويجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر)، إنك تقول: استغفرت الله الذنب، والأصل: استغفرت الله من الذنب، فأسقط حرف الجر ونظره بقول الشاعر: آليت حب العراق الدهر أطعمه وقال في هذا: إنه على إسقاط حرف الجرن وقال: الأصل: آليت على حب العراق، فلما أسقط حرف الجر، انتصب الاسم، فهذا يدلك على أن (على) تكون عنده حرف جر، وأن قوله: في باب (عدة ما يكون عليه الكلام): (ولا يكون إلا ظرفا) يريد: إذا كانت اسما. انظر البسيط: (2/848-849-850)، والكتاب: (4/231، 1/38، 2/29)، والدرر اللوامع: (2/23)، والأشموني: (2/222)، ومغني اللبيب: (114).
[336]:- البيت لمزاحم العقيلي في أدب الكاتب: 504، الأزهية: 194، خزانة الأدب: 10/147، و150 والدرر: 4/187، جمهرة اللغة: (1314)، وجواهر الأدب: 375، رصف المباني: 371، والمقتضب: 3/53، وهمع الهوامع: 2/36، وشرح الأشموني: 2/296، مجالس ثعلب: 304، مغني اللبيب: 1/146، و2/532، الأشباه والنظائر: 3/12، المقاصد النحوية: 3/301، الجنى الداني: 470، وشرح التصريح: 2/19، شرح المفصل: 8/38، لسان العرب: "صلل" النوادر: 163، الكامل: 488، الجمل: 73، المقرب: 42، شرح شواهد المغني: 145، العيني: 3/301، الدر: 1/82.
[337]:- البيت للأعور الشني ينظر الدرر: 4/139، شرح أبيات سيبويه: 1/338، شرح شواهد المغني: 1/427، 2/874، الكتاب: 1/64، وأمالي ابن الحاجب: 2/679، الجنى الداني: ص 471، خزانة الأدب: 10/148، مغني اللبيب: 1/146، المقتضب: 4/196، 200، همع الهوامع: 2/29، ولبشر بن حازم في العقد الفريد: 3/207، الأشباه والنظائر: 7/62، العمدة: 1/33، ارتشاف الضرب: 2/452، الدر: 82.
[338]:- سقط في أ.
[339]:-ينظر تفصيل ذلك في حجة القراءات: 80، والحجة: 1/57، وما بعدها، وإعراب القراءات: 1/50، والبحر المحيط: 1/145، وإتحاف: 1/365، وما بعدها.
[340]:-عبد الرحمان بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري، ولد سنة 513هـ، من علماء اللغة والأدب وتاريخ الرجال. سكن بغداد وتوفي بها سة 577هـ. له البيان في غريب إعراب القرآن، نزهة الألباء في طبقات الأدباء. ينظر الأعلام: 3/ 327، بغية الوعاة: 301، والوفيات: 1/279.
[341]:-عكرمة البربري مولى ابن عباس أبو عبد الله أحد الأئمة الأعلام. عن مولاه، وعائشة وأبي هريرة، وأبي قتادة ومعاوية وخلق. وعنه الشعبي وإبراهيم النخعي، وأبو الشعثاء من أقرانه وعمرو بن دينار وقتادة وأيوب وخلق. قال الشعبي: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة رموه بغير نوع من البدعة. قال العجلي: ثقة بريئ مما يرميه الناس به. ووثقه أحمد، وابن معين، وأبو حاتم والنسائي. ومن القدماء أيوب السختياني. قال مصعب: مات سنة خمس ومائة. ينظر الخلاصة: 2/ 240.
[342]:-عبد الرحمان بن زيد بن أسلم المدني روى عن أبيه. وعنه وكيع وابن وهب وقتيبة وخلق ضعفه أحمد وابن المديني والنسائي وغيرهم. توفي سنة 184هـ. ينظر الخلاصة: 2/133 (4094)، الجرح والتعديل: ج2 ق 2/232، 233، والمغني: 2/ 380، وهدية العارفين: 1/512.
[343]:-شهر بن حوشب الأشعري، فقيه قارئ، من رجال الحديث، شامي الأصل، ولد سنة 20 هـ، سكن العراق، وكان يتزيا بزي الجند، ويسمع الغناء بالآلات، وولي بيت المال مدة، وهو متروك الحديث، وكان ظريفا قال له رجل: إني أحبك فقال: ولم لا تحبني وأنا أخوك في كتاب الله ووزيرك على دين الله، وهو نبي على غيرك. ينظر الأعلام: 3/178، تهذيب التهذيب: 4/369، والتاج: 1/214.
[344]:- انظر الحجة للقراء السبعة: 1/57، وحجة القراءات: 80، وإعراب القراءات: 1/50، وإتحاف: 1/366.
[345]:- يعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبد الله بن أبي إسحاق أبو محمد الحضرمي مولاهم البصري أحد القراء العشرة وإمام أهل البصرة ومقرؤها سمع الحروف من الكسائي ومحمد بن زريق الكوفي عن عاصم وسمع من حمزة حروفا، وروى ابن المنادي أنه قرآ على أبي عمرو، قال أبو عبد الله القصاع: وما ذلك ببعيد لأن أبا عمرو توفي وليعقوب سبع وثلاثون سنة، قال يعقوب قرأت على سلام في سنة ونصف وقرأت على شهاب بن شريفة المجاشعي في خمسة أيام وقرأ شهاب على مسلمة بن محارب المحاربي في تسعة أيام وقرأ مسلمة على أبي الأسود الذؤلي على علي رضي الله عنه. قلت وقراءته على أبي الأشهب عن أبي رجاء عن أبي موسى في غاية العلو، قال أبو حاتم السجستاني هو أعلم من رأيت بالحروف والاختلاف في القرآن وعلله ومذاهبه ومذاهب النحو. ينظر الغاية: 2/386 (3891).
[346]:- عبد الله بن كثير الداري المكي، أبو معبد: أحد القراء السبعة. كان قاضي الجماعة بمكة. وكانت حرفته العطارة. ويسمون العطار "داريا". فعرف بالداري. وهو فارسي الأصل ولد سنة 45هـ بمكة وتوفي سنة 120 هـ بها أيضا. انظر وفيات الأعيان: 1/250، الأعلام: 4/115.
[347]:- أحمد بن فرح بن جبريل أبو جعفر الضرير البغدادي المفسر وفرح بالحاء المهملة ثقة كبيرة، قرأ على الدوري بجميع ما عنده من القراءات وعلى عبد الرحمن بن واقد وقرأ أيضا على البزي وعمر بن شبة، قرأ عليه أحمد بن مسلم الختلي وأحمد بن عبد الرحمن الدقاق الولي وزيد بن علي بن أبي جلال وأبو بكرة بن مقسم وابن مجاهد وأبو الحسن بن شنبوذ. ينظر الغاية: 1/95 (437).
[348]:- عثمان بن سعيد بن عدي المصري. ولد بمصر سنة 110هـ، من كبار القراء. غلب عليه لقب "ورش" لشدة بياضه. أصله من القيروان وتوفي بمصر سنة 197هـ. ينظر الأعلام: 4/205، النهاية: 2/502، وإرشاد الأريب: 5/33.
[349]:-تقدم.
[350]:- ينظر الفخر الرازي: 1/208.
[351]:-سقط في ب.
[352]:-في أ: إحسانا.
[353]:- سقط في أ.
[354]:سقط في أ.
[355]:-سقط في ب.
[356]:- سقط في أ.
[357]:-في أ: الكثير.
[358]:- ينظر الفخر الرازي: 1/209.
[359]:- سقط في: أ
[360]:- سقط في أ.
[361]:- سقط في أ.
[362]:- النعت والمنعوت كالشيء الواحد لا يكون معرفة نكرة؛ لما بينهما من التضاد؛ لأن النكرة لشياعها كالجمع، والمعرفة لاختصاصها كالواحد، فكما لا يمكن أن يكون الواحد جمعا، والجمع واحدا؛ لا يمكن أن تكون المعرفة نكرة، فإذا لم يكن ذلك في الشيء الواحد، تعذر فيما هما كالشيء الواحد. والدليل على أن النعت والمنعوت كالشيء الواحد: أنك إذا قلت: مررت بزيد الأكحل، فيتنزل زيد الأكحل عند من لا يعرف الشخص بـ "زيد" وحده منزلة "زيد" عند من يعرفه به؛ لهذا لا تنعت النكرة إلأا بنكرة، والمعرفة لا تنعت إلا بالمعرفة . قال أبو حيان- رحمه الله- في ارتشاف الضرب: الذي نختاره أنه لا تنعت المعرفة إلا بالمعرفة، ولا النكرة إلا بالنكرة، إذا توافقا في الإعراب، وذهب بعض الكوفيين إلى جواز التخالف بكون النعت نكرة إذا كان لمدح أو ذم، وجعل منه: {ويل لكل همزة لمزة الذي جمع} فالذي وصف لهمزة، وأجاز الأخفش وصف النكرة بالمعرفة إذا خصصت قبل ذلك بالوصف، نحو قوله تعالى: {فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان} قال: الأوليان صفة الآخران؛ لأنه لما وصف تخصص، وجوز قوم وصف المعرفة بالنكرة ومنه عندهم قوله: وللمغنى رسول الزور قوّاد. فقواد صفة للمغني، وزعم ابن الطراوة أنه يجوز وصف المعرفة بالنكرة- إذا كان الوصف بها خاصا بالموصوف، وجعل من ذلك: وفي أنيابها السم ناقع. وقال: ناقع صفة للسم. وأجيب بالمنع في الجميع بإعرابها أبدالا. وأجيب عن هذا التخالف بما ذكره المصنف. انظر البسيط شرح الجمل: (1/301-325)، وارتشاف الضرب: (2/580)، وهمع الهوامع: (2/116-117).
[363]:-البيت لأبي زبيد الطائي ينظر: الدرر: 2/183، صناعة الإعراب: 1/375، شرح أبيات سيبويه: 1/432، شرح شواهد المغني: 2/953، الكتاب: 2/134،-لسان العرب، (خصص)، شرح الأشموني: 2/330، وشرح عمدة الحافظ: ص 223، شرح المفصل: 8/65، مغني اللبيب:2/676، الإنصاف: 1/، الهمع : 1/149، 907، رصف المباني: 122، الدر: 1/ 83.
[364]:- قرأ ابن كثير. رواها عنه الخليل بن أحمد، وهي قراءة عمر وابن مسعود وعلي وعبد الله بن الزبير. انظر الشواذ: 1، والمحرر الوجيز: 1/76، والبحر المحيط: 1/148، وإتحاف: 1/368.
[365]:- البيت لجرير. ينظر ديوانه: 263، نقائض جرير والأخطل: 174، الأضداد لابن الأنباري: 186، الطبري: 1/113، البحر المحيط: 1/149، الدر: 1/84.
[366]:- البيت لأبي النجم العجلي. ينظر مجاز القرآن: 1/26، الجمهرة: 3/334، الصحاح واللسان والتاج: (قفندر) الخزانة: 1/48، الأمالي لابن الشجري: 2/231، الخصائص: 2/283، الأضداد لابن الأنباري: 185، الطبري: 1/112، المحرر الوجيز: 1/77، البحر المحيط: 1/149، الدر: 1/84.
[367]:- البيت للأحوص: ينظر ديوانه: 179، الأزهية: 156، وشرح شواهد المغني: 2/634، تذكرة النحاة: 570، الجنى الداني: 302، الصاحبي في فقه اللغة: 167، مغني اللبيب: 1/248، الكامل: 1/49، الأضداد: 186، الطبري: 1/112، المحرر الوجيز: 1/78، الدر: 1/84.
[368]:- ينظر البيت في الخصائص: 2/35، مغني اللبيب: 1/248، الأمالي الشجرية: 2/228، شرح شواهد المغني: 2/634، الحجة: 1/125، اللسان (لا)، البحر: 1/150، الدر: 1/84.
[369]:- في أ: الموصوف.
[370]:- زاد في أ: ويجوز أن تكون بدلا من "الصراط المستقيم".
[371]:- في أ: التقدير.
[372]:-قرأ بها أيوب السختياني. انظر الكشاف: 1/17، والمحرر الوجيز: 1/78، والبحر المحيط: 1/151.
[373]:- البيت لكثير وهو في ديوانه: 113، ينظر ابن يعيش: 10/12، المحتسب: 1/47، المخصص: 15/166، الممتع: 322، رصف المباني: 57، المقرب: 2/160، شرح الشافية: 3/205، المحرر الوجيز: 1/78، البحر المحيط: 1/151، الدر: 1/85، الصناعة: 1/84، الممتع: 1/322، الهمع: 2/199، الدرر: 2/230.
[374]:- البيت للعجاج ينظر ديوانه: 1/ 299، الممتع: 342، سر الصناعة: 1/101، رصف المباني: 56، شرح المفصل لابن يعيش: 10/13، اللسان (علم)، ضرائر الشعر: 223، المقرب: 2/517، إعراب ثلاثين سورة:22، شرح الشافية للرضي: (3/205)، الجامع لأحكام القرآن: 97، روح المعاني: 1/96، الدر: 1/85.
[375]:-صدر بيت لزيد بن كثوة وعجزه: ...................................... لما رأى أسدا في الغاب قد وثبا ينظر الخصائص: 3/145، الممتع: 325، المحتسب: 1/310، سر الصناعة: 1/102، المقرب: 160، اللسان (روى) الدر: 1/85.
[376]:- ستأتي في "سبأ" آية (14).
[377]:- عبد الله بن أحمد بن بشر ويقال بشير بن ذكوان بن عمرو بن حسان بن داود بن حسنون بن سعد بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر أبو عمرو وأبو محمد القرشي الفهري الدمشقي الإمام الأستاذ الشهير الراوي الثقة شيخ الإقراء بالشام وإمام جامع دمشق. ولد يوم عاشوراء سنة ثلاث وسبعين ومائة وتوفي في يوم الاثنين لليلتين بقيتا من شوال وقيل سبع خلون منه سنة اثنين وأربعين ومائتين قال أبو زرعة الدمشقي لم يكن بالعراق ولا بالحجاز ولا بالشام ولا بمصر ولا بخراسان في زمان ابن ذكوان أقرأ عندي منه وقال الوليد بن عتبة الدمشقي ما بالعراق أقرأ من ابن ذكوان. ينظر الغاية: 1/404 (1720).
[378]:- أخرجه الترمذي في السنن مطولا (4/483) كتاب الفتن (43) باب ما جاء أخبر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه...(26) حديث رقم (2191) وقال حديث حسن صحيح- وأبو داود الطيالسي في المسند ص (286) – وأحمد في المسند (3/61)- والحاكم في المستدرك (4/ 505)
[379]:- سقط في أ.
[380]:- ينظر الجامع لأحكام القرآن: 1/1025، الدر المصون: 1/86.
[381]:- يفخر الرازي: 1/211.
[382]:- في أ: الخيانة.
[383]:- سقط في أ.
[384]:- ذكره السيوطي في الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة 133، والأسرار المرفوعة لعلي القاري 296-وتنزيه الشريعة لابن عراق2/402.