قوله تعالى : { صراط الذين أنعمت عليهم } . أي مننت عليهم بالهداية والتوفيق قال عكرمة : مننت عليهم بالثبات على الإيمان والاستقامة ، وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وقيل : هم كل من ثبته الله على الإيمان من النبيين والمؤمنين الذين ذكرهم الله تعالى في قوله : ( فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ) الآية وقال ابن عباس : هم قوم موسى وعيسى عليهما السلام قبل أن غيروا دينهم ، وقال عبد الرحمن : هم النبي ومن معه ، وقال أبو العالية : هم الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، قال عبد الرحمن بن زيد : إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته ، وقال شهر بن حوشب : هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته . قرأ حمزة : ( عليهم ، ولديهم ، وإليهم ) ، بضم هاءاتها ، ويضم يعقوب كل هاء قبلها ياء ساكنة تثنية وجمعاً إلا قوله : ( بين أيديهن وأرجلهن ) وقرأ الآخرون بكسرهما ، فمن ضم الهاء ردها إلى الأصل ، لأنها مضمومة عند الانفراد ومن كسرها فلأجل الياء الساكنة و الياء أخت الكسرة ، وضم ابن كثير و أبو جعفر كل ميم جمع مشبعاً في الوصل إذا لم يلقها ساكن ، فإن لقيها ساكن فلا يشبع ، ونافع يخير ، ويضم ورش عند ألف القطع ، فإذا تلقته ألف وصل وقبل الهاء كسر أو ياء ساكنة ضم الهاء والميم حمزة و الكسائي ، وكسرهما أبو عمرو ، وكذلك يعقوب إذا انكسر ما قبله ، والآخرون يقرؤون بضم الميم وكسر الهاء في الكل لأجل الياء ، أو لكسر ما قبلها وضم الميم على الأصل .
قوله تعالى : { غير المغضوب عليهم } . يعني غير صراط الذين غضبت عليهم ، والغضب هو : إرادة الانتقام من العصاة ، وغضب الله تعالى لا يلحق عصاة المؤمنين إنما يلحق الكافرين .
قوله تعالى : { ولا الضالين } . أي وغير الضالين عن الهدى . وأصل الضلال الهلاك والغيبوبة ، يقال : ضل الماء في اللبن إذا هلك وغاب . و( غير ) هاهنا بمعنى لا ، ولا بمعنى غير ، ولذلك جاز العطف عليها ، كما يقال : فلان غير محسن ولا مجمل ، فإذا كان ( غير ) بمعنى سوى فلا يجوز العطف عليها بلا ، ولا يجوز في الكلام : عندي سوى عبد الله ولا زيد . وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه " صراط من أنعمت عليهم " لأن الله تعالى حكم على اليهود بالغضب فقال : ( من لعنه الله وغضب عليه ) وحكم على النصارى بالضلال ( غير المغضوب عليهم ) وغير الضالين وقيل المغضوب عليهم هم اليهود ، والضالون هم النصارى فقال : ( ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل ) وقال سهل بن عبد الله ( غير المغضوب عليهم ) بالبدعة ( ولا الضالين ) عن السنة .
والسنة للقارئ أن يقول بعد فراغه من قراءة الفاتحة { آمين } . مفصولا عن الفاتحة بسكتة وهو مخفف ، ويجوز ممدودا ومقصورا ومعناه : اللهم اسمع واستجب . وقال ابن عباس و قتادة : معناه كذلك يكون ، وقال مجاهد : هو اسم من أسماء الله تعالى ، وقيل : هو طابع الدعاء ، وقيل هو خاتم الله على عباده يدفع به الآفات عنهم ، كخاتم الكتاب يمنعه من الفساد وظهور ما فيه .
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، و أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي قالا : أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري ، أنا أبو علي محمد ابن أحمد بن محمد بن معقل الميداني ، ثنا محمد بن يحيى ، ثنا عبد الرزاق ، أنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين ، فإن الملائكة تقول آمين ، وإن الإمام يقول آمين ، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه " صحيح .
أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد الكناني ، أنا أبو نصر محمد ابن علي بن الفضل الخزاعي ، أنا أبو عثمان عمر بن عبد الله البصري ، ثنا محمد ابن عبد الوهاب ، ثنا خالد بن مخلد القطراني ، حدثني محمد بن جعفر بن أبي كثير ، هو أخو إسماعيل بن جعفر ، عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال : " مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبيّ بن كعب وهو قائم يصلي فصاح به فقال : تعال يا أبي ، فعجل أبي في صلاته ، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما منعك يا أبي أن تجيبني إذ دعوتك ؟ أليس الله يقول : ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذ دعاكم لما يحييكم ) قال أبي : لا جرم يا رسول الله لا تدعوني إلا أجبتك وإن كنت مصليا . قال : أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها ؟ فقال أبيّ : نعم يا رسول الله فقال : لا تخرج من باب المسجد حتى تعلمها والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي يريد أن يخرج من المسجد ، فلما بلغ الباب ليخرج قال له أبي : السورة يا رسول الله ؟ فوقف فقال : نعم كيف تقرأ في صلاتك ؟ فقرأ أبي أم القرآن ، فقال رسول الله : صلى الله عليه وسلم " والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها ، وإنما هي السبع من المثاني التي آتاني الله عز وجل " هذا حديث حسن صحيح .
أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي ، أنا الحاكم أبو الفضل محمد ابن الحسين الحدادي ، أنا أبو يزيد محمد بن يحيى بن خالد ، أنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ، ثنا يحيى بن آدم ، ثنا أبو الأحوص عن عمار بن ذريق عن عبد الله بن عيسى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده جبريل إذ سمع نقضا من فوقه ، فرفع جبريل بصره إلى السماء ، فقال : هذا باب فتح من السماء ما فتح قط ، قال : فنزل منه ملك ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك ، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة ، لن تقرأ حرفا منهما إلا أعطيته " صحيح .
أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد الشيرازي ، ثنا زاهر بن أحمد السرخسي ، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي ، أنا أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري ، عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة ، يقول : سمعت أبا هريرة يقول ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام " قال : فقلت يا أبا هريرة إني أحيانا أكون وراء الإمام ؟ فغمز ذراعي وقال : اقرأ بها يا فارسي في نفسك ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " قال الله عز وجل : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقرؤوا يقول العبد : ( الحمد لله رب العالمين ) يقول الله : حمدني عبدي ، يقول العبد : ( الرحمن الرحيم ) يقول الله : أثنى علي عبدي ، يقول العبد : ( مالك يوم الدين ) يقول الله : مجدني عبدي . يقول العبد : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) يقول الله عز وجل : هذه الآية بيني وبين عبدي ، فلعبدي ما سأل . يقول العبد : ( اهدنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) يقول الله : فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل " صحيح .
ثم أكد سبحانه وتعالى الإخبار بأن ذلك لن يكون إلا بإنعامه منبهاً بهذا التأكيد الذي أفاده الإبدال على عظمة هذا الطريق فقال : { صراط الذين أنعمت عليهم } فأشار إلى أن-{[262]} ) الاعتصام به في اتباع رسله ، ولما كان سبحانه عام{[263]} النعمة لكل موجود عدواً كان أو ولياً ، وكان حذف المنعم به لإرادة التعميم{[264]} من باب تقليل اللفظ لتكثير المعنى فكان من المعلوم أن محط السؤال بعض أهل النعمة وهم أهل الخصوصية . يعني{[265]} لو قيل : اتبع طريق أهل مصر مثلاً لا أهل دمشق ، علم أن المنفي غير داخل في الأول لأن شرطه أن يتبعاه{[266]} متعاطفاه كما صرحوا به ، بخلاف ما لو قيل : اتبع طريق أهل مصر غير الظلمة ، فإنه يعلم أن الظلمة منهم ، فأريد هنا التعريف بأن النعمة عامة ولو لم تكن إلا بالإيجاد ، ومن المعلوم أن السلوك لا بد وأن يصادف طريق بعضهم وهم منعم عليهم فلا يفيد السؤال حينئذ ، فعرف أن المسؤول إنما هو طريق أهل النعمة بصفة{[267]} الرحيمية تشوقت النفوس إلى معرفتهم فميزهم ببيان أضدادهم{[268]} تحذيراً منهم{[269]} ، فعرف أنهم قسمان : قسم أريد للشقاوة فعاند في إخلاله{[270]} بالعمل فاستوجب الغضب ، وقسم لم{[271]} يرد للسعادة فضل من جهة إخلاله بالعلم فصار إلى العطب فقال مخوفاً بعد الترجية{[272]} ليكمل الإيمان بالرجاء والخوف معرفاً{[273]} بأن النعمة عامة والمراد منها ما يخص أهل الكرامة :
{ غير المغضوب عليهم } أي الذين تعاملهم معاملة الغضبان لمن وقع عليه غضبه ، وتعرفت " غير " لتكون صفة للذين بإضافتها إلى الضد فكان مثل : الحركة غير السكون ، ولما كان المقصود من " غير " النفي{[274]} لأن السياق له وإنما عبر بها دون أداة استثناء دلالة على بناء الكلام بادئ{[275]} بدء على إخراج المتلبس بالصفة{[276]} وصوناً للكلام{[277]} عن إفهام أن ما يعد{[278]} أقل ودون لا{[279]} { ولا الضالين } فعلم مقدار النعمة على القسم الأول وأنه لا نجاة إلا باتباعهم وأن من حاد عن سبيلهم عامداً أو مخطئاً شقي ليشمّر{[280]} أولو الجد عن{[281]} ساق العزم وساعد الجهد في اقتفاء{[282]} آثارهم{[283]} للفوز بحسن جوارهم في سيرهم وقرارهم .
قال الحرالي : { المغضوب عليهم } الذين ظهر{[284]} منهم المراغمة وتعمد المخالفة فيوجب{[285]} ذلك الغضب من الأعلى والبغض من الأدنى . { الضالين } الذين{[286]} وجهوا وجهة هدى فزاغوا عنها من غير تعمد لذلك . " أمين " كلمة عزم{[287]} من الأمن ، مدلولها أن المدعو مأمون منه أن يرد من دعاه لأنه لا يعجزه شيء ولا يمنعه وهي{[288]} لا تصلح إلا لله لأن ما دونه لا ينفك عن عجز أو منع { انتهى- {[289]} } وهو صوت سمي به الفعل الذي هو استجب{[290]} وقد انعطف المنتهى{[291]} على المبتدأ بمراقبة القسم الأول اسم الله فحازوا{[292]} ثمرة الرحمة وخالف هذان{[293]} القسمان فكانوا من حزب الشيطان فأخذتهم النقمة ، وعلم أن نظم القرآن على ما هو عليه معجز ، ومن ثم اشترط في{[294]} الفاتحة في الصلاة لكونها واجبة في الترتيب ، فلو قدم فيها أو{[295]} أخر لم تصح الصلاة وكذا لو أدرج فيها ما ليس منها للإخلال بالنظم . -{[296]}
قال الأصبهاني : فإن القرآن معجز والركن الأبين{[297]} الإعجاز يتعلق بالنظم والترتيب . انتهى .
والحاصل أنه لما رفعت{[262]} تلك الصفات العلية لمخاطبها الحجب وكشفت{[263]} له بسمو مجدها وعلو جدها وشرف حمدها-{[264]} جلائل الستر{[265]} وأشرقت{[266]} به{[267]} رياض الكرم ونشرت له لطائف{[268]} عواطفها بسط البر والنعم{[269]} ثم اخترقت به مهامه العظمة والكبرياء وطوت في تيسيرها له مفاوز الجبروت والعز{[270]} وأومضت له بوارق النقم من ذلك الجناب الأشم{[271]} وصل إلى مقام الفناء عن{[272]} الفاني وتمكن في{[273]} رتبة شهود البقاء للباقي فبادر الخضوع له معرضا عن السوى حاكماً على الأغيار بما لها من ذواتها من-{[274]} العدم والتوى{[275]} فقال : { إياك نعبد } وفي تلك الحال تحقق العجز عن توفية{[276]} ذلك المقام ما له من الحق فقال : { وإياك نستعين } . فكشف له الشهود في حضرات المعبود عن طرق عديدة ومنازل سامية بعيدة ورأى أحوالاً جمة وأودية مدلهمة وبحاراً مغرقة{[277]} وأنواراً{[278]} هادية وأخرى محرقة ، ورأى لكل أهلاً{[279]} قد أسلكوا{[280]} فجاء تارة حزناً وأخرى{[281]} سهلاً ، وعلم أن لا نجاة إلا بهدايته ولا عصمة بغير عنايته ولا سعادة إلا برحمته ولا سلامة لغير أهل نعمته{[282]} ؛ فلما أشرق واستنار وعرف مواقع الأسرار بالأقدار كأنه قيل له : ماذا تطلب وفي-{[283]} أي مذهب تذهب ؟ فقال : { اهدنا الصراط المستقيم } .
ولما طلب أشرف طريق سأل أحسن رفيق فقال : { صراط الذين أنعمت عليهم } ولما كانت النعمة قد تخص الدنيوية عينها واستعاذ{[284]} من أولئك الذين شاهدهم في التيه سائرين وعن القصد عائرين حائرين أو جائرين فقال : { غير المغضوب عليهم ولا الضالين } .
وقد أشير في أم الكتاب . كما قال العلامة سعد الدين مسعود ابن عمرو التفتازاني الشافعي . إلى جميع النعم فإنها ترجع إلى إيجاد وإبقاء أولاً و{[285]} { إلى - {[286]} } إيجاد وإبقاء ثانياً في دار الفناء والبقاء ، أما الإيجاد الأول فبقوله { الحمد لله رب العالمين } فإن الإخراج من العدم إلى الوجود أعظم تربية ، وأما الإبقاء الأول فبقوله : { الرحمن الرحيم } أي المنعم بجلائل النعم ودقائقها التى بها البقاء ، وأما الإيجاد الثاني فبقوله : { مالك يوم الدين } وهو ظاهر ، وأما الإبقاء الثاني فبقوله : { إياك نعبد } إلى آخرها ، فإن منافع ذلك تعود إلى الآخرة .
ثم جاء التصدير بالحمد بعد الفاتحة في أربع سور أشير في كل-{[287]} سورة منها إلى نعمة من هذه النعم على ترتيبها . انتهى ، وسيأتي في أول كل سورة من الأربع ما يتعلق بها من بقية كلامه إن شاء الله تعالى ، وهذا يرجع إلى أصل مدلول الحمد فإن مادته بكل ترتيب تدور على بلوغ الغاية ويلزم منه الاتساع والإحاطة والاستدارة فيلزمها مطأطأة الرأس وقد يلزم الغاية الرضا فيلزمه الشكر وسيبين وينزل على الجزئيات في سورة النحل إن شاء الله تعالى ، ثم في أول سبأ تحقيق ما قاله الناس-{[288]} فيه وفي النسبة بينه وبين الشكر فقد بان سر الافتتاح بها من حيث تصديرها بالحمد{[289]} جزئياً فكلياً الذي كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه{[290]} فهو أجذم{[291]} ؛ وتعقبه{[292]} بمدح المحمود بما ذكر من أسمائه الحسنى مع اشتمالها على جملة{[293]} معاني القرآن من الحكم النظرية والأحكام العملية فهي أم القرآن لأنها له-{[294]} عنوان وهو كله لما تضمنته على قصرها بسط وتبيان .
قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في مفتاح الباب المقفل لفهم القرآن المنزل في آخر الباب التاسع منه : ولننه هذه الأبواب بذكر القرآن ومحتواه على الكتب وجمعه وقراءته وبيانه وتنزيله وإنزاله وحكيمه{[295]} ومبينه ومجيده وكريمه وعظيمه ومرجعه إلى السبع المثاني والقرآن العظيم أم القرآن ومحتواها عليه{[296]} ، فنذكر جميع ذلك في الباب العاشر ، الباب العاشر في محل أم القرآن من القرآن ووجه محتوى القرآن على جميع الكتب والصحف المتضمنة لجميع الأديان .
اعلم أن الله سبحانه جمع نبأه العظيم كله عن شأنه العظيم في السبع المثاني أم القرآن وأم الكتاب وكنزها تحت عرشه ليظهره{[297]}ا في الختم عند تمام أمر الخلق وظهور بادئ الحمد بمحمد صلى الله عليه وسلم ، لأنه تعالى يختم بما به بدأ ولم يظهرها قبل ذلك ، لأن ظهورها يذهب وهل الخلق ويمحو كفرهم ولا يتم-{[37]} بناء القرآن إلا مع قائم بمشهود بيان الفعل ليتم الأمر مسمعاً ومرأى{[38]} وذلك لمن{[39]} يكون من خلقه كل خلق ليبين به ما من أمره كل أمر ، ثم فيما بين بدء الأمر المكنون وخاتم الخلق الكامل تدرج تنَشّؤ{[40]} الخلق وبدو الأمر على حسب ذلك الأمر صحفاً فصحفاً وكتاباً فكتاباً ، فالصحف لما يتبدل سريعاً ، والكتاب لما يثبت ويدوم أمداً ، والألواح لما يقيم وقتاً .
ففي التوراة أحكام الله على عباده في الدنيا بالحدود والمصائب والضراء والبأساء ، وفي القرآن منها ما شاء الله وما يظهره الفقه من الحدود ، ومعارف{[41]} الصوفية من مؤاخذة المصائب ؛ وفي الإنجيل أصول تلك الأحكام والإعلام بأن المقصود بها ليست هي بل ما وراءها من أمر الملكوت ، وفي القرآن منها ما شاء الله مما يظهره{[42]} العلم والحكمة الملكوتية ، وفي الزبور تطريب الخلق وجداً وهم عن أنفسهم إلى ربهم ، وفي الفرآن منه ما شاء الله مما تظهره الموعظة الحسنة ، ثم أنهى الأمر والخلق{[43]} من جميع وجوهه ، فصار قرآناً جامعاً للكل{[44]} متمماً للنعمة مكملاً للدين
( اليوم أكملت لكم دينكم }[ المائدة : 3 ] الآية ، بعثت لأتمم مكارم الأخلاق . وإن إلى ربك المنتهى .
ووجه فوت{[45]} أم القرآن للقرآن-{[46]} أن القرآن مقصود تنزيله التفصيل والجوامع ، فيه نجوم مبثوثة غير منتظمة ، واحدة إثر واحدة ، والجوامع في أم القرآن منتطمة واحدة بعد واحدة إلى تمام السبع على وفاء لا مزيد فيه ولا نقص عنه ؛ أظهر تعالى{[47]} بما له{[48]} سورة صورة تجليه{[49]} من بدء الملك إلى ختم الحمد ، وبما لعبده{[50]} سور مصورة{[51]} تأديه من براءته من الضلال إلى هدى الصراط المستقيم ،
{ ووجدك ضالاً فهدى }[ الضحى :7 ] وبما بينه وبينه قيام ذات الأمر والخلق فكان ذلك هو القرآن العظيم الجامع لما حواه القرآن المطلق الذكر بما فيه من ذلك تفصيلاً من مبينه{[52]} وهو ما عوينت آية مسموعة ، ومن مجيده وهو ما جربت أحكامه من بين عاجل{[53]} ما شهد وآجل ما علم ، يعلم ما شهد فكان معلوماً بالتجربة المتيقنة{[54]} بما تواتر من القصص الماضي{[55]} وما شهد له من الأثر الحاضر وما يتجدد مع الأوقات من أمثاله وأشباهه ، ومن كريمه وهو ما ظهرت فيه أفانين إنعامه فيما دق وجل وخفي وبدا ، ومن حكيمه{[56]} وهو ما ظهر في الحكمة المشهورة{[57]} تقاضيه وانتظام مكتوب خلقه على حسب تنزيل أمره ؛ وما كان منه بتدريج وتقريب للأفهام ففاءت{[58]} من حال إلى حال وحكم إلى حكم كان تنزيلاً ، وما أهوى به{[59]} من علو إلى سفل{[60]} كان إنزالاً ، وهو إنزال حيث لا وسائط وتنزيل حيث الوسائط ؛ وبيانه حيث الإمام العامل به مظهره في أفعاله وأخلاقه كان خلقه القرآن ، وقرآنه تلفيق تلاوته على حسب ما تتقاضاه النوازل .
{ واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله{[61]} }[ البقرة :281 ] قال صلى الله عليه وسلم في مضمون قوله تعالى
{ إن علينا جمعه{[62]} وقرآنه{[63]} }[ القيامة :17 ] " اجعلوها بين آية الدين والآية التي قبلها " لأنه-{[64]} ربما تقدم{[65]} كيان الآية وتأخر في النظم قرآنها{[66]} على ما تقدم عليها ، آية
{ يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك{[67]} }[ الأحزاب : 50 ] الآية متأخرة الكيان متقدمة{[68]} القرآن على آية
{ لا يحل لك النساء من بعد{[69]} }[ الأحزاب : 52 ] فقد يتطابق{[70]} قرآن الأمر وتطوير الخلق وقد لا يتطابق والله يتولى إقامتهما ؛ وأما الجمع ففي قلبه نسبة جوامعه السبع في أم{[71]} القرآن إلى القرآن بمنزلة نسبة{[72]} جمعه في قلبه لمحاً واحداً إلى أم القرآن
{ وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر{[73]} }[ القمر :50 ] فهو جمع في قلبه ، وقرآن على لسانه ، وبيان في أخلاقه وأفعاله ، وجملة في صدره ، وتنزيل في تلاوته ،
{ وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة{[74]} }[ الفرقان :32 ] قال الله تعالى : كذلك أي كذلك أنزلناه{[75]} ، إلا{[76]} ما هو منك بمنزلة سماء الدنيا من الكون
( إنا أنزلناه في ليلة مباركة{[77]} }[ الدخان :3 ] أي إلى سماء الدنيا
{ و{[78]}نزلناه تنزيلاً{[79]} }[ الإسراء :106 ] وعلى لسانه في أمد أيام النبوة ، وقال في تفسيره : القرآن باطن{[80]} وظاهره محمد صلى الله عليه وسلم ، قالت عائشة رضى الله عنها : كان خلقه القرآن ، فمحمد صلى الله عليه وسلم صورة باطن سورة القرآن ، فالقرآن باطنه وهو ظاهره{[81]}
{ نزل به الروح الأمين * على قلبك{[82]} }[ الشعراء : 194 ] .
وقال في تفسير الفاتحة : وكانت سورة الفاتحة أمّاً للقرآن ، لأن القرآن جميعه مفصل من مجملها ، فالآيات الثلاث الأول شاملة لكل معنى تضمنته الأسماء الحسنى والصفات العلى ، فكل ما في القرآن من ذلك فهو مفصل من جوامعها ، والآيات الثلاث الأخر من قوله : { اهدنا } شاملة لكل ما يحيط بأمر الخلق في الأوصول إلى الله والتحيز إلى رحمة الله والانقطاع دون ذلك ، فكل ما في القرآن منه فمن تفصيل جوامع هذه ، وكل ما يكون وصلة بين مما ظاهرهن{[83]} هذه{[84]} من الخلق ومبدؤه وقيامه من الحق فمفصل{[85]} من آية{[86]} { إياك نعبد وإياك نستعين } انتهى .
ومن أنفع الأمور في ذوق هذا المشرب استجلاء الحديث القدسي الذي رواه مسلم في صحيحه وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة{[87]} رضى الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " قال الله عز وجل : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولبعدي ما سأل فإذا قال العبد " الحمد لله رب العالمين " قال الله تعالى : حمدني{[88]} عبدي ، وإذا قال " الرحمن الرحيم " قال الله : أثنى عليّ عبدي ، وإذا قال : " مالك يوم الدين " قال الله : مجدني عبدي . وقال مرة : فوض إليّ عبدي ، وإذا قال : " إياك نعبد وإياك نستعين " قال : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ، وإذا قال : " اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين " قال : " هذا لعبدي ولعبدي ما سأل{[89]} " والله أعلم{[90]} .