قوله تعالى :{ ومن الناس من يعبد الله على حرف } الآية نزلت في وقم من الأعراب كانوا يقدمون المدينة مهاجرين من باديتهم فكان أحدهم إذا قدم المدينة فصح بها جسمه ونتجت بها فرسه مهراً حسناً وولدت امرأته غلاماً وكثر ماله ، قال : هذا دين حسن وقد أصبت فيه خيراً واطمأن إليه ، وإن أصابه مرض وولدت امرأته جارية وأجهضت رماكه وقل ماله ، قال : ما أصبت منذ دخلت في هذا الدين إلا شراً فينقلب عن دينه ، وذلك الفتنة فأنزل الله عز وجل : { ومن الناس من يعبد الله على حرف } أكثر المفسرين قالوا : على شك وأصله من حرف الشيء وهو طرفه ، نحو حرف الجبل والحائط الذي كالقائم عليه غير مستقر ، فقيل للشاك في الدين إنه يعبد الله على حرف لأنه على طرف وجانب من الدين لم يدخل فيه على الثبات والتمكن ، كاقائم على حرف الجبل مضطرب غير مستقر ، يعرض أن يقع في أحد جانبي الطرف لضعف قيامه ، ولو عبدوا الله في الشكر على السراء والصبر على الضراء لم يكونوا على حرف ، قال الحسن : هو المنافق يعبده بلسانه دون قلبه { فإن أصابه خير } صحة في جسمه ، وسعة في معيشته ، { اطمأن به } أي : رضي به وسكن إليه ، { وإن أصابته فتنة } بلاء في جسده ، وضيق في معيشته ، { انقلب على وجهه } ارتد ورجع على عقبه إلى الوجه الذي كان عليه من الكفر ، { خسر الدنيا } يعني هذا الشاك خسر الدنيا بفوات ما كان يؤمله { والآخرة } بذهاب الدين والخلود في النار . قرأ يعقوب خاسر بالألف والآخرة جر . { ذلك هو الخسران المبين } الظاهر .
قوله تعالى : " ومن الناس من يعبد الله على حرف " " من " في موضع رفع بالابتداء ، والتمام " انقلب على وجهه " على قراءة الجمهور " خسر " . وهذه الآية خبر عن المنافقين . قال ابن عباس : يريد شيبة بن ربيعة كان قد أسلم قبل أن يظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما أوحى إليه ارتد شيبة بن ربيعة . وقال أبو سعيد الخدري : أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله ، فتشاءم بالإسلام فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أقلني ! فقال : ( إن الإسلام لا يقال ) فقال : إني لم أصب في ديني هذا خيرا ! ذهب بصري ومالي وولدي ! فقال : ( يا يهودي إن الإسلام يسبك الرجال كما تسبك النار خبث الحديد والفضة والذهب ) ، فأنزل الله تعالى : " ومن الناس من يعبد الله على حرف " . وروى إسرائيل عن أبي حصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : ( " ومن الناس من يعبد الله على حرف " قال : كان الرجل يقدم المدينة ، فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله قال : هذا دين صالح ، فإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله ، قال : هذا دين سوء ) . وقال المفسرون : نزلت في أعراب كانوا يقدمون على النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون ، فإن نالوا رخاء أقاموا ، وإن نالتهم شدة ارتدوا . وقيل نزلت في النضر بن الحارث . وقال ابن زيد وغيره : نزلت في المنافقين . ومعنى " على حرف " على شك ، قاله مجاهد وغيره . وحقيقته أنه على ضعف في عبادته ، كضعف القائم على حرف مضطرب فيه . وحرف كل شيء طرفه وشفيره وحده ، ومنه حرف الجبل ، وهو أعلاه المحدد . وقيل : " على حرف " أي على وجه واحد ، وهو أن يعبده على السراء دون الضراء ، ولو عبدوا الله على الشكر في السراء والصبر على الضراء لما عبدوا الله على حرف . وقيل : " على حرف " على شرط ؛ وذلك أن شيبة بن ربيعة قال للنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يظهر أمره : ادع لي ربك أن يرزقني مالا وإبلا وخيلا وولدا حتى أومن بك وأعدل إلى دينك ، فدعا له فرزقه الله عز وجل ما تمنى ، ثم أراد الله عز وجل فتنته واختباره ، وهو أعلم به فأخذ منه ما كان رزقه بعد أن أسلم فارتد عن الإسلام ، فأنزل الله تبارك وتعالى فيه : " ومن الناس من يعبد الله على حرف " يريد شرط . وقال الحسن : هو المنافق يعبد الله بلسانه دون قلبه . وبالجملة فهذا الذي يعبد الله على حرف ليس داخلا بكليته ، وبين هذا بقوله : " فإن أصابه خير " صحة جسم ورخاء معيشة رضي وأقام على دينه . " وإن أصابته فتنة " أي خلاف ذلك مما يختبر به . " انقلب على وجهه " أي ارتد فرجع إلى وجهه الذي كان عليه من الكفر . " خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين " قرأ مجاهد وحميد بن قيس والأعرج والزهري وابن أبي إسحاق - وروي عن يعقوب - " خاسر الدنيا " بألف ، نصبا على الحال ، وعليه فلا يوقف على " وجهه " . وخسرانه الدنيا بأن لاحظ في غنيمة ولا ثناء ، والآخرة بأن لا ثواب له فيها .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.