{ يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجلس } توسعوا فيه ، وليفسح بعضكم عن بعض من قولهم افسح عني أي تنح وقرىء تفاسحوا ، والمراد بالمجلس الجنس ويدل عليه قراءة عاصم بالجمع أو مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنهم كانوا يتضامون به تنافسا على القرب منه ، وحرصا على استماع كلامه ، { فافسحوا يفسح الله لكم } فيما تريدون التفسح فيه من المكان والرزق والصدر وغيرها ، { وإذا قيل انشزوا }انهضوا للتوسعة أو لما أمرتم به كصلاة أو جهاد أو ارتفعوا عن المجلس ، { فانشزوا } ، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بضم الشين فيهما ، { يرفع الله الذين آمنوا منكم }بالنصر وحسن الذكر في الدنيا وإيوائهم غرف الجنان في الآخرة ، { والذين أوتوا العلم درجات } ، ويرفع العلماء منهم خاصة درجات بما جمعوا من العلم والعمل فإن العلم مع علو درجته يقتضي العمل المقرون به مزيد رفعة ، ولذلك يقتدى بالعالم في أفعاله ولا يقتدى بغيره ، وفي الحديث : " فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب " { والله بما تعملون خبير }تهديد لمن لم يتمثل الأمر أو استكرهه .
قوله جلّ ذكره :{ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُواْ يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُواْ فَانشُزُواْ } ، لكمال رحمته بهم وتمام رأفته عليهم ، علَّمَهم مراعاة حُسِن الأدب بينهم فيما كان من أمور العادة دون أحكام العبادة في التفسُّح في المجالس والنظام في حال الزَّحمة والكثرة . . . ، وأعْزِزْ بَأقوامٍ أمَرَهم بدقائق الأشياء بعد قيامهم بأصول الدين وتحقُّقِهم بأركانه ! .
تفسّحوا في المجالس : توسّعوا . ولْيفسحْ بعضكم لبعض . فسح له في المجلس : وسّع له ليجلس . يفسح الله لكم : في رحمته ويوسع لكم في أرزاقكم .
انشُزوا : انهضوا لتوسعوا للقادمين .
يرفع الله الذين آمنوا : يعلي مكانتهم ، ويرفع أهل العلم كذلك .
بعد أن أدّب الكتابُ المؤمنين بأدب الحديث والبعدِ عما يكون سبباً للتباغض من التناجي بالإثم والعدوان ، علّمهم كيف يعاملون بعضَهم في المجالس ، من التوسُّع فيها للقادمين ، والنهوض إذا طُلب إليهم ذلك ، وأشار إلى أن الله يُعلي مكانة المؤمنين المخلصين ، والذين أوتوا العلم بدرجاتٍ من عنده { والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } .
فالآية فيها أدبٌ جَمٌّ وتشمل التوسع في إيصال جميع أنواع الخير إلى المسلم وإدخال السرور عليه ، كما قال الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام : لا يزالُ اللهُ في عَوْنِ العبد ما دام العبدُ في عون أخيه .
قرأ عاصم : بالمجالس بالجمع ، وقرأ الباقون : بالمجلس على الإفراد ، وقرأ عاصم ونافع وابن عامر انشزوا بضم الشين ، والباقون : انشِزوا بكسر الشين ، وهما لغتان .
{ 11 } { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }
هذا تأديب{[1016]} من الله لعباده المؤمنين ، إذا اجتمعوا في مجلس من مجالس مجتمعاتهم ، واحتاج بعضهم أو بعض القادمين عليهم للتفسح له في المجلس ، فإن من الأدب أن يفسحوا له تحصيلا لهذا المقصود .
وليس ذلك بضار للجالس{[1017]} شيئا ، فيحصل مقصود أخيه من غير ضرر يلحقه هو ، والجزاء من جنس العمل ، فإن من فسح فسح الله له ، ومن وسع لأخيه ، وسع الله عليه .
{ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا } أي : ارتفعوا وتنحوا عن مجالسكم لحاجة تعرض ، { فَانْشُزُوا } أي : فبادروا للقيام لتحصيل تلك المصلحة ، فإن القيام بمثل هذه الأمور من العلم والإيمان ، والله تعالى يرفع أهل العلم والإيمان درجات بحسب ما خصهم الله به ، من العلم والإيمان .
{ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } فيجازي كل عامل بعمله ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .
وفي هذه الآية فضيلة العلم ، وأن زينته وثمرته التأدب بآدابه والعمل بمقتضاه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.