أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّـٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا} (29)

{ وقل الحق من ربكم } الحق ما يكون من جهة الله لا ما يقتضيه الهوى ، ويجوز أن يكون الحق خبر مبتدأ محذوف و{ من ربكم } حالا . { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } لا أبالي بإيمان من آمن ولا كفر من كفر ، وهو لا يقتضي استقلال العبد بفعله فإنه وان كان بمشيئته فمشيئته ليست بمشيئته . { إنا اعتدنا } هيأنا . { للظالمين نارا أحاط بهم سُرادقُها } فسطاطها ، شبه به ما يحيط بهم من النار . وقيل السرادق الحجرة التي تكون حول الفسطاط . وقيل سرادقها دخانها وقيل حائط من نار { وإن يستغيثوا } من العطش . { يُغاثوا بما كالمهل } كالجسد المذاب . وقيل كدرديّ الزيت وهو على طريقة قوله : فاعتبوا بالصيلم . { يشوي الوجوه } إذا قدم ليشرب من فرط حرارته ، وهو صفة ثانية لماء أو حال من المهل أو الضمير في الكاف . { بئس الشراب } المهل . { وساءت } النار . { مرتفقاً } متكأ وأصل الارتفاق نصب المرفق تحت الخد ، وهو لمقابلة قوله وحسنت مرتفقا وألا فلا ارتفاق لأهل النار .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّـٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا} (29)

27

المفردات :

اعتدنا : أعددنا وهيأنا .

السرادق : لفظ فارسي معرب يراد به : الفسطاط ( الخيمة ) شبه به ما يحيط بهم من لهب النار ، المنتشر منها في سائر الجهات .

المُهل : دردي الزيت ، أو ما أذيب من المعادن كالرصاص والنحاس .

يشوي الوجوه : ينضجها إذا قدّم ؛ ليشرب لشدة حره .

مرتفقا : متكأ .

29- { وقل الحقّ من ربّكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر . . . }

أي : قل يا محمد للناس : هذا الذي جئتكم به من ربكم ، هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك ، فمن شاء أن يؤمن به ، ويدخل في غمار المؤمنين ؛ فليفعل ، ومن شاء أن يكفر به ؛ وينبذه وراء ظهره ؛ فأمره إلى الله ولست بطارد للمؤمنين من أجل أهوائكم .

قال ابن كثير : { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } . هذا من باب التهديد والوعيد الشديد ؛ ولهذا قال : { إنا اعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها . . . }

فالله تعالى لا تنفعه طاعة الطائع ، أو إيمان المؤمن ، ولا تضره معصية العاصي ، ولا كفر الكافر ، ولكن هذا الكافر الذي أنف من الحق ، واستكبر عن الدخول في الإسلام ظلما وعدوانا ، قد أعد الله له نارا مؤججة ، يحيط به لهيبها من كل جانب ، كما يحيط السرادق بمن حل فيه ، فلا مخلص منه ولا ملجأ إلى غيره .

وقال ابن كثر :

{ أحاط بهم سرادقها . . . } أي : سورها ، كإحاطة السوار بالمعصم .

أخرج أحمد والترمذي في صفة النار وابن جرير في تفسيره : عن أبي سعيد الخدري ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لسرادق النار أربعة جدور كثافة كل جدار مسافة أربعين سنة ) .

وقال ابن عباس :

{ أحاط بهم سرادقها . . . } قال : حائط من نار32 .

{ وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه } .

والمهل : ماء جهنم أسود منتن غليظ حار ، ولهذا قال : { يشوي الوجوه } . أي : من حره إذا أراد الكافر أن يشربه ، وقرّبه من وجهه : شواه حتى تسقط جلدة وجهه فيه .

وأخرج أحمد والترمذي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ماء المهل كعكر الزيت ؛ فإذا قربه إليه سقطت فروة وجهه فيه )33 .

{ بئس الشراب وساءت مرتفقا } .

أي : بئس هذا الشراب ، وما أقبحه ؛ فهو لا يطفئ غلّه ، ولا يسكن حرارة الفؤاد ؛ بل يزيد فيها إلى أقصى غاية ، وما أسوأ هذه النار منزلا ومقيلا يرتفق به أهل النار !

قال تعالى : { إنها ساءت مستقرا ومقاما } . ( الفرقان : 66 ) .