نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ يَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ يَلۡهَثۚ ذَّـٰلِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ} (176)

ولما كان هذا السياق موهماً لمن لم يرسخ قدمه في الإيمان أن الشيطان له تأثير مستقل في الإغواء{[34007]} ، نفى ذلك غيرة{[34008]} على هذا المقام في مظهر العظمة فقال : { ولو شئنا } أي أن نرفعه بها على ما لنا من العظمة التي من دنا ساحتها بغير إذن محق { لرفعناه } أي في المنزلة رفعة دائمة { بها } أي الآيات حتى لا يزال عاملاً بها .

ولما علق الأمر بالمشيئة تنبيهاً على أنها هي{[34009]} السبب الحقيقي وأن ما لم يشأه سبحانه لا يكون ، وكان التقدير : ولكنا لم نشأ ذلك وشئنا له الكفر فأخلدناه - إلى آخره ، عبر عنه تعليماً للأدب في إسناد الخير إلى الله والشر إلى غيره وإن كان الكل خلقه حفظاً{[34010]} - لعقول الضعفاء من إيهام نقص أو{[34011]} إدخال لبس بقوله مسنداً نقصه إليه : { ولكنه أخلد } أي فعل فعل من أوقع الخلد - وهو{[34012]} الدوام - وأوجده{[34013]} { إلى الأرض } أي رمى بنفسه إلى الدنيا رمياً ، تهالكاً على ما فيها من الملاذ الحيوانية والشهوات النفسانية { واتبع } أي اتباعاً شديداً { هواه } فأعرض عن التمسك بما آتاه الله من الآيات مقدماً لداعي نفسه على داعي روحه ، لأن القلب الذي هو نتيجتهما في عالم الأمر له وجهان : وجه إلى الروح العلوي الروحاني الذي هو الأب ، وله الذكورة المناسبة للعلو ؛ ووجه إلى النفس التي{[34014]} هي الروح الحيواني التي هي الأم ولها المناسبة للأرض بالأنوثة وبأن أصلها من التراب الذي له الرسوب بوضع الجبلة فالتقدير : فحط نفسه حطّاً عظيماً ، لأنا لم نشأ رفعه بما أعطيناه من الآيات ، وإنما جعلناه وبالاً عليه ، فلا يغتر أحد بما أوتي من المعارف ، وما حاز من المفاخر واللطائف ، فإن العبرة بالخواتيم ، ولنا بعد ذلك أن نفعل ما نشاء .

ولما كان هذا حاله ، تسبب عنه أن قال تعالى : { فمثله } أي مع ما أوتي من العلم في اتباعه{[34015]} لمجرد هواه من غير دليل بعد الأمر بمخالفة الهوى { كمثل الكلب } أي في حال دوام اللهث .

ولما كان كأنه{[34016]} قيل : مثله في أيّ أحواله ؟ قال : في كونه { إن تحمل عليه } أي لتضربه { يلهث أو تتركه يلهث } فإن أوجب لك الحمل عليه ظن أن لهثه لما حاول من ذلك التعب ردك عنه لهثه في الدعة{[34017]} ، فتعلم حينئذ أنه {[34018]}ليس له{[34019]} سبب إلا اتباع الهوى ، فتابع الهوى مثل الكلب كما بين ، ومثال هذا المنسلخ الجاهل الذي لا يتصور أن يتبع غير الهوى ، لأنه يتبع الهوى مع إيتاء الآيات فبعد الانسلاخ منها أولى ، فقد{[34020]} وضح تشبيه{[34021]} مثله بمثل الكلب ، لا {[34022]}تشبيه مثله{[34023]} بالكلب ؛ وهذه القصة تدل على أن من كانت نعم الله في حقه أكثر ، كان بعده عن الله إذا أعرض عنه أعظم وأكبر{[34024]} .

ولما تقرر المثلان ، وكان كل منهما منطبقاً على حالة{[34025]} كل مكذب ، كانت النتيجة قوله : { ذلك } أي كل من المثلين { مثل القوم } أي الأقوياء ما يحاولونه { الذين كذبوا بآياتنا } أي في أن{[34026]} تركهم لها إنما هو بمجرد الهوى ، لأن{[34027]} لها من الظهور والعظمة بنسبتها إلينا ما لا يخفي على من له أدنى بصيرة { فاقصص القصص } أي فأخبر الإخبار العظيم الذي تتبعت به مواقع الوقائع وآثار الأعيان حتى لم تدع في شيء منها لبساً على كل من يسمع لك من اليهود وغيرهم ، وهو مصدر قص الشيء - إذا تبع أثره واستقصى في ذلك { لعلهم يتفكرون* } أي ليكون حالهم حال من يرجى تفكره في هذه الآيات ، فيعلمون أنه لا يأتي بمثلها من غير معلم من الناس إلا نبي فيردهم ذلك إلى الصواب حذراً{[34028]} من مثل حال هذا .


[34007]:- من ظ، وفي الأصل: الإغراء.
[34008]:- سقط من ظ.
[34009]:- في ظ: من.
[34010]:- زيد من ظ.
[34011]:- من ظ، وفي الأصل "و".
[34012]:- في ظ: دوام ووجوده-كذا.
[34013]:- في ظ: دوام ووجوده-كذا.
[34014]:- تكرر في الأصل.
[34015]:- في ظ: إتيانه.
[34016]:- زيد من ظ.
[34017]:- في ظ: الدعوة.
[34018]:- من ظ، وفي الأصل: لا.
[34019]:- من ظ، وفي الأصل: لا.
[34020]:- من ظ، وفي الأصل: فكم.
[34021]:- سقط من ظ.
[34022]:- من ظ، وفي الأصل: يشيه بمثله.
[34023]:- من ظ، وفي الأصل: يشيه بمثله.
[34024]:- في ظ: أكثر.
[34025]:- في ظ: حال.
[34026]:- زيد من ظ.
[34027]:- في ظ: لما.
[34028]:- من ظ، وفي الأصل: حلها-كذا.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ يَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ يَلۡهَثۚ ذَّـٰلِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ} (176)

قوله : { ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض وابتع هواه } أي لو شاء الله لرفعه بآياته التي آتاها إياه . والمراد بالرفع : ما كان في المنزلة . ومنها : الرفع في شرف الدنيا . ومنها : الرفع في الذكر الجميل والثناء الحميد . أو أن الله أعطاه كل هذه المعاني مجتمعة بان وفقه للعمل بآياته والتي كان قد آتاه إياها ؛ وقيل في تأويل الآية : لو شئنا لأمتناه قبل أن يضل ويعصي ربه ، فرفعناه إلى الجنة بذلك . أي بعمله الذي يستوجب ( الجنة ) { ولاكنه أخلد إلى الأرض } من الإخلاد ، وهو الركون واللزوم . أخلد بالمكان ؛ أي لزمه فاطمأن وسكن{[1579]} . والمعنى : أنه ركن إلى الأرض أو نزع إليها أو مال إلى ملذاتها وشهواتها وزخارفها وعزف عن الحق واليقين الذي كان متلبسا به من قبل أن يضل .

وقوله : { واتبع هواه } وهو الضلال والفسق عن أمر الله نزوعا للدنيا وما فيها من خسائس ومغريات موبقات ، أو كان هواه مع القوم الظالمين الذين حرضوه على الإخلاد للأرض والزيغ عن عقيدة التوحيد ركونا للهوى والأموال والشهوات .

قوله : { فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث } يلهث من اللهاث بالضم ؛ وهو حر العطش في الجوف . يقال : هو يقاسي لهاث الموت ؛ أي شدته . لهث الكلب لهثا ولهاثا : أخرج لسانه من حر أو عطش{[1580]} . ذلك مثل ضربه الله للذي ضل وغوى وخرج عن ملة الإسلام بعد أن آتاه الله آياته فانسلخ منها . فهو أشبه ما يكون بالكلب الذي دأبه اللهاث ؛ فهو يلهث إذا طردته ، ويلهث إذا تركته .

قال القتبي في هذا الصدد : كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب ؛ فغنه يلهث في حال الكلال ، وحال الراحة ، وحال المرض ، وحال الصحة ، وحال الري ، وحال العطش . فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته فقال : إن وعظته ضل ، وإن تركته ضل ؛ فهو كالكلب إن تركته لهث ، وإن طردته لهث ، وقيل في تأويل الآية : إنك إذا حملت على الكلب نبح وولى هاربا ، وإذا تركته شد عليك ونبح فيتعب نفسه مقبلا عليك ؛ ودبرا عنك فيعتريه عند ذلك ما يعتريه عند العطش من إخراج اللسان .

وتلك هي حال الذي انسلخ من آيات الله وفسق عن دينه بعد علم به وهداية ؛ فإنه صار بذلك من غير فؤاد . أو أن فؤاده بات غليظا أجوف لا مكان فيه للإيمان أو اليقين ؛ فهو سواء وعظ أو لم يوعظ ، لم يأت بخير ؛ لأن قلبه خال من الخير ولا يستسيغه ؛ فهو بذلك ضال مجانب لدين الله . لا تجدي معه النصائح والمواعظ ، ولا تعطف قلبه النواهي والزاجر ، ولا يؤثر فيه الترغيب والترهيب ليثنيه عن فعل المعاصي والموبقات . فمثله في ذلك مثل الكلب اللاهث تماما ؛ إذ يلهث في كل الأحوال . فما أروع هذا التعبير ، وما أكمل هذا التصوير الذي لا يصدر بهذا الجمال والرصانة وقوة التأثير إلا عن حكيم خبير !

وقوله : { فاقصص القصص لعلهم يتفكرون } أي أقصص على المشركين واليهود هذه الأخبار عن نقم الله وما أنزله بالمجرمين المضلين من العقوبات والمثلاث . وكذا قص عليهم خبر أي انسلخ من آيات الله ثم ركن إلى الدنيا والشهوات فانتقم الله منه وهو من جنسهم –أي اليهود- أقصص عليهم هذه الأخبار لعلهم يرجعون إلى عقولهم فيفهمون وينزجرون عن الباطل والضلال .


[1579]:مختار الصحاح ص 184 والمعجم الوسيط جـ 1 ص 249.
[1580]:المعجم الوسيط جـ 2 ص 841.