أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّهُمۡ أَقَامُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِم مِّن رَّبِّهِمۡ لَأَكَلُواْ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۚ مِّنۡهُمۡ أُمَّةٞ مُّقۡتَصِدَةٞۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ سَآءَ مَا يَعۡمَلُونَ} (66)

شرح الكلمات :

{ من فوقهم ومن تحت أرجلهم } : كناية عن بسط الرزق عليهم .

{ أمة مقتصدة } : معتدلة لا غالية مفرطة ، ولا جافية مفرطة .

المعنى :

أما الآية الأخيرة ( 66 ) في هذا السياق فهي تتضمن وعداً إلهياً آخر وهو أن اليهود والنصارى لو أقاموا التوراة والإِنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ومن ذلك القرآن الكريم ، ومعنى أقاموا ذلك آمنوا بالعقائد الصحيحة الواردة في تلك الكتب وعملوا بالشرائع السليمة والآدب الرفيعة والأخلاق الفاضلة التي تضمنتها تلك الكتب لو فعلوا ذلك لبسط الله تعالى عليه الرزق وأسبغ عليهم النعم ولأصبحوا في خيرات وبركات تحوطهم من كل جانب هذا ما وعدهم الله به . ثم أخبر تعالى عن واقعهم المرير فقال : { منهم أمة مقتصدة } لم تغل ولم تحف فلم تقل في عيسى أنه ابن الله ولا هو ابن زنى ، ولكن قالت عبد الله ورسوله ولذا لما جاء النبي الأمي بشارة عيسى عليه هو ابن زنى ، ولكن قالت عبد الله ورسوله الحق وهم عبد الله بن سلام وبعض اليهود ، والنجاشى من النصارى وخلق كثير لا يحصون عداً . وكثير من أهل الكتاب ساء أي قبح ما يعملون من أعمال الكفر والشرك والشر والفساد .

الهداية

من الهداية :

- وعده تعالى لأنه الكتاب ببسط الرزق وسعته لو أقاموا التوراة والإِنجيل وما أنزل إليهم من ربهم أي لو أنهم أخذوا بما في التوراة والإِنجيل من دعوتهم إلى الإِيمان بالنبي الأمي والدخول في الإِسلام لحصل لهم ذلك كما حصل للمسلمين طيلة ثلاثة قرون وزيادة . وما زال العرض كما هو لكل الأمم والشعوب أيضاً .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّهُمۡ أَقَامُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِم مِّن رَّبِّهِمۡ لَأَكَلُواْ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۚ مِّنۡهُمۡ أُمَّةٞ مُّقۡتَصِدَةٞۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ سَآءَ مَا يَعۡمَلُونَ} (66)

ولما كان المعنى : ما فعلوا ذلك ، فألزمناهم الخزي في الدنيا والعذاب الدائم في الآخرة ، وكان هذا إجمالاً لحالتهم الدنيوية والأخروية ، وكان محط نظرهم الأمر الدنيوي ، رجع - بعد إرشادهم إلى إصلاح الحالة الأخروية لأنها أهم في نفسها - إلى سبب قولهم تلك الكلمة الشنعاء{[26831]} والداهية{[26832]} القبيحة الصلعاء ، وهو تقتير{[26833]} الرزق عليهم ، وبين أن السبب إنما هو من أنفسهم فقال : { ولو أنهم أقاموا التوراة } أي{[26834]} قبل إنزال الإنجيل بالعمل بجميع ما دعت إليه من أصل وفرع وثبات عليها وانتقال عنها { والإنجيل } أي بعد إنزاله كذلك ، وفي إقامته إقامة التوراة الداعية إليه { وما أنزل إليهم من ربهم } أي المحسن إليهم من أسفار الأنبياء المبشرة بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ، ومن القرآن بعد إنزاله ، وفي إقامته إقامة جميع ذلك ، لأنه مبشر به وداع إليه { لأكلوا } أي لتيسر{[26835]} لهم الرزق ، وعبّر ب " من " لأن المراد بيان جهة المأكول لا الأكل { من فوقهم } .

ولما كان ذلك{[26836]} كناية عن عظم التوسعة ، قال موضحاً له معبراً بالأحسن ليفهم غيره{[26837]} بطريق الأولى : { ومن تحت أرجلهم } أي تيسراً واسعاً جداً متصلاً{[26838]} لا يحصر ، أو يكون كناية عن بركات السماء والأرض ، فبين ذلك أنه ما ضربهم بالذل والمسكنة إلا تصديقاً{[26839]} لما تقدم إليهم به في التوراة ، قال مترجمها في السفر الخامس - الدعاء والبركات : وإن أنتم سمعتم قول الله ربكم وحفظتم وعملتم بجميع الوصايا التي آمركم بها اليوم{[26840]} ، يصيركم الرب فوق جميع الشعوب ، فتصيرون إلى هذا الدعاء ، يبارك لكل امرىء منكم في القرية والحقل ، يبارك{[26841]} في أولادكم وأرضكم ، يبارك{[26842]} لكم في بهائمكم وما يضع{[26843]} في أقطاع{[26844]} بقركم وأحزاب{[26845]} غنمكم ، ويبارك فيكم إذا دخلتم ويبارك فيكم إذا خرجتم ، ويدفع إليكم الله{[26846]} أعداءكم أسارى ، يخرجون إليكم في طريق واحد ويهربون منكم في سبعة طرق ، يأمر الله ببركاته في أهرائكم وفي جميع الأشياء التي تمدون أيديكم إليها ، وينظر إليكم جميع شعوب الأرض ويعلمون أن اسم الرب عليكم وقد وسمتم{[26847]} به فيخافونكم ، ويزيدكم الرب خيراً ويبارك في ثمار أرضكم ، يفتح الله ربكم أهراء السماء ويهبط المطر على أهله في زمانه ، وتتسلطون على شعوب كثيرة ولا يتسلط عليكم أحد ، ويصيركم الرب رأساً ولا يصيركم ذنباً ، وتصيرون فوق ولا تصيرون أسفل إذا عملتم{[26848]} بجميع وصايا الله ربكم ولم تروغوا عنها يمنة ولا يسرة ، ولا تتبعوا الشعوب ولا تعبدوا آلهتها ، وإن أنتم لم تسمعوا قول الله ربكم ولم تحفظوا ولم تعملوا بجميع سننه ووصاياه التي آمركم{[26849]} بها اليوم ، ينزل بكم هذا اللعن الذي أقص{[26850]} عليكم كله ، ويدرككم العقاب ، وتكونون ملعونين{[26851]} في القرية - إلى آخر اللعن الذي تقدم قريباً ، وقال في الثالث : إذا سلكتم بسنتي{[26852]} وحفظتم وصاياي وعملتم{[26853]} بها ، أديم أمطاركم في وقتها ، وتبذل{[26854]} الأرض لكم{[26855]} غلاتها ، وتبذل لكم الشجر ثمارها ، ويدرك الدراس القطاف ، والقطاف{[26856]} يدرك الزرع ، وتأكلون خبزاً وتشبعون وتسكنون أرضكم مطمئنين ، ولا يكون من يخرجكم ، وأصرف عن أرضكم السباع الضارية ، وتطردون أعداءكم ، الخمسة منكم يهزمون{[26857]} مائة ، والمائة منكم يهزمون عشرة آلاف ، وتقع أعداؤكم قتلى بين أيديكم في الحرب ، وأقبل إليكم وأكثركم وأديم مقدسي بينكم ولا أدبر عنكم ، بل أكون معكم{[26858]} وأسير بينكم ، وإن لم{[26859]} تطيعوني وتسمعوا قولي ولم تعملوا بهذه الوصايا وأبطلتم عهودي ، أنا أيضاً أصنع بكم مثل صنيعكم ، وآمر بكم البلايا والبرص والبهق المقشر الذي لا يبرأ ، والسل{[26860]} الذي يطفىء البصر ويهلك النفس ، ويكون تعبكم في الزرع باطلاً ، وذلك لأن أعداءكم يأكلون ما تزرعون ، وأنزل بكم غضبي ، ويهزمكم أعداؤكم ، ويتسلط عليكم شنّاؤكم{[26861]} ، وتنهزمون{[26862]} من غير أن يهزمكم أحد ، وأصيّر السماء فوقكم مثل الحديد ، والأرض تحتكم مثل النحاس ، ولا تغل لكم أرضكم غلاتها ، ولا تثمر الشجر ثمارها ، وأرسل عليكم السباع الضارية فتلهككم وتهلك بهائمكم ، ويستوحش الطرق منكم ، وأسلط عليكم الموت وأدفعكم إلى أعدائكم ، وتأكلون ولا تشبعون ، وتصيرون إلى ضيق حتى تأكلوا لحوم بناتكم ، وأخرب{[26863]} منازلكم ، وأفرقكم بين الأمم ، وتخرب قراكم ، فحينئذ تهوى الأرض أسباتها ، وتسبت{[26864]} كل أيام وحشتها ما لم تسبت{[26865]} حيث{[26866]} كنتم فيها عصاة لا تسبتون ، والذين يبقون منكم ألقي في قلوبهم فزعة ، ويطردهم{[26867]} صوت ورقة تحرك ، ويهربون{[26868]} من صوت الورقة كما يهربون من السيف ، ويعنفون بإثمهم ويعاقبون{[26869]} بإثم آبائهم ، ومن بعد ذلك تنكسر قلوبهم الغلف .

ولما كان ما مضى من ذمهم ربما أفهم أنه لكلهم ، قال مستأنفاً جواباً لمن يسأل عن ذلك : { منهم } أي أهل الكتاب { أمة } أي جماعة هي جديرة بأن تقصد { مقتصدة } أي مجتهدة في العدل لا غلو ولا تقصير ، وهم الذين هداهم الله للإسلام بحسن تحريهم واجتهادهم { وكثير منهم } أي بني إسرائيل { سآء ما يعملون * } أي ما أسوأ{[26870]} فعلهم الذي هم فيه{[26871]} مستمرون على تجديده ، ففيه معنى التعجيب ، والتعبيرُ بالعمل لأنهم يزعمون أنه لا يصدر منهم إلا عن علم ، وهم الذين حرفوا الكلم عن مواضعه ، وارتكبوا العظائم في عداوة الله ورسوله .


[26831]:في ظ: الشنيعة.
[26832]:زيد بعده في ظ: الصلعاء.
[26833]:في ظ: تعبير.
[26834]:في ظ: الشنيعة.
[26835]:من ظ، وفي الأصل: ليسر.
[26836]:زيد من ظ.
[26837]:من ظ، وفي الأصل: غير.
[26838]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[26839]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[26840]:سقط من ظ.
[26841]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[26842]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[26843]:في ظ: يطلع.
[26844]:في ظ: بعدكم وأعراب.
[26845]:في ظ: بعدكم وأعراب.
[26846]:سقط من ظ.
[26847]:في ظ: وشمتم.
[26848]:سقط من ظ.
[26849]:في ظ: أمر.
[26850]:في ظ: أفصل.
[26851]:في ظ: ملعونون.
[26852]:في ظ: سبيلي.
[26853]:في ظ: علمتم.
[26854]:في ظ: لكم الأرض.
[26855]:في ظ: لكم الأرض.
[26856]:زيد من التوراة.
[26857]:من ظ، وفي الأصل: يهزمه.
[26858]:زيد من ظ.
[26859]:زيد من ظ.
[26860]:في ظ: السبيل.
[26861]:جمع شانىء وفي الأصل: شناتكم، وفي ظ: سياتكم- كذا.
[26862]:في ظ: تهزمون.
[26863]:في ظ: الحرب.
[26864]:في ظ: تسيب.
[26865]:في ظ: تسيب.
[26866]:من ظ، وفي الأصل: كنت.
[26867]:في ظ: يطرهم.
[26868]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[26869]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[26870]:من ظ، وفي الأصل: ألبسوا- كذا.
[26871]:زيد من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّهُمۡ أَقَامُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِم مِّن رَّبِّهِمۡ لَأَكَلُواْ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۚ مِّنۡهُمۡ أُمَّةٞ مُّقۡتَصِدَةٞۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ سَآءَ مَا يَعۡمَلُونَ} (66)

قوله : { ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل } أي أقاموا أحكامهما وحدودهما وآمنوا بما اشتملا عليه من تبشير بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم .

قوله : { وما أنزل إليهم من ربهم } أي القرآن . وقيل : سائر كتب الله ، فهم مكلفون بالإيمان بجميعها .

قوله : { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } لما أصر اليهود على تكذيب الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أصابهم القحط والجدب والشدة فعانوا بذلك قسوة الفقر والمضانكة . فالله يبين لهم أنهم لو استجابوا لداعي الحق وتحرروا من إسار الشذوذ واللؤم والعناد لوسع الله عليهم في الرزق ، ولأفاض عليهم من بركات السماء والأرض فعاشوا في النعماء والبحبوحة . هذا مقتضى قوله : { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } وتأويل ذلك يحتمل عدة وجوه هي :

الأول : أن المراد من ذلك المبالغة في ذكر السعة والخصب . وليس المراد أن هناك فوقا وتحتا كالذي عليه ظاهر العبارة أي لأكلوا أكلا دائما ومنعما وغير منقطع لكثرته .

الثاني : إن الأكل من فوق يراد به نزول المطر ، ولأكل من تحت الأرجل معناه خروج النبات والثمر .

الثالث : من قول الزمخشري وهو كثرة الأشجار المثمرة والزرع المغلة وأن يرزقهم الله الجنان اليانعة الثمار يجتنون ما تهدل منها من رؤوس الشجر ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم .

قوله : { منهم أمة مقتصدة } الاقتصاد معناه الاعتدال في العمل من غير غلو ولا تقصير . وأصله القصد ، ومعناه العدل واستقامة الطريق . وهو ضد الإفراط{[1018]} والمراد بقوله : { أمة مقتصدة } أي طائفة معتدلة من اليهود غير مغالية ولا مفرطة . فهي على الحق والاعتدال ، ومجانبة للإفراط والتفريط وهم الذين آمنوا واتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام وأمثاله من اليهود الذين أسلموا ، وآخرون من النصارى آمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم واتبعوا النور الذي أنزل معه كالنجاشي وأصحابه من النصارى .

وقيل : المراد بهم الكفار من أهل الكتاب الذين كانوا عدولا في دينهم وطبائعهم وسلوكهم ، إذ لم يكونوا مغالين ولا غلاظا . وما كانوا يؤذون المؤمنين بالكيد وفاحش القول .

قوله : { وكثير منهم ساء ما يعملون } أي أن كثيرا من أهل الكتاب أجلاف متعصبون وهم مبغضون لئام ، طغت عليهم الكراهية ، وملك قلوبهم الحقد فساء عملهم إذ عاثوا في البلاد إفسادا وتشويها وتحريضا على التصدي للإسلام والمسلمين . وفيه معنى التعجب أي أن كثيرا منهم ما أسوأ عملهم{[1019]} .


[1018]:- القاموس المحيط ج 1 ص 339.
[1019]:- الكشاف ج 1 ص 630 وتفسير الرازي ج 6 ص 50 وروح المعاني ج 6 ص 185.