{ من فوقهم ومن تحت أرجلهم } : كناية عن بسط الرزق عليهم .
{ أمة مقتصدة } : معتدلة لا غالية مفرطة ، ولا جافية مفرطة .
أما الآية الأخيرة ( 66 ) في هذا السياق فهي تتضمن وعداً إلهياً آخر وهو أن اليهود والنصارى لو أقاموا التوراة والإِنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ومن ذلك القرآن الكريم ، ومعنى أقاموا ذلك آمنوا بالعقائد الصحيحة الواردة في تلك الكتب وعملوا بالشرائع السليمة والآدب الرفيعة والأخلاق الفاضلة التي تضمنتها تلك الكتب لو فعلوا ذلك لبسط الله تعالى عليه الرزق وأسبغ عليهم النعم ولأصبحوا في خيرات وبركات تحوطهم من كل جانب هذا ما وعدهم الله به . ثم أخبر تعالى عن واقعهم المرير فقال : { منهم أمة مقتصدة } لم تغل ولم تحف فلم تقل في عيسى أنه ابن الله ولا هو ابن زنى ، ولكن قالت عبد الله ورسوله ولذا لما جاء النبي الأمي بشارة عيسى عليه هو ابن زنى ، ولكن قالت عبد الله ورسوله الحق وهم عبد الله بن سلام وبعض اليهود ، والنجاشى من النصارى وخلق كثير لا يحصون عداً . وكثير من أهل الكتاب ساء أي قبح ما يعملون من أعمال الكفر والشرك والشر والفساد .
- وعده تعالى لأنه الكتاب ببسط الرزق وسعته لو أقاموا التوراة والإِنجيل وما أنزل إليهم من ربهم أي لو أنهم أخذوا بما في التوراة والإِنجيل من دعوتهم إلى الإِيمان بالنبي الأمي والدخول في الإِسلام لحصل لهم ذلك كما حصل للمسلمين طيلة ثلاثة قرون وزيادة . وما زال العرض كما هو لكل الأمم والشعوب أيضاً .
قوله : { ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل } أي أقاموا أحكامهما وحدودهما وآمنوا بما اشتملا عليه من تبشير بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم .
قوله : { وما أنزل إليهم من ربهم } أي القرآن . وقيل : سائر كتب الله ، فهم مكلفون بالإيمان بجميعها .
قوله : { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } لما أصر اليهود على تكذيب الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أصابهم القحط والجدب والشدة فعانوا بذلك قسوة الفقر والمضانكة . فالله يبين لهم أنهم لو استجابوا لداعي الحق وتحرروا من إسار الشذوذ واللؤم والعناد لوسع الله عليهم في الرزق ، ولأفاض عليهم من بركات السماء والأرض فعاشوا في النعماء والبحبوحة . هذا مقتضى قوله : { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } وتأويل ذلك يحتمل عدة وجوه هي :
الأول : أن المراد من ذلك المبالغة في ذكر السعة والخصب . وليس المراد أن هناك فوقا وتحتا كالذي عليه ظاهر العبارة أي لأكلوا أكلا دائما ومنعما وغير منقطع لكثرته .
الثاني : إن الأكل من فوق يراد به نزول المطر ، ولأكل من تحت الأرجل معناه خروج النبات والثمر .
الثالث : من قول الزمخشري وهو كثرة الأشجار المثمرة والزرع المغلة وأن يرزقهم الله الجنان اليانعة الثمار يجتنون ما تهدل منها من رؤوس الشجر ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم .
قوله : { منهم أمة مقتصدة } الاقتصاد معناه الاعتدال في العمل من غير غلو ولا تقصير . وأصله القصد ، ومعناه العدل واستقامة الطريق . وهو ضد الإفراط{[1018]} والمراد بقوله : { أمة مقتصدة } أي طائفة معتدلة من اليهود غير مغالية ولا مفرطة . فهي على الحق والاعتدال ، ومجانبة للإفراط والتفريط وهم الذين آمنوا واتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام وأمثاله من اليهود الذين أسلموا ، وآخرون من النصارى آمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم واتبعوا النور الذي أنزل معه كالنجاشي وأصحابه من النصارى .
وقيل : المراد بهم الكفار من أهل الكتاب الذين كانوا عدولا في دينهم وطبائعهم وسلوكهم ، إذ لم يكونوا مغالين ولا غلاظا . وما كانوا يؤذون المؤمنين بالكيد وفاحش القول .
قوله : { وكثير منهم ساء ما يعملون } أي أن كثيرا من أهل الكتاب أجلاف متعصبون وهم مبغضون لئام ، طغت عليهم الكراهية ، وملك قلوبهم الحقد فساء عملهم إذ عاثوا في البلاد إفسادا وتشويها وتحريضا على التصدي للإسلام والمسلمين . وفيه معنى التعجب أي أن كثيرا منهم ما أسوأ عملهم{[1019]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.