{ وقرن في بيوتكن } الزمنها ، فلا تخرجن لغير حاجة مشروعة . ومثلن في ذلك سائر نساء المسلمين .
والحكمة فيه : أن ينصرفن إلى رعاية شئون بيوتهن . وتوفير وسائل الحياة المنزلية التي هي من خصائصهن ولا يحسنها الرجال ، وإلى تربية الأولاد في عهد الطفولة وهي من شأنهن . وقد جرت السنة الإلهية بأن أمر الزوجين قسمة بينهما ؛ فللرجال أعمال من خصائصهم لا يحسنها النساء ، وللنساء أعمال من خصائصهن لا يحسنها الرجال ؛ فإذا تعدى فريق عمله اختل النظام في البيت والمعيشة . ومما يباح خروجهن لأجله : الحج ، والصلاة في المسجد ، وزيارة الوالدين ، وعيادة المريض ، وتعزية الأقارب ، والعلاج ونحو ذلك ؛ بشروطه التي منها التستر وعدم التبذل . و " قرن " وقرئ " قرن " بكسر القاف ؛ كلاهما من القرار بمعنى السكون يقال : قر بالمكان يقر – بالفتح والكسر – إذا أقام فيه وثبت .
والأمر من الأول قرن ، وأصله : اقررن – بفتح الراء الأولى – ومن الثاني قرن ، وأصله : اقررن – بكسر الراء الأولى . { ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى } أي إذا خرجتن لحاجة فيحرم أن تبدي إحداكن من زينتها ما أوجب الله عليها ستره ؛ كالشعر والعنق والصدر والذراعين والساقين ، مما شأنه أن يثير النظر إليه شهوة الرجال . ومن التبرج في بعض الروايات : المشية بتكسر وحركات مثيرة ؛ كما كان يفعل نساء الجاهلية الأولى . مأخوذ من البرج وهو سعة العين وحسنها . و " الأولى " بمعنى المقدمة . يقال لكل متقدم ومتقدمة : أول وأولى . أو هي بمثابة قولهم : الجاهلية الجهلاء .
{ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس } تعليل لما تقدم من الأوامر والنواهي . والرجس : الإثم والذنب ، والقذر والنقائض . والمراد هنا : ذهاب كل ذلك عنهم . و " آل " فيه للاستغراق ، ويحتمل أن تكون للجنس . { أهل البيت } هم نساؤه صلى الله عليه وسلم بقرينة السياق .
{ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ } أي : اقررن فيها ، لأنه أسلم وأحفظ لَكُنَّ ، { وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى } أي : لا تكثرن الخروج متجملات أو متطيبات ، كعادة أهل الجاهلية الأولى ، الذين لا علم عندهم ولا دين ، فكل هذا دفع للشر وأسبابه .
ولما أمرهن بالتقوى عمومًا ، وبجزئيات من التقوى ، نص عليها [ لحاجة ]{[704]} النساء إليها ، كذلك أمرهن بالطاعة ، خصوصًا الصلاة والزكاة ، اللتان يحتاجهما ، ويضطر إليهما كل أحد ، وهما أكبر العبادات ، وأجل الطاعات ، وفي الصلاة ، الإخلاص للمعبود ، وفي الزكاة ، الإحسان إلى العبيد .
ثم أمرهن بالطاعة عمومًا ، فقال : { وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } يدخل في طاعة اللّه ورسوله ، كل أمر ، أمرَا به أمر إيجاب ، أو استحباب .
{ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ } بأمركن بما أَمَرَكُنَّ به ، ونهيكن بما{[705]} نهاكُنَّ عنه ، { لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ } أي : الأذى ، والشر ، والخبث ، يا { أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } حتى تكونوا طاهرين مطهرين .
أي : فاحمدوا ربكم ، واشكروه على هذه الأوامر والنواهي ، التي أخبركم بمصلحتها ، وأنها محض مصلحتكم ، لم يرد اللّه أن يجعل عليكم بذلك حرجًا ولا مشقة ، بل لتتزكى نفوسكم ، ولتتطهر أخلاقكم ، وتحسن أعمالكم ، ويعظم بذلك أجركم .
قوله : { وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ } { قَرْنَ } ، من القرار . والأصل ، اقْرَرْنَ بفتح الراء ، فحذفت الراء الأولى تخفيفا ونقلت حركتها إلى القاف وحذفت الألف لتحرك القاف فصارت قََرْنَ .
والخطاب ، وإنْ كان لنساء النبي صلى الله عليه وسلم فإن حكمه يعم النساء جميعا . والمعنى : الْزَمْنَ القرار في بيوتكن ولا تخرجن إلا لحاجة . ومن الحوائج المشروعة التي تجوز الخروج للنساء ، خروجهن للصلاة في المسجد . وفي الخبر : " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله " وفي رواية : " وبيوتهن خير لهن " .
ومن جملة الحوائج ، خروجها في طلب العلم . فإن طلب العلم فريضة على المسلمين ولا مناص لها من الخروج إذا أرادت أن تشهد مجالس العلم أو تنهل من مناهله ؛ إذ تلقاه من أهله .
ومنها : خروجها لمشاهدة أولي القربى والأرحام كالآباء والأمهات والأبناء والبنات والإخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات وغيرهم من أولي القربى .
ومنها : خروجهن لتطبيب أنفسهن أو مداواة أولادهن أو قضاء حوائج أبنائهن وبناتهن ، التي لا يُحسِن القيام بها غيرهن .
ومنها : خروجهن في طلب الرزق إذا لم يكن لهن من يضطلع بالإنفاق عليهن نفقة كافية تحقق لها البحبوحة والسعة .
قوله : { وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى } التبرج ، إظهار الزينة والمحاسن للرجال{[3740]} واختلفوا في المراد بالجاهلية الأولى . والأظهر أنها جاهلية الكفر قبل الإسلام . وأن الجاهلية الأخرى هي جاهلية الفسوق والفجور والضلال والبعد عن منهج الله عقب غياب الإسلام .
وصور الجاهلية من الضلال والكفر والجحود كثيرة ومغالية ومفْرِطة . إنها كثيرة وفادحة ومفحشة فحشا فاق كل تصور . لقد برعت الجاهلية في الزمان الراهن في ابتداع الضلال والفسق واصطناع الأساليب والظواهر المختلفة من الفساد والغواية التي تهوي بالأفراد والمجتمعات في مستنقع الرجس والدنس ، وتنزلق بهم إلى كحمأة الرذيلة والفواحش والخنا . ويأتي في طليعة ذلك كله ظاهرة التبرج في أفحش صوره في المغالاة والإسفاف والابتذال مما يفضي بالضرورة إلى الفتنة والسقوط في الدركات من القَذَر والانحطاط ، ولقد أسهم في إشاعة هذه الخسيسة الذميمة من التبرج ، تلك الأسباب المسخرة من وسائل الإعلام . وهي وسائل الإعلام . وهي وسائل كثيرة ومختلفة ولها من بالغ التأثير في سلوك المجتمعات ما أثار فيها الفتة وألْهَبَ فيها الشهوات والغرائز أيما إلْهاب .
لقد أسهمت أسباب الإعلام الكثيرة والمختلفة بلغ الإسهام في إذكاء الغريزة والفسق ، وإشاعة الفجور والتهتك ، وإثارة الهوى والشهوة لتظل على الدوام متأججة ومضطربة ومشوبة .
وهذه هي الحضارة المادية الحديثة بجحودها وتحللها وعتوها وتمردها على منهج الله ، تُحرّض على التبرج الفاحش والزراية المُسفّة ، والابتذال المُستقذر . كتبرج العاريات في الشوارع والمنازل والأندية ، وفي بيوت العلم ودوائر الدولة ، وسائر المحافل الرسمية والشعبية . ثم التبرج على المسارح وفي دور الملاهي حيث الانفلات الكامل من ربقة القيم والعفة ، وحيث العري والتهتك والسقوط ، والتحلل المذهل من كل الضوابط التي قررتها شرائع السماء ، ونطقت به فطرة الإنسان السوي . تلك هي الجاهلية المظلمة التي طغت على البشرية عقب غياب الإسلام . جاهلية المادية الثقيلة الصماء حيث الشهوات والأهواء وحيث الأنانيات والغرائز المحمومة وظلم الإنسان للإنسان .
قوله : { وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ } أمرهن بإقامة أعظم فريضة وهي الصلاة المفروضة ، وأن يؤدين الزكاة الواجبة في أموالهن .
قوله : { وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } أمرهن بالعام بعد الخاص . فقد أمرهن ههنا بسائر الطاعات .
قوله : { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ } إنما يريد الله مما نهاكنّ وأمركنّ ووعظكنّ أن يذهب عنكن الإثم والفحشاء { أَهْلَ الْبَيْتِ } { أهل } منصوب على المدح ، أو على النداء{[3741]} أي يا أهل بيت محمد ، وأن يطهركم من السوء والدنس تطهيرا .
واختلفوا في المراد بأهل البيت . فقيل : محمد صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضوان الله عليهم ؛ فقد أخرج الإمام أحمد عن أنس بن مالك ( رضي الله عنه ) قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمرّ بباب فاطمة ( رضي الله عنها ) ستة أشهر إذْ خرج إلى صلاة الفجر يقول : " الصلاة يا أهل البيت { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } " .
وقيل : إن المراد بأهل البيت نساء النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الآية نزلت فيهن خاصة . والصحيح أن المراد نساء النبي صلى الله عليه وسلم وأهله الذين هم أهل بيته . فنساء النبي سبب في نزول الآية ، وسبب النزول داخل فيه مع غيره . فيكون المراد عموم زوجات الرسول وأهله .