الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن ابي طالب - مكي ابن أبي طالب  
{قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغۡفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ لِيَجۡزِيَ قَوۡمَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ} (14)

ثم قال تعالى : { قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله } أي : قل لهم اغفروا يغفروا . فهو جواب أمر{[62475]} محمول على المعنى .

والمعنى : قل يا محمد للذين صدقوك : اغفروا للذين لا يخافون أيام الله ، أي : بأس الله ووقائعه فيمن كفر به ونقمه منهم يغفروا .

{ ليجزي قوما بما كانوا يكسبون } ، أي : ليجزي{[62476]} الله عز وجل في الآخرة هؤلاء/ الذين يؤذون المؤمنين بما{[62477]} اكتسبوا في الدنيا من أذى{[62478]} المؤمنين ( ومن غير ){[62479]} ذلك .

وروي عن عاصم أنه قرأ{[62480]} { ليجزي قوما } بنصب{[62481]} قوم والفعل لما لم يسم فاعله{[62482]} . وهذا بعيد جدا لم يجزه سيبويه ولا جميع البصريين{[62483]} .

وإنما تقديره عنده{[62484]} : ليجزي الجزاء قوما . فيقيم المصدر مقام ما لم{[62485]} يسم فاعله ويضمره وينصب الاسم المقصود بالمعنى{[62486]} وهو شاذ بعيد في النظر والقياس .

ولم يجز النحويون : ( ضُرِبَ الضربُ زيدا ) برفع الضرب ونصب زيد ، ولو جاز هذا لجازت هذه القراءة ولكن لا يجيزونه{[62487]} إلا في شعر على{[62488]} بعد{[62489]} .

قال ابن عباس : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عن المشركين إذا آذوه ، وكانوا يستهزؤون به ويكذبونه ، ثم أمره الله عز وجل أن يقاتلهم كافة . فكان هذا من المنسوخ{[62490]} .

وعن ابن عباس أيضا . وهو قول الضحاك : إن الآية نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنه شتمه{[62491]} رجل من المشركين بمكة قبل الهجرة ، فأراد أن يبطش به فنزلت{[62492]} : { قل للذين آمنوا } – يعني عمر – { يغفروا للذين لا يرجون أيام الله } ، ثم نسخ هذا في ( براءة ) بالأمر بالقتال والقتل للمشركين{[62493]} ، وهو أيضا قول قتادة ، إلا أنه قال : نسخها{[62494]} قوله : { فإما تثقفنهم في الحرث فشرد بهم من خلفهم }{[62495]} وقاله الضحاك{[62496]} .

وعن أبي هريرة أنه قال نسخها{[62497]} قوله{[62498]} : { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا }{[62499]} .

وقيل : معنى ( لا يرجون أيام الله ) : لا يخافون{[62500]} البعث .


[62475]:منطمس في (ت).
[62476]:(ح): (فيجزي).
[62477]:(ح): (بغير ما).
[62478]:(ح): (أدى) بالدال المهملة.
[62479]:(ح): (وغير).
[62480]:(ح): (قرى).
[62481]:(ح): (فنصب).
[62482]:قرأ (ليجزى) بياء مضمومة وفتح الزاي: أبو جعفر وشيبة والأعرج. انظر إعراب النحاس 4/143، والمحرر الوجيز 14/310، وجامع القرطبي 16/162، وغيث النفع 350.
[62483]:انظر معاني الفراء 3/46، وإعراب النحاس 4/143، والبيان في غريب إعراب القرآن 2/365. وعلل ابن الانباري ذلك قوله: (لأن المصدر لا يجوز إقامته مقام الفاعل مع مفعول صحيح). والتمس له الفراء وجها بقوله: (فإن كان أضمر – في (يجزى) – فعلا يقع به الرفع كما نقول: (أعطي ثوبا ليجزى ذلك الجزاء قوما. فهو وجه).
[62484]:ساقط من (ح).
[62485]:(ح): لم.
[62486]:(ح): (في المعنى).
[62487]:(ح): (لا يحسن إتيانه).
[62488]:فوق السطر في (ت).
[62489]:أنشد النحاس في إعرابه 4/144. لو ولدت قفيرة جرو كلب لسب بذلك الجرو الكلابا. وقال: لا حجة فيه ونسب إلى الزجاج تقديره: ولو ولدت فقيرة الكلاب (وجرو كلب) منصوب على النداء.
[62490]:ذكر ابن الجوزي في نواسخ القرآن 224 أن الجمهور على نسخ هذه الآية، وأنهم اختلفوا في ناسخها: فقال قوم: نسختها آية السيف. وقال قوم: نسختها: فإما تثقفنهم في الحرب (الأنفال آية 58، و(وقاتلوا المشركين) التوبة آية 36. وقال آخرون: نسختها: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) التوبة آية 29. وقال آخرون: نسختها: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا) الحج آية 37. قال ابن الجوزي ويمكن أن يقال: إنها محكمة، لأنها نزلت على سبب وهو أنهم نزلوا في غزوة بني المصطلق على بير، فأرسل عبد الله بن أبي غلامة ليستقي الماء فأبطأ عليه، فلما أتى، قال: ما حبسك؟ قال: غلام عمر، وما ترك أحدا يستقي حتى ملأ قرب النبي، وقرب أبي بكر وملأ لمولاه، فقال عبد الله: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك. فبلغ قوله عمر، فاشتمل بسيفه يريد التوجه إليه، فنزلت هذه الآية. وانظر جامع البيان 25/87، والمحرر الوجيز 14/309.
[62491]:(ت): (شتمه.
[62492]:(ح): (فنزلت هذه الآية).
[62493]:(ت): (بالمشركين).
[62494]:(ح): (نسختها).
[62495]:الأنفال آية 58.
[62496]:انظر الإيضاح 409، وجامع البيان 25/87، وتفسير مجهول بالحفيانية (5) وذكر ابن العربي في أحكام القرآن 4/1693 أنه لم يصح القول بأن هذه الآية نزلت في عمر.
[62497]:(ح): (نسختها).
[62498]:(ح): (بقوله تعالى).
[62499]:الحج آية 37.
[62500]:(ح): (أي لا يخافون).