أَرَءَيۡتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰٓ (13) أَلَمۡ يَعۡلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ (14) كَلَّا لَئِن لَّمۡ يَنتَهِ لَنَسۡفَعَۢا بِٱلنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٖ كَٰذِبَةٍ خَاطِئَةٖ (16) فَلۡيَدۡعُ نَادِيَهُۥ (17) سَنَدۡعُ ٱلزَّبَانِيَةَ (18) كَلَّا لَا تُطِعۡهُ وَٱسۡجُدۡۤ وَٱقۡتَرِب۩ (19)
سورة القدر
إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ (1) وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ (2) لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَيۡرٞ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرٖ (3) تَنَزَّلُ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمۡرٖ (4) سَلَٰمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطۡلَعِ ٱلۡفَجۡرِ (5)
سورة البينة
لَمۡ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡبَيِّنَةُ (1) رَسُولٞ مِّنَ ٱللَّهِ يَتۡلُواْ صُحُفٗا مُّطَهَّرَةٗ (2) فِيهَا كُتُبٞ قَيِّمَةٞ (3) وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَةُ (4) وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلۡقَيِّمَةِ (5)
 
غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري - النيسابوري- الحسن بن محمد  
{إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ} (1)

مقدمة السورة:

( سورة القدر مكية ، حروفها مائة وعشرون ، كلمها ثلاثون ، آياتها خمس ) .

1

التفسير :

الضمير في { إنا أنزلناه } للقرآن ، إما لأن القرآن كله في حكم سورة واحدة ، وإما لشهرته ، ومن نباهة شأنه ، كأنه مستغن عن التصريح بذكره ، وقد عظم القرآن في الآية من وجوه أخر هي : إسناد إنزاله إلى نفسه دون غيره كجبرائيل مثلاً ، وصيغة الجمع الدالة على عظم رتبة المنزل ، إذ هو واحد في نفسه نقلاً وعقلاً ، والرفع من مقدار الوقت الذي أنزل فيه ، وهو ليلة القدر . وهاهنا مسائل الأولى : كيف حكم بأنه أنزل في هذه الليلة مع أنه أنزل نجوماً في نيف وعشرين سنة ؟ والجواب كما مر في البقرة في قوله { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } [ البقرة :185 ] أي أنزل فيها من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا جملة ، ثم منها إلى الأرض نجوماً ، ووجه حسن المجاز أنه إذا أنزل إلى السماء الدنيا فقد شارف النزول إلى الأرض ، فيكون من فوائد التشويق كما قيل :

وأبرح ما يكون الشوق يوماً *** إذا دنت الخيام من الخيام

وقال الشعبي : ابتدئ بإنزاله في هذه الليلة ؛ لأن المبعث كان في رمضان . وقيل : أراد إنا أنزلنا القرآن ي- عني هذه السورة - في فضل ليلة القدر ، والقدر بمعنى التقدير . قال عطاء عن ابن عباس : إن الله تعالى قدر كل ما يكون في تلك السنة من مطر ورزق وإحياء وإماتة إلى مثل هذه الليلة من السنة الآتية ، نظيره قوله :

{ فيما يفرق كل أمر حكيم } [ الدخان :4 ] في أحد الوجوه ، والمراد إظهار تلك المقادير للملائكة في تلك الليلة ، فإن المقادير من الأزل إلى الأبد ثابتة في اللوح المحفوظ ، وهذا قول أكثر العلماء . ونقل عن الزهري أنه قال : ليلة القدر يعني ليلة الشرف والعظمة ، من قولهم " لفلان قدر عند فلان " أي منزلة وخطر ، ويؤيد هذا التأويل قوله { ليلة القدر خير من ألف شهر } ثم هذا الشرف ما إن يرجع إلى الفاعل أي من أتى فيها بالطاعة صار ذا قدر وشرف . وإما أن يرجع إلى الفعل ؛ لأن الطاعة فيها أكثر ثواباً وقبولاً . وعن أبي بكر الوراق : من شرفها أنه أنزل فيها كتاب ذو قدر ، على لسان ملك ذي قدر ، إلى أمة ذوي قدر . ولعل الله تعالى إنما ذكر لفظ القدر في هذه السورة ثلاث مرات لهذا السبب . وقيل : القدر الضيق ، وذلك أن الأرض في هذه الليلة تضيق عن الملائكة .

الثانية : هذه الليلة هل تضاف إلى يومها الذي بعدها ؟ قال الشعبي : نعم يومها كليلتها لقوله :{ ثلاث ليال سوياً } [ مريم :10 ] وفي موضع ، { ثلاثة أيام } [ آل عمران :41 ] ولهذا لو نذر أن يعتكف ليلتين ألزمناه يومهما .

الثالثة : قال الخليل : من قال إن فضلها لنزول القرآن فيها يقول : انقطعت ، وكان مرة والجمهور على أنها باقية . ثم إنه روي عن ابن مسعود أنها في جميع السنة ، فمن حافظ على الليالي كلها أدركها . وعن عكرمة أنها ليلة البراءة . والأكثرون على أنها في رمضان لقوله تعالى : { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن }

[ البقرة :185 ] وقوله : { إنا أنزلناه في ليلة القدر } فيجب من الآيتين أن تكون ليلة القدر في رمضان . ثم في تعيينها خلاف ، فقال ابن رزين : هي الليلة الأولى من رمضان ، لما روي عن وهب أن كتب الأنبياء كلهم إنما نزلت في رمضان ، وكانت الليلة الأولى منه في غاية الشرف . وعن الحسن البصري : السابعة عشرة ؛ لأن وقعة بدر كانت في صبيحتها . وعن أنس مرفوعاً : التاسعة عشرة . وقال محمد بن إسحاق : هي الحادية والعشرون ، لما روي حديث الماء والطين . ومعظم الأقوال أنها السابعة والعشرون . وذكروا فيها أمارات ضعيفة منها أن السورة ثلاثون كلمة ، وقوله { هي } السابعة والعشرون منها ، روي هذا عن ابن عباس . وعنه أيضاً أنّ ليلة القدر تسعة أحرف ، وهي مذكورة ثلاث مرات ، وروي أنه كان لعثمان بن أبي العاص غلام فقال : يا مولاي إن البحر يعذب ماؤه في ليلة من الشهر ، فقال : إذا كان تلك الليلة فأعلمني ، فإذا هي السابعة والعشرون من رمضان . قلت : ومن الأمارات التي يحتمل اعتبارها أن الضعيف مؤلف الكتاب وصل إلى تفسير هذه السورة في السابعة والعشرين من رمضان سنة تسع وعشرين وسبعمائة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولعل لله سبحانه فيه سراً ما لا يطلع عليه إلا هو وحده ، وأنا أرجو من فضله العميم أن يجعل ذلك سبباً لبركات الدارين لي ولمن نظر في هذا الكتاب من إخواني في الدين ، وما الاعتصام إلا بحوله . وقيل : هي الليلة الأخيرة ؛ لأن الطاعات في الشهر تتم وقتئذ ؛ بل أول رمضان كآدم وآخره كمحمد صلى الله عليه وسلم ، وقد جاء في الحديث " يعتق في آخر رمضان بعدد ما أعتق من أول الشهر " ، وأول الليالي ليلة شكر ، وآخرها ليلة فراق وصبر ، وكم بين الشكر والصبر ، فإن الصبر أمر من الشكر .

الرابعة : الحكمة في إخفاء ليلة القدر في الليالي كالحكمة في إخفاء وقت الوفاة ، ويوم القيامة ، حتى يرغب المكلف في الطاعات ، ويزيد في الاجتهاد ، ولا يتغافل ، ولا يتكاسل ، ولا يتكل . يروى أنه صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فرأى نائماً فقال : يا علي نبهه ليتوضأ ، فأيقظه علي ، ثم قال : يا رسول الله إنك سابق إلى الخيرات ، فلم نبهته بنفسك ؟ فقال : لأن رده علي كفر ، ورده عليك ليس بكفر ، ففعلت ذلك لتخف جنايته لو رد . فإذا كان هذا رحمة الرسول صلى الله عليه وسلم فقس عليه رحمة الله تعالى عليه ، وكأنه سبحانه يقول : إذا عرفت ليلة القدر فإن أطعت فيها اكتسبت ثواب ألف شهر ، وإن عصيت فيها اكتسبت عقاب ألف شهر ، ورفع العقاب أولى من جلب الثواب ، فالإشفاق أن لا يعرفها المكلف بعينها ، لئلا يكون بالمعصية فيها خاطئاً متعمداً . وأيضاً إذا اجتهد في طلب ليلة القدر بإحياء الليالي المظنونة باهى الله تعالى ملائكته ، ويقول : كنتم تقولون فيهم : { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } فهذا جدهم في الأمر المظنون ، فكيف لو جعلتها معلومة لهم ، فهنالك يظهر سر قوله : { إني أعلم ما لا تعلمون } [ البقرة :30 ] .

/خ5