تعولوا : تميلوا عن الحق ، وقيل يكثُر عيالكم .
يسأل كثير من الناس قديماً وحديثا : ما وجه الربط بين العدل في معاملة اليتامى ، ونكاح النساء ! وقد سأل عروة بن الزبير خالته عائشة أم المؤمنين ، ففسرت ذلك بأن بعض أولياء اليتامى كان يتزوج بمن عنده من اليتيمات اللاتي يحل له زواجهن ، أو يزوّجها بعض أبنائه ، ويتخذ ذلك ذريعة إلى أكل مالها أو أكل مهرها الذي تستحقه بعقد الزواج . فأنزل الله تعالى هذه الآية مرشدة لهم بأن من كان عنده يتيمة وأراد أن يتزوج بها أو يزوّجها من بعض أبنائه ، لا لغاية أكل مالها أو أكل مهرها ، فلا مانع من ذلك . أما إذا أراد أن يتزوجها ليأكل مالها أو مهرها ، فإن الله يأمره أن يتركها تتزوج غيره ، وله أن يتزوج غيرها .
ولقد أباح له الزواج بأكثر من واحدة إلى أربع نساء . ثم وضع شرطاً مهماً جداً فقال : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ } بين الزوجات فعليكم أن تكتفوا بواحدة فقط ، لكم أن تتمتّعوا بمن تشاؤون من السراري . واختيار الواحدة أقرب من عدم الجور والظلم ، إذ أن العدل بين النساء من الأمور الصعبة جدا . لذلك قال تعالى في آية أخرى { وَلَن تستطيعوا أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النسآء وَلَوْ حَرَصْتُمْ } والمقصود بالعدل هنا هو المعاملة الطيبة ، والنفقة ، والمعاشرة الحسنة للزوجات على السواء . أما العدل في مشاعر الرجل وميله القلبي فإنه غير ممكن وليس هو المقصود . فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول : «اللهم هذا قَسمي فيما أمِلكَ ، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك » .
وموضوع تعدد الزوجات أمرٌ كثر فيه الكلام قديماً وحديثا ، واتخذه أعداء الإسلام سبيلاً للطعن فيه ، ولا سيما المستشرقون والمبشرون . ولو أن هؤلاء المتعصبين بحثوا الموضوع بتجرد عن الهوى لرأوا أن الإسلام لم يبتدع تعدد الزوجات بل حدّده ووضع قيوداً تقلله بقدر الإمكان . فقد كان التعدد معروفاً ومعمولاً به عند جميع الأمم ، فجاء الإسلام ورخّص فيه وقيّده بقيود صارمة . وذلك لمواجهة واقع الحياة البشرية ، وضرورات الفطرة الإنسانية . إن الناس ليسوا سواء ، فمنهم من لا تكفيه زوجة واحدة ، ومنهم المضطرُّ إلى الجمع لأمور عديدة . والدين الإسلامي ليس ديناً جامداً ، بل هو واقعيٌّ ايجابي ، يتوافق مع فطرة الإنسان وتكوينه كما ينظر إلى واقعه وضروراته ولهذا أباح تعدد الزوجات بذلك التحفظ الشديد ، فيحسن أن يؤخذ هذا الموضوع بيسر ووضوح ، وأن تُعرف الملابسات التي تحيط به ، فلا ينبغي لمسلم أن يقدم على الزواج بأكثر من واحدة إلا لضرورة ، ومع مراعاة ما أوجبه الله من العدل .
{ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } تمتعوا بما شئتم من السراري ، وهذا غير موجود في عصرنا .
{ ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ } أي أن الاقتصار على زوجة واحدة أقرب إلى عدم الوقوع في الظلم والجور ، كما أنه أدعى إلى ألاّ تكثر عيالكم فتعجزوا عن الإنفاق عليهم .
{ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء } شروع في النهي عن منكر آخر كانوا يباشرونه متعلق بأنفس اليتامى أصالة وبأموالهم تبعاً عقيب النهي عما يتعلق بأموالهم خاصة ، وتأخيره عنه لقلة وقوع المنهي عنه بالنسبة إلى الأموال ونزوله منه منزلة المركب من المفرد مع كون المراد من اليتامى هنا صنفاً مما أريد منه فيما تقدم ، وذلك أنهم كانوا يتزوجون من تحل لهم من يتامى النساء اللاتي يلونهن( {[216]} ) لكن لا رغبة فيهن بل في مالهنّ ويسيئون صحبتهن ويتربصون بهن أن يمتن فيرثوهن فوعظوا في ذلك وهذا قول الحسن ، ورواه ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن عائشة رضي الله تعالى عنها ، وأخرج هؤلاء من طريق آخر والبخاري ومسلم والنسائي والبيهقي في «سننه » عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة رضي الله تعالى عنها عن هذه الآية فقالت يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها يشركها في مالها ويعجبه مالها وجمالها فيريد أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره فنهوا أن ينكحوهنّ إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن ، فالمراد من اليتامى المتزوج بهن والقرينة على ذلك الجواب فإنه صريح فيه والربط يقتضيه ومن النساء غير اليتامى كما صرحت به الحميراء رضي الله تعالى عنها لدلالة المعنى وإشارة لفظ النساء إليه ، والإقساط العدل والإنصاف ، وجعل بعض الهمزة فيه للإزالة فأصل معناه حينئذ إزالة القسوط أي الظلم والحيف ، وقرأ النخعى تقسطوا بفتح التاء فقيل : هو من قسط بمعنى جار وظلم ، ومنه { وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً } ( الجن ؛ 15 ) ولا مزيدة كما في قوله تعالى : { لّئَلاَّ يَعْلَمَ } [ الحديد : 29 ] ، وقيل : هو بمعنى أقسط فإن الزجاج حكى أن قسط بلا همز تستعمل استعمال أقسط .
واليتامى جمع يتيمة على القلب كما قيل أيامى والأصل أيائم ويتائم وهو كما يقال للذكور يقال للإناث ، والمراد من الخوف العلم عبر عنه بذلك إيذاناً بكون المعلوم مخوفاً محذوراً لا معناه الحقيقي لأن الذي علق به الجواب هو العلم بوقوع الجور المخوف لا الخوف منه وإلا لم يكن الأمر شاملاً لمن يصبر على الجور ولا يخافه ، وإن وما بعدها في تأويل مصدر فإن لم تقدر من كان منصوباً وكان الفعل واصلاً إليه بنفسه وإن قدرت جاز فيه أمران : النصب عند سيبويه والجر عند الخليل ، وما موصولة أو موصوفة وما بعدها صلتها أو صفتها ، وأوثرت على من ذهاباً إلى الوصف من البكر أو الثيب مثلاً ، وما تختص أو تغلب في غير العقلاء فيما إذا أريد الذات ، وأما إذا أريد الوصف فلا كما تقول : ما زيد ؟ في الاستفهام ، أي أفاضل أم كريم ؟ وأكرم ما شئت من الرجال تعني الكريم أو اللئيم .
وحكي عن الفراء أنها هنا مصدرية وأن المصدر المقدر بها وبالفعل مقدر باسم الفاعل أي انكحوا الطيب من النساء وهو تكلف مستغنى عنه ، وقيل : إن إيثارها على من بناءاً على أن الإناث من العقلاء يجرين مجرى غير العقلاء لما روي في حقهن أنهن ناقصات عقل ودين ، وفيه أنه مخل بمقام الترغيب فيهن ، ومن بيانية ، وقيل : تبعيضية ، والمراد مما طاب لكم ما مالت له نفوسكم واستطابته ، وقيل : ما حل لكم ، وروي ذلك عن عائشة ، وبه قال الحسن وابن جبير وأبو مالك ، واعترضه الإمام بأنه في قوة أبيح المباح ، وأيضاً يلزم الإجمال حيث لا يعلم المباح من الآية ، وآثر الحمل على الأول ويلزم التخصيص وجعله أولى من الإجمال ، وأجاب المدقق في «الكشف » بأن المبين تحريمه في قوله تعالى : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم } [ النساء : 23 ] الخ إن كان مقدم النزول فلا إجمال ولا تخصيص لأن الموصول جار مجرى المعرف باللام ، والحمل على العهد في مثله هو الوجه وإلا فالإجمال المؤخر بيانه أولى من التخصيص بغير المقارن لأن تأخير بيان المجمل جائز عند الفريقين ، وتأخير بيان التخصيص غير جائز عند أكثر الحنفية .
وقال بعض المحققين : ما طاب لكم ما لا تحرج منه لأنه في مقابل المتحرج منه من اليتامى ولا يخلو عن حسن ، وكيفما كان فالتعبير عن الأجنبيات بهذا العنوان فيه من المبالغة في الاستمالة إليهن والترغيب فيهن ما لا يخفى ، والسر في ذلك الاعتناء بصرف المخاطبين عن نكاح اليتامى عند خوف عدم العدل رعاية ليتمهن وجبراً لانكسارهن ولهذا الاعتناء أوثر الأمر بنكاح الأجنبيات على النهي عن نكاحهن مع أنه المقصود بالذات وذلك لما فيه من مزيد اللطف في استنزالهم فإن النفس مجبولة على الحرص على ما منعت منه ، ووجه النهي الضمني إلى النكاح المترقب مع أن سبب النزول هو النكاح المحقق على ما فهمه البعض من الأخبار ، ودل عليه ما أخرجه البخاري عن عائشة «أن رجلاً كانت له يتيمة فنكحها وكان لها عَذْق فكان يمسكها عليه ولم يكن لها من نفسه شيء فأنزل الله تعالى : { وَإِنْ خِفْتُمْ } » الخ لما فيه من المسارعة إلى دفع الشر قبل وقوعه فرب واقع لا يرفع ، والمبالغة في بيان حال النكاح المحقق فإن محظورية المترقب حيث كان للجور المترقب فيه فمحظورية المحقق مع تحقق الجور فيه أولى ، وقرأ ابن أبي عبلة من طاب وفي بعض المصاحف كما في «الدر المنثور » ما طيب لكم بالياء ، وفي الآية على هذا التفسير دليل لجواز نكاح اليتيمة وهي الصغيرة إذ يقتضي جوازه إلا عند خوف الجور .
وقد بسط الكلام في كتب الفقه على وليّ النكاح ، ومذهب الإمام مالك أن اليتيمة الصغيرة لا تزوج إذ لا إذن لها وعنده خلاف في تزويج الوصي لها إذا جعل له الأب الإجبار أو فهم عنه ذلك ، والمشهور أن له ذلك فيحمل اليتامى في الآية على الحديثات العهد بالبلوغ ، واسم اليتيم كما أشرنا إليه فيما مر .
{ مثنى وثلاث ورباع } منصوبة على الحال من فاعل طاب المستتر ، أو من مرجعه ، وجوز العلامة كونها حالاً من النساء على تقدير جعل من بيانية ، وذهب أبو البقاء إلى كونها بدلاً من ما وإلى الحالية ذهب البصريون وهو المذهب المختار ، والكوفيون لم يجوزوا ذلك لأنها معارف عندهم ، وأوجبوا في هذا المقام ما ذهب إليه أبو البقاء ، وهي ممنوعة من الصرف على الصحيح ، وجوز الفراء صرفها والمذاهب المنقولة في علة منع صرفها أربعة : أحدها : قول سيبويه والخليل وأبي عمرو : إنه العدل والوصف ، وأورد عليه أن الوصفية في أسماء العدد عارضة وهي لا تمنع الصرف ، وأجيب بأنها وإن عرضت في أصلها فهي نقلت عنها بعد ملاحظة الوصف العارض فكان أصلياً في هذه دون أصلها ولا يخلو عن نظر ، والثاني : قول الفراء : إنها منعت للعدل والتعريف بنية الألف واللام ولذا لم تجز إضافتها ولا دخول( {[217]} ) أل عليها ، والثالث : ما نقل عن الزجاج أنها معدولة عن اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة ، فعدلت عن ألفاظ العدد وعن المؤنث إلى المذكر ففيها عدلان وهما سببان ، والرابع : ما نقله أبو الحسن عن بعض النحويين أن العلة المانعة من الصرف تكرار العدل فيه لأن مثنى مثلاً عدلت عن لفظ اثنين ومعناه لأنها لا تستعمل في موضع تستعمل فيه إذ لا تلي العوامل وإنما تقع بعد جمع إما خبراً ، أو حالاً ، أو وصفاً ، وشذ أن تلي العوامل وأن تضاف ، وزاد السفاقسي في علة المنع خامساً : وهو العدل من غير جهة العدل لأن باب العدل أن يكون في المعارف وهذا عدل في النكرات ، وسادساً : وهو العدل والجمع لأنه يقتضي التكرار فصار في معنى الجمع ، وقال : زاد هذين ابن الصائغ في «شرح الجمل » ، وجاء آحاد وموحد ، وثناء ومثنى ، وثلاث ومثلث ، ورباع ومربع ، ولم يسمع فيما زاد على ذلك كما قال أبو عبيدة إلا في قول الكميت :
ولم يستر يثوك حتى رميت *** فوق الرجال خصالاً ( عشاراً )
ومن هنا أعابوا( {[218]} ) على المتنبي قوله :
أحاد أم ( سداس ) في أحاد *** لييلتنا المنوطة بالتناد
ومن الناس من جوز خماس ومخمس إلى آخر العقد قياساً وليس بشيء ، واختير التكرار والعطف بالواو لتفهم الآية أن لكل واحد من المخاطبين أن يختار من هذه الأعداد المذكورة أي عدد شاء إذ هو المقصود لا أن بعضها لبعض منهم والبعض الآخر لآخر ، ولو أفردت الأعداد لفهم من ذلك تجويز الجمع بين تلك الأعداد دون التوزيع ولو ذكرت بكلمة أو لفات تجويز الاختلاف في العدد بأن ينكح واحد اثنتين ، وآخر ثلاثاً أو أربعاً وما قيل : إنه لا يلتفت إليه الذهن لأنه لم يذهب إليه أحد لا يلتفت إليه لأن الكلام في الظاهر الذي هو نكتة العدول ؛ وادعى بعض المحققين أنه لو أتى من الأعداد بما لا يدل على التكرار لم يصح جعله حالاً معللاً ذلك بأن جميع الطيبات ليس حالها أنها اثنان ولا حالها أنها ثلاثة ، وكذا لو قيل : اقتسموا هذا المال الذي هو ألف درهم درهماً واثنين وثلاثة وأربعة لم يصح جعل العدد حالاً من المال الذي هو ألف درهم لأن حال الألف ليس ذلك بخلاف ما إذا كرر فإن المقصود حينئذ التفصيل في حكم الانقسام كأنه قيل : فانكحوا الطيبات لكم مفصلة ومقسمة إلى ثنتين ثنتين( {[219]} ) ، وثلاثاً ثلاثاً ، وأربعاً أربعاً ، واقتسموا هذا المال الذي هو ألف درهم مفصلاً ومقسماً إلى درهم درهم ، واثنين اثنين ، وثلاثة ثلاثة ، وأربعة أربعة ، وبهذا يظهر فساد ما قيل : من أنه لا فرق بين اثنين ومثنى في صحة الحالية لأن انفهام الانقسام ظاهر من الثاني دون الأول كما لا يخفى ، وأنه إنما أتى بالواو دون أو ليفيد الكلام أن تكون الأقسام على هذه الأنواع غير متجاوز إياها إلى ما فوقها لا أن تكون على أحد هذه الأنواع غير مجموع بين اثنين منها وذلك بناءاً على أن الحال بيان لكيفية الفعل ، والقيد في الكلام نفي لما يقابله والواو ليست لأحد الأمرين أو الأمور كأو ، وبهذا يندفع ما ذهب إليه البعض من جواز التسع تمسكاً بأن الواو للجمع فيجوز الثنتان والثلاث والأربع وهي تسع ، وذلك لأن من نكح الخمس أو ما فوقها لم يحافظ على القيد أعني كيفية النكاح وهي كونه على هذا التقدير والتفصيل بل جاوزه إلى ما فوقه ، ولعل هذا مراد القطب بقوله : إنه تعالى لما ختم الأعداد على الأربعة لم يكن لهم الزيادة عليها وإلا لكان نكاحهم خمساً خمساً ؛ فقول بعضهم : اللزوم ممنوع لعدم دلالة الكلام على الحصر فإن الإنسان إذا قال لولده : افعل ما شئت اذهب إلى السوق وإلى المدرسة وإلى البستان كان هذا تنصيصاً في تفويض زمام الاختيار إليه مطلقاً ورفع الحجر عنه ولا يكون ذلك تخصيصاً للإذن بتلك الأشياء المذكورة بل كان إذناً في المذكور وغيره فكذا هنا ؛ وأيضاً ذكر جميع الأعداد متعذر فإذا ذكر بعض الأعداد بعد فانكحوا ما طاب لكم من النساء كان ذلك تنبيهاً على حصول الإذن في جميع الأعداد كلام ليس في محله ، وفرق ظاهر بين ما نحن فيه والمثال الحادث .
وقد ذكر الإمام الرازي شبه المجوزين التزوج بأي عدد أريد ، وأطال الكلام في هذا المقام إلا أنه لم يأت بما يشرح الصدر ويريح الفكر ، وذلك أنه قال : «إن قوماً شذاذاً ذهبوا إلى جواز التزوج بأي عدد واحتجوا بالقرآن والخبر ، أما القرآن فقد تمسكوا بهذه الآية بثلاثة أوجه : الأول : إن قوله سبحانه : { فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء } إطلاق في جميع الأعداد بدليل أنه لا عدد إلا ويصح استثناؤه منه ، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لكان داخلاً ، والثاني : أن { مثنى وثلاث وَرُبَاعَ } لا يصلح مخصصاً لذلك العموم لأن التخصيص بالبعض لا ينفي ثبوت الحكم في الباقي ، والثالث : أن الواو للجمع المطلق فمثنى وثلاث ورباع يفيد حل المجموع وهو تسع بل ثماني عشرة . وأما الخبر فمن وجهين : الأول : أنه ثبت بالتواتر أنه صلى الله عليه وسلم مات عن تسع ثم إن الله تعالى أمرنا باتباعه فقال : { واتبعوه } [ الأعراف : 158 ] وأقل مراتب الأمر الإباحة ، الثاني : أن سنة الرجل طريقته والتزوج بالأكثر من الأربع طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم فكان ذلك سنة له ثم إنه صلى الله عليه وسلم قال : " من رغب عن سنتي فليس مني " وظاهر الحديث يقتضي توجه الذم على من ترك التزوج بالأكثر من الأربع فلا أقل من أن يثبت أصل الجواز ، ثم قال : واعلم أن معتمد الفقهاء في إثبات الحصر على أمرين : الأول : الخبر ، وهو ما روي أن غيلان أسلم وتحته عشرة نسوة فقال صلى الله عليه وسلم : " أمسك أربعاً وفارق سائرهن " وهذا الطريق ضعيف لوجهين الأول : أن القرآن لما دل على عدم الحصر ( فلو أثبتنا الحصر ) بهذا الخبر كان ذلك نسخاً للقرآن بخبر الواحد ، وأنه غير جائز ، والثاني : أنه صلى الله عليه وسلم لعله إنما أمر بإمساك أربع ومفارقة البواقي لأن الجمع بين الأربع و ( بين ) البواقي غير جائز إما بسبب النسب أو بسبب الرضاع ، وبالجملة فهذا الاحتمال قائم في هذا الخبر فلا يمكن نسخ القرآن بمثله ، والأمر الثاني هو إجماع فقهاء الأمصار على أنه لا يجوز الزيادة على الأربع وهذا هو المعتمد لكن فيه سؤالان : الأول : أن الاجماع ( لا يَنسخ ولا يُنسخ ) ( {[220]} ) فكيف يقال : إن الإجماع نسخ هذه الآية ، الثاني : أن في الأمة أقواماً شذاذاً لا يقولون بحرمة الزيادة على الأربع والإجماع عند مخالفة الواحد والاثنين لا ينعقد . وأجيب عن السؤال الأول أن الإجماع يكشف عن حصول الناسخ في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم ، وعن الثاني أن مخالف هذا الإجماع من أهل البدعة فلا اعتبار بمخالفته ( فلا تضر في انعقاد الاجماع ) » انتهى .
ولا يخفى ما في احتجاج الشذاذ بالآية من النظر ، ويعلم ذلك من التأمل فيما ذكرنا .
وأما الاحتجاج بالخبر فليس بشيء أيضاً لأن الإجماع قد وقع على أن الزيادة على الأربع من خصوصياته صلى الله عليه وسلم ونحن مأمورون باتباعه والرغبة في سنته عليه الصلاة والسلام في غير ما علم أنه من الخصوصيات أما فيما علم أنه منها فلا ، وأما الأمران اللذان اعتمد عليهما الفقهاء في هذا المقام ففي غاية الإحكام .
/ والوجه الأول في تضعيف الأمر الأول منهما يردّ عليه أن قول الإمام فيه : إن القرآن لما دل على عدم الحصر الخ ممنوع ، كيف وقد تقدم ما يفهم منه دلالته على الحصر ؟ا وبتقدير عدم دلالته على الحصر لا يدل على عدم الحصر بل غاية الأمر أنه يحتمل الأمرين الحصر وعدمه ، فيكون حينئذٍ مجملاً ، وبيان المجمل بخبر الواحد جائز كما بين في الأصول ، وما ذكر في الوجه الثاني من وجهي التضعيف بأنه صلى الله عليه وسلم لعله إنما أمر بإمساك أربع ومفارقة البواقي لأن الجمع غير جائز إما بسبب النسب أو بسبب الرضاع مما لا يكاد يقبل مع تنكير أربعاً وثبوت «اختر منهنّ أربعاً » كما في بعض الروايات الصحيحة في حديث غيلان ، وكذا في الحديث الذي أخرجه ابن أبي شيبة والنحاس عن قيس بن الحرث الأسدي أنه قال : أسلمت وكان تحتي ثمان نسوة فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " اختر منهنّ أربعاً وخل سائرهنّ ففعلت " فإن ذلك يدل دلالة لا مرية فيها أن المقصود إبقاء أي أربع لا أربع معينات ، فالاحتمال الذي ذكره الإمام قاعد لا قائم ، ولو اعتبر مثله قادحاً في الدليل لم يبق دليل على وجه الأرض ، نعم الحديث مشكل على ما ذهب إليه الإمام الأعظم على ما نقل ابن هبيرة فيمن أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة من أنه إن كان العقد وقع عليهن في حالة واحدة فهو باطل وإن كان في عقود صح النكاح في الأربع الأوائل فإنه حينئذٍ لا اختيار ، وخالفه في ذلك الأئمة الثلاثة وهو بحث آخر لسنا بصدده .
وأقوى الأمرين المعتمد عليهما في الحصر الإجماع فإنه قد وقع وانقضى عصر المجمعين قبل ظهور المخالف ، ولا يشترط في الإجماع اتفاق كل الأمة من لدن بعثته عليه الصلاة والسلام إلى قيام الساعة كما يوهمه كلام الإمام الغزالي ، وإلا لا يوجد إجماع أصلاً ، وبهذا يستغنى عما ذكره الإمام الرازي وهو أحد مذاهب في المسألة من أن مخالف هذا الإجماع من أهل البدعة فلا اعتبار بمخالفته ، فالحق الذي لا محيص عنه أنه يحرم الزيادة على الأربع وبه قال الإمامية ورووا عن الصادق رضي الله تعالى عنه لا يحل لماء الرجل أن يجري في أكثر من أربعة أرحام ، وشاع عنهم خلاف ذلك ، ولعله قول شاذ عندهم .
ثم إن مشروعية نكاح الأربع خاصة بالأحرار ، والعبيد غير داخلين في هذا الخطاب لأنه إنما يتناول إنساناً متى طابت له امرأة قدر على نكاحها والعبد ليس كذلك لأنه لا يجوز نكاحه إلا بإذن مولاه لقوله صلى الله عليه وسلم : " أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر " ولأن في تنفيذ نكاحه تعيباً له إذ النكاح عيب فيه فلا يملكه بدون إذن المولى ، وأيضاً قوله تعالى بعد : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فواحدة أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم } لا يمكن أن يدخل فيه العبيد لعدم الملك فحيث لم يدخلوا في هذا الخطاب لم يدخلوا في الخطاب الأول لأن هذه الخطابات وردت متتالية على نسق واحد فبعيد أن يدخل في الخطاب السابق ما لا يدخل في اللاحق وكذا لا يمكن دخولهم في قوله تعالى : { فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً } [ النساء : 4 ] لأن العبد لا يأكل فيكون لسيده ، وخالف في ذلك الإمام مالك فأدخل العبيد في الخطاب ، وجوز لهم أن ينكحوا أربعاً كالأحرار ولا يتوقف نكاحهم على الإذن لأنهم يملكون الطلاق فيملكون النكاح ، ومن الفقهاء من ادعى أن ظاهر الآية يتناولهم إلا أنه خصص هذا العموم بالقياس لأن الرق له تأثير في نقصان حقوق النكاح كالطلاق والعدة ، ولما كان العدد من حقوق النكاح وجب أن يجعل للعبد نصف ما للحر فيه أيضاً .
واختلفوا في الأمر بالنكاح فقيل للإباحة ولا يلغو طاب إذا كان بمعنى حل لأنه يصير المعنى أبيح لكم ما أبيح هنا لأن مناط الفائدة القيد وهو العدد المذكور ، وقيل : للوجوب أي وجوب الاقتصار على هذا العدد لا وجوب أصل النكاح فقد قال الإمام النووي : «لا يعلم أحد أوجب النكاح إلا داود ومن وافقه من أهل الظاهر ، ورواية عن أحمد فإنهم قالوا : يلزمه إذا خاف العنت أن يتزوج أو يتسرى قالوا : وإنما يلزمه في العمر مرة واحدة ولم يشرط بعضهم خوف العنت ، وقال أهل الظاهر : إنما يلزمه التزوج فقط ولا يلزمه الوطء *** واختلف العلماء في الأفضل من النكاح وتركه . وذكر الإمام النووي أن الناس في ذلك أربعة أقسام : قسم تتوق إليه نفسه ويجد المؤن فيستحب له النكاح ، وقسم لا تتوق ولا يجد المؤمن فيكره له ، وقسم تتوق ولا يجد المؤن فيكره له أيضاً ، وهذا مأمور بالصوم لدفع التوقان ، وقسم يجد المؤن ولا تتوق نفسه ، فمذهب الشافعي وجمهور الشافعية أن ترك النكاح لهذا والتخلي للتحلي بالعبادة أفضل ، ولا يقال النكاح مكروه بل تركه أفضل ، ومذهب أبي حنيفة وبعض أصحاب مالك والشافعي أن النكاح له أفضل انتهى المراد منه2 .
وأنت تعلم أن المذكور في كتب ساداتنا الحنفية متوناً وشروحاً مخالف لما ذكره هذا الإمام في تحقيق مذهب الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه ، ففي «تنوير الأبصار » وشرحه «الدر المختار » في كتاب النكاح ما نصه : «ويكون واجباً عند التوقان فإن تيقن الزنا إلا به فرض كما في «النهاية » وهذا إن ملك المهر والنفقة وإلا فلا إثم بتركه كما في البدائع » ، ويكون سنة مؤكدة في الأصح فيأثم بتركه ويثاب إن نوى تحصيناً وولداً حال الاعتدال أي القدرة على وطء ومهر ونفقة .
ورجح في «النهر » وجوبه للمواظبة عليه ، والإنكار على من رغب عنه ، ومكروهاً لخوف الجور فإن تيقنه حرم » انتهى ؛ لكن في دليل الوجوب على ما ذكره صاحب «النهر » مقالاً للمخالفين وتمام الكلام في محله .
هذا وقد قيل : في تفسير الآية الكريمة أن المراد من النساء اليتامى أيضاً ، وأن المعنى وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى المربّاة في حجوركم فانكحوا ما طاب لكم من يتامى قراباتكم ، وإلى هذا ذهب الجبائي وهو كما ترى ، وقيل : إنه لما نزلت الآية في اليتامى وما في أكل أموالهم من الحوب الكبير أخذ الأولياء يتحرجون من ولايتهم خوفاً من لحوق الحوب بترك الإقساط مع أنهم كانوا لا يتحرجون من ترك العدل في حقوق النساء حيث كان تحت الرجل منهم عشر منهن فقيل لهم : إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرجتم منها فخافوا أيضاً ترك العدل بين النساء وقللوا عدد المنكوحات لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله فهو غير متحرج ولا تائب عنه ، وإلى نحو من هذا ذهب ابن جبير والسدي وقتادة والربيع والضحاك وابن عباس في إحدى الروايات عنه ، وقيل : كانوا لا يتحرجون من الزنا وهم يتحرجون من ولاية اليتامى فقيل : إن خفتم الحوب في حق اليتامى فخافوا الزنا فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تحوموا حول المحرمات ، ونظيره ما إذا داوم على الصلاة من لا يزكي فتقول له : إن خفت الإثم في ترك الصلاة فخف من ترك الزكاة ، وإلى قريب من هذا ذهب مجاهد .
وتعقب هذين القولين العلامة شيخ الإسلام بقوله : ولا يخفى أنه لا يساعدهما جزالة النظم الكريم لابتنائهما على تقدم نزول الآية الأولى وشيوعها بين الناس وظهور توقف حكمها على ما بعدها من قوله تعالى : { وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أموالكم } إلى قوله سبحانه : { وكفى بالله حَسِيباً } [ النساء : 5 ، 6 ] ويفهم من كلام بعض المحققين أيضاً أن الأظهر في الآية ما رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله تعالى عنها دون هذين القولين لأن الآية على تلك الرواية تتنزل على قوله تعالى : { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النساء قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِى الكتاب فِى يتامى النساء اللاتى لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن } [ النساء : 127 ] فيتطابق الآيتان ولا يتأتى ذلك على القولين بل لا ارتباط بين الآيتين عليهما لأن مقتضاهما أن الكلام في مطلق اليتامى لا في يتامى النساء ، ثم يبعدهما أن الشرط لا يرتبط معهما بالجواب إلا من وجه عام ، أما الأول : فمن حيث إن الجور على النساء في الحرمة كالجور على اليتامى في أن كلاً منهما جور ، وأما الثاني : فلأن الزنا محرم كما أن الجور على اليتامى محرم وكم من محرم يشاركهما في التحريم فليس ثم خصوصية تربط الشرط والجواب كالخصوصية الرابطة بينهما هناك ، ثم الظاهر من قوله سبحانه : { مثنى وثلاث وَرُبَاعَ } أنه وارد بصيغة التوسعة عليهم بنوع من التقييد كأنه قيل : إن خفتم من نكاح اليتامى ففي غيرهن متسع إلى كذا ، وعلى القول الأول من القولين يكون المراد التضييق لأن حاصله إن خفتم الجور على النساء فاحتاطوا بأن تقللوا عدد المنكوحات وهو خلاف ما يشعر به( {[221]} ) السياق من التوسعة وبعيد( {[222]} ) عن جزالة التنزيل كما لا يخفى ، وقيل : إن الرجل كان يتزوج الأربع والخمس والست والعشر ويقول : ما يمنعني أن أتزوج كما تزوج فلان فإذا فني ماله مال على مال اليتيم الذي في حجره فأنفقه فنهي أولياء اليتامى على أن يتجاوزوا الأربع لئلا يحتاجوا إلى أخذ مال اليتيم ، ونسب هذا إلى ابن عباس وعكرمة ، وعليه يكون المراد من اليتامى أعم من الذكور والإناث وكذا على القولين قبله .
وأورد عليه أنه يفهم منه جواز الزيادة على الأربع لمن لا يحتاج إلى أخذ مال اليتيم وهو خلاف الإجماع ، وأيضاً يكون المراد من هذا الأمر التضييق وهو كما علمت خلاف ما يشعر به السياق المؤكد بقوله تعالى :
{ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فواحدة } كأنه لما وسع عليهم أنبأهم أنه قد يلزم من الاتساع خوف الميل فالواجب حينئذٍ أن يحترزوا بالتقليل فيقتصروا على الواحدة ، والمراد فإن خفتم أن لا تعدلوا فيما بين هذه المعدودات ولو في أقل الأعداد المذكورة كما خفتموه في حق اليتامى ، أو كما لم تعدلوا في حقهن فاختاروا ، أو الزموا واحدة واتركوا الجميع بالكلية ، وقرأ إبراهيم وثلث وربع على القصر من ثلاث ورباع ، وقرأ أبو جعفر { فواحدة } بالرفع أي فالمقنع واحدة ، أو فكفت واحدة أو فحسبكم واحدة أو فالمنكوحة واحدة .
{ أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم } أي من السراري بالغة ما بلغت كما يؤخذ من السياق ، ومقابلة الواحدة وهو عطف على واحدة على أن اللزوم والاختيار فيه بطريق التسري لا بطريق النكاح كما فيما عطف عليه لاستلزامه ورود ملك النكاح على ملك اليمين بموجب اتحاد المخاطبين في الموضعين ، وقد قالوا : لا يجوز أن يتزوج المولى أمته ولا المرأة عبدها لأن النكاح ما شرع إلا مثمراً بثمرات مشتركة بين المتناكحين والمملوكية تنافي المالكية فيمتنع وقوع الثمرة على الشركة ، وهذا بخلاف ما سيأتي بقوله سبحانه :
{ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أيمانكم مّن فتياتكم المؤمنات } [ النساء : 25 ] فإن المأمور بالنكاح هناك غير المخاطبين بملك اليمين ، وبعضهم يقدر في المعطوف عليه فانكحوا لدلالة أول الكلام عليه ، ويعطف هذا عليه على معنى اقتصروا على ما ملكت ، والكلام على حد قوله :
علفتها تبناً وماءاً بارداً *** وأو للتسوية وسوي في السهولة واليسرة بين الحرة الواحدة والسراري من غير حصر لقلة تبعتهن وخفة مؤنتهن وعدم وجوب القسم فيهن ، وزعم بعضهم أن هذا معطوف على النساء أي فانكحوا ما طاب لكم من النساء أو مما ملكت أيمانكم ولا يخفى بعده ، وقرأ ابن أبي عبلة من ملكت ، وعبر بما في القراءة المشهورة ذهاباً للوصف ولكون المملوك لبيعه وشرائه والمبيع أكثره ما لا يعقل كان التعبير بما فيه أظهر ، وإسناد المِلك لليمين لما أن سببه الغالب هو الصفقة الواقعة بها ، وقيل : لأنه أول ما يكون بسبب الجهاد والأسر ، وذلك محتاج إلى أعمالها وقد اشتهر ذلك في الأرقاء لا سيما في إناثهم كما هو المراد هنا رعاية للمقابلة بينه وبين ملك النكاح الوارد على الحرائر ، وقيل : إنما قيل للرقيق ملك اليمين لأنها مخصوصة بالمحاسن وفيها تفاؤل باليمن أيضاً ، وعن بعضهم أن أعرابياً سئل لم حسنتم أسماء مواليكم دون أسماء أبنائكم ؟ فقال : أسماء موالينا لنا وأسماء أبنائنا لأعدائنا فليفهم .
وادعى ابن الفرس أن في الآية رداً على من جعل النكاح واجباً على العين لأنه تعالى «خير فيها بينه وبين التسري ولا يجب التسري بالاتفاق ولو كان النكاح واجباً لما ( خير ) بينه وبين التسري لأنه لا يصح عند الأصوليين التخيير بين واجب وغيره لأنه يؤدي إلى إبطال حقيقة الواجب وأن تاركه لا يكون آثماً » ، ولا يرد هذا على من يقول : الواجب أحد الأمرين ، ويمنع الاتفاق على عدم وجوب التسري في الجملة فتدبر ، وزعم بعضهم أن فيها دليلاً على منع نكاح الجنيات لأنه تعالى خص النساء بالذكر . وأنت تعلم أن مفهوم المخالفة عند القائل به غير معتبر هنا لظهور نكتة تخصيص النساء بالذكر وفائدته .
وادعى الإمام السيوطي أن فيها إشارة إلى حل النظر قبل النكاح لأن الطيب إنما يعرف به ، ولا يخفى أن الإشارة ربما تسلم إلا أن الحصر ممنوع وهذا الحل ثبت في غير ما حديث ، وفي صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال للمتزوج امرأة من الأنصار : " أنظرت إليها ؟ قال : لا قال : فاذهب وانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً " وهو مذهب جماهير العلماء ، وحكي عن قوم كراهته وهم محجوجون بالحديث والإجماع على جواز النظر للحاجة عند البيع والشراء والشهادة ونحوها ، ثم إنه إنما يباح له النظر إلى الوجه والكفين ، وقال الأوزاعي : إلى مواضع اللحم .
وقال داود : إلى جميع بدنها وهو خطأ ظاهر منابذ لأصول السنة والإجماع ، وهل يشترط رضا المرأة أم لا ؟ الجمهور على عدم الاشتراط بل للرجل النظر مع الغفلة وعدم الرضا ، وعن مالك كراهة النظر مع الغفلة ، وفي رواية ضعيفة عنه لا يجوز النظر إليها إلا برضاها ، واستحسن كثير كون هذا النظر قبل الخطبة حتى إن كرهها تركها من غير إيذاء بخلاف ما إذا تركها بعد الخطبة كما لا يخفى .
وقال بعضهم : إن فيها إشارة أيضاً إلى استحباب الزيادة على الواحدة لمن لم يخف عدم العدل لأنه سبحانه قدم الأمر بالزيادة وعلق أمر الواحدة بخوف عدم العدل ، ويا ما أحيلى الزيادة إن ائتلفت الزوجات وصح جمع المؤنث بعد التثنية معرباً بالضم من بين سائر الحركات ، وهذا لعمري أبعد من العيوق وأعز من الكبريت الأحمر وبيض الأنوق :
ما كل ما يتمنى المرء يدركه *** تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
{ ذلك } أي اختيار الواحدة أو التسري أو الجميع وهو الأولى وإليه يشير كلام ابن أبي زيد { أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ } العول في الأصل الميل المحسوس يقال : عال الميزان عولاً إذا مال ، ثم نقل إلى الميل المعنوي وهو الجور ، ومنه عال الحاكم إذا جار ، والمراد ههنا الميل المحظور المقابل للعدل أي ما ذكر من اختيار الواحدة والتسري أقرب بالنسبة إلى ما عداهما من أن لا تميلوا ميلاً محظوراً لانتفائه رأساً بانتفاء محله في الأول ، وانتفاء خطره في الثاني بخلاف اختيار العدد في المهائر ، فإن الميل المحظور متوقع فيه لتحقق المحل والخطر . وإلى هذا ذهب بعض المحققين ؛ وجوز بعضهم كون الإشارة إلى ثلاثة أمور : التقليل من الأزواج واختيار الواحدة والتسري ، أي هذه الأمور الثلاثة أدنى من جميع ما عداها ، والأول أظهر .
وقد حكي عن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه فسر { أَلاَّ تَعُولُواْ } بأن لا تكثر عيالكم . وقد ذكر الشهاب أنه خطأه وحاشاه فيه كثير من المتقدمين لأنه إنما يقال لمن كثرت عياله : أعال يعيل إعالة ولم يقولوا عال يعول . وأجيب بأن الإمام الشافعي سلك في هذا التفسير سبيل الكناية فقد جعل رضي الله تعالى عنه الفعل في الآية من عال الرجل عياله يعولهم كقولك : مانهم يمونهم إذا أنفق عليهم ، ومن كثرت عياله لزمه أن يعولهم فاستعمل الإنفاق وأراد لازم معناه وهو كثرة العيال ، واعترض بأن عال بمعنى مان وأنفق لا دلالة له على كثرة المؤنة حتى يكنى به عن كثرة العيال ، وأجيب بأن الراغب ذكر أن أصل معنى العول الثقل يقال : عاله أي تحمل ثقل مؤنته ، والثقل إنما يكون في كثير الإنفاق لا في قليله فيراد من لا تعولوا كثرة الإنفاق بقرينة المقام والسياق لأنه ليس المراد نفي المؤنة والعيال من أصله إذ من تزوج واحدة كان عائلاً وعليه مؤنة ، فالكلام كالصريح فيه واستعمال أصل الفعل في الزيادة فيه غير عزيز فلا غبار ، وذكر في «الكشف » أنه لا حاجة إلى أصل الجواب عن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه فإن الكسائي نقل عن فصحاء العرب عال يعول إذا كثر عياله وممن نقله الأصمعي والأزهري وهذا التفسير نقله ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم وهو من أجلة التابعين ، وقراءة طاوس أن لا تعيلوا مؤيدة له فلا وجه لتشنيع من شنع على الإمام جاهلاً باللغات والآثار ، وقد نقل الدوري إمام القراء أنها لغة حمير وأنشد :
وإن الموت يأخذ كل حي *** بل شك وإن أمشي ( وعالا )
أي وإن كثرت ماشيته وعياله ، وأما ما قيل : إن عال بمعنى كثرت عياله يائي وبمعنى جار واوى فليست التخطئة في استعمال عال في كثرة العيال بل في عدم الفرق بين المادتين ، فرد أيضاً بما اقتضاه كلام البعض من أن عال له معان : مال وجار وافتقر وكثرت عياله ومان وأنفق وأعجز ، يقال : عالني الأمر أي أعجزني ومضارعه يعيل ويعول فهو من ذوات الواو والياء على اختلاف المعاني ، ثم المراد بالعيال على هذا التفسير يحتمل أن يكون الأزواج كما أشرنا إليه وعدم كثرة الأزواج في اختيار الواحدة وكذا في التقليل إن قلنا إنه داخل في المشار إليه ظاهر ، وأما عدم كثرتهن في التسري فباعتبار أن ذلك صادق على عدمهنّ بالكلية .
ويحتمل أن يكون الأولاد وعدم كثرتهم في اختيار الواحدة وكذا في التقليل ظاهر أيضاً ، وأما عدم كثرتهم في التسري فباعتبار أنه مظنة قلة الأولاد إذ العادة على أن لا يتقيد المرء بمضاجعة السراري ولا يأبى العزل عنهن بخلاف المهائر فإن العادة على تقيد المرء بمضاجعتهن وإباء العزل عنهن ، وإن كان العزل عنهن كالعزل عن السراري جائزاً شرعاً بإذن وبغير إذن في المشهور من مذهب الشافعي ، وفي بعض شروح «الكشاف » ما يدل على أن في ذلك خلافاً عند الشافعية فمنعه بعضهم كما هو مذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ، وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة أنه فسر { أَلاَّ تَعُولُواْ } بأن لا تفتقروا ، وقد قدمنا أن عال يجىء بمعنى افتقر ، ومن روده كذلك قوله :
فما يدري الفقير متى غناه *** وما يدري الغني متى ( يعيل )
إلا أن الفعل في البيت يائي لا واوي كما في الآية والأمر فيه سهل كما عرفت ، وعلى سائر التفاسير الجملة مستأنفة جارية مما قبلها مجرى التعليل .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ } أي تعدلوا في تربية يتامى القوي { فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء مثنى وثلاث وَرُبَاعَ } لتقل شهواتكم وتحفظوا فروجكم فتستعينوا بذلك على التربية لما يحصل لكم من التزكية عن الفاحشة { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّتَعْدِلُواْ } بين النساء فتقعوا في نحو ما هربتم منه { فواحدة } [ النساء : 3 ] تكفيكم في تحصيل غرضكم( {[223]} ) .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم: معنى ذلك: وإن خفتم يا معشر أولياء اليتامى ألا تقسطوا في صداقهنّ فتعدلوا فيه، وتبلغوا بصداقهنّ صدقات أمثالهنّ، فلا تنكحوهنّ، ولكن انكحوا غيرهنّ من الغرائب اللواتي أحلهنّ الله لكم وطيبهنّ من واحدة إلى أربع. وإن خفتم أن تجوروا إذا نكحتم من الغرائب أكثر من واحدة فلا تعدلوا، فانكحوا منهنّ واحدة، أو ما ملكت أيمانكم. ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: {وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ} فقالت: يا ابن أختي، هي اليتيمة تكون في حجر وليها، فيرغب في مالها وجمالها، ويريد أن ينكحها بأدنى من سنة صداقها، فنهوا أن ينكحوهنّ إلا أن يقسطوا لهنّ في إكمال الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما سواهنّ من النساء.
عن عائشة، قالت: نزل، يعني قوله: {وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى...} في اليتيمة تكون عند الرجل، وهي ذات مال، فلعله ينكحها لمالها، وهي لا تعجبه، ثم يضرّ بها، ويسيء صحبتها، فوعظ في ذلك.
فعلى هذا التأويل جواب قوله: {وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا} قوله: {فانْكِحُوا}.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: النهي عن نكاح ما فوق الأربع، حذرا على أموال اليتامى أن يتلفها أولياؤهم، وذلك أن قريشا، كان الرجل منهم يتزوّج العشر من النساء، والأكثر، والأقلّ، فإذا صار معدما، مال على مال يتيمه الذي في حجره، فأنفقه، أو تزوّج به، فنهوا عن ذلك¹ وقيل لهم: إن أنتم خفتم على أموال أيتامكم أن تنفقوها فلا تعدلوا فيها من أجل حاجتكم إليها، لما يلزمكم من مؤن نسائكم، فلا تجاوزوا فيما تنكحون من عدد النساء على أربع، وإن خفتم أيضا من الأربع ألا تعدلوا في أموالهم، فاقتصروا على الواحدة، أو على ما ملكت أيمانكم.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن القوم كانوا يتحوّبون في أموال اليتامى ألا يعدلوا فيها، ولا يتحوّبون في النساء ألا يعدلوا فيهنّ، فقيل لهم: كما خفتم أن لا تعدلوا في اليتامى، فكذلك فخافوا في النساء أن لا تعدلوا فيهنّ، ولا تنكحوا منهنّ إلا من واحدة إلى الأربع، ولا تزيدوا على ذلك، وإن خفتم ألا تعدلوا أيضا في الزيادة على الواحدة، فلا تنكحوا إلا ما لا تخافون أن تجوروا فيهنّ من واحدة أو ما ملكت أيمانكم.
وقال آخرون: معنى ذلك: فكما خفتم في اليتامى، فكذلك فتخوفوا في النساء أن تزنوا بهنّ، ولكن انكحوا ما طاب لكم من النساء. عن مجاهد يقول: إن تحرّجتم في ولاية اليتامى وأكل أموالهم إيمانا وتصديقا، فكذلك فتحرّجوا من الزنا، وانكحوا النساء نكاحا طيبا: {مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُباعَ فإنْ خِفْتُمْ ألاّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ}.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى اللاتي أنتم ولاتهن، فلا تنكحوهنّ، وانكحوا أنتم ما أحلّ لكم منهنّ. عن عائشة: {وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى} قالت: نزلت في اليتيمة تكون عند الرجل هو وليها، ليس لها وليّ غيره، وليس أحد ينازعه فيها، ولا ينكحها لمالها، فيضرّ بها، ويسيء صحبتها.
وأولى الأقوال التي ذكرناها في ذلك بتأويل الآية قول من قال: تأويلها: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فكذلك فخافوا في النساء، فلا تنكحوا منهنّ إلا ما لا تخافون أن تجوروا فيه منهنّ من واحدة إلا الأربع، فإن خفتم الجور في الواحدة أيضا فلا تنكحوها، ولكن عليكم بما ملكت أيمانكم، فإنه أحرى أن لا تجوروا عليهنّ.
وإنما قلنا: إن ذلك أولى بتأويل الآية، لأن الله جلّ ثناؤه افتتح الآية التي قبلها بالنهي عن أكل أموال اليتامى بغير حقها، وخلطها بغيرها من الأموال، فقال تعالى ذكره: {وآتوا اليَتامَى أمْوَالَهمْ وَلا تَتَبَدّلُوا الخَبِيثَ بالطّيّبِ وَلا تَأْكُلُوا أمْوَالَهمْ إلى أمْوَالِكمْ إنّهُ كانَ حُوبا كَبِيرا}. ثم أعلمهم أنهم إن اتقوا الله في ذلك فتحرّجوا فيه، فالواجب عليهم من اتقاء الله، والتحرّج في أمر النساء مثل الذي عليهم ظن التحرّج في أمر اليتامى، وأعلمهم كيف التخلص لهم من الجور فيهنّ، كما عرّفهم المخلص من الجور في أموال اليتامى، فقال: انكحوا إن أمنتم الجور في النساء على أنفسكم، ما أبحت لكم منهنّ وحللته، مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم أيضا الجور على أنفسكم في أمر الواحدة بأن تقدروا على إنصافها، فلا تنكحوها، ولكن تسرّوا من المماليك، فإنكم أحرى أن لا تجوروا عليهنّ، لأنهنّ أملاككم وأموالكم، ولا يلزمكم لهنّ من الحقوق كالذي يلزمكم للحرائر، فيكون ذلك أقرب لكم إلى السلامة من الإثم والجور، ففي الكلام إذ كان المعنى ما قلنا، متروك استغنى بدلالة ما ظهر من الكلام عن ذكره. وذلك أن معنى الكلام: وإن خفتم ألا تقسطوا في أموال اليتامى فتعدّلوا فيها، فكذلك فخافوا ألا تقسطوا في حقوق النساء التي أوجبها الله عليكم، فلا تتزّوّجوا منهنّ إلا ما أمنتم معه الجور، مثنى وثلاث ورباع، وإن خفتم أيضا في ذلك فواحدة، وإن خفتم في الواحدة فما ملكت أيمانكم فترك ذكر قوله فكذلك فخافوا أن تقسطوا في حقوق النساء بدلالة ما ظهر من قوله تعالى: {فإنْ خِفْتُمْ ألاّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ}.
فإن قال قائل: فأين جواب قوله: {وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى}؟ قيل: قوله: {فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ} غير أن المعنى الذي يدلّ على أن المراد بذلك ما قلنا: قوله: {فإنْ خِفْتُمْ ألاّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ ذَلِكَ أدْنَى ألاّ تَعُولوا}.
وقد بينا فيما مضى قبل أن معنى الإقساط في كلام العرب: العدل والإنصاف، وأن القسط: الجور والحيف. وأما اليتامى، فإنها جمع لذكران الأيتام وإناثهم في هذا الموضع.
{فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ}: فانكحوا ما حلّ لكم منهنّ دون ما حرّم عليكم منهنّ. فإن قال قائل: وكيف قيل: {فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ} ولم يقل: فانكحوا من طاب لكم، وإنما يقال ما في غير الناس؟ قيل: معنى ذلك على غير الوجه الذي ذهبت إليه، وإنما معناه: فانكحوا نكاحا طيبا. فالمعنيّ بقوله: {ما طابَ لَكمْ} الفعل دون أعيان النساء وأشخاصهنّ، فلذلك قيل «ما» ولم يقل «من». وإنما معنى قوله: {فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُباعَ} فلينكح كل واحد منكم مثنى وثلاث ورباع. وأما قوله {مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُباعَ} فإنما ترك إجراؤهنّ لأنهنّ معدولات عن اثنين وثلاث وأربع.
{فإنْ خِفْتُمْ ألاّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} فإن نصب واحدة، بمعنى: فإن خفتم ألا تعدلوا فيما يلزمكم من العدل ما زاد على الواحدة من النساء عندكم بنكاح فيما أوجبه الله لهنّ عليكم، فانكحوا واحدة منهنّ، ولو كانت القراءة جاءت في ذلك بالرفع كان جائزا بمعنى: فواحدة كافية، أو فواحدة مجزئة، كما قال جلّ ثناؤه: {فإنْ لَمْ يَكونَا رَجُلَيْنِ فَرَجلٌ وَامْرأتانِ}. وإن قال لنا قائل: قد علمت أن الحلال لكم من جميع النساء الحرائر نكاح أربع، فكيف قيل: {فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ مَثْنَى وَثلاثَ وَرُباعَ} وذلك في العدد تسع؟ قيل: إن تأويل ذلك: فانكحوا ما طاب لكم من النساء، إما مثنى إن أمنتم الجور من أنفسكم فيما يجب لهما عليكم وإما ثلاث إن لم تخافوا ذلك¹ وإما أربع إن أمنتم ذلك فيهنّ، يدلّ على صحة ذلك قوله: {فإنْ خِفْتمْ ألاّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} لأن المعنى: فإن خفتم في الثنتين فانكحوا واحدة، ثم قال: وإن خفتم ألا تعدلوا أيضا في الواحدة، فما ملكت أيمانكم.
فإن قال قائل: فإن أمر الله ونهيه على الإيجاب والإلزام حتى تقوم حجة بأن ذلك على التأديب والإرشاد والإعلام، وقد قال تعالى ذكره: {فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ} وذلك أمر، فهل من دليل على أنه من الأمر الذي هو على غير وجه الإلزام والإيجاب؟ قيل: نعم، والدليل على ذلك قوله: {فإنْ خِفْتُمْ ألاّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} فكان معلوما بذلك أن قوله: {فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ} وإن كان مخرجه مخرج الأمر، فإنه بمعنى الدلالة على النهي عن نكاح ما خاف الناكح الجور فيه من عدد النساء، لا بمعنى الأمر بالنكاح. فإن المعنيّ به: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فتحرّجتم فيهنّ، فكذلك فتحرّجوا في النساء، فلا تنكحوا إلا ما أمنتم الجور فيه منهنّ، ما أحللته لكم من الواحدة إلى الأربع. وقد بينا في غير هذا الموضع بأن العرب تخرّج الكلام بلفظ الأمر، ومعناها فيه النهي أو التهديد والوعيد، كما قال جلّ ثناؤه: {فَمَنْ شاءَ فَلْيؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفرْ} وكما قال: {لَيكْفرُوا بِمَا آتَيْناهمْ فَتَمَتّعوا فَسَوْفَ تَعْلَمونَ} فخرج ذلك مخرج الأمر، والمقصود به التهديد والوعيد، والزجر والنهي، فكذلك قوله: {فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ} بمعنى النهي، فلا تنكحوا إلا ما طاب لكم من النساء. عن الضحاك، قوله: {فإنْ خِفْتمْ ألاّ تَعْدِلُوا} قال: في المجامعة والحبّ.
{ذَلِكَ أدْنَى أنْ لا تَعولوا}: وإن خفتم ألا تعدلوا في مثنى أو ثلاث أو رباع فنكحتم واحدة، أو خفتم ألا تعدلوا في الواحدة فتسرّرتم ملك أيمانكم¹ فهو أدنى، يعني: أقرب ألا تعولوا، يقول: أن لا تجوروا ولا تَميلوا، يقال منه: عال الرجل فهو يَعُول عَوْلاً وعِيالة، إذا مال وجار، ومنه عَوْل الفرائض، لأن سهامها إذا زادت دخلها النقص¹ وأما من الحاجة، فإنما يقال: عالَ الرجل عَيْلَةً، وذلك إذا احتاج. عن الحسن: {ذَلِكَ أدْنَى أنْ لا تَعولوا} قال: العول: الميل في النساء.
عن أبي مالك في قوله: {ذَلِكَ أدْنَى ألاّ تَعُولُوا} قال: ألا تجوروا.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
أباح الله للرجال الأحرار التزوج بأربع في حالة واحدة، وأوجب العدل بينهن، فيجب على العبد أن يراعي الواجبَ فإنْ عَلِمَ أنه يقوم بحق هذا الواجب آثر هذا المُباح، وإنْ عَلِم أنه يقصر في الواجب فلا يتعرَّض لهذا المباح، فإنَّ الواجبَ مسؤولٌ عنه.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
" ألا تعولوا": أن لا تجوروا، والذي يحكى عن الشافعي رحمه الله أنه فسر (أن لا تعولوا) أن لا تكثر عيالكم، فوجهه أن يجعل من قولك: عال الرجل عياله يعولهم، كقولهم: مانهم يمونهم، إذا أنفق عليهم، لأنّ من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما يصعب عليه المحافظة على حدود الكسب وحدود الورع وكسب الحلال والرزق الطيب. وكلام مثله من أعلام العلم وأئمة الشرع ورؤوس المجتهدين، حقيقي بالحمل على الصحة والسداد، وأن لا يظنّ به تحريف تعيلوا إلى تعولوا، فقد روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تظنن بكلمة خرجت من فِي أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً. وكفى بكتابنا المترجم بكتاب «شافي العيِّ، من كلام الشافعي» شاهداً بأنه كان أعلى كعباً وأطول باعاً في علم كلام العرب، من أن يخفى عليه مثل هذا، ولكن للعلماء طرقاً وأساليب. فسلك في تفسير هذه الكلمة طريقة الكنايات.
فإن قلت: كيف يقل عيال من تسرى، وفي السرائر نحو ما في المهائر؟ قلت: ليس كذلك، لأن الغرض بالتزوّج التوالد والتناسل بخلاف التسري، ولذلك جاز العزل عن السراري بغير أذنهن، فكان التسري مظنة لقلة الولد بالإضافة إلى التزوج، كتزوّج الواحدة بالإضافة إلى تزوج الأربع. وقرأ طاوس: «أن لا تعيلوا»، من أعال الرجل إذا كثر عياله. وهذه القراءة تعضد تفسير الشافعي رحمه الله من حيث المعنى الذي قصده.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما كان تعالى قد أجرى سنة الإلهية في أنه لا بد في التناسل من توسط النكاح إلا ما كان من آدم وحواء وعيسى عليهم الصلاة والسلام، وكانوا قد أمروا بالعدل في أموال اليتامى، وكانوا يلون أمور يتاماهم، وكانوا ربما نكحوا من في حجورهم منهن، فكان ربما أوقفهم هذا التحذير من أموالهم عن النكاح خوفاً من التقصير في حق من حقوقهن أتبعه تعالى عطفاً على ما تقديره: فإن وثقتم من أنفسكم بالعدل فخالطوهم بالنكاح وغيره: {وإن خفتم} فعبر بأداة الشك حثاً على الورع {ألا تقسطوا} أي تعدلوا {في اليتامى} ووثقتم من أنفسكم بالعدل في غيرهن {فانكحوا}...
ولما كان النساء كالتيامى في الضعف، قال مسبباً عن الإذن في النكاح: {فإن خفتم ألا تعدلوا} أي في الجمع {فواحدة} أي فانكحوها، لأن الاقتصار عليها أقرب إلى العدل، لأنه ليس معها من يقسم له فيجب العدل بينها وبينه، ولما كان حسن العشرة المؤدي إلى العدل دائراً على اطراح النفس، وكان الإماء -لكسرهن بالغربة وعدم الأهل- أقرب إلى حسن العشرة سوّى بين العدد منهن إلى غير نهاية وبين الواحدة من الحرائر فقيل: {أو ما} أي انكحوا ما {ملكت أيمانكم} فإنه لا قسم بينهن، وذكر ملك اليمين يدل أيضاً على أن الخطاب من أوله خاص بالأحرار {ذلك} أي نكاح غير اليتامى والتقلل من الحرائر والاقتصار على الإماء {أدنى} أي أقرب إلى {ألا تعولوا} أي تميلوا بالجور عن منهاج القسط وهو الوزن المستقيم، أو تكثر عيالكم، أما عند الواحدة فواضح، وأما عند الإماء فالبعزل، وعدم احتياج الرجل معهن لخادم له أو لهن، والبيع لمن أراد منهن، وأمرهن بالاكتساب، أو تحتاجوا فتظلموا بعض النساء، أو تأكلوا أموال التيامى؛ وكل معنى من هذه راجع إلى لازم لمعنى المادة التي مدارها عليه.
وقال ابن الزبير: لما تضمنت سورة البقرة ابتداء الخلق وإيجاد آدم عليه الصلاة والسلام من غير أب ولا أم، وأعقبت بسورة آل عمران لتضمنها – مع ما ذكر في صدرها -أمر عيسى عليه الصلاة والسلام، وأنه كمثل آدم عليه الصلاة والسلام في عدم الافتقار إلى أب، وعلم الموقنون من ذلك أنه تعالى لو شاء لكانت سنة فيمن بعد آدم عليه الصلاة والسلام، فكأن سائر الحيوان لا يتوقف إلا على أم فقط؛ أعلم سبحانه أن من عدا المذكورين عليهما الصلاة والسلام من ذرية آدم سبيلهم سبيل الأبوين فقال تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم} إلى قوله: {وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء} ثم أعلم تعالى كيفية النكاح المجعول سبباً في التناسل وما يتعلق به، وبين حكم الأرحام و المواريث فتضمنت السورة ابتداء الأمر وانتهاءه، فأعلمنا بكيفية التناكح وصورة الاعتصام واحترام بعضنا لبعض وكيفية تناول الإصلاح فيما بين الزوجين عند التشاجر والشقاق، وبين لنا ما ينكح وما أبيح من العدد وحكم من لم يجد الطول وما يتعلق بهذا إلى المواريث، فصل ذلك كله إلا الطلاق، لأن أحكامه تقدمت، ولأن بناء هذه السورة على التواصل والائتلاف ورعي حقوق ذوي الأرحام وحفظ ذلك كله إلى حالة الموت المكتوب علينا، وناسب هذا المقصود من التواصل والألفة ما افتتحت به السورة من قوله تعالى: {الذي خلقكم من نفس واحدة} [النساء: 1]، فافتتحها بالالتئام والوصلة ولهذا خصت من حكم تشاجر الزوجين بالإعلام بصورة الإصلاح والمعدلة إبقاء لذلك التواصل فلم يكن الطلاق ليناسب هذا، فلم يقع له هنا ذكر إلا إيماء {وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته} [النساء: 13] ولكثرة ما يعرض من رعي حظوظ النفوس عند الزوجية ومع القرابة- ويدق ذلك ويغمض -تكرر كثيراً في هذه السورة الأمر بالاتقاء، وبه افتتحت {اتقوا ربكم} [النساء: 1]، {واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام} [النساء: 1]، {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله} [النساء: 131]، ثم حذروا من حال من صمم على الكفر وحال اليهود والنصارى والمنافقين وذوي التقلب في الأديان بعد أذن اليقين، وكل ذلك تأكيد لما أمروا به من الاتقاء، والتحمت الآيات إلى الختم بالكلالة من المواريث المتقدمة- انتهى.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
قلنا إن الكلام في أوائل هذه السورة في الأهل والأقارب والأزواج وهو يتسلسل في ذلك إلى قوله تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا) [النساء: 36]. ولذلك افتتحها بالتذكير بالقراءة والأخوة العامة وهي كون الأمة من نفس واحدة ثم طفق يبين حقوق الضعفاء من الناس كاليتامى والنساء والسفهاء ويأمر بالتزامها فقال: (وآتوا اليتامى أموالهم) واليتيم لغة من مات أبوه مطلقا وفي عرف الفقهاء من مات أبوه وهو صغير فمتى بلغ زال يتمه إلا إذا بلغ سفيها فإنه يبقى في حكم اليتيم ولا يزول عنه الحجر. ومعنى إيتاء اليتامى أموالهم هو جعلها لهم خاصة وعدم أكل شيء منها بالباطل أي أنفقوا عليهم من أموالهم حتى يزول يتمهم بالرشد كما سيأتي في آية: (وابتلوا اليتامى) فعند ذلك يدفع إليهم ما بقي لهم بعد النفقة عليهم في زمن اليتم والقصور فهذه الآية في إعطاء اليتامى أموالهم في حالتي اليتم والرشد كل حالة بحسبها وتلك خاصة بحال الرشد. وليس في هذه تجوز كما قالوا، فإن نفقة ولي اليتيم عليه من ماله يصدق عليه أنه إيتاء مال اليتيم لليتيم، والمقصود من هذه الآية ظاهر وهو المحافظة على مال اليتيم وجعله له خاصة وعدم هضم شيء منه لأن اليتيم ضعيف لا يقدر على حفظه والدفاع عنه ولذلك قال: (ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب) المراد بالخبيث الحرام وبالطيب الحلال أي لا تتمتعوا بمال اليتيم في المواضع والأحوال التي من شأنكم أن تتمتعوا فيها بأموالكم. يعني أن الإنسان إنما يباح له التمتع بمال نفسه في الطرق المشروعة، فإذا عرض له استمتاع فعليه أن يجعله من مال نفسه لا من مال اليتيم الذي هو قيم ووصي عليه، فإذا استمتع بمال اليتيم فقد جعل مال اليتيم في هذا الموضع بدلا من ماله، وبهذا يظهر معنى التبدل والاستبدال.
وقوله: (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) أي لا تأكلوها مضمومة إلى أموالكم. وهذا صريح فيما إذا كان للولي مال يضم مال اليتيم إليه. ويمكن أن يقال إن أكله مفردا غير مضموم إلى مال الولي أولى بالتحريم وهو داخل في عموم قوله:"وآتوا اليتامى أموالهم" وقيل يفهم من هذا القيد جواز أكل الوصي الفقير الذي لا مال له شيئا من مال اليتيم وسيأتي التصريح بذلك في الآية السادسة.
أقول: ومراد الأستاذ الإمام بنفي التجوز من الآية يعم ما قاله بعضهم من التجوز بلفظ الإيتاء باستعماله بمعنى ترك الأموال سالمة لهم وعدم اغتيال شيء منها وما قالوه من أن المراد بإيتائهم إياها هو تسليمهم إياها بعد الرشد. وأطلق عليهم لفظ اليتامى باعتبار ما كانوا عليه من عهد قريب كما ذكر بعض فلاسفة البلاغة وكتب الأصول، وهو ما سيأتي حكمه في الآية السادسة فلا حاجة إلى دسه في هذه. وقيل أكل أموالهم إلى أموال اليتامى هو خلطها بها وتقدم حكم مخالطتهم في سورة البقرة (راجع آية 220 منها في ج 2 تفسير-.
واختلفوا أيضا في تبدل الخبيث بالطيب والأظهر فيه ما اختاره الأستاذ الإمام فيما تقدم آنفا. وقيل إن المراد به ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من أخذ الجيد من مال اليتيم ووضع الرديء بدله وأخذ السمين منه وإعطائه الهزيل، ونسبه الرازي للأكثرين قال وطعن فيه صاحب الكشاف بأنه تبديل لا تبدل.
وعبر عن أخذ المال والانتفاع به بالأكل لأنه معظم ما يقع به التصرف، وهذا الاستعمال شائع معروف كقوله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) [البقرة: 188] وهو يعم كل ما يأخذه الإنسان من مال غيره بغير حق.
(إنه كان حوبا كبيرا) أي إن أكل مال اليتيم أو تبدل الخبيث بالطيب منه أو ما ذكر من مجموع الأمرين وكانت تفعله الجاهلية كان في حكم الله حوبا كبيرا أي إثما عظيما.
(وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعدلوا) هذا حكم من أحكام السورة متعلق بالنساء بمناسبة اليتامى وقيل باليتامى بأنفسهم أصالة وأموالهم تبعا وما قبله متعلق بالأموال خاصة. ففي الصحيحين وسنن النسائي والبيهقي والتفسير عند ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير أنه سأل خالته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها عن هذه الآية فقالت: "يا بن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها يشركها في مالها ويعجبه مالها وجمالها فيريد أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن". قال عروة قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله عز وجل: (يستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن) [النساء: 127] قالت: والذي ذكر الله أنه يتلى عليكم في الكتاب الآية الأولى التي قال الله فيها: (وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء) قالت عائشة وقول الله في الآية الأخرى: (وترغبون أن تنكحوهن) رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في في حجره حين تكون قليلة المال والجمال فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن.
...أقول: فعلى هذا تكون الآية مسوقة في الأصل للوصية بحفظ حق يتامى النساء في أموالهن وأنفسهن، والمراد باليتامى فيها النساء وبالنساء غير اليتامى، أي إن خفتم أن لا تقسطوا أي أن لا تعدلوا في يتامى النساء فتعاملوهن كما تعاملون غيرهن في المهر وغيره أو أحسن فاتركوا التزوج بهن وتزوجوا ما حل لكم أو ما راق لكم وحسن في أعينكم من غيرهن. قال ربيعة: اتركوهن فقد أحللت لكم أربعة. أي وسع عليهم في غيرهن حتى لا يظلموهن. وقال الأستاذ بعد أن أورد قول عائشة بالمعنى مختصرا: كأنه يقول إذا أردتم التزوج باليتيمة وخفتم أن تسهل عليكم الزوجية أن تأكلوا أموالها فاتركوا التزوج بها وأنكحوا ما طاب لكم من النساء الرشيدات.
أقول: والربط بين الشرط والجزاء على هذا القول من أقوال عائشة ظاهر، ولا يظهر على رواية العضل، وهو منعهن من التزوج إلا أن كانوا يعتذرون عن العضل بإرادة التزوج بهن ويمطلون في ذلك.
..وأقول: إن الإفضاء بذلك إلى أكل أموال اليتامى قد جعل حجة على تقليل التزوج لظهور قبحه وفي ذلك التعدد من المضرات الآن ما لم يكن يظهر مثله في عهد التنزيل كما يأتي بيانه قريبا.
ثم أورد ابن جرير في الآية وجها ثالثا فقال: وقال آخرون بل معنى ذلك أن القوم كان يتحوبون في أموال اليتامى ولا يتحوبون في النساء أن لا يعدلوا فيهن فقيل لهم كما خفتم ألا تعدلوا في اليتامى فكذلك فخافوا في النساء ألا تعدلوا فيهن ولا تنكحوا منهن إلا من واحدة إلى الأربع ولا تزيدوا عن ذلك. وإن خفتم أيضا أن لا تعدلوا في الزيادة عن الواحدة فلا تنكحوا إلا ما لا تخافون أن تجور فيهن من واحدة أو ما ملكت أيمانكم...
قال: وإنما قلنا إن ذلك أولى بتأويل الآية لأن الله جل ثناؤه افتتح الآية التي قبلها بالنهي عن أكل أموال اليتامى بغير حقها وخلطها بغيرها من الأموال فقال تعالى ذكره: (وآتوا اليتامى أموالهم). ثم أعلمهم أنهم إن اتقوا الله في ذلك فتحرجوا فيه فالواجب عليهم من اتقاء الله والتحرج في أمر النساء مثل الذي عليهم من التحرج في أمر اليتامى وأعلمهم كيف التخلص لهم من الجور فيه كما عرفهم المخلص من الجور في أموال اليتامى، فقال انكحوا إن أمنتم الجور في النساء على أنفسكم ما أبحت لكم منهن مثنى وثلاث ورباع الخ ما تقدم عنه آنفا ثم قال:
ففي الكلام إذا كان المعنى ما ذكرنا متروك استغنى بدلالة ما ظهر من الكلام عن ذكره وذلك أن معنى الكلام: وإن خفتم أن لا تقسطوا في أموال اليتامى فتعدلوا فيها فكذلك فخافوا أن لا تقسطوا في حقوق النساء التي أوجبها الله عليكم فلا تتزوجوا منهن إلا ما أمنتم معه الجور الخ.
ثم بين أن جواب الشرط في قوله تعالى: (وإن خفتم إن لا تعدلوا في اليتامى) هو قوله: (فانكحوا ما طاب لكم) مع ضميمة قوله: (ذلك أدنى أن لا تعولوا) فإن هذا أفهم أن اللازم المراد من قوله: (فانكحوا ما طاب لكم) هو العدل والإقساط في النساء والتحذير من ضده وهو عدم الإقساط فيهن الذي يجب أن يخاف كما يخاف عدم الإقساط في اليتامى لأن كلا منهما مفسدة في نظام الاجتماع تغضب الله وتوجب سخطه ويؤكده قوله تعالى: (ذلك أدنى أن لا تعولوا) وقد بيناه بأوضح مما بينه هو به.
وعلى هذا الوجه الذي اختاره ابن جرير يكون في الكلام في العدل في النساء تقليل العدد الذي ينكح منهن مع الثقة بالعدل مقصودا لذاته وهو الذي يليق بالمسألة في ذاتها لأنها من أهم المسائل الاجتماعية ويناسب أن يكون في أوائل السورة التي سميت سورة النساء. وأما على الوجه الذي قالته عائشة وهو الذي اختاره الأستاذ الإمام في الدرس فمسألة تعدد الزوجات جاءت بالتبع لا بالأصالة. وكذلك على الوجه الثالث الذي يقول إن المراد منعهم من التعدد الذي يحتاجون فيه إلى أموال اليتامى لينفقوا على أزواجهم الكثيرات، وهذا أضعف الوجوه وإن قال الرازي إنه أقربها.
وقد يصح أن يقال إنه يجوز أن يراد بالآية مجموع تلك المعاني من قبيل رأي الشافعية الذين يجوزون استعمال اللفظ المشترك في كل ما يحتمله الكلام من معانيه واستعمال اللفظ في حقيقته ومجازه معا: والذي يقرره كاتب هذا الكلام في دروس التفسير دائما هو أن كل ما يتناوله اللفظ من المعاني المتفقة يجوز أن يكون مرادا منه لا فرق في ذلك بين المفردات والجمل. وعلى هذا تكون الآية مرشدة إلى إبطال كل تلك الضلالات والمظالم التي كانت عليها الجاهلية في أمر اليتامى وأمر النساء من التزوج باليتامى بدون مهر المثل والتزوج بهن طمعا في أموالهن يأكلها الرجل بغير حق، ومن عضلهن ليبقى الولي متمتعا بمالهن لا ينازعه فيه الزوج ومن ظلم النساء بتزوج الكثيرات منهن مع عدم العدل بينهن- فمن لم يفهم هذا كله من هذه الآية فهمه من مجموع الآيات هنا.
جاء ذكر تعدد الزوجات في سياق الكلام عن اليتامى والنهي عن أكل أموالهن ولو بواسطة الزوجية فقال إن أحسستم من أنفسكم الخوف من أكل مال الزوجة اليتيمة فعليكم أن لا تتزوجوا بها فإن الله تعالى جعل لكم مندوحة عن اليتامى بما أباحه لكم من التزوج بغيرهن إلى أربع نسوة، ولكن إن خفتم أن لا تعدلوا بين الزوجات أو الزوجتين فعليكم أن تلتزموا واحدة فقط. والخوف من عدم العدل يصدق بالظن والشك فيه بل يصدق بتوهمه أيضا، ولكن الشرع قد يغتفر الوهم لأنه قلما يخلو منه علم بمثل هذه الأمور، فالذي يباح له أن يتزوج ثانية أو أكثر هو الذي يثق من نفسه بالعدل بحيث لا يتردد فيه أو يظن ذلك ويكون التردد فيه ضعيفا.
قال: ولما قال: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) علله بقوله: (ذلك أدنى ألا تعولوا) أي أقرب من عدم الجور والظلم فجعل البعد من الجور سببا في التشريع وهذا مؤكد لاشتراط العدل ووجوب تحريه ومنبه إلى أن العدل عزيز. وقد قال تعالى في آية أخرى من هذه السورة: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم) [النساء: 129ٍ وقد يحمل هذا على العدل في ميل القلب ولولا ذلك لكان مجموع الآيتين منتجا عدم جواز التعدد بوجه ما، ولما كان يظهر وجه قوله بعد ما تقدم من الآية: (فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة) والله يغفر للعبد ما لا يدخل تحت طاقته من ميل قلبه وقد كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يميل في آخر عهده إلى عائشة أكثر من سائر نسائه ولكنه لا يخصها بشيء دونهن. أي بغير رضاهن وإذنهن وكان يقول "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك "أي من ميل القلب.
قال: فمن تأمل الآيتين علم أن إباحة تعدد الزوجات في الإسلام أمر مضيق فيه أشد التضييق كأنه ضرورة من الضرورات التي تباح لمحتاجها بشرط الثقة بإقامة العدل والأمن من الجور. وإذا تأمل المتأمل مع هذا التضييق ما يترتب على التعدد في هذا الزمان من المفاسد جزم بأنه لا يمكن لأحد أن يربي أمة فشا فيها تعدد الزوجات، فإن البيت الذي فيه زوجتان لزوج واحد لا تستقيم له حال ولا يقوم فيه نظام، بل يتعاون الرجل مع زوجاته على إفساد البيت كأن كل واحد منهم عدو للآخر ثم يجيء الأولاد بعضهم لبعض عدو، فمفسدة تعدد الزوجات تنتقل من الأفراد إلى البيت ومن البيوت إلى الأمة.
قال: كان للتعدد في صدر الإسلام فوائد أهمها صلة النسب والصهر الذي تقوى به العصبية، ولم يكن له من الضرر مثل ماله الآن، لأن الدين كان متمكنا في نفوس النساء والرجال وكان أذى الضرة لا يتجاوز ضرتها. أما اليوم فإن الضرر ينتقل من كل ضرة إلى ولدها إلى والده إلى سائر أقاربه فهي تغري بينهم العداوة والبغضاء: تغري ولدها بعداوة إخوته وتغري زوجها بهضم حقوق ولده من غيرها وهو بحماقته يطيع أحب نسائه إليه فيدب الفساد في العائلة كلها. ولو شئت تفصيل الرزايا والمصائب المتولدة من تعدد الزوجات لأتيت بما تقشعر منه جلود المؤمنين. فمنها السرقة والزنا والكذب والخيانة والجبن والتزوير، بل منها القتل حتى قتل الولد والده والوالد ولده والزوجة زوجها والزوج زوجته، كل ذلك واقع ثابت في المحاكم- وناهيك بتربية المرأة التي لا تعرف قيمة الزوج ولا قيمة الولد وهي جاهلة بنفسها وجاهلة بدينها لا تعرف منه إلا خرافات وضلالات تلقفتها من أمثالها يتبرأ منها كل كتاب منزل وكل نبي مرسل، فلو تربى النساء تربية دينية صحيحة يكون بها الدين هو صاحب السلطات الأعلى على قلوبهن بحيث يكون هو الحاكم على الغيرة لما كان هنالك ضرر على الأمة من تعدد الزوجات، وإنما كان يكون ضرره قاصرا عليهن في الغالب. أما والأمر على ما نرى ونسمع فلا سبيل إلى تربية الأمة مع فشو تعدد الزوجات فيها، فيجب على العلماء النظر في هذه المسألة خصوصا الحنفية منهم الذين بيدهم الأمر وعلى مذهبهم الحكم، فهم لا ينكرون أن الدين أنزل لمصلحة الناس وخيرهم وأن من أصوله منع الضرر والضرار، فإذا ترتب على شيء مفسدة في زمن لم تكن تلحقه فيما قبله فلا شك في وجوب تغير الحكم وتطبيقه على الحال الحاضرة: يعني على قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. قال وبهذا يعلم أن تعدد الزوجات محرم قطعا عند الخوف من عدم العدل.
هذا ما قاله الأستاذ الإمام في الدرس الأول الذي فسر فيه الآية ثم قال في الدرس الثاني: تقدم أن إباحة تعدد الزوجات مضيقة قد اشترط فيها ما يصعب تحققه فكأنه نهى عن كثرة الأزواج. وتقدم أنه يحرم على من خاف عدم العدل أن يتزوج أكثر من واحدة ولا يفهم منه كما فهم بعض المجاورين أنه لو عقد في هذه الحالة يكون العقد باطلا أو فاسدا فإن الحرمة عارضة لا تقتضي بطلان العقد فقد يخاف الظلم ولا يظلم وقد يظلم ثم يتوب فيعدل فيعيش عيشة حلالا.
قال: أما قوله تعالى: (أو ما ملكت أيمانكم) فهو معطوف على قوله: (فواحدة) أي فالزموا زوجا واحدة أو أمسكوا زوجا واحدة مع العدل- وهذا فيمن كان متزوجا كثيرات- أو الزموا ما ملكت أيمانكم واكتفوا بالتسري بهن بغير شرط (ذلك أدنى أن لا تعولوا) أي أقرب إلى عدم العول وهو الجور، فإن العدل بين الإماء في الفراش غير واجب إذ لا حق لهن فيه وإنما لهن الحق في الكفاية بالمعروف. وهذا لا يفيد حل ما جرى عليه المسلمون منذ قرون كثيرة من الإسراف في التمتع بالجواري المملوكات بحق أو بغير حق مهما ترتب على ذلك من المفاسد كما شوهد ولا يزال يشاهد في بعض البلاد إلى الآن اه كلامه رحمه الله تعالى. وأتذكر أنني سمعت منه أنه يرى عدم الزيادة في الإماء على أربع ولكنني لم أر ذلك مكتوبا عندي.
أقول: هذا وإن تعدد الزوجات خلاف الأصل الطبيعي في الزوجية، فإن الأصل أن يكون للرجل امرأة واحدة يكون بها كما تكون به زوجا ولكنه ضرورة تعرض للاجتماع ولا سيما في الأمم الحربية كالأمة الإسلامية، فهو إنما أبيح للضرورة واشترط فيه عدم الجور والظلم...
ثم إن الحكمة الإلهية في ميل كل من الزوجين الذكر والأنثى إلى الآخر الميل الذي يدعو إلى الزواج هي التناسل الذي يحفظ به النوع، كما أن الحكمة في شهوة التغذي هي حفظ الشخص. والمرأة تكون مستعدة للنسل نصف العمر الطبيعي للإنسان وهو مئة سنة. وسبب ذلك أن قوة المرأة تضعف عن الحمل بعد الخمسين في الغالب فينقطع دم حيضها وبويضات التناسل من رحمها، والحكمة ظاهرة في ذلك، والأطباء أعلم بتفصيلها. فإذا لم يبح للرجل التزوج بأكثر من امرأة واحدة كان نصف عمر الرجال الطبيعي في الأمة معطلا من النسل الذي هو مقصود الزواج إذا فرض أن الرجل يقترن بمن تساويه في السن وقد يضيع على بعض الرجال أكثر من خمسين سنة إذا تزوج بمن هي أكبر منه وعاش العمر الطبيعي كما يضيع على بعضهم أقل من ذلك إذا تزوج بمن هي أصغر منه، وعلى كل حال يضيع عليه شيء من عمره حتى لو تزوج وهو في سن الخمسين بمن هي في الخامسة عشرة يضيع عليه خمسة عشر سنة وما عساه يطرأ على الرجال من مرض أو هرم عاجل أو موت قبل بلوغ السن الطبيعي يطرأ مثله على النساء قبل سن اليأس. وقد لا حظ هذا الفرق بعض حكماء الإفرنج فقال: لو تركنا رجلا واحدا مع مئة امرأة سنة واحدة لجاز أن يكون لنا من نسله في السنة مئة إنسان، وأما إذا تركنا مئة رجل مع امرأة واحدة سنة كاملة فأكثر ما يمكن أن يكون لنا من نسلهم إنسان واحد، والأرجح أن هذه المرأة لا تنتج أحدا لأن كل واحد من الرجال يفسد حرث الآخر. ومن لا حظ عظم شأن كثرة النسل في سنة الطبيعة وفي حال الأمم يظهر له عظم شأن هذا الفرق- فهذه مقدمة ثانية.
ثم إن المواليد من الإناث أكثر من الذكور في أكثر بقاع الأرض. وترى الرجال على كونهم أقل من النساء يعرض لهم من الموت والاشتغال عن التزوج أكثر مما يعرض للنساء، ومعظم ذلك في الجندية والحروب وفي العجز عن القيام بأعباء الزواج ونفقاته، لأن ذلك يطلب منهم في أصل نظام الفطرة وفيما جرت عليه سنة الشعوب والأمم إلا ما شذ. فإذا لم يبح للرجل المستعد للزواج أن يتزوج بأكثر من واحدة اضطرت الحال إلى تعطيل عدد كثير من النساء ومنعهن من النسل الذي تطلبه الطبيعة والأمة منهن، وإلى إلزامهن مجاهدة داعية النسل في طبيعتهن، وذلك يحدث أمراضا بدنية وعقلية كثيرة يمسي بها أولئك المسكينات عالة على الأمة وبلاء فيها بعد أن كن نعمة لها، أو إلى إباحة أعراضهن والرضا بالسفاح، وفي ذلك من المصائب عليهن لا سيما إذا كن فقيرات ما لا يرضى به ذو إحساس بشري. وإنك لتجد هذه المصائب قد انتشرت في البلاد الإفرنجية حتى أعيا الناس أمرها وطفق أهل البحث ينظرون في طريق علاجها فظهر لبعضهم أن العلاج الوحيد هو إباحة تعدد الزوجات. ومن العجائب أن ارتأى هذا الرأي غير واحدة من كائنات الإنكليز وقد نقلنا ذلك عنهن في مقالة نشرت في المجلد الرابع من المنار (تراجع في ص 741 منه) وإنما كان هذا عجيبا لأن النساء ينفرن من هذا الأمر طبعا وهن يحكمن بمقتضى الشعور والوجدان، أكثر مما يحكمن بمقتضى المصلحة والبرهان، بل إن مسألة تعدد الزوجات صارت مسألة وجدانية عند رجال الإفرنج تبعا لنسائهم حتى لتجد الفيلسوف منهم لا يقدر أن يبحث في فوائدها وفي وجه الحاجة إليها بحث بريء من الغرض طالب كشف الحقيقة- فهذه مقدمة ثالثة.
وأنتقل بك من هذا إلى اكتناه حال المعيشة الزوجية وأشرف بك على حكم العقل والفطرة فيها وهو أن الرجل يجب أن يكون هو الكافل للمرأة وسيد المنزل لقوة بدنه وعقله وكونه أقدر على الكسب والدفاع، وهذا هو معنى قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) [النساء: 34] وإن المرأة يجب أن تكون مدبرة المنزل ومربية الأولاد لرقتها وصبرها وكونها كما قلنا من قبل واسطة في الإحساس والتعقل بين الرجل والطفل، فيحسن أن تكون واسطة لنقل الطفل الذكر بالتدريج إلى الاستعداد للرجولة ولجعل البنت كما يجب أن تكون من اللطف والدعة والاستعداد لعملها الطبيعي. وإن شئت فقل في بيان هذه المسألة إن البيت مملكة صغرى كما أن مجموع البيوت هو المملكة الكبرى، فللمرأة في هذه المملكة إدارة نظارة الداخلية والمعارف وللرجل مع الرياسة العامة إدارة نظارات المالية والأشغال العمومية والحربية والخارجية. وإذا كان من نظام الفطرة أن تكون المرأة قيمة البيت وعملها محصورا فيه لضعفها عن العمل الآخر بطبيعتها وبما يعوقها من الحبل والولادة ومداراة الأطفال وكانت بذلك عالة على الرجل- كان من الشطط تكليفها المعيشة الاستقلالية بله السيادة والقيام على الرجل. وإذا صح أن المرأة يجب أن تكون في كفالة الرجل وإن الرجال قوامون على النساء كما هو ظاهر فماذا نعمل والنساء (قد يكن) أكثر من الرجال عددا؟ ألا ينبغي أن يكون في نظام الاجتماع البشري أن يباح الرجل الواحد كفالة عدة نساء عند الحاجة إلى ذلك لا سيما في أعقاب الحروب التي تجتاح الرجال وتدع النساء لا كافل للكثير منهن ولا نصير؟ ويزيد بعضهم على هذا أن الرجل في خارج المنزل يتيسر له أن يستعين على أعماله بكثير من الناس ولكن المنزل لا يشتمل على غير أهله وقد تمس الحاجة إلى مساعد للمرأة على أعمالها الكثيرة كما تقضي قواعد علم الاقتصاد في توزيع الأعمال ولا ينبغي أن يكون من يساعدها في البيت من الرجال لما في ذلك من المفاسد، فمن المصلحة على هذا أن يكون في البيت عدة نساء مصلحتهن عمارته- كذا قال بعضهم – فهذه مقدمة رابعة.
وإذا رجعت معي إلى البحث في تاريخ النشوء البشري في الزواج والبيوت (العائلات) أو في الازدواج والإنتاج تجد أن الرجل لم يكن في أمة من الأمم يكتفي بامرأة واحدة كما هو شأن أكثر الحيوانات، وليس هذا بمحل لبيان السبب الطبيعي في ذلك، بل ثبت بالبحث أن القبائل المتوحشة كان فيها النساء حقا مشاعا للرجال بحسب التراضي وكانت الأم هي رئيسة البيت إذ الأب غير متعين في الغالب وكان الإنسان كلما ارتقى يشعر بضرر هذا الشيوع والاختلاط ويميل إلى الاختصاص فكان أول اختصاص في القبيلة أن يكون نساؤها لرجالها دون رجال قبيلة أخرى وما زالوا يرتقون حتى وصلوا إلى اختصاص الرجل الواحد بعدة نساء من غير تقيد بعدد معين، بل حسب ما يتيسر له، فانتقل بهذا تاريخ البيوت (العائلات) إلى دور جديد صار فيه الأب عمود النسب وأساس البيت كما بين ذلك بعض علماء الألمان والإنكليز المتأخرين في كتب لهم في تاريخ البيوت (العائلات).
ومن هنا يذهب الإفرنج إلى أن نهاية الارتقاء هو أن يخص الرجل الواحد بامرأة واحدة، وهو مسلم وينبغي أن يكون هذا هو الأصل في البيوت ولكن ماذا يقولون في العوارض الطبيعية والاجتماعية التي تلتجئ إلى أن يكفل الرجل عدة من النساء لمصلحتهم ومصلحة الأمة ولاستعداده الطبيعي لذلك؟ وليخبرونا هل رضي الرجال بهذا الاختصاص وقنعوا بالزواج الفردي في أمة من الأمم إلى اليوم؟ أيوجد في أوربا في كل مئة ألف رجل رجل واحد لا يزني؟ كلا إن الرجل بمقتضى طبيعته وملكاته الوراثية لا يكتفي بامرأة واحدة إذ المرأة لا تكون في كل وقت مستعدة لغشيان الرجل إياها، كما أنها لا تكون في كل وقت مستعدة لثمرة هذا الغشيان وفائدته، وهو النسل. فداعية الغشيان في الرجل لا تنحصر في وقت دون وقت ولكن قبوله من المرأة محصور في أوقات وممنوع في غيرها، فالداعية الطبيعية في المرأة لقبول الرجل إنما تكون مع اعتدال الفطرة عقب الطهر من الحيض، وأما في حال الحيض وحال الحمل والإثقال فتأبى طبيعتها ذلك.
وأظن أنه لولا توطين المرأة نفسها على إرضاء الرجل والحظوة عنده، ولولا ما يحدثه التذكر والتخيل للذة وقعت في إبانها من التعمل لاستعادتها ولا سيما مع تأثير التربية والعادات العمومية، لكان النساء يأبين الرجال في أكثر أيام الطهر التي لا يكن فيها مستعدات للعلوق الذي هو مبدأ الإنتاج، ومن هذا التقرير يعلم أن اكتفاء الرجل بامرأة واحدة يستلزم أن يكون مندفعا بطبيعته إلى الإفضاء إليها في أيام طويلة هي فيها غير مستعدة لقبوله، أظهرها أيام الحيض والإثقال بالحمل والنفاس، وأقلها ظهورا أياما الرضاع لا سيما الأيام الأولى والأخيرة من أيام طهرها. وقد ينازع في هذه لغلبة العادة فيها على الطبيعة، وأما اكتفاء المرأة برجل واحد فلا مانع منه في طبيعتها ولا لمصلحة النسل، بل هو الموافق لذلك، إذ لا تكون المرأة في حال مستعدة فيها لملامسة الرجل وهو غير مستعد ما داما في اعتدال مزاجهما؛ ولا نذكر المرض لأن الزوجين يستويان فيه. ومن حقوق الزوجية وآدابها أن يكون لكل منهما شغل بتمريض الآخر في وقت مصابه عن السعي وراء لذته، وقد ذكر عن بعض محققي الأوربيين أن تعدد الأزواج الذي وجد في بعض القبائل المتوحشة كان سببه قلة البنات لوأد الرجال إياهن في ذلك العصر- فهذه مقدمة خامسة.
بعد هذا كله أجل طرفك معي في تاريخ الأمة العربية قبل الإسلام تجد أنها كانت قد ارتفعت إلى أن صار فيها الزواج الشرعي هو الأصل في تكون البيوت والرجل هو عمود البيت وأصل النسب ولكن تعدد الزوجات لم يكن محدودا بعدد ولا مقيدا بشرط. كان اختلاف عدة رجال إلى امرأة واحدة يعد من الزنا المذموم، وكان الزنا على كثرته يكاد يكون خاصا بالإماء وقلما يأتيه الحرائر إلا أن يأذن الرجل امرأته بأن تتبضع من رجل يعجبها ابتغاء نجابة الولد، والزنا لم يكن معيبا ولا عارا صدوره من الرجل وإنما كان يعاب من حرائر النساء. وقد حظر الإسلام الزنا على الرجال والنساء جمعا حتى الإماء، فكان يصعب جدا على الرجال قبول الإسلام والعمل به مع هذا الحجر بدون إباحة تعدد الزوجات. ولولا ذلك لاستبيح الزنا في بلاد الإسلام كما هو مباح في بلاد الإفرنج- فهذه مقدمة سادسة.
ولا تنس مع العلم بهذه المسائل أن غاية الترقي في نظام الاجتماع وسعادة البيوت (العائلات) أن يكون تكون البيت من زوجين فقط يعطي كل منها الآخر ميثاقا غليظا على الحب والإخلاص، والثقة والاختصاص، حتى إذا ما رزقا أولادا كانت عنايتهما متفقة على حسن تربيتهم ليكونوا قرة عين لهما ويكونا قدوة صالحة لهم في الوفاق والوئام والحب والإخلاص- فهذه مقدمة سابعة.
إذا أمعنت النظر في هذه المقدمات كلها وعرفت فرعها وأصلها تتجلى لك هذه النتيجة أو النتائج وهي: أن الأصل في السعادة الزوجية والحياة البيتية هو أن يكون للرجل زوجة واحدة وأن هذه هو غاية الارتقاء البشري في بابه والكمال الذي ينبغي أن يربى الناس عليه ويقنعوا به وأنه قد يعرض له ما يحول دون أخذ الناس كلهم به وتمس الحاجة إلى كفالة الرجل الواحد لأكثر من امرأة واحدة، وأن ذلك قد يكون لمصلحة الأفراد من الرجال والنساء كأن يتزوج الرجل بامرأة عاقر فيضطر إلى غيرها لأجل النسب ويكون من مصلحتها أو مصلحتهما معا أن لا يطلقها وترضى بأن يتزوج بغيرها لا سيما إذا كان ملكا أو أميرا، أو تدخل المرأة في سن اليأس ويرى الرجل أنه مستعد للاعقاب من غيرها وهو قادر على القيام بأود غير واحد وكفاية أولاد كثيرين وتربيتهم، أو يرى أن المرأة الواحدة لا تكفي لإحصانه لأن مزاجه يدفعه إلى كثرة الإفضاء ومزاجها بالعكس أو تكون فاركا منشاصا (أي تكره الزوج) أو يكون زمن حيضها طويلا ينتهي إلى خمسة عشر يوما في الشهر ويرى نفسه مضطرا إلى أحد الأمرين: التزوج بثانية أو الزنا الذي يضيع الدين والمال والصحة ويكون شرا على الزوجة من ضم واحدة إليها مع العدل بينهما كما هو شرط الإباحة في الإسلام ولذلك استبيح الزنا في البلاد التي يمنع فيها التعدد بالمرة.
وقد يكون التعدد لمصلحة الأمة كأن تكثر فيها النساء كثرة فاحشة كما هو الواقع في مثل البلاد الإنكليزية وفي كل بلاد تقع فيها حرب مجتاحة تذهب بالألوف الكثيرة من الرجال فيزيد عدد النساء زيادة فاحشة تضطرهن إلى الكسب والسعي في حاج الطبيعة لا بضاعة لأكثرهن في الكسب سوى أبضاعهن وإذا هن بذلنها فلا يخفى على الناظر ما وراء بذلها من الشقاء على المرأة التي لا كافل لها إذا اضطرت إلى القيام بأود نفسها وأود ولد ليس له والد لا سيما عقب الولادة ومدة الرضاعة بل الطفولية كلها وما قال من قال من كاتبات الإنكليز بوجوب تعدد الزوجات إلا بعد النظر في حال البنات اللواتي يشتغلن في المعامل وغيرها من الأماكن العمومية وما يعرض لهن من هتك الأعراض والوقوع في الشقاء والبلاء ولكن لما كانت الأسباب التي تبيح تعدد الزوجات هي ضرورات تتقدر بقدرها وكان الرجال إنما يندفعون إلى هذا الأمر في الغالب إرضاء للشهوة لا عملا بالمصلحة وكان الكمال الذي هو الأصل المطلوب عدم التعدد- جعل التعدد في الإسلام رخصة لا واجبا ولا مندوبا لذاته وقيد بالشرط الذي نطقت به الآية الكريمة وأكدته تأكيدا مكررا فتأملها.
قال تعالى: (وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم، ذلك أدنى أن لا تعولوا) فأنت ترى أن الكلام كان في حقوق الأيتام ولما كان في الناس من يتزوج باليتيمة الغنية ليتمتع بمالها ويهضم حقوقها لضعفها حذر الله من ذلك وقال: إن النساء أمامكم كثيرات، فإذا لم تثقوا من أنفسكم بالقسط في اليتامى إذا تزوجتم بهن فعليكم بغيرهن. فذكر مسألة التعدد بشرطها ضمنا لا استقلالا (على أحد الأوجه). والإفرنج يظنون أنها مسألة من مهمات الدين في الإسلام. ثم قال" فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة "ولم يكتف بذلك حتى قال" ذلك أدنى أن لا تعولوا "أي إن الاكتفاء بواحدة أدنى وأقرب لعدم العول وهو الجور والميل إلى أحد الجانبين دون الآخر، من عال الميزان إذا مال وهو الأرجح في تفسير الكلمة، فأكد أمر العدل وجعل مجرد توقع الإنسان عدم العدل من نفسه كاف في المنع من التعدد. ولا يكاد يوجد أحد يتزوج بثانية لغير حاجة وغرض صحيح يأمن الجور- لذلك كان لنا أن نحكم بأن الذواقين الذين يتزوجون كثيرا لمجرد التنقل في التمتع يوطنون أنفسهم على ظلم الأولى ومنهم من يتزوج لأجل أن يغيظها ويهينها ولا شك أن هذا محرم في الإسلام لما فيه من الظلم الذي هو خراب البيوت بل وخراب الأمم والناس عنه غافلون باتباع أهوائهم.
إن قاعدة اليسر في الأمور ورفع الحرج من القواعد الأساسية لبناء الإسلام (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) [البقرة: 185] (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج) [المائدة: 6]. ولا يصح أن يبنى على هذه القاعدة تحريم أمر تلجئ إليه الضرورة أو تدعو إليه المصلحة العامة أو الخاصة (كما بينا ذلك في مقالات الحياة الزوجية وغيرها) وهو مما يشق امتثاله دفعة واحدة لا سيما على من اعتادوا المبالغة فيه كتعدد الزوجات، كذلك لا يصح السكوت عنه وترك الناس وشأنهم فيه على ما فيه من المفاسد. فلم يبق إلا أن يقلل العدد ويقيد بقيد ثقيل وهو اشتراط انتفاء الخوف من عدم العدل بين الزوجات، وهو شرط يعز تحققه، ومن فقهه واختبر حال الذين يتزوجون بأكثر من واحدة يتجلى له أن أكثرهم لم يلتزم الشرط، ومن لم يلتزمه فزواجه غير إسلامي.
وجملة القول في هذه المسألة أن القرآن أتى فيها بالكمال الذي لا بد أن يعترف به جماهير الأوربيين ولو بعد حين كما يعترف به بعض فضلائهم وفضلياتهم الآن. وأما المسلمون فلم يلتزموا هدايته فصاروا حجة على دينهم، ونحن أحوج إلى الرد عليهم والعناية بإرجاعهم إلى الحق منا إلى إقناع غير المسلمين بفضل الإسلام، مع بقاء أهله على هذه المخازي والآثام، إذ لو رجعوا إليه، لما كان لأحد أن يعترض عليه اهـ.
أما ما أشرنا إليه من اقتراح بعض كاتبات الإفرنج تعدد الزوجات فهو ما أودعناه مقالة عنوانها (النساء والرجال) نشرت في (ص 481 م 4) من المنار وهاك المقصود منها.
لما تنبه أهل أوربا إلى إصلاح شؤونهم الاجتماعية وترقية معيشتهم المدنية اعتنوا بتربية النساء وتعليمهن، فكان لذلك أثر عظيم في ترقيتهم وتقدمهم. ولكن المرأة لا يبلغ كمالها إلا بالتربية الإسلامية. وأعني بالإسلامية ما جاء به الإسلام لا ما عليه المسلمون اليوم، ولا قبل اليوم بقرون. فقد قلت آنفا إنهم ما رعوا تعاليم دينهم حق رعايتها. ولهذا وجدت مع التربية الأوربية للنساء جراثيم الفساد ونمت هذه الجراثيم فتولدت منها الأدواء الاجتماعية والأمراض المدنية. وقد ظهر أثرها بشدة في الدولة السابقة إليها وهي فرنسا، فضعف نسلها وقلت مواليدها قلة تهددها بالانقراض، والذنب في ذلك على الرجال.
حذر من مغبة هذه الأمراض العقلاء، وحذر من عواقبه الكتاب الأذكياء، وصرح من يعرف شيئا من الديانة الإسلامية، بتمني الرجوع إلى تعاليمها المرضية، وفضائلها الحقيقية، وصرحوا بأن الرجل هو الذي أضل المرأة وأفسد تربيتها وإن بعض فضليات نساء الإفرنج صرحت بتمني تعدد الزوجات للرجل الواحد ليكون لكل امرأة قيم وكفيل من الرجال.
..." أما آن لنا أن نبحث عما يخفف – إذا لم نقل عما يزيل- هذه المصائب العائدة بالعار على المدنية الغربية؟ أما آن لنا أن نتخذ طرقا تمنع قتل ألوف الألوف من الأطفال الذين لا ذنب لهم، بل الذنب على الرجل الذي أغرى المرأة المجبولة على رقة القلب المقتضى تصديق ما يوسوس به الرجل من الوعود ويمني به من الأماني، حتى إذا قضى منها وطرا تركها وشأنها تقاسي العذاب الأليم.
" يا أيها الوالدان لا يغرنكما بعض دريهمات تكسبها بناتكما باشتغالهن في المعامل ونحوها ومصيرهن إلى ما ذكرنا. علموهن الابتعاد عن الرجال، أخبروهن بعاقبة الكيد الكامن لهن بالمرصاد، لقد دلنا الإحصاء على أن البلاء الناتج من حمل الزنا يعظم ويتفاقهم حيث يكثر اختلاط النساء بالرجال. ألم تروا أن أكثر أمهات أولاد الزنا من المشتغلات في المعامل والخادمات في البيوت وكثير من السيدات المعرضات للأنظار. ولولا الأطباء الذين يعطون الأدوية للإسقاط لرأينا أضعاف ما نرى الآن. لقد أدت بنا هذه الحال إلى حد من الدناءة لم يكن تصورها في الإمكان حتى أصبح رجال مقاطعات من بلادنا لا يقبلن البنت زوجة ما لم تكن مجربة، أي عندها أولاد من الزنا ينتفع بشغلهم!! وهذا غاية الهبوط بالمدنية. فكم قاست هذه المرأة من مرارة هذه الحياة حتى قدرت على كفالتهم، والذي علقت منه لا ينظر إلى أولئك الأطفال ولا يتعهدهم بشيء، ويلاه من هذه الحالة التعيسة: ترى من كان معينا لها في الوحم ودواره، والحمل وأثقاله، والوضع وآلامه، والفصال ومرارته" اهـ.
ذلك ما قلناه في وجه الحاجة تارة والضرورة تارة إلى تعدد الزوجات. ويزاد عليه ما علم منه ضمنا من كثرة النسل المطلوب شرعا وطبعا. فإذا كان منع التعدد لاسيما في أعقاب الحروب وكثرة النساء يفضي إلى كثرة الزنا وهو مما يقلل النسل كان مما يليق بالشريعة الاجتماعية المرغبة في كثرة النسل والمشددة في منع الزنا أن تبيح التعدد عند الحاجة إليه لأجل ذلك مع التشديد في منع مضراته. وقد صرح بعض علماء أوربه بأن تعدد الزوجات من جملة أسباب انتشار الإسلام في إفريقيا وغيرها وكثرة المسلمين. ومهما كان من ضرر تعدد الزوجات فهو لا يبلغ ضرر قلة النسل الذي منيت به فرنسا بانتشار الزنا وقلة الزواج وستتبعها إنكلترا وغيرها من الأمم التي على شاكلتهما في التساهل في الفسق. أما منع تعدد الزوجات إذا فشا ضرره وكثرت مفاسده وثبت عند أولي الأمر أن الجمهور لا يعدلون فيه في بعض البلاد لعدم الحاجة إليه بله الضرورة فقد يمكن أن يوجد له وجه في الشريعة الإسلامية السمحة إذا كان هناك حكومة إسلامية فإن للإمام أن يمنع المباح الذي يترتب عليه مفسدة مادامت المفسدة قائمة به والمصلحة بخلافه، بل منع عمر (رضي الله عنه) في عام الرمادة أن يحد سارق، ولذلك نظائر أخرى ليس هذا محل بيانها. وللأستاذ الإمام فتوى في ذلك ذكرناها في الجزء الأول من تاريخه.
لكن الإفرنج يبالغون في وصف مفاسد التعدد وكذا المتفرنجون كدأب الناس في التسليم للأمم القوية والتقليد لها. وما قال الأستاذ الإمام ما قاله في التشنيع على التعدد إلا لتنفير الذواقين من المصريين وأمثالهم الذين يتزوجون كثيرا ويطلقون كثيرا لمحض التنقل في اللذة والإغراق في طاعة الشهوة مع عدم التهذيب الديني والمدني.
ألا إن التهذيب الذي يعرف به الإنسان قيمة الحياة الزوجية يمنع صاحبه التعدد لغير ضرورة. فهذه الحياة التي بينها الله تعالى في قوله: (ومن آياته أن جعل لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) [الروم: 21] قلما تتحقق على كمالها من التعدد لا سيما إذا كان لغير عذر. ولذلك يقل في المهذبين من يجمع بين زوجين. وإنني لا أعرف أحدا من أصحابي في مصر وسورية له أكثر من زوجة واحدة.
وقد صدق الأستاذ الإمام في قوله: إنه لو كان عندنا تربية إسلامية لقل ضرر التعدد فينا حتى لا يتجاوز غيرة الضرائر، بل أعرف بالخبر الصادق والاختبار الشخصي أن بعض الضرائر المسلمات قد عشن معيشة الوفاق والمحبة وكانت كل واحدة تنادي الأخرى "يا أختي" وقد تزوج كبير قرية في لبنان فلم يولد له فتزوج ثانية بإذن الأولى ورضاها ابتغاء النسل فولدت له غلاما، وكان يعدل بين الزوجين في كل شيء وكانتا متحابتين كالأختين وكل منهما تعتني بتربية الولد وخدمته بل قيل إن عناية أمه به كانت أقل. ومات الرجل عنهما فلم تتفرقا من بعده وما سبب ذلك إلا عدله وتدينهما. نعم إن الوفاق صار من النادر، ...
" حكم الشريعة في تعدد الزوجات "
قد أباحت الشريعة المحمدية للرجل الاقتران بأربع من النسوة إن علم من نفسه القدرة على العدل بينهن، وإلا فلا يجوز الاقتران بغير واحدة قال تعالى: (فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة). فإن الرجل إذا لم يستطع إعطاء كل منهم حقا اختل نظام المنزل وساءت معيشة العائلة إذ العماد القويم لتدبير المنزل هو بقاء الاتحاد والتآلف بين أفراد العائلة. والرجل إذا خص واحدة منهن دون الباقيات ولو بشيء زهيد كأن يستقضيها حاجة في يوم الأخرى امتعضت تلك الأخرى وسئمت الرجل لتعديه على حقوقها بتزلفه إلى من لا حق لها، وتبدل الاتحاد بالنفرة والمحبة بالبغض. وقد كان النبي (صلى الله عليه وسلم) وجماعة الصحابة رضوان الله عليهم والخلفاء الراشدون والعلماء والصالحون من كل قرن إلى هذا العهد يجمعون بين النسوة مع المحافظة على حدود الله في العدل بينهن فكان (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه والصالحون من أمته لا يأتون حجرة إحدى الزوجات في نوبة الأخرى إلا بإذنها.
من ذلك أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يطاف به وهو في حالة المرض على بيوت زوجاته محمولا على الأكتاف حفظا للعدل، ولم يرض بالإقامة في بيت إحداهن خاصة، فلما كان عند إحدى نسائه سأل في أي بيت أكون غدا، فعلم نساؤه أنه يسأل عن نوبة عائشة، فأذن له في المقام عندها مدة المرض فقال "هل رضيتين "؟ فقلن نعم فلم يقم في بيت عائشة حتى علم رضاهن. وهذا الواجب الذي حافظ عليه النبي (صلى الله عليه وسلم) هو الذي ينطبق على نصائحه ووصاياه. فقد روي في الصحيح أن آخر ما أوصى به (صلى الله عليه وسلم) ثلاث كان يتكلم بهن حتى لجلج لسانه وخفي كلامه" الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم لا تكلفوهم ما لا يطيقون، الله الله في النساء فإنهن عوان في أيديكم- أي أسراء- أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله "وقال" من كان امرأتان فمال إلى إحداهن دون الأخرى- وفي رواية ولم يعدل بينهما – جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل "وكان (صلى الله عليه وسلم) يعتذر عن ميله القلبي بقوله" اللهم هذا (أي العدل في البينات والعطاء) جهدي فيما أملك ولا طاقة لي فيما تملك ولا أملك "(يعني الميل القلبي) وكان يقرع بينهن إذا أراد سفرا.
وقد قال الفقهاء يجب على الزوج المساواة في القسم في البيوتة بإجماع الأئمة، وفيها وفي العطاء أعني النفقة عند غالبهم، حتى قالوا يجب على ولي المجنون أن يطوفه على نسائه. وقالوا لا يجوز للزوج الدخول عند إحدى زوجاته في نوبة الأخرى إلا لضرورة مبيحة غايته يجوز له أن يسلم عليها من خارج الباب والسؤال عن حالها بدون دخول، وصرحت كتب الفقه بأن الزوج إذا أراد الدخول عند صاحبة النوبة فأغلقت الباب دونه وجب عليه أن يبيت بحجرتها ولا يذهب إلى ضرتها إلا لمانع برد ونحوه. وقال علماء الحنفية إن ظاهر آية (فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة) أن العدل فرض في البيوتة وفي الملبوس والمأكول والصحبة لا في المجامعة لا فرق في ذلك بين فحل وعنين ومجبوب ومريض وصحيح. وقالوا إن العدل من حقوق الزوجية فهو واجب على الزوج كسائر الحقوق الواجبة شرعا، إذ لا تفاوت بينها. وقالوا إذا لم يعدل ورفع إلى القاضي وجب نهيه وزجره، فإن عاد عزر بالضرب لا بالحبس. وما ذلك إلا محافظة على المقصد الأصلي من الزواج، وهو التعاون في المعيشة وحسن السلوك فيها.
أفبعد الوعيد الشرعي وذلك الإلزام الدقيق الحتمي الذي لا يحتمل تأويلا ولا تحويلا يجوز الجمع بين الزوجات عند توهم عدم القدرة على العدل بين النسوة فضلا عن تحققه؟ فكيف يسوغ لنا الجمع بين نسوة لا يحملنا على جمعهن إلا قضاء شهوة فانية واستحصال لذة وقتية، غير مبالين بما ينشأ عن ذلك من المفاسد ومخالفة الشرع الشريف. فإنا نرى أنه إن بدت لإحداهن فرصة للوشاية عند الزوج في حق الأخرى ما استطاعت في تنميقها وإتقانها وتحلف بالله أنها لصادقة فيما افترت (وما هي إلا من الكاذبات) فيعتقد الرجل أنها أخلصت له النصح لفرط ميله إليها ويوسع الأخريات ضربا مبرحا وسبا فظيعا ويسومهن طردا ونهرا من غير أن يتبين فيما ألقي إليه، إذ لا هداية عنده ترشده إلى تمييز صحيح القول من فاسده ولا نزر بصيرة يوقفه على الحقيقة، فتضطرم نيران الغيظ في أفئدة هاتيك النسوة وتسعى كل واحدة منهن في الانتقام من الزوج والمرأة الواشية، ويكثر العراك والمشاجرة بينهن بياض النهار وسواد الليل. وفضلا عن اشتغالهن بالشقاق عما يجب عليهن من أعمال المنزل يكثرون من خيانة الرجل في ماله وأمتعته لعدم الثقة بالمقام عنده فإنهن دائما يتوقعن منه الطلاق: إما من خبث أخلاقهن أو من رداءة أفكار الزوج. وأيا ما كان فكلاهما لا يهدأ له بال ولا يروق له عيش.
ومن شدة تمكن الغيرة والحقد في أفئدتهن تزرع كل واحدة في ضمير ولدها ما يجعله من ألد الأعداء لإخوته أولاد النسوة الأخريات، فإنها دائما تمقتهم وتذكرهم بالسوء عنده وهو يسمع، وتبين له امتيازهم عنه عند والدهم وتعدد له وجوه الامتياز. فكل ذلك وما شابهه إن ألقي إلى الولد حال الطفولية يفعل في نفسه فعلا لا يقوى على إزالته بعد تعقله فيبقى نفورا من أخيه عدوا له (لا نصيرا ولا ظهيرا له على اجتناء الفوائد ودفع المكروه كما هو شأن الأخ).
وإن تطاول واحد من ولد تلك على آخر من ولد هذه وإن لم يعقل ما لفظ أن كان خيرا أو شرا لكونه صغيرا انتصب سوق العراك بين والدتيهما وأوسعت كل واحدة الأخرى بما في وسعها من ألفاظ الفحش ومستهجنات السب: (وإن كن من المخدرات في بيوت المعتبرين) كما هو مشاهد في كثير من الجهات خصوصا الريفية وإذا دخل الزوج عليهن في هذه الحالة تعسر عليه إطفاء الثورة من بينهن بحسن القول ولين الجانب إذ لا يسمعن له أمرا ولا يرهبهن منه وعيدا لكثرة ما وقع بينه وبينهن من المنازعات والمشاجرات لمثل هذه الأسباب أو غيرها التي أفضت إلى سقوط اعتباره وانتهاك واجباته عندهن أو لكونه ضعيف الرأي أحمق الطبع فتقوده تلك الأسباب إلى فض هذه المشاجرة بطلاقهن جميعا أو طلاق من هي عنده أقل منزلة في الحب ولو كانت أم أكثر أولاده فتخرج من المنزل سائلة الدمع حزينة الخاطر حاملة من الأطفال عديدا فتأوي بهم إلى منزل أبيها إن كان؛ ثم لا يمضي عليها بضعة أشهر عنده إلا سئمها فلا تجد بدا من رد الأولاد إلى أبيهم وإن علمت أن زوجته الحالية تعاملهم بأسوأ مما عوملوا به من عشيرة أبيها ولا تسل عن أم الأولاد إذا طلقت وليس لها من تأوي إليه فإن شرح ما تعانيه من ألم الفاقة وذل النفس ليس يحزن القلب بأقل من الحزن عند العلم بما تسأم به صبيتها من الطرد والتقريع يثنون من الجوع ويبكون من ألم المعاملة.
ولا يقال: إن ذلك غير واقع لأن الشريعة الغراء كلفت الزوج بالنفقة على مطلقته وأولاده منها حتى تحسن تربيتهم وعلى من يقوم مقامها في الحضانة إن خرجت من عدتها وتزوجت. فإن الزوج وإن كلفته الشريعة بذلك لكن لا يرضخ لأحكامها في مثل هذا الأمر الذي يكلفه نفقات كبيرة إلا مكرها مجبورا، والمرأة لا تستطيع أن تطالبه بحقها عند الحاكم الشرعي إما لبعد مركزه فلا تقدر على الذهاب إليه وتترك بنيها لا يملكون شيئا مدة أسبوع أو أسبوعين حتى يستحضر القاضي الزوج وربما آبت إليهم حاملة صكا بالتزامه بالدفع لها كل شهر ما أوجبه القاضي عليه من النفقة من غير أن تقبض منه ما يسد الرمق أو يذهب بالعوز ويرجع الزوج مصرا على عدم الوفاء بما وعد لكونه متحققا من أن المرأة لا تقدر أن تخاطر بنفسها إلى العودة للشكاية لوهن قواها واشتغالها بما يذهب الحاجة الوقتية أو حياء من شكاية الزوج فإن كثيرا من أهل الأرياف يعدون مطالبة المرأة بنفقتها عيبا فظيعا فهي تفضل البقاء على تحمل الأتعاب الشاقة طلبا لما تقيم به بنيتها هي وبنوها على الشكاية التي توجب لها العار؛ وربما لم تأت بالثمرة المقصودة. وغير خفي أن ارتكاب المرأة الإثم لهذه الأعمال الشاقة ومعاناة البلايا المتنوعة التي أقلها ابتذال ماء الوجه تؤثر في أخلاقها فسادا، وفي طباعها قبحا مما يذهب بكمالها ويؤدي إلى تحقيرها عند الراغبين في الزواج، ولربما أدت بها هذه الأمور إلى أن تبقى أيما مدة شبابها تتجرع غصص الفاقة والذل وإن خطبها رجل بعد زمن طويل من يوم الطلاق فلا يكون في الغالب إلا أقل منزلة وأصغر قدرا من بعلها السابق أو كهلا قلت رغبة النساء فيه، ويمكث زمنا طويلا يقدم رجلا ويؤخر أخرى خشية على نفسه من عائلة زوجها السالف. فإنها تبغض أي شخص يريد زواج امرأته وتضمر له السوء إن فعل ذلك كأن مطلقها يريد أن تبقى أيما إلى الممات رغبة في نكالها وإساءتها إن طلقها كارها لها؛ أما إذا كان طلاقها ناشئا عن حماقة الرجل لإكثاره من الحلف به عند أدنى الأسباب وأضعف المقتضيات كما هو كثير الوقوع الآن اشتد حنقه وغيرته عليها وتمنى لو استطاع سبيلا إلى قتلها أو قتل من يريد الاقتران بها.
وكأني بمن يقولون إن هذه المعاملة وتلك المعاشرة لا تصدر إلا من سفلة الناس وأدنيائهم وأما ذوو المقامات وأهل اليسار فلا نشاهد منهم شيئا من ذلك فإنهم ينفقون مالا لبدا على مطلقاتهم وأولادهم منها وعلى نسوتهم العديدات في بيوتهم فلا ضير عليهم في الإكثار من الزواج إلى الحد الجائز والطلاق إذا أردوا بل هو الأجمل والأليق بها اتباعا لما ورد عنه (صلى الله عليه وسلم)" "تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة" وأما ما يقع من سفلة الناس فلا يصح أن يجعل قاعدة للنهي عما كان عليه عمل النبي والسلف الصالح من الأمة خصوصا وآية: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) لم تنسخ بالإجماع فإذا يلزم العمل بمدلولها مادام الكتاب.
نقول في الجواب عن هذا: كيف يصح هذا المقال وقد رأينا الكثير من الأغنياء وذوي اليسار يطردون نساءهم مع أولادهن فتربى أولادهن عند أقوام غير عشيرتهن لا يعتنون بشأنهم ولا يلتفتون إليهم. وكثيرا ما رأينا الآباء يطردون أبناءهم وهم كبار مرضاة لنسائهم الجديدات، ويسيئون إلى النساء بما لا يستطاع، حتى أنه ربما لا يحمل الرجل منهم على تزوج ثانية إلا إرادة الإضرار بالأولى وهذا شائع كثير. وعلى فرض تسليم أن ذوي اليسار قائمون بما يلزم من النفقات لا يمكننا إلا أن نقول كما هو الواقع أن إنفاقهم على النسوة وتوفية حقوق الزوجية من القسم في المبيت ليس على نسبة عادلة كما هو الواجب شرعا على الرجل لزوجاته. فهذه النفقة تستوي مع عدمها من حيث عدم القيام بحقوق الزوجات الواجبة الرعاية كما أمرنا به (الشرع الشريف) فإذا لا تمايز بينهم وبين الفقراء في أن كلا قد ارتكب ما حرمته الشرائع ونهت عنه نهيا شديدا، خصوصا وأن مضرات اجتماع الزوجات عند الأغنياء أكثر منها عند الفقراء كما هو الغالب. فإن المرأة قد تبقى في بيت الغني سنة أو سنتين بل ثلاثا بل خمسا بل عشرا لا يقربها الزوج خشية أن تغضب عليه (من يميل إليها ميلا شديدا) وهي مع ذلك لا تستطيع أن تطلب منه أن يطلقها لخوفها على نفسها من بأسه، فتضطر إلى فعل ما لا يليق. وبقية المفاسد التي ذكرناها من تربية الأبناء على عداوة إخوتهم بل وأبيهم أيضا موجودة عند الأغنياء أكثر منها عند الفقراء، ولا تصح المكابرة في إنكار هذا الأمر بعد مشاهدة آثاره في غالب الجهات والنواحي وتطاير شره في أكثر البقاع من بلادنا وغيرها من الأقطار المشرقية.
فهذه معاملة غالب الناس عندنا من أغنياء وفقراء في حالة التزوج بالمتعددات، كأنهم لم يفهموا حكمة الله في مشروعيته، بل اتخذوا طريقا لصرف الشهوة واستحصال اللذة لا غير، وغفلوا عن القصد الحقيقي منه. وهذا لا تجيزه الشريعة ولا يقبله العقل. فاللازم عليهم حينئذ إما الاقتصار على واحدة إذا لم يقدروا على العدل كما هو مشاهد عملا بالواجب عليهم بنص قوله تعالى: (فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة) وأما آية: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) فهي مقيدة بآية فإن خفتم، وإما أن يتبصروا قبل طلب التعدد في الزوجات فيما يجب عليهم شرعا من العدل وحفظ الالفة بين الأولاد وحفظ النساء من الغوائل التي تؤدي بهن إلى الأعمال الغير اللائقة ولا يحملوهن على الإضرار بهم وبأولادهم ولا يطلقوهن إلا لداع ومقتضى شرعي، شأن الرجال الذين يخافون الله ويوقرون شريعة العدل ويحافظون على حرمات النساء وحقوقهن، ويعاشرونهن بالمعروف ويفارقوهن عند الحاجة، فهؤلاء الأفاضل الأتقياء لا لوم عليهم في الجمع بين النسوة إلى الحد المباح شرعا، وهم وإن كانوا عددا قليلا في كل بلد وإقليم لكن أعمالهم واضحة الظهور تستوجب لهم الثناء العميم والشكر الجزيل وتقربهم من الله العادل العزيز اهـ. كلام الأستاذ الإمام وفيه بيان ما يجب فيه العدل بين الزوجات وسيأتي له مزيد بيان في تفسير: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء).
وجملة القول: أن التعدد خلاف الأصل وخلاف الكمال وينافي سكون النفس والمودة والرحمة التي هي أركان الحياة الزوجية، لا فرق بين زواج من لم يقمها وبين ازدواج العجماوات ونزوان بعضها على بعض. فلا ينبغي للمسلم أن يقدم على ذلك إلا لضرورة مع الثقة فيما اشترط الله سبحانه فيه من العدل ومرتبة العدل دون مرتبة سكون النفس والمودة والرحمة وليس وراءه إلا ظلم لنفسه وامرأته وولده وأمته والله لا يحب الظالمين.
...س- مصطفى أفندي رشدي المولى بالزقازيق: ما هي الحكمة في تعدد زوجات النبي (صلى الله عليه وسلم) أكثر مما أباحه القرآن الشريف لسائر المؤمنين وهو التزوج بأربع فما دونها وتعين الواحدة عند خوف الخروج عن العدل؟
ج- إن الحكمة العامة في تلك الزيادة على الواحدة في سن الكهولة والقيام بأعباء الرسالة والاشتغال بسياسة البشر ومدافعة المعتدين دون سن الشباب وراحة البال هي السياسة الرشيدة. فأما خديجة وهي الزوج الأولى فالحكمة في اختيارها وراء سنة الفطرة معروفة وليست من موضوع السؤال.
وقد عقد بعد وفاتها على سودة بنت زمعة وكانت قد توفي عنها زوجها بعد الرجوع من هجرة الحبشة الثانية. والحكمة في اختيارها أنها من المؤمنات المهاجرات الهاجرات لأهليهن خوف الفتنة ولو عادت إلى أهلها بعد وفاة زوجها (وكان ابن عمها) لعذبوها وفتنوها فكفلها عليه الصلاة والسلام وكافأها بهذه المنة العظيمة.
ثم بعد شهر عقد على عائشة بنت الصديق والحكمة في ذلك كالحكمة في التزوج بحفصة بنت عمر بعد وفاة زوجها خنيس بن حذافة ببدر وهي إكرام صاحبيه ووزيريه أبي بكر وعمر (رضي الله عنهما) وإقرار أعينهما بهذا الشرف العظيم، (كما أكرم عثمان وعليا (رضي الله عنهما) ببناته وهؤلاء أعظم أصحابه وأعظمهم خدمة لدينه).
وأما التزوج بزينب بنت جحش فالحكمة فيه تعلو كل حكمة وهي إبطال تلك البدع الجاهلية التي كانت لاحقة ببدعة التبني كتحريم التزوج بزوجة المتبنى بعده وغيره ذلك. وقد نشرنا في المجلد الثالث من المنار مقالين في هذه المسألة أحدهما للأستاذ الإمام، فليراجعهما السائل هناك.
ويقرب من هذه الحكمة الحكمة في التزوج بجويرية وهي برة بنت الحارث سيد قومه بني المصطلق فقد كان المسلمون أسروا من قومها مئتي بيت بالنساء والذراري فأراد (صلى الله عليه وسلم) أن يعتق المسلمون هؤلاء الأسرى فتزوج بسيدتهم فقال الصحابة عليهم الرضوان أصهار رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لا ينبغي أسرهم وأعتقوهم فأسلم بنو المصطلق لذلك أجمعون وصاروا عونا للمسلمين بعد أن كانوا محاربين لهم وعونا عليهم وكان لذلك أثر حسن في سائر العرب.
وقبل ذلك تزوج عليه السلام بزينب بنت خزيمة بعد قتل زوجها عبد الله بن جحش في (أحد) وحكمته في ذلك أن هذه المرأة كانت من فضليات النساء في الجاهلية حتى كانوا يدعونها أم المساكين لبرها بهم وعنايتها بشأنهم فكافأها عليه التحية والسلام على فضائلها بعد مصابها بزوجها بذلك فلم يدعها أرملة تُقاسي الذل الذي كانت تجير منه الناس وقد ماتت في حياته.
وتزوج بعدها أم سلمة (واسمها هند) وكانت هي وزوجها (عبد الله أبو سلمة بن أسد ابن عمة الرسول برة بنت عبد المطلب وأخوه من الرضاعة) أول من هاجر إلى الحبشة وكانت تحب زوجها وتجله حتى أن أبا بكر وعمر خطباها بعد وفاته فلم تقبل، ولما قال لها النبي (صلى الله عليه وسلم): "سلي الله أن يؤجرك في مصيبتك ويخلفك خيرا" قالت: ومن يكون خيرا من أبي سلمة؟ فمن هنا يعلم السائل وغيره مقدار مصاب هذه المرأة الفاضلة بزوجها وقد رأى (صلى الله عليه وسلم) أنه لا عزاء لها عنه إلا به، فخطبها فاعتذرت بأنها مسنة وأم أيتام، فأحسن عليه السلام الجواب- وما كان إلا محسنا- وتزوج بها، وظاهر أن ذلك الزواج ليس لأجل التمتع المباح له وإنما كان لفضلها الذي يعرفه المتأمل بجودة رأيها يوم الحديبية ولتعزيتها كما تقدم.
وأما زواجه بأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان بن حرب فلعل حكمته لا تخفى على إنسان عرف سيرتها الشخصية وعرف عداوة قومها في الجاهلية والإسلام لبني هاشم ورغبة النبي (صلى الله عليه وسلم) في تأليف قلوبهم، كانت رملة عند عبيد الله بن جحش وهاجرت معه إلى الحبشة الهجرة الثانية فتنصر هناك وتثبتت هي على الإسلام. فانظروا إلى إسلام امرأة يكافح أبوها بقومه النبي وينتصر زوجها وهي معه في هجرة معروف سببها، أمن الحكمة أن تضيع هذه المؤمنة الموقنة بين فتنتين؟ أم من الحكمة أن يكفلها من تصلح له وهو أصلح لها؟
كذلك تظهر الحكمة في زواج صفية بنت حيي بن أخطب سيد بني النضير وقد قتل أبوها مع بني قريظة وقتل زوجها يوم خيبر، وكان أخذها دحية الكلبي من سبي خيبر فقال الصحابة يا رسول الله إنها سيدة بني قريظة والنضير لا تصلح إلا لك فاستحسن رأيهم وأبى أن تذل هذه السيدة بان تكون أسيرة عند من تراه دونها فاصطفاها وأعتقها وتزوجها ووصل سببه ببني إسرائيل وهو الذي كان ينزل الناس منازلهم.
وآخر أزواجه ميمونة بنت الحارث الهلالية (وكان اسمها برة فسماها ميمونة) والذي زوجها منه هو عمه العباس (رضي الله عنه) وكانت جعلت أمرها إليه بعد وفاة زوجها الثاني أبي رهم بن عبد العزى وهي خالة عبد الله بن عباس وخالد بن الوليد فلا أدري هل كانت الحكمة في تزوجه بها تشعب قرابتها في بني هاشم وبني مخزوم أم غير ذلك؟
وجملة الحكمة في الجواب أنه (صلى الله عليه وسلم) راعى المصلحة في اختيار كل زوج من أزواجه (عليهن الرضوان) في التشريع والتأديب فجذب إليه كبار القبائل بمصاهرتهم، وعلم أتباعه احترام النساء وإكرام كرائمهن والعدل بينهن، وقرر الأحكام بذلك، وترك من بعد تسع أمهات للمؤمنين يعلمن نساءهم من الأحكام ما يليق بهن مما ينبغي أن يتعلمنه من النساء دون الرجال، ولو ترك واحدة فقط لما كانت تغني في الأمة غناء التسع، ولو كان عليه السلام أراد بتعدد الزواج ما يريده الملوك والأمراء من التمتع بالحلال فقط لاختار حسان الأبكار على أولئك الثيبات المكتهلات، كما قال لمن اختار ثيبا "هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك". هذا ما ظهر لنا في حكمة التعدد. وإن أسرار سيرته (صلى الله عليه وسلم) أعلى من أن تحيط بها كلها أفكار مثلنا اهـ.
ومن فروع المسألة أن من أسلم من الأمم التي تبيح التعدد بغير حصر وعنده أكثر من أربع نسوة يجب عليه عند جماهير العلماء أن يختار أربعة منهن ويسرح الأخريات. وعن أبي حنيفة أنه يمسك من عقد عليهن أولا إن علم ذلك كأنه كان مكلفا أن يكون نكاحه قبل الإسلام موافقا لشريعة الإسلام. والمأثور في كتب السنن هو ما عليه الجمهور فقد روى الشافعي وابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وابن ماجه وغيرهم عن ابن عمر (رضي الله عنهما) أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم)" اختر منهن أربعا- وفي لفظ آخر- أمسك منهم أربعا وفارق سائرهن". وروي نحو من ذلك عن نوفل بن معاوية الديلمي وعن قيس بن الحارث الأسدي حين أسلما كان عند الأول خمس وعند الثاني ثمان. والظاهر أن إمساك الأربع يشترط فيه قصد العدل بينهن والثقة بالقدرة عليه فإن خاف أن لا يعدل فعليه إن يمسك واحدة فقط. وما مضت به السنة من الاقتصار على أربع وما أجمع عليها أهلها من عدم جواز الزيادة عليهن هو عمدة الفقهاء في هذا الباب لا لأن مثنى وثلاث ورباع يدل على جواز أكثر من أربع بل لأن العدد عندهم لا مفهوم له فذكر الأربع لا يقتضي تحريم الخمس فأكثر فلما ختم النبي (صلى الله عليه وسلم) على أن من أسلم من المشركين وعنده أكثر من أربع أن لا يمسكوا أكثر من أربع كان ذلك بيانا منه (صلى الله عليه وسلم) لما في الآية من الإجمال واحتمال جواز الزيادة. وجماهير أهل الأصول قائلون بجواز بيان خبر الواحد لمجمل الكتاب. وما ورد في المسألة سنة عملية متبعة فهي أقوى ما يحتج به عندنا. وقد أول ذلك المجوزون للزيادة على أربع كبعض الشيعة بأنه يحتمل أن يكون الأمر بمفارقة ما زاد عن الأربع لأنهن كان بينهن وبين أزواجهن سبب من أسباب التحريم الذاتي كالنسب القريب والرضاع، وهو تأويل ظاهر البطلان، إذ لو كان الأمر كما قيل في الاحتمال لما قال النبي (صلى الله عليه وسلم) اختر أربع أو أمسك أربعا، فالاختيار وتنكير لفظ أربع كل منهما يأبى ما قيل في التأويل. وما قيل من إن الإجماع على تحريم الزيادة على أربع لا يتم مع مخالفة الشيعة في ذلك أجيب عنه بأن الإجماع قد وقع قبل أن يقولوا ما قالوا فهو حجة عليهم.
ومن فروعها أن الخطاب فيها للأحرار دون العبيد لأن الرق خلاف مقصد الشرع وخلاف الأصل، فكأنه غير موجود. ومما يؤيد ذلك قوله تعالى في مخاطبة المخاطبين بهذا الحكم من الأزواج (أو ما ملكت أيمانكم) والمملوك لا يملك غيره ويقول الفقهاء: له أن يتزوج اثنتين فقط.
ومنها: أن الظاهرية قالوا إن الأمر في قوله: (فانكحوا ما طاب لكم) للوجوب فالزواج واجب في العمر مرة. والجمهور على أن الأمر فيه للإباحة وإن كان الزواج أعظم سنن الفطرة التي رغب فيها دين الفطرة.
ومن مباحث اللفظ في الآية: النكتة في اختيار "ما" على "من" في قوله: (ما طاب لكم من النساء) وهي إرادة الوصف كأنه قال فانكحوا أي صنف من أصنافهن من الثيبات والأبكار وذوات الجمال وذوات المال وإنما تختص كلمة "ما" أو تغلب في غير العقلاء إذا أريد بها الذات لا الوصف. فتقول من هذا الرجل؟ في السؤال عن ذاته وشخصه؟ وتقول ما هذا الرجل؟ في السؤال عن صفته ونعته. وما قيل من أن النكتة في ذلك هي الإشارة إلى أن النساء ناقصات عقل فأنزلن منزلة غير العاقل يأباه هذا المقام الذي قرر فيه تكريمهن وحفظ حقوقهن وجرم فيه ظلمهن ومثل هذا التعبير قوله تعالى: (أو ما ملكت أيمانكم) و (أو) فيه للتسوية يعني إن خفتم أن لا تعدلوا بين الزوجتين فأكثر فأنتم مخيرون بين الواحدة والتسري. وظاهر ما تقدم عن ابن جرير أن الواحدة يطلب في نكاحها العدل فإن خاف أن لا يعدل في معاملتها لجأ إلى التسري وإنما يشترط الجماهير العجز عن التزوج بالحرة في نكاح الأمة لا في التسري بها وسيأتي في تفسير قوله: (ومن لم يستطع منكم طولا) [النساء: 25].
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
عن عروة بن الزبير -رضي الله عنه- أنه سأل عائشة -رضي الله عنها- عن قوله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى) فقالت: "يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها، تشركه في ماله، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا اليهن؛ ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا من النساء سواهن "قال عروة: قالت عائشة: "وإن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية، فأنزل الله: (ويستفتونك في النساء. قل الله يفتيكم فيهن. وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن...) قالت عائشة: [وقول الله في هذه الآية الأخرى: (وترغبون أن تنكحوهن) رغبة أحدكم عن يتيمته إذا كانت قليلة المال والجمال. فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال].
وحديث عائشة -رضي الله عنها- يصور جانبا من التصورات والتقاليد التي كانت سائدة في الجاهلية، ثم بقيت في المجتمع المسلم، حتى جاء القرآن ينهى عنها ويمحوها، بهذه التوجيهات ويكل الأمر إلى الضمائر، وهو يقول: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى).. فهي مسألة تحرج وتقوى وخوف من الله إذا توقع الولي ألا يعدل مع اليتيمة في حجره، ونص الآية مطلق لا يحدد مواضع العدل، فالمطلوب هو العدل في كل صوره وبكل معانيه في هذه الحالة، سواء فيما يختص بالصداق، أو فيما يتعلق بأي اعتبار آخر. كأن ينكحها رغبة في مالها، لا لأن لها في قلبه مودة، ولا لأنه يرغب رغبة نفسية في عشرتها لذاتها. وكأن ينكحها وهناك فارق كبير من السن لا تستقيم معه الحياة، دون مراعاة لرغبتها هي في إبرام هذا النكاح، هذه الرغبة التي قد لا تفصح عنها حياء أو خوفا من ضياع مالها إذا هي خالفت عن إرادته.. إلى آخر تلك الملابسات التي يخشى ألا يتحقق فيها العدل.. والقرآن يقيم الضمير حارسا، والتقوى رقيبا. وقد أسلف في الآية السابقة التي رتب عليها هذه التوجيهات كلها قوله: (إن الله كان عليكم رقيبا)..
فعندما لا يكون الأولياء واثقين من قدرتهم على القسط مع اليتيمات اللواتي في حجورهم، فهناك النساء غيرهن، وفي المجال متسع للبعد عن الشبهة والمظنة:
(وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع. فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم. ذلك أدنى ألا تعولوا)..
وهذه الرخصة في التعدد، مع هذا التحفظ عند خوف العجز عن العدل، والاكتفاء بواحدة في هذه الحالة، أو بما ملكت اليمين..
هذه الرخصة -مع هذا التحفظ- يحسن بيان الحكمة والصلاح فيها. في زمان جعل الناس يتعالمون فيه على ربهم الذي خلقهم، ويدعون لأنفسهم بصرا بحياة الإنسان وفطرته ومصلحته فوق بصر خالقهم سبحانه! ويقولون في هذا الأمر وذاك بالهوى والشهوة، وبالجهالة والعمى. كأن ملابسات وضرورات جدت اليوم، يدركونها هم ويقدرونها ولم تكن في حساب الله -سبحانه- ولا في تقديره، يوم شرع للناس هذه الشرائع!!!
وهي دعوى فيها من الجهالة والعمى، بقدر ما فيها من التبجح وسوء الأدب، بقدر ما فيها من الكفر والضلالة! ولكنها تقال، ولا تجد من يرد الجهال العمي المتبجحين المتوقحين الكفار الضلال عنها! وهم يتبجحون على الله وشريعته، ويتطاولون على الله وجلاله، ويتوقحون على الله ومنهجه، آمنين سالمين غانمين، مأجورين من الجهات التي يهمها أن تكيد لهذا الدين!
وهذه المسألة -مسألة إباحة تعدد الزوجات بذلك التحفظ الذي قرره الإسلام- يحسن أن تؤخذ بيسر ووضوح وحسم؛ وأن تعرف الملابسات الحقيقية والواقعية التي تحيط بها..
روى البخاري -بإسناده- أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم -وتحته عشر نسوة- فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"اختر منهن أربعا"..
وروى أبو داود -بإسناده- أن عميرة الأسدي قال: أسلمت وعندي ثماني نسوة، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "اختر منهن أربعا".
وقال الشافعي في مسنده: أخبرني من سمع ابن أبي الزياد يقول: أخبرني عبد المجيد عن ابن سهل بن عبد الرحمن، عن عوف بن الحارث، عن نوفل بن معاوية الديلمي، قال: أسلمت وعندي خمس نسوة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اختر أربعا أيتهن شئت وفارق الأخرى"..
فقد جاء الإسلام إذن، وتحت الرجال عشر نسوة أو أكثر أو أقل -بدون حد ولا قيد- فجاء ليقول للرجال: إن هناك حدا لا يتجاوزه المسلم -هو أربع- وإن هناك قيدا -هو إمكان العدل- وإلا فواحدة.. أو ما ملكت أيمانكم..
جاء الإسلام لا ليطلق، ولكن ليحدد. ولا ليترك الأمر لهوى الرجل، ولكن ليقيد التعدد بالعدل. وإلا امتنعت الرخصة المعطاة!
إن الإسلام نظام للإنسان. نظام واقعي إيجابي. يتوافق مع فطرة الإنسان وتكوينه، ويتوافق مع واقعه وضروراته، ويتوافق مع ملابسات حياته المتغيرة في شتى البقاع وشتى الأزمان، وشتى الأحوال.
إنه نظام واقعي إيجابي، يلتقط الإنسان من واقعه الذي هو فيه، ومن موقفه الذي هو عليه، ليرتفع به في المرتقى الصاعد، إلى القمة السامقة. في غير إنكار لفطرته أو تنكر؛ وفي غير إغفال لواقعه أو إهمال؛ وفي غير عنف في دفعه أو اعتساف!
إنه نظام لا يقوم على الحذلقة الجوفاء؛ ولا على التظرف المائع؛ ولا على "المثالية "الفارغة؛ ولا على الأمنيات الحالمة، التي تصطدم بفطرة الإنسان وواقعه وملابسات حياته، ثم تتبخر في الهواء!
وهو نظام يرعى خلق الإنسان، ونظافة المجتمع، فلا يسمح بإنشاء واقع مادي، من شأنه انحلال الخلق، وتلويث المجتمع، تحت مطارق الضرورة التي تصطدم بذلك الواقع. بل يتوخى دائما أن ينشىء واقعا يساعد على صيانة الخلق، ونظافة المجتمع، مع أيسر جهد يبذله الفرد ويبذله المجتمع.
فإذا استصحبنا معنا هذه الخصائص الأساسية في النظام الإسلامي، ونحن ننظر إلى مسألة تعدد الزوجات.. فماذا نرى؟
نرى.. أولا.. أن هناك حالات واقعية في مجتمعات كثيرة -تاريخية وحاضرة- تبدو فيها زيادة عدد النساء الصالحات للزواج، على عدد الرجال الصاحلين للزواج.. والحد الأعلى لهذا الاختلال الذي يعتري بعض المجتمعات لم يعرف تاريخيا أنه تجاوز نسبة أربع إلى واحد. وهو يدور دائما في حدودها.
فكيف نعالج هذا الواقع، الذي يقع ويتكرر وقوعه، بنسب مختلفة. هذا الواقع الذي لا يجدي فيه الإنكار؟
نعالجه بهز الكتفين؟ أو نتركه يعالج نفسه بنفسه؟ حسب الظروف والمصادفات؟!
إن هز الكتفين لا يحل مشكلة! كما أن ترك المجتمع يعالج هذا الواقع حسبما اتفق لا يقول به إنسان جاد، يحترم نفسه، ويحترم الجنس البشري!
ولا بد إذن من نظام، ولا بد إذن من إجراء..
وعندئذ نجد أنفسنا أمام احتمال من ثلاثة احتمالات:
- أن يتزوج كل رجل صالح للزواج امرأة من الصالحات للزواج.. ثم تبقى واحدة أو أكثر -حسب درجة الاختلال الواقعة- بدون زواج، تقضي حياتها -أو حياتهن- لا تعرف الرجال!
- أن يتزوج كل رجل صالح للزواج واحدة فقط زواجا شرعيا نظيفا. ثم يخادن أو يسافح واحدة أو أكثر، من هؤلاء اللواتي ليس لهن مقابل في المجتمع من الرجال. فيعرفن الرجل خدينا أو خليلا في الحرام والظلام!
- أن يتزوج الرجال الصالحون -كلهم أو بعضهم- أكثر من واحدة. وأن تعرف المرأة الأخرى الرجل، زوجة شريفة، في وضح النور لا خدينة وولا خليلة في الحرام والظلام!
الاحتمال الأول ضد الفطرة، وضد الطاقة، بالقياس إلى المرأة التي لا تعرف في حياتها الرجال. ولا يدفع هذه الحقيقة ما يتشدق به المتشدقون من استغناء المرأة عن الرجل بالعمل والكسب. فالمسألة أعمق بكثير مما يظنه هؤلاء السطحيون المتحذلقون المتظرفون الجهال عن فطرة الإنسان. وألف عمل، وألف كسب لا تغني المرأة عن حاجتها الفطرية إلى الحياة الطبيعية.. سواء في ذلك مطالب الجسد والغريزة، ومطالب الروح والعقل، من السكن والأنس بالعشير.. والرجل يجد العمل ويجد الكسب؛ ولكن هذا لا يكفيه فيروح يسعى للحصول على العشيرة، والمرأة كالرجل -في هذا- فهما من نفس واحدة!
والاحتمال الثاني ضد اتجاه الإسلام النظيف؛ وضد قاعدة المجتمع الإسلامي العفيف؛ وضد كرامة المرأة الإنسانية. والذين لا يحفلون أن تشيع الفاحشة في المجتمع، هم أنفسهم الذين يتعالمون على الله، ويتطاولون على شريعته. لأنهم لا يجدون من يردعهم عن هذا التطاول. بل يجدون من الكائدين لهذا الدين كل تشجيع وتقدير!
والاحتمال الثالث هو الذي يختاره الإسلام. يختاره رخصة مقيدة. لمواجهة الواقع الذي لا ينفع فيه هز الكتفين؛ ولا تنفع فيه الحذلقة والادعاء. يختاره متمشيا مع واقعيته الإيجابية، في مواجهة الإنسان كما هو -بفطرته وظروف حياته- ومع رعايته للخلق النظيف والمجتمع المتطهر، ومع منهجه في التقاط الإنسان من السفح، والرقي به في الدرج الصاعد إلى القمة السامقة. ولكن في يسر ولين وواقعية!
ثم نرى.. ثانيا.. في المجتمعات الإنسانية. قديما وحديثا. وبالأمس واليوم والغد. إلى آخر الزمان. واقعا في حياة الناس، لا سبيل إلى إنكاره كذلك أو تجاهله.
نرى أن فترة الإخصاب في الرجل تمتد إلى سن السبعين أو ما فوقها. بينما هي تقف في المرأة عند سن الخمسين أو حواليها. فهناك في المتوسط عشرون سنة من سني الإخصاب في حياة الرجل لا مقابل لها في حياة المرأة. وما من شك أن من أهداف اختلاف الجنسين ثم التقائهما، امتداد الحياة بالإخصاب والإنسال، وعمران الأرض بالتكاثر والانتشار. فليس مما يتفق مع هذه السنة الفطرية العامة أن نكف الحياة عن الانتفاع بفترة الإخصاب الزائدة في الرجال. ولكن مما يتفق مع هذا الواقع الفطري أن يسن التشريع -الموضوع لكافة البيئات في جميع الأزمان والأحوال- هذه الرخصة -لا على سبيل الإلزام الفردي، ولكن على سبيل إيجاد المجال العام الذي يلبي هذا الواقع الفطري، ويسمح للحياة أن تنتفع به عند الاقتضاء.. وهو توافق بين واقع الفطرة وبين اتجاه التشريع ملحوظ دائما في التشريع الإلهي. لا يتوافر عادة في التشريعات البشرية، لأن الملاحظة البشرية القاصرة لا تنتبه له، ولا تدرك جميع الملابسات القريبة والبعيدة، ولا تنظر من جميع الزوايا، ولا تراعي جميع الاحتمالات.
ومن الحالات الواقعية- المرتبطة بالحقيقة السالفة -ما نراه أحيانا من رغبة الزوج في أداء الوظيفة الفطرية، مع رغبة الزوجة عنها- لعائق من السن أو من المرض -مع رغبة الزوجين كليهما في استدامة العشرة الزوجية وكراهية الانفصال- فكيف نواجه مثل هذه الحالات؟
نواجهها بهز الكتفين؛ وترك كل من الزوجين يخبط رأسه في الجدار؟! أو نواجهها بالحذلقة الفارغة والتظرف السخيف؟
إن هز الكتفين -كما قلنا- لا يحل مشكلة. والحذلقة والتظرف لا يتفقان مع جدية الحياة الإنسانية، ومشكلاتها الحقيقية..
وعندئذ نجد أنفسنا -مرة أخرى- أمام احتمال من ثلاثة احتمالات:
- أن نكبت الرجل ونصده عن مزاولة نشاطه الفطري بقوة التشريع وقوة السلطان! ونقول له: عيب يا رجل! إن هذا لا يليق، ولا يتفق مع حق المرأة التي عندك ولا مع كرامتها!
- أن نطلق هذا الرجل يخادن ويسافح من يشاء من النساء!
- أن نبيح لهذا الرجل التعدد -وفق ضرورات الحال- ونتوقى طلاق الزوجة الأولى..
الاحتمال الأول ضد الفطرة، وفوق الطاقة، وضد احتمال الرجل العصبي والنفسي. وثمرته القريبة -إذا نحن أكرهناه بحكم التشريع وقوة السلطان- هي كراهية الحياة الزوجية التي تكلفه هذا العنت، ومعاناة جحيم هذه الحياة.. وهذه ما يكرهه الإسلام، الذي يجعل من البيت سكنا، ومن الزوجة أنسا ولباسا.
والاحتمال الثاني ضد اتجاه الإسلام الخلقي، وضد منهجه في ترقية الحياة البشرية، ورفعها وتطهيرها وتزكيتها، كي تصبح لائقة بالإنسان الذي كرمه الله على الحيوان!
والاحتمال الثالث هو وحده الذي يلبي ضرورات الفطرة الواقعية، ويلبي منهج الإسلام الخلقي، ويحتفظ للزوجة الأولى برعاية الزوجية، ويحقق رغبة الزوجين في الإبقاء على عشرتهما وعلى ذكرياتهما، وييسر على الإنسان الخطو الصاعد في رفق ويسر وواقعية.
وشيء كهذا يقع في حالة عقم الزوجة، مع رغبة الزوج الفطرية في النسل. حيث يكون أمامه طريقان لا ثالث لهما:
- أن يطلقها ليستبدل بها زوجة أخرى تلبي رغبة الإنسان الفطرية في النسل.
- أو أن يتزوج بأخرى، ويبقي على عشرته مع الزوجة الأولى.
وقد يهذر قوم من المتحذلقين -ومن المتحذلقات- بإيثار الطريق الأول. ولكن تسعا وتسعين زوجة -على الأقل- من كل مائة سيتوجهن باللعنة إلى من يشير على الزوج بهذا الطريق! الطريق الذي يحطم عليهن بيوتهن بلا عوض منظور -فقلما تجد العقيم وقد تبين عقمها راغبا في الزواج- وكثيرا ما تجد الزوجة العاقر أنسا واسترواحا في الأطفال الصغار، تجيء بهم الزوجة الأخرى من زوجها، فيملأون عليهم الدار حركة وبهجة أيا كان ابتئاسها لحرمانها الخاص.
وهكذا حيثما ذهبنا نتأمل الحياة الواقعية بملابساتها العملية، التي لا تصغي للحذلقة، ولا تستجيب للهذر، ولا تستروح للهزل السخيف والتميع المنحل في مواضع الجد الصارم.. وجدنا مظاهر الحكمة العلوية، في سن هذه الرخصة، مقيدة بذلك القيد: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء -مثنى وثلاث ورباع- فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) فالرخصة تلبي واقع الفطرة، وواقع الحياة؛ وتحمي المجتمع من الجنوح -تحت ضغط الضرورات الفطرية والواقعية المتنوعة- إلى الانحلال أو الملال.. والقيد يحمي الحياة الزوجية من الفوضى والاختلال، ويحمي الزوجة من الجور والظلم؛ ويحمي كرامة المرأة أن تتعرض للمهانة بدون ضرورة ملجئة واحتياط كامل. ويضمن العدل الذي تحتمل معه الضرورة ومقتضياتها المريرة.
إن أحدا يدرك روح الإسلام واتجاهه، لا يقول: إن التعدد مطلوب لذاته، مستحب بلا مبرر من ضرورة فطرية أو اجتماعية؛ وبلا دافع إلا التلذذ الحيواني، وإلا التنقل بين الزوجات، كما يتنقل الخليل بين الخليلات. إنما هو ضرورة تواجه ضرورة، وحل يواجه مشكلة. وهو ليس متروكا للهوى، بلا قيد ولا حد في النظام الإسلامي، الذي يواجه كل واقعيات الحياة.
فإذا انحرف جيل من الأجيال في استخدام هذه الرخصة. إذا راح رجال يتخذون من هذه الرخصة فرصة لإحالة الحياة الزوجية مسرحا للذة الحيوانية. إذا أمسوا يتنقلون بين الزوجات كما يتنقل الخليل بين الخليلات. إذا أنشأوا "الحريم" في هذه الصورة المريبة.. فليس ذلك شأن الإسلام؛ وليس هؤلاء هم الذين يمثلون الإسلام.. إن هؤلاء إنما انحدروا إلى هذا الدرك لأنهم بعدوا عن الإسلام، ولم يدركوا روحه النظيف الكريم. والسبب أنهم يعيشون في مجتمع لا يحكمه الإسلام، ولا تسيطر فيه شريعته. مجتمع لا تقوم عليه سلطة مسلمة، تدين للإسلام وشريعته؛ وتأخذ الناس بتوجيهات الإسلام وقوانينه، وآدابه وتقاليده.
إن المجتمع المعادي للإسلام المتفلت من شريعته وقانونه، هو المسؤول الأول عن هذه الفوضى. هو المسؤول الأول عن "الحريم" في صورته الهابطة المريبة. هو المسؤول الأول عن اتخاذ الحياة الزوجية مسرح لذة بهيمية. فمن شاء أن يصلح هذه الحال فليرد الناس إلى الإسلام، وشريعة الإسلام، ومنهج الإسلام؛ فيردهم إلى النظافة والطهارة والاستقامة والاعتدال.. من شاء الاصلاح فليرد الناس إلى الإسلام لا في هذه الجزئية ولكن في منهج الحياة كلها. فالإسلام نظام متكامل لا يعمل إلا وهو كامل شامل..
والعدل الم؟؟لوب هو العدل في المعاملة والنفقة والمعاشرة والمباشرة. أما العدل في مشاعر القلوب وأحاسيس النفوس، فلا يطالب به أحد من بني الإنسان، لأنه خارج عن إرادة الإنسان.. وهو العدل الذي قال الله عنه في الآية الأخرى في هذه السورة: ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء -ولو حرصتم- فلا تميلوا كل الميل، فتذروها كالمعلقة.. هذه الآية التي يحاول بعض الناس أن يتخذوا منها دليلا على تحريم التعدد. والأمر ليس كذلك. وشريعة الله ليست هازلة، حتى تشرع الأمر في آية، وتحرمه في آية، بهذه الصورة التي تعطي باليمين وتسلب بالشمال! فالعدل المطلوب في الآية الأولى؛ والذي يتعين عدم التعدد إذا خيف ألا يتحقق؛ هو العدل في المعاملة والنفقة والمعاشرة والمباشرة، وسائر الأوضاع الظاهرة، بحيث لا ينقص إحدى الزوجات شيء منها؛ وبحيث لا تؤثر واحدة دون الأخرى بشيء منها.. على نحو ما كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو أرفع إنسان عرفته البشرية، يقوم به. في الوقت الذي لم يكن أحد يجهل من حوله ولا من نسائه، أنه يحب عائشة -رضي الله عنها- ويؤثرها بعاطفة قلبية خاصة، لا تشاركها فيها غيرها.. فالقلوب ليست ملكا لأصحابها. إنما هي بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.. وقد كان صلى الله عليه وسلم يعرف دينه ويعرف قلبه. فكان يقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك"..
ونعود فنكرر قبل أن نتجاوز هذه النقطة، أن الإسلام لم ينشئ التعدد إنما حدده. ولم يأمر بالتعدد إنما رخص فيه وقيده. وأنه رخص فيه لمواجهة واقعيات الحياة البشرية، وضرورات الفطرة الإنسانية. هذه الضرورات وتلك الواقعيات التي ذكرنا بعض ما تكشف لنا حتى الآن منها. وقد يكون وراءها غيرها تظهره أطوار الحياة في أجيال أخرى، وفي ظروف أخرى كذلك. كما يقع في كل تشريع أو توجيه جاء به هذا المنهج الرباني، وقصر البشر في فترة من فترات التاريخ، عن استيعاب كل ما وراءه من حكمة ومصلحة. فالحكمة والمصلحة مفترضتان وواقعتان في كل تشريع إلهي، سواء أدركهما البشر أم لم يدركوهما، في فترة من فترات التاريخ الإنساني القصير، عن طريق الإدراك البشري المحدود!
ثم ننتقل إلى الإجراء الثاني الذي تنص عليه الآية عند الخوف من عدم تحقق العدل:
(فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة، أو ما ملكت أيمانكم)..
أي إنه إن خيف عدم العدل في التزوج بأكثر من واحدة تعين الاقتصار على واحدة! ولم يجز تجاوزها أو (ما ملكت أيمانكم) من الإماء زواجا أو تسريا، فالنص لم يحدد.
ولقد سبق أن وقفنا في الجزء الثاني من هذه الظلال وقفة قصيرة أمام مسألة الرق إجمالا. فلعله يحسن هنا أن نلم بمسألة الاستمتاع بالإماء خاصة.
إن الزواج من مملوكة فيه رد لاعتبارها وكرامتها الإنسانية. فهو مؤهل من مؤهلات التحرير لها ولنسلها من سيدها -حتى ولو لم يعتقها لحظة الزواج- فهي منذ اليوم الذي تلد فيه تسمى" أم ولد "ويمتنع على سيدها بيعها؛ وتصبح حرة بعد وفاته. أما ولدها فهو حر منذ مولده.
وكذلك عند التسري بها. فإنها إذا ولدت أصبحت" أم ولد "وامتنع بيعها، وصارت حرة بعد وفاة سيدها. وصار ولدها منه كذلك حرا إذا اعترف بنسبه، وهذا ما كان يحدث عادة.
فالزواج والتسري كلاهما طريق من طرق التحرير التي شرعها الإسلام وهي كثيرة.. على أنه قد يحيك في النفس شيء من مسألة التسري هذه. فيحسن أن نتذكر أن قضية الرق كلها قضية ضرورة -كما بينا هناك- وأن الضرورة التي اقتضت إباحة الاسترقاق في الحرب الشرعية التي يعلنها الإمام المسلم المنفذ لشريعة الله، هي ذاتها التي اقتضت إباحة التسري بالإماء؛ لأن مصير المسلمات الحرائر العفيفات حين يؤسرن كان شرا من هذا المصير!
على أنه يحسن ألا ننسى أن هؤلاء الأسيرات المسترقات، لهن مطالب فطرية لا بد أن يحسب حسابها في حياتهن، ولا يمكن إغفالها في نظام واقعي يراعي فطرة الإنسان وواقعه.. فإما أن تتم تلبية هذه المطالب عن طريق الزواج، وإما أن تتم عن طريق تسري السيد، ما دام نظام الاسترقاق قائما، كي لا ينشرن في المجتمع حالة من الانحلال الخلقي، والفوضى الجنسية، لا ضابط لها، حين يلبين حاجتهن الفطرية عن طريق البغاء أو المخادنة، كما كانت الحال في الجاهلية.
أما ما وقع في بعض العصور من الاستكثار من الإماء -عن طريق الشراء والخطف والنخاسة وتجميعهن في القصور، واتخاذهن وسيلة للالتذاذ الجنسي البهيمي، وتمضية الليالي الحمراء بين قطعان الإماء، وعربدة السكر والرقص والغناء.. إلى آخر ما نقلته الينا الأخبار الصادقة والمبالغ فيها على السواء.. أما هذا كله فليس هو الإسلام. وليس من فعل الإسلام، ولا إيحاء الإسلام. ولا يجوز أن يحسب على النظام الإسلامي، ولا أن يضاف إلى واقعه التاريخي..
إن الواقع التاريخي" الإسلامي "هو الذي ينشأ وفق أصول الإسلام وتصوراته وشرعته وموازينه. هذا وحده هو الواقع التاريخي" الإسلامي".. أما ما يقع في المجتمع الذي ينتسب إلى الإسلام، خارجا على أصوله وموازينه، فلا يجوز أن يحسب منه، لأنه انحراف عنه.
إن للإسلام وجوده المستقل خارج واقع المسلمين في أي جيل. فالمسلمون لم ينشئوا الإسلام، إنما الإسلام هو الذي أنشأ المسلمين. الإسلام هو الأصل، والمسلمون فرع عنه، ونتاج من نتاجه. ومن ثم فإن ما يصنعه الناس أو ما يفهمونه ليس هو الذي يحدد أصل النظام الإسلامي أو مفهوم الإسلام الأساسي. إلا أن يكون مطابقا للأصل الإسلامي الثابت المستقل عن واقع الناس ومفهومهم، والذي يقاس إليه واقع الناس في كل جيل ومفهومهم، ليعلم كم هو مطابق أو منحرف عن الإسلام.
إن الأمر ليس كذلك في النظم الأرضية التي تنشأ ابتداء من تصورات البشر، ومن المذاهب التي يضعونها لأنفسهم- وذلك حين يرتدون إلى الجاهلية ويكفرون بالله مهما ادعوا أنهم يؤمنون به، فمظهر الإيمان الأول بالله هو استمداد الأنظمة من منهجه وشريعته، ولا إيمان بغير هذه القاعدة الكبيرة -ذلك أن المفهومات المتغيرة للناس حينئذ، والأوضاع المتطورة في أنظمتهم، هي التي تحدد مفهوم المذاهب التي وضعوها لأنفسهم، وطبقوها على أنفسهم.
فأما في النظام الإسلامي الذي لم يصنعه الناس لأنفسهم، إنما صنعه للناس رب الناس وخالقهم ورازقهم ومالكهم.. فأما في هذا النظام فالناس إما أن يتبعوه ويقيموا أوضاعهم وفقه؛ فواقعهم إذن هو الواقع التاريخي "الإسلامي" وإما أن ينحرفوا عنه أو يجانبوه كلية، فليس هذا واقعا تاريخيا للإسلام. إنما هو انحراف عن الإسلام!
ولا بد من الانتباه إلى هذا الاعتبار عند النظر في التاريخ الإسلامي. فعلى هذا الاعتبار تقوم النظرية التاريخية الإسلامية، وهي تختلف تماما مع سائر النظريات التاريخية الأخرى، التي تعتبر واقع الجماعة الفعلي، هو التفسير العملي للنظرية أو المذهب، وتبحث عن "تطور" النظرية أو المذهب في هذا الواقع الفعلي للجماعة التي تعتنقه، وفي المفهومات المتغيرة لهذه النظرية في فكر الجماعة! وتطبيق هذه النظرة على الإسلام ينافي طبيعته المتفردة، ويؤدي إلى أخطار كثيرة، في تحديد المفهوم الإسلامي الحقيقي.
وأخيرا تفصح الآية عن حكمة هذه الإجراءات كلها.. إنها اتقاء الجور وتحقيق العدل:
ذلك.. البعد عن نكاح اليتيمات- إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى -ونكاح غيرهن من النساء- مثنى وثلاث ورباع -ونكاح الواحدة فقط- إن خفتم ألا تعدلوا -أو ما ملكت أيمانكم.. (ذلك أدنى ألا تعولوا).. أي ذلك أقرب ألا تظلموا وألا تجوروا.
وهكذا يتبين أن البحث عن العدل والقسط، هو رائد هذا المنهج، وهدف كل جزئية من جزئياته.. والعدل أجدر أن يراعي في المحضن الذي يضم الأسرة. وهي اللبنة الأولى للبناء الاجتماعي كله، ونقطة الانطلاق إلى الحياة الاجتماعية العامة، وفيه تدرج الأجيال وهي لدنة رخصة قابلة للتكيف، فإن لم يقم على العدل والود والسلام، فلا عدل ولا ود في المجتمع كله ولا سلام.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
اشتمال هذه الآية على كلمة {اليتامى} يؤذن بمناسبتها للآية السابقة، بيد أنّ الأمر بنكاح النساء وعددهنّ في جواب شرط الخوف من عدم العدل في اليتامى ممّا خفي وجهُه على كثير من علماء سلف الأمة، إذ لا تظهر مناسبة أي ملازمة بين الشرط وجوابه. واعلم أنّ في الآية إيجازاً بديعاً إذ أطلق فيها لفظ اليتامى في الشرط وقوبل بلفظ النساء في الجزاء فعلم السامع أنّ اليتامى هنا جمع يتيمة وهي صنف من اليتامى في قوله السابق: {وآتوا اليتامى أموالهم} [النساء: 2]. وعلم أنّ بين عدم القسط في يتامى النساء، وبين الأمر بنكاح النساء، ارتباطاً لا محالة وإلاّ لكان الشرط عبثاً. وبيانه ما في « صحيح البخاري»: أنّ عروة بن الزبير سأل عائشة عن هذه الآية فقالت: « يا ابنَ أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليّها تشرَكه في ماله ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليّها أن يتزوجها بغير أن يُقسط في صداقها فلا يعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنُهوا أن ينكحوهنّ إلاّ أن يقسطوا لهنّ ويبلغوا بهنّ أعلى سنتهنّ في الصداق فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء غيرهنّ. ثم إنّ الناس استفتوا رسول الله بعد هذه الآية فأنزل الله: {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء التي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن} [النساء: 127]. فقول الله تعالى: {وترغبون أن تنكحوهن} [النساء: 127] رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا عن أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلاّ بالقسط من أجل رغبتهم عنهنّ إذا كنّ قليلات المال والجمال». وعائشة لم تسند هذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن سياق كلامها يؤذن بأنّه عن توقيف، ولذلك أخرجه البخاري في باب تفسير سورة النساء بسياق الأحاديث المرفوعة اعتداداً بأنها ما قالت ذلك إلاّ عن معاينة حال النزول، وأَفهام المسلمين التي أقرّها الرسول عليه السلام، لا سيما وقد قالت: ثمّ إنّ الناس استفتوا رسول الله، وعليه فيكون إيجاز لفظ الآية اعتداداً بما فهمه الناس ممّا يعلمون من أحوالهم، وتكون قد جمعت إلى حكم حفظ حقوق اليتامى في أموالهم الموروثة حفظ حقوقهم في الأموال التي يستحقّها البنات اليتامى من مهور أمثالهنّ، وموعظة الرجال بأنّهم لمّا لم يجعلوا أواصر القرابة شافعة النساء اللاتي لا مرغِّب فيهنّ لهم فيرغبون عن نكاحهنّ، فكذلك لا يجعلون القرابة سبباً للإجحاف بهنّ في مهورهنّ. وقولها: ثمّ إنّ الناس استفتوا رسول الله، معناه استفتوه طلباً لإيضاح هذه الآية. أو استفتوه في حكم نكاح اليتامى، وله يهتدوا إلى أخذه من هذه الآية، فنزل قوله: {ويستفتونك في النساء} الآية، وأنّ الإشارة بقوله: {وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء} أي ما يتلى من هذه الآية الأولى، أي كان هذا الاستفتاء في زمن نزول هذه السورة.
وكلامها هذا أحسن تفسير لهذه الآية. وقال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والسدّي، وقتادة: كانت العرب تتحرّج في أموال اليتامى ولا تتحّرج في العدل بين النساء، فكانوا يتزوّجون العشر فأكثر فنزلت هذه الآية في ذلك، وعلى هذا القول فمحلّ الملازمة بين الشرط والجزاء إنّما هو فيما تفرّع عن الجزاء من قوله: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة}، فيكون نسج الآية قد حيك على هذا الأسلوب ليدمج في خلاله تحديد النهاية إلى الأربع. وقال عكرمة: نزلت في قريش، كان الرجل يتزوّج العشر فأكثر فإذا ضاق ماله عن إنفاقهنّ أخذ مال يتيمه فتزوّج منه، وعلى هذا الوجه فالملازمة ظاهرة، لأنّ تزوّج ما لا يستطاع القيام به صار ذريعة إلى أكل أموال اليتامى، فتكون الآية دليلاً على مشروعية سدّ الذرائع إذا غلبت. وقال مجاهد: الآية تحذير من الزنا، وذلك أنّهم كانوا يتحرّجون من أكل أموال اليتامى ولا يتحرّجون من الزنا، فقيل لهم: إن كنتم تخافون من أموال اليتامى فخافوا الزنا، لأنّ شأن المتنسّك أن يهجر جميع المآثم لا سيما ما كانت مفسدته أشدّ. وعلى هذا الوجه تضعف الملازمة بين الشرط وجوابه ويكون فعل الشرط ماضياً لفظاً ومعنى. وقيل في هذا وجوه أخر هي أضعف ممّا ذكرنا.
ومعنى {ما طاب} ما حسن بدليل قوله: {لكم} ويفهم منه أنّه ممّا حلّ لكم لأن الكلام في سياق التشريع.
وما صَدْقُ {ما طاب} النساء فكان الشأن أن يؤتى ب (مَن) الموصولة لكن جيء ب (ما) الغالبة في غير العقلاء، لأنّها نُحِي بها مَنْحى الصفة وهو الطيّب بِلا تعيين ذات، ولو قال (مَنْ) لتبادر إلى إرادة نسوة طيّبات معروفات بينهم، وكذلك حال (ما) في الاستفهام، كما قال صاحب « الكشاف» وصاحب « المفتاح». فإذا قلت: ما تزوجت؟ فأنت تريد ما صفتها أبكرا أم ثيّباً مثلاً، وإذا قلت: مَن تزوجت؟ فأنت تريد تعيين اسمها ونسبها.
والآية ليست هي المثبتة لمشروعية النكاح، لأنّ الأمر فيها معلّق على حالة الخوف من الجور في اليتامى، فالظاهر أنّ الأمر فيها للإرشاد، وأنّ النكاح شرع بالتقرير للإباحة الأصلية لما عليه الناس قبل الإسلام مع إبطال ما لا يرضاه الدين كالزيادة على الأربع، وكنكاح المقت، والمحرّمات من الرضاعة، والأمر بأن لا يُخْلوه عن الصداق، ونحو ذلك.
وقوله: {مثنى وثلاث ورباع} أحوال من {طاب} ولا يجوز كونها أحوالاً من النساء لأنّ النساء أريد به الجنس كلّه لأن (مِنْ) إمَّا تبعيضية أو بيانية وكلاهما تقتضي بقاء البيان على عمومه، ليصلح للتبعيض وشبهه، والمعنى: أنّ الله وسّع عليكم فلكم في نكاح غير أولئك اليتامى مندوحة عن نكاحهنّ مع الإضرار بهنّ في الصداق، وفي هذا إدماج لحكم شرعي آخر في خلال حكم القسط لليتامى إلى قوله: {ذلك أدنى ألا تعولوا}.
...تدُلّ كلّها على معنى تكرير اسم العدد لقصد التوزيع كقوله تعالى: {أولي أجنحة مَثْنَى وثُلاث ورُباع} [فاطر: 1] أي لطائفة جناحان، ولطائفة ثلاثة، ولطائفة أربعة. والتوزيع هنا باعتبار اختلاف المخاطبين في السعة والطَّول، فمنهم فريق يستطيع أن يتزوّجوا اثنتين، فهؤلاء تكون أزواجهم اثنتين اثنتين، وهلمّ جرّا، كقولك لجماعة: اقتسِموا هذا المال درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، على حسب أكبركم سنّاً. وقد دل على ذلك قوله بعد: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة}. والظاهر أنّ تحريم الزيادة على الأربع مستفاد من غير هذه الآية لأنّ مجرّد الاقتصار غير كاف في الاستدلال ولكنّه يُستأنس به، وأنّ هذه الآية قرّرت ما ثبت من الاقتصار، على أربع زوجات كما دلّ على ذلك الحديث الصحيح: إنّ غيلان بن سلمة أسلم على عشر نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"أمسك أربعاً وفارق سائرهنّ". ولعلّ الآية صدرت بذكر العدد المقرّر من قبل نزولها، تمهيداً لشرع العدل بين النساء، فإنّ قوله: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة} صريح في اعتبار العدل في التنازل في مراتب العدد ينزل بالمكلّف إلى الواحدة. فلا جرم أن يكون خوفه في كلّ مرتبة من مراتب العدد ينزل به إلى التي دونها. ومن العجيب ما حكاه ابن العربي في الأحكام عن قوم من الجهّال لم يعيّنهم أنّهم توهّموا أنّ هذه الآية تبيح للرجال تزوّج تسع نساء توهّما بأنّ مثنَى وثُلاث ورُباع مرادفة لاثنين وثلاثاً وأربعاً، وأنّ الواو للجمع، فحصلت تسعة وهي العدد الذي جمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين نسائه، وهذا جهل شنيع في معرفة الكلام العربي. وفي « تفسير القرطبي» نسبة هذا القول إلى الرافضة، وإلى بعض أهل الظاهر، ولم يعيّنه. وليس ذلك قولاً لداوود الظاهري ولا لأصحابه، ونسبه ابن الفرس في أحكام القرآن إلى قوم لا يعبأ بخلافهم، وقال الفخر: هم قوم سُدى، ولم يذكر الجصّاص مخالفاً أصلاً. ونسب ابن الفرس إلى قوم القول بأنّه لا حصر في عدد الزوجات وجعلوا الاقتصار في الآية بمعنى: إلى ما كان من العدد، وتمسّك هذان الفريقان بأنّ النبي صلى الله عليه وسلم مات عن تسع نسوة، وهو تمسّك واه، فإنّ تلك خصوصية له، كما دلّ على ذلك الإجماع، وتطلُّب الأدلّة القواطع في انتزاع الأحكام من القرآن تطلّب لما يقف بالمجتهدين في استنباطهم موقف الحيرة، فإنّ مبنى كلام العرب على أساس الفطنة. ومسلكه هو مسلك اللمحة الدالّة.
وظاهر الخطاب للناس يعم الحرّ والعبد، فللعبد أن يتزوّج أربع نسوة على الصحيح، وهو قول مالك، ويعزى إلى أبي الدرداء، والقاسم بن محمد، وسالم، وربيعة بن أبي عبد الرحمان، ومجاهد، وذهب إليه داوود الظاهري. وقيل: لا يتزوّج العبد أكثر من اثنتين، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وينسب إلى عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، وابن سيرين، والحسن. وليس هذا من مناسب التنصيف للعبيد، لأنّ هذا من مقتضى الطبع الذي لا يختلف في الأحرار والعبيد. ومن ادّعى إجماع الصحابة على أنّه لا يتزوّج أكثر من اثنتين فقد جازف القول.
وقوله: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة}، أي فواحدة لكلّ من يخاف عدم العدل. وإنّما لم يقل فأُحاد أو فمَوْحَد لأنّ وزن مَفعل وفُعال في العدد لا يأتي إلاّ بعد جمع ولم يجر جمع هنا. وقرأ الجمهور: فواحدة بالنصب، وانتصب واحدة على أنّه مفعول لمحذوف أي فانكحوا واحدة. وقرأه أبو جعفر بالرفع على أنه مبتدأ وخبره محذوف أي كفاية.
وخوف عدم العدل معناه عدم العدل بين الزوجات، أي عدم التسوية، وذلك في النفقة والكسوة والبشاشة والمعاشرة وترك الضرّ في كلّ ما يدخل تحت قدرة المكلّف وطوقه دون ميل القلب.
وقد شرع الله تعدّد النساء للقادر العادل لِمصالح جمّة: منها أنّ في ذلك وسيلة إلى تكثير عدد الأمة بازدياد المواليد فيها، ومنها أنّ ذلك يعين على كفالة النساء اللائي هنّ أكثر من الرجال في كلّ أمّة لأنّ الأنوثة في المواليد أكثر من الذكورة، ولأنّ الرجال يعرض لهم من أسباب الهلاك في الحروب والشدائد ما لا يعرض للنساء، ولأنّ النساء أطول أعماراً من الرجال غالباً، بما فطرهنّ الله عليه، ومنها أنّ الشريعة قد حرّمت الزنا وضيّقت في تحريمه لمّا يجرّ إليه من الفساد في الأخلاق والأنساب ونظام العائلات، فناسب أن توسّع على الناس في تعدّد النساء لمن كان من الرجال ميّالاً للتعدّد مجبولاً عليه، ومنها قصد الابتعاد عن الطلاق إلاّ لضرورة.
ولم يكن في الشرائع السالفة ولا في الجاهلية حدّ للزوجات، ولم يثبت أن جاء عيسى عليه السلام بتحديد للتزوّج، وإن كان ذلك توهّمه بعض علمائنا مثل القرافي، ولا أحسبه صحيحاً، والإسلام هو الذي جاء بالتحديد، فأمّا أصل التحديد فحكمته ظاهرة: من حيث إنّ العدل لا يستطيعه كلّ أحد، وإذا لم يقم تعدّدُ الزوجات على قاعدة العدل بينهنّ اختلّ نظام العائلة، وحدثت الفتن فيها، ونشأ عقوق الزوجات أزواجهنّ، وعقوق الأبناء آباءهم بأذاهم في زوجاتهم وفي أبنائهم، فلا جرم أن كان الأذى في التعدّد لمصلحة يجب أن تكون مضبوطة غير عائدة على الأصل بالإبطال.
وأمّا الانتهاء في التعدّد إلى الأربع فقد حاول كثير من العلماء توجيهه فلم يبلغوا إلى غاية مرضية، وأحسب أنّ حكمته ناظرة إلى نسبة عدد النساء من الرجال في غالب الأحوال، وباعتبار المعدّل في التعدّد فليس كلّ رجل يتزوّج أربعاً، فلنفرض المعدّل يكشف عن امرأتين لكلّ رجل، يدلّنا ذلك على أنّ النساء ضعف الرجال. وقد أشار إلى هذا ما جاء في « الصحيح»: أنه يكثر النساء في آخر الزمان حتّى يكون لخمسين امرأةً القيِّم الواحد.
وقوله: {أو ما ملكت أيمانكم} إن عطف على قوله: {فواحدة}، فقد خيّر بينه وبين الواحدة باعتبار التعدّد، أي فواحدة من الأزواج أو عدد ممّا ملكت أيمانكم، وذلك أنّ المملوكات لا يشترط فيهنّ من العدل ما يشترط في الأزواج، ولكن يشترط حسن المعاملة وترك الضرّ، وإن عطفتَه على قوله: {فانكحوا ما طاب} كان تخييراً بين التزوّج والتسرّي بحسب أحوال الناس، وكان العدل في الإماء المتّخذات للتسرّي مشروطاً قياساً على الزوجات، وكذلك العدد بحسب المقدرة غير أنّه لا يمتنع في التسرّي الزيادة على الأربع لأنّ القيود المذكورة بين الجمل ترجع إلى ما تقدّم منها. وقد منع الإجماع من قياس الإماء على الحراير في نهاية العدد، وهذا الوجه أدخل في حكمة التشريع وأنظم في معنى قوله: {ذلك أدنى ألا تعولوا} والإشارة بقوله {ذلك أدنى ألا تعولوا} إلى الحكم المتقدّم، وهو قوله: {فانكحوا ما طاب لكم} إلى قوله: {أو ما ملكت أيمانكم} باعتبار ما اشتمل عليه من التوزيع على حسب العدل. وإفراد اسم الإشارة باعتبار المذكور كقوله تعالى: {ومن يفعل ذلك يلق أثاماً}.
و (أدنى) بمعنى أقرب، وهو قرب مجازي أي أحقّ وأعون على أن لا تعُولوا، و« تعولوا» مضارع عال عَوْلاً، وهو فعل واوي العين، بمعنى جار ومال، وهو مشهور في كلام العرب، وبه فسّر ابن عباس وجمهور السلف، يقال: عَال الميزان عَولاً إذا مال، وعال فلان في حكمه أي جار، وظاهر أنّ نزول المكلّف إلى العدد الذي لا يخاف معه عدم العدل أقرب إلى عدم الجور، فيكون قوله: {أدنى ألا تعولوا} في معنى قوله: {فإن خفتم ألا تعدلوا} فيفيد زيادة تأكيد كراهية الجور.
ويجوز أن تكون الإشارة إلى الحكم المتضمّن له قوله: {فواحدة أو ما ملكت أيمانكم} أي ذلك أسلم من الجور، لأنّ التعدّد يعرّض المكلّف إلى الجور وإن بذل جهده في العدل، إذ للنفس رغبات وغفلات، وعلى هذا الوجه لا يكون قوله: {أدنى ألا تعولوا} تأكيداً لمضمون {فإن خفتم ألا تعدلوا} ويكون ترغيباً في الاقتصار على المرأة الواحدة أو التعدّد بملك اليمين، إذ هو سدّ ذريعة الجور، وعلى هذا الوجه لا يكون العدل شرطاً في ملك اليمين، وهو الذي نحاه جمهور فقهاء الأمصار في ملك اليمين.
وقيل: « معنى ألا تعولوا» أن لا تكثر عيالكم، مأخوذ من قولهم عال الرجل أهله يعولهم بمعنى مالهم، يعني فاستعمل نفي كثرة العيال على طريق الكناية لأنّ العول يستلزم وجود العيال، والإخبار عن الرجل بأنّه يعول يستلزم كثرة العيال، لأنّه إخبار بشيء لا يخلو عنه أحد فما يخبر المخبر به إلاّ إذا رآه تجاوز الحدّ المتعارف. كما تقول فلان يأكل، وفلان ينام، أي يأكل كثيراً وينام كثيراً، ولا يصحّ أن يراد كونه معنى لعال صريحاً، لأنّه لا يقال عال بمعنى كثرت عياله، وإنّما يقال أعال. وهذا التفسير مأثور عن زيد بن أسلم، وقاله الشافعي، وقال به ابن الأعرابي من علماء اللغة وهو تفسير بعيد، وكناية خفيّة، لا يلائم إلاّ أن تكون الإشارة بقوله: {ذلك} إلى ما تضمنّه قوله: {فواحدة أو ما ملكت أيمانكم} ويكون في الآية ترغيب في الاقتصار على الواحدة لخصوص الذي لا يستطيع السعة في الإنفاق، لأنّ الاقتصار على الواحدة يقلل النفقة ويقلّل النسل فيُبقي عليه مالَه، ويدفع عنه الحاجة، إلاّ أنّ هذا الوجه لا يلائم قوله: {أو ما ملكت أيمانكم} لأنّ تعدّد الإماء يفضي إلى كثرة العيال في النفقة عليهنّ وعلى ما يتناسل منهنّ، ولذلك ردّ جماعة على الشافعي هذا الوجه بين مُفرط ومقتصد.
وقد أغلظ في الردّ أبو بكر الجصّاص في أحكامه حتّى زعم أنّ هذا غلط في اللغة، اشتبه به عال يَعيل بعال يَعُول. واقتصد ابن العربي في ردّ هذا القول في كتاب الأحكام. وانتصر صاحب « الكشاف» للشافعي، وأُورد عليهم أنّ ذلك لا يلاقي قوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانكم} فإن تعدّد الجواري مثل تَعدّد الحرائر فلا مفرّ من الإعالة على هذا التفسير. وأجيب عنه بجواب فيه تكلّف.
وحكم هذه الآية ممّا أشار إليه قوله: {وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء} [النساء: 1].