فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{وَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تُقۡسِطُواْ فِي ٱلۡيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُواْ} (3)

{ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع }

في صحيح البخاري عن عائشة أن رجلا كانت له يتيمة فنكحها وكان لها عذق( {[1306]} ) ، وكان يمسكها عليه ، ولم يكن لها من نفسه شيء فنزلت فيه { وإن خفتم ألا تقسطوا } ، أحسبه قال : كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله ؛ وفيه عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى : { وإن خفتم ألا تقسطوا } قالت : يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها ، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره ، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا إليهن ، ويبلغوا بهم أعلى سنتهن في الصداق ، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن ؛ قال عروة : قالت عائشة : وإن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فأنزل الله : { ويستفتونك في النساء } ( {[1307]} ) ، قالت عائشة : وقول الله في الآية الأخرى : ( وترغبون أن تنكحوهن ) رغبة أحدهم عن يتيمته إذا كانت قليلة المال والجمال ، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال ؛ والإقساط : العدل ، والله تعالى يقول : ( . . وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ) ( {[1308]} ) ، بخلاف قسط ، فإنها تعني : جار وظلم ، جاء في الكتاب العزيز : ( وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ) ( {[1309]} ) ؛ { فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع } إن غلب على ظنكم أن تجوروا وتظلموا اليتيمة التي تتولون أمرها إذا تزوجتموها فتزوجوا من يحل لكم من النساء غيرها ، وتطيب به نفوسكم وتستحسنوه ، إن شاء أحدكم اثنتين ، وإن شاء ثلاثا ، وإن شاء أربعا ؛ إن قيل : كيف جاءت { ما } للآدميين وإنما أصلها لما لا يعقل ؟ ؛ فعنه أجوبة خمسة : الأول أن مَن وما قد يتعاقبان ؛ قال الله تعالى : ( والسماء وما بناها ) ( {[1310]} ) أي : ومن بناها ؛ وقال : ( . . فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع . . ) ( {[1311]} ) ؛ ف { ما } ههنا لمن يعقل وهن النساء _( {[1312]} ) { فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة } قال الضحاك : في الميل والمحبة والجماع والعشرة ، والقسم بين الزوجات الأربع والثلاث والاثنين ، فواحدة ؛ { أو ما ملكت أيمانكم } من غلب على ظنه أنه لن يقدر على العدل بين الزوجتين أو الزوجات فليتزوج بواحدة يقتصر عليها ولا يتجاوزها ، أو يستمتع بالجارية المملوكة ؛ _ وفيه دليل على أنه لا حق لمملوكات في القسم ، كما يدل على ذلك جعله قسيما للواحدة في الأمن من العدل ؛ وإسناد الملك إلى اليمين ، لكونها المباشرة لقبض الأموال وإقباضها ، ولسائر الأمور التي تنسب إلى الشخص في الغالب ، . . ، قوله : { ذلك أدنى ألا تعولوا } أي : ذلك أقرب إلى ألا تعولوا( {[1313]} )_( {[1314]} ) ؛


[1306]:العذق: النخلة، وفي الحديث:" كم من عذق مذلل في الجنة لابن الدحداح" وبالكسر القنو.
[1307]:سورة النساء. من الآية 127.
[1308]:سورة الحجرات. من الآية 9.
[1309]:سورة الجن. الآية 45.
[1310]:سورة الشمس. الآية 5.
[1311]:سورة النور. الآية 45.
[1312]:مما أورد صاحب الجامع لأحكام القرآن.
[1313]:عن زيد بن أسلم وجابر بن زيد، وأبي إدريس الشافعي: تعولوا: تكثر عيالهم؛ وخاف في ذلك الثعلبي وابن العربي والزجاج؛ لكن الكسائي والدوري وابن الأعرابي حكوا أن العرب تقول: عال الرجل إذا كثر عياله.
[1314]:من فتح القدير للشوكاني.