التلاوة : القراءة وغلبت على قراءة القرآن .
القربان : ما يُتقرّب به من الذبائح والصدقات .
في هذه الآية والتي تليها بيان بعض الأحكام التشريعية الأساسية في الحياة البشرية ، وهي التي تتعلق بحماية النفس والحياة ، والنظام العام ، والسلطة التي تقوم عليه ، في ظل شريعة الله . وقد بدأها سبحانه بقصة ابني آدم ، وهي قصةٌ تكشف عن طبيعة الجريمة وبواعثها في النفس البشرية .
اتلُ يا محمد ، على الناس ذلك النبأ العظيم ، وهو خبر ابنَي آدم : هابيل وقابيل . لقد قدّم كل واحد منهما قرباناً إلى الله . كان هابيل صاحبَ غنَم فقدّم أكرم غنمِه وأسمنها ( وهذا يمثّل طور البداوة والرعي ) . وكان قابيل صاحَب زرعٍ فقدم شرَّ ما عنده ( وهذا يمثل طور الزراعة والاستقرار ) . فتقبّل الله قربان هابيل ( الراعي ) ولم يتقبَّل قربان قابيل ( المزارع ) ، ( وكانت علامة القبول أن تأتَي نار وتحرقَ القربان المقبول ) . فحسد قابيلُ أخاه وتوعّده بالقتل حقداً عليه ، فرد عليه الأخير أن الله لا يتقبّل العمل إلا من الأتقياء المخلصين .
الأولى : وجه اتصال هذه الآية بما قبلها التنبيه من الله تعالى على أن ظلم اليهود ، ونقضهم المواثيق والعهود كظلم ابن آدم لأخيه . المعنى : إن هم هؤلاء اليهود بالفتك بك يا محمد فقد قتلوا قبلك الأنبياء ، وقتل قابيل هابيل ، والشر قديم . أي ذكرهم هذه القصة فهي قصة صدق ، لا كالأحاديث الموضوعة ، وفي ذلك تبكيت لمن خالف الإسلام ، وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم . واختلف في ابني آدم ، فقال الحسن البصري : ليسا لصلبه ، كانا رجلين من بني إسرائيل - ضرب الله بهما المثل في إبانة حسد اليهود - وكان بينهما خصومة ، فتقربا بقربانين ولم تكن القرابين إلا في بني إسرائيل . قال ابن عطية : وهذا وهم ، وكيف يجهل صورة الدفن أحد من بني إسرائيل حتى يقتدي بالغراب ؟ والصحيح أنهما ابناه لصلبه ، هذا قول الجمهور من المفسرين وقاله ابن عباس وابن عمر وغيرهما ، وهما قابيل وهابيل ، وكان قربان قابيل حزمة من سنبل - لأنه صاحب زرع - واختارها من أردأ زرعه ، ثم إنه وجد فيها سنبلة طيبة ففركها وأكلها . وكان قربان هابيل كبشا - لأنه كان صاحب غنم - أخذه من أجود غنمه . " فتقبل " فرفع إلى الجنة ، فلم يزل يرعى فيها إلى أن فدي به الذبيح عليه السلام ، قاله سعيد بن جبير وغيره . فلما تقبل قربان هابيل لأنه كان مؤمنا - قال له قابيل حسدا لأنه كان كافرا - أتمشي على الأرض يراك الناس أفضل مني ! " لأقتلنك " وقيل : سبب هذا القربان أن حواء عليها السلام كانت تلد في كل بطن ذكرا وأنثى - إلا شيثا عليه السلام فإنها ولدته منفردا عوضا من هابيل على ما يأتي ، واسمه هبة الله ؛ لأن جبريل عليه السلام قال لحواء لما ولدته : هذا هبة الله لك بدل هابيل . وكان آدم يوم ولد شيث ابن ثلاثين{[5456]} ومئة سنة - وكان يزوج الذكر من هذا البطن الأنثى من البطن الآخر ، ولا تحل له أخته توأمته ، فولدت مع قابيل أختا جميلة واسمها إقليمياء ، ومع هابيل أختا ليست كذلك واسمها ليوذا ، فلما أراد آدم تزويجهما قال قابيل : أنا أحق بأختي ، فأمره آدم فلم يأتمر ، وزجره فلم ينزجر ، فاتفقوا على التقريب ، قال جماعة من المفسرين منهم ابن مسعود . وروي أن آدم حضر ذلك . والله أعلم . وقد روي في هذا الباب عن جعفر الصادق : إن آدم لم يكن يزوج ابنته من ابنه ، ولو فعل ذلك آدم لما رغب عنه النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا كان دين آدم إلا يكن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن الله تعالى لما أهبط آدم وحواء إلى الأرض وجمع بينهما ولدت حواء بنتا فسماها عناقا فبغت ، وهي أول من بغى على وجه الأرض ، فسلط الله عليها من قتلها ، ثم ولدت لآدم قابيل ، ثم ولدت له هابيل ، فلما أدرك قابيل أظهر الله له جنية من ولد الجن ، يقال لها : جمالة في صورة إنسية ؛ وأوحى الله إلى آدم أن زوجها من قابيل فزوجها منه . فلما أدرك هابيل أهبط الله إلى آدم حورية{[5457]} في صفة إنسية وخلق لها رحما ، وكان اسمها بزلة ، فلما نظر إليها هابيل أحبها ، فأوحى الله إلى آدم أن زوج بزلة من هابيل ففعل . فقال قابيل : يا أبت ألست أكبر من أخي ؟ قال : نعم . قال : فكنت أحق بما فعلت به منه ، فقال له آدم : يا بني إن الله قد أمرني بذلك ، وإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ، فقال : لا والله ، ولكنك آثرته علي . فقال آدم : " فقربا قربانا فأيكما يقبل قربانه فهو أحق بالفضل " .
قلت : هذه القضية عن جعفر ما أظنها تصح ، وإن القول ما ذكرناه من أنه كان يزوج غلام هذا البطن لجارية تلك البطن . والدليل على هذا من الكتاب قوله تعالى : " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء " {[5458]} [ النساء : 1 ] . وهذا كالنص ثم نسخ ذلك ، حسبما تقدم بيانه في سورة " البقرة " {[5459]} . وكان جميع ما ولدته حواء أربعين من ذكر وأنثى في عشرين بطنا ، أولهم قابيل وتوأمته إقليمياء ، وآخرهم عبد المغيث . ثم بارك الله في نسل آدم . قال ابن عباس : لم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفا . وما روي عن جعفر - من قوله : فولدت بنتا وأنها بغت - فيقال : مع من بغت ؟ أمع جني تسول{[5460]} لها ! ومثل هذا يحتاج إلى نقل صحيح يقطع العذر ، وذلك معدوم . والله أعلم .
الثانية : وفي قول هابيل " قال إنما يتقبل الله من المتقين " كلام قبله محذوف ؛ لأنه لما قال له قابيل : " لأقتلنك " قال له : ولم تقتلني وأنا لم أجن شيئا ؟ ، ولا ذنب لي في قبول الله قرباني ، أما إني اتقيته وكنت على لاحب{[5461]} الحق وإنما يتقبل الله من المتقين . قال ابن عطية : المراد بالتقوى هنا اتقاء الشرك بإجماع أهل السنة ، فمن اتقاه وهو موحد فأعماله التي تصدق فيها نيته مقبولة ، وأما المتقي الشرك والمعاصي فله الدرجة العليا{[5462]} من القبول والختم بالرحمة ، علم ذلك بإخبار الله تعالى لا أن ذلك يجب على الله تعالى عقلا . وقال عدي{[5463]} بن ثابت وغيره : قربان متقي هذه الأمة الصلاة .
قلت : وهذا خاص في نوع من العبادات . وقد روى البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تبارك وتعالى قال : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته ) .
قوله تعالى : { واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الأخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين ( 27 ) لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العلمين ( 28 ) إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاؤا الظالمين ( 29 ) فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين ( 30 ) فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يوري سوءة أخيه قال ياويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارى سوءة أخي فأصبح من النادمين } .
ثمة صلة وثيقة بين قصة آدم هذه وما لقيه الرسول صلى الله عليهم وسلم من كيد يهود . فقد جحدوه وكذبوه وناصبوه الكيد والعداء بالرغم من إقرارهم قبل بعثه بصدق نبوته وأنه مبعوث من الله للناس . حتى إذا جاءهم بشيرا ونذيرا ردوه وكذبوه حسدا من عند أنفسهم . فما كان من سبب للتكذيب والجحد سوى المكابرة والحسد والبغي .
وهذه قصة مثيرة مريعة تكشف عن أفدح مثلبة تستحوذ على أكثر البشر . مثلبة في غاية الخسة والبغي وسوء الطبع المشين . وتلكم هي مثلبة الحسد . هذه الخسيسة المهينة التي لا ينجو منها أحد من الناس إلا أن يكون معصوما بوحي أو ببالغ التقوى كالصديقين والزاهدين والأبرار .
إنها المثلبة من المرض الخبيث العضال الذي يخالط أكثر القلوب . فما على التحرر من أسرها والتلطخ بلوثتها إلا النوادر من عباد الله . وهي لوثة تظل تشاغل النفس من الداخل لتقضها قضا أو تؤرقها تأريقا فتسومها المكابدة والمرارة . ذلك هو شان الحاسدين الآثمين الذين لا تبرح نفوسهم مفسدة الحسد ليظلوا على الدوام يألمون ويكابدون كلما أحسوا فضلا من الله على عباده . نسأل الله النجاة والمعافاة من لوثة الحسد والحاسدين .
أما قصة ابني آدم فنبينها هنا بإيجاز واقتضاب مما ذكره كثير من أهل العلم وفيهم ابن عباس وابن مسعود وهي أن آدم عليه السلام كان لا يولد له مولود إلا ولد معه جارية فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر ، ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر ، وذلك للضرورة إذ ذاك . حتى ولد له ابنان يقال لهما هابيل قابيل . وكان قابيل صاحب زرع ، وهابيل صاحب ضرع وكان قابيل أكبرهما وكانت له أخت أحسن من أخت هابيل . وقد طلب هابيل أن ينكح أخت قابيل فأبى عليه . وقال : هي أختي ولدت معي وهي أحسن من أختك وأنا أحق أن أتزوج بها ، فأمره أبوه أن يزوجها هابيل فأبى . فقال لهما : قربا قربانا فمن أيكما قبل تزوجها . فقرب هابيل جذعة . وقيل : كبشا وقرب حزمة سنبل . فنزلت النار فأكلت قربان هابيل وكان ذلك إيذانا بالقبول فغضب قابيل وقال : لأقتلنك فأجابه هابيل بما قصه الله علينا .
وقوله : { بالحق } أي اتل عليهم بالصدق تلاوة زبر الأولين من غير لبس في ذلك ولا وهم ولا كذب ولا تبديل .
قوله : { إذ قربا قربانا } ظرف زمان لنبأ . والتقدير أن قصتهم في ذلك الوقت . والقربان ، اسم لما يتقرب به إلى الله من نسك أو صدقة .
قوله : { فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر } الذي تقبل الله منه قربانه هو هابيل ، وذلك لتواضعه وتقواه وامتثاله لشرع الله . والذي لم يتقبل منه هو قابيل ، لأنه أبى واستكبر وفسق عن أمر الله وسخط لما أراه أبوه في حكم الحق .
قوله : { لأقتلنك } النون المشددة للتوكيد . وذلك قسم من قابيل الحاسد الذي آلى أن يقتل أخاه المؤمن لفرط ما اعتور قلبه من حسد على قبول القربان من أخيه وعلو شأنه ومنزلته عند الله فضلا عن زواج أخته الحسناء .
قوله : { إنما يتقبل الله من المتقين } قال ذلك جوابا لمقالة أخيه الظالم الحاسد الذي آلى أن يقتله بغيا وحسدا . فرد مقالته بأن قبول الأعمال إنما يكون بناء على التقوى فإن الله لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متق . والمتقي المتلبس بالتقوى وهو الذي يجتنب الشرك والمعاصي والآثام .