تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{الٓمٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِۗ وَٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الرعد

مدنية وآياتها ثلاث وأربعون

سورة الرعد مدنية على قول بعض العلماء ، ومكية على قول آخرين ، ويجزم المرحوم سيد قطب أنها مكية بخلاف ما ورد في المصحف الأميري . ومكية السورة شديدة الوضوح ، سواء في طبيعة موضوعها أو طريقة أدائها ، أو في جوها العام ، الذي لا يخطئ تنسمه من يعيش فترة في ظلال هذا القرآن . وعدد آياتها ثلاث وأربعون وسميت " الرعد " لقوله تعالى : { يسبح الرعد بحمده } .

وقد ابتدأت هذه السورة ببيان منزلة القرآن الكريم ، وأنه وحي من الله ، ثم بينت سلطان الله تعالى في الكون ونبّهت إلى ما فيه من إبداع ومنافع . ومن بيان قدرة الله في الإنشاء انتقلت إلى بيان قدرته على الإعادة والبعث ، وعلمه بكل شيء ، وقدرته على العقاب في الدنيا ، وعليه يقاس العقاب في الآخرة . وبعد ذلك ذكرت السورة أحوال الناس في تلقيهم للهدى القرآني ، ثم أوصاف المؤمنين في علاقاتهم بالإنسانية ، وأخلاق الكافرين وتعنتهم في طلب معجزات غير القرآن .

وفي السورة بيان للرسول الكريم أنه قد استهزئ برسل من قبله ، وأن الله تعالى قائم على الأشياء والنفوس ، مجاز كلاً بما يستحق ، وأن القرآن هو المعجزة الكبرى الباقية إلى يوم القيامة ، فإذا كان المشركون ينكرون رسالة النبي عليه الصلاة والسلام فإن الله يشهد بصدقها وكفى بالله شهيدا .

وهذه السورة من أعاجيب السور القرآنية التي تستمر في نفس واحد ، وإيقاع واحد ، وجو واحد من بدئها إلى نهايتها ، وتطوف بالقلب البشري في مجالات وآفاق ، وتعرض عليه الكون كله في شتى مجالاته الأخّاذة ، في السماوات المرفوعة بغير عمد ، وفي الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ، وفي الليل يغشاه النهار ، وفي الأرض الممدودة وما فيها من رواس ثابتة وأنهار جارية ، وجنات وزرع ونخيل مختلف الأشكال والطعوم والألوان ، ينبت في قطع من الأرض متجاوزات ويسقى بماء واحد ، وفي البرق يخيف ويطمع ، والرعد يسبح ويحمِّد .

وقد نزلت بعد سورة " محمد " على القول بأنها مدنية . وتتم مناسبتها للسورة التي قبلها وهي يوسف من وجوه :

1- أن الله تعالى أجمل في السورة السابقة الآيات السماوية والأرضية في قوله :

{ وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون } .

ثم فصَّلها هنا في سورة الرعد أتم تفصيل في عدة مواضع .

2- أنه أشار في سورة يوسف إلى أدلة التوحيد بقوله : { أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ؟ } . ثم فصّل الأدلة هنا بإسهاب لم يذكر في سورة يوسف .

3- أنه ذكر في كلتا السورتين أخبار الماضين مع رسلهم ، وأنهم لاقوا منهم ما لاقوا وأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر ، وكتب الخزي على الكافرين ، والنصر لرسله والمؤمنين .

4- جاء في آخر سورة يوسف وصف القرآن بقوله : { ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه ، وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } .

5- وفي أول سورة الرعد قوله تعالى : { تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } .

بسم الله الرحمان الرحيم

ألفْ لام ميم راء صوتيّة ، وقد سبق الكلامُ عليها في سورة البقرة .

تبدأ بها بعض سور القرآن ، وهي تشير إلى أنه معجز مع أنه مكون من الحروف .

إن تلك الآياتِ العظيمةَ هي هذا القرآن ، الكتاب العظيم الذي نزل عليك أيها النبي ، بالحق والصدق من الله الذي خلقك ، ولكنّ أكثرَ الناس

لا يصدّقون بما جاء به من الحق .

هكذا تبدأ السورة بقضية من قضايا العقيدة : قضيةَ الوحي بهذا الكتاب ، والحق الذي اشتمل عليه ، وتلك هي قاعدةٌ بقية القضايا من توحيد الله ، والإيمان بالبعث والجزاء ، والعمل الصالح في هذه الحياة ، فكلُّها متفرعة عن الإيمان بالله ، وإن هذا القرآن وحي من عنده .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{الٓمٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِۗ وَٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الرعد مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر ، ومدنية في قول الكلبي ومقاتل . وقال ابن عباس وقتادة : مدنية إلا آيتين منها نزلتا بمكة ، وهما قوله عز وجل : " ولو أن قرآنا سيرت به الجبال " [ الرعد : 31 ] [ إلى آخرهما ]{[1]} .

قوله تعالى : " المر تلك آيات الكتاب " تقدم القول فيها . " والذي أنزل إليك " يعني وهذا القرآن الذي أنزل إليك . " من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون " لا كما يقول المشركون : إنك تأتي به من تلقاء نفسك ، فاعتصم به ، وأعمل بما فيه . قال مقاتل : نزلت حين قال المشركون : إن محمدا أتى بالقرآن من تلقاء نفسه . " والذي " في موضع رفع عطفا على " آيات " أو على الابتداء ، و " الحق " خبره ، ويجوز أن يكون موضعه جرا على تقدير : وآيات الذي أنزل إليك ، وارتفاع " الحق " على هذا على إضمار مبتدأ ، تقديره : ذلك الحق ، كقوله تعالى : " وهم يعلمون الحق{[9324]} " [ البقرة :146 - 147 ] يعني ذلك الحق . قال الفراء : وإن شئت جعلت " الذي " خفضا نعتا للكتاب ، وإن كانت فيه الواو كما يقال : أتانا هذا الكتاب عن أبي حفص والفاروق ، ومنه قول الشاعر :

إلى المَلِكِ القَرْمِ وابنِ الهُمام *** وليثِ الكتيبةِ في المُزْدَحَمْ{[9325]}

يريد : إلى الملك القرم بن الهمام ، ليث الكتيبة . " ولكن أكثر الناس لا يؤمنون "


[1]:لعله عمرو بن مرة المذكور في سند الحديث (انظر ابن ماجه ج 1 ص 139 وسنن أبي داود ج 1 ص 77 طبع مصر).
[9324]:راجع ج 2 ص 162 فما بعد.
[9325]:القرم (بفتح القاف): السيد. والكتيبة: الجيش، والمزدحم: محل الازدحام.